باب القول على 1 فوائت الكتاب:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
اعلم أن الأمثلة المأخوذة على صاحبه سنذكرها ونقول فيها ما2 يدحض عنه ظاهر معرتها لو صحت عليه.
ولو3 لم تكن4 فيها حيلة تدرأ شناعة إخلاله بها عنه، لكانت معلاة له لا مزراة5 عليه، وشاهدة بفضله ونقص المتتبع "له بها"6 لا نقصه، إن كان أوردها مريدًا بها حط رتبته، والغض من فضيلته.
وذلك لكلفة هذا الأمر وبعد أطرافه، وإيعار7 أكنافه أن يحاط بها، أو يشتمل تحجر عليها.
وإن إنسانًا أحاط بقاصي هذه اللغات المنتشرة، وتحجر8 أذراءها9 المترامية، على سعة البلاد، وتعادي ألسنتها اللداد10، وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد، حتى اغترق11 جميع كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء، في أطرار12 الأرض، ذات الطول والعرض، "ما بين"13 منثور إلى منظومٍ، ومخطوب به "إلى مسجوع"14، حتى لغات الرعاة الأجلاف، والواعي ذوات15 صرار16 الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين، وهذاتهم17 الموسوسين18، في جدهم وهزلهم، وحربهم وسلمهم، وتغاير الأحوال عليهم، فلم يخلل من جميع ذلك -على سعته19 وانبثاثه وتناشره11 واختلافه- إلا بأحرف تافهة المقدار، متهافتةٍ على البحث والاعتبار -ولعلها12 أو أكثرها مأخوذة13 عمن فسدت لغته، فلم تلزم عهدته- لجدير أن يعلم بذلك توفيقه، وأن يخلي له إلى غايته طريقه.1
ولنذكر ما أورد عليه معقبًا1 به2، ولنقل3 فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن الله.
ذكر الأمثلة الفائتة للكتاب:
وهي: تلقامة4 وتلعابة، فِرناس، فُرانس، تنوفى، ترجمان، شحم أمهج، مهوأن، عياهم، ترامز5، وتماضر، ينابعات، دحندح، عفرين6، ترعاية، الصنبر، زيتون، ميسون، كذبذب، وكذبذب7، هزنبزان8، عفزران، هديكر، هندلع، درداقس، خزرانق، شمنصير، مؤقٍ، مأقٍ، جبروة، مسكين، منديل، حوريت، ترقؤة، خلبوت، حيوت، سمرطول، قرعبلانة، عقربان، مألك، إصري، إزلزل، إصبع، خرفع، زئبر، ضئبل، خرنباش، زرنوق، صعفوق، كنادر9، الماطرون، خزعال، قسطال، ويلمة، فرنوس، سراوع، ضهيد، عتيد، الحبليل، الأربعاوى، مقبئن، "يرنأ، تعفرت"10.
أما تلقامة11، وتلعابة12، فإنه13 وإن لم يذكر ذلك في الصفات فقد ذكر14 في المصادر تفعّلت15 تِعِفّالًا؛ نحو تحملت16 تِحمالًا ومثله تقربت تِقرابًا.
ولو أردت الواحدة من
هذا لوجب أن تكون تِحمالة.
فإذا ذكر تفعالًا فكأنه قد1 ذكره بالهاء.
وذلك لأن الهاء زائدة1 أبدًا في تقدير الانفصال على غالب الأمر.
وعلى الجملة فإن هذه الفوائت عند أكثر الناس إذا فحص عن حالها، وتؤملت حق تأملها، فإنها -إلا مالا بال به- ساقطة2 عن صاحب الكتاب، وذلك أنها على أضرب.
فمنها3 ما ليس قائله فصيحًا عنده.
ومنها لم يسمع إلا في الشعر، والشعر موضع إضطرار، وموقف اعتذار.
وكثيرًا ما يحرف4 فيه الكلم عن أبنيته وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها5 لأجله.
ألا ترى قوله6:
أبوك عطاء ألأم الناس كلهم
يريد عطية.
وقالت امرأة7 ترثي ابنًا لها يقال له حازوق:
أقلب طرفي في الفوارس لا أرى ... حزاقًا وعيني كالحجاة من القطر8
وأمثاله كثيرة9.
وقد ذكرناها في فصل10 التحريف.
ومنها ما هو لازم له.
وعلى أنا قد قلنا في ذلك، ودللنا به على أنه من مناقب هذا الرجل ومحاسنه: أن يستدرك عليه من هذه اللغة الفائضة السائرة المنتشرة ما هذا قدره وهذه حال محصوله.
وليس لقائل أن يدعى أن تِلِقامة، وتلعابة في الأصل المرة الواحدة، ثم وصف بها1 على حد2 ما يقال في المصدر "يوصف3 به"؛ نحو قول الله سبحانه: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ 4 أي غائرًا، ونحو قولها5:
فإنما هي إقبالٌ وإدبار
وما كان مثله؛ من قبل أن من وصف بالمصدر فقال: هذا رجل زور، وصوم، ونحو ذلك، فإنما ساغ ذلك لأنه أراد المبالغة، وأن يجعله هو نفسه الحدث، لكثرة ذلك منه، والمرة الواحدة هي أقل القليل من ذلك الفعل؛ فلا يجوز أن يريد معنى غاية الكثرة، فيأتي لذلك بلفظ غاية القلة.
ولذلك لم يجيزوا: زيد إقبالة وإدبارة قياسًا6 على زيد إقبال وإدبار.
فعلى هذا لا يجوز أن يكون قولهم: تِلِقامة على حد قولك: هذا رجل صوم لكن الهاء فيه كالهاء في علامة ونسابة للمبالغة.
وإذا كان كذلك فإنه قد "كاد7 يفارق" مذهب الصفة؛ ألا ترى أن من شرط الصفة أن تطابق موصوفها8 في تذكيره، وتأنيثه، فوصف المذكر بالمؤنث، ووصف المؤنث، بالمذكر ليس متمكنًا في الوصف تمكن وصف المونث بالمؤنث والمذكر بالمذكر.
فقولك إذًا: هذا رجل عليم أمكن في الوصف من قولك: هذا رجل
علامة؛ كما أن قولك: مررت بامرأة كافرة أمكن في الوصف من قولك: مررت بامرأة كفور.
وإذا كان كذلك جرى تِلِقامة من قولك "مررت1 برجل" تلقامة نحوًا من مجرى مررت بنسوة أربع، في أن أربعًا2 ليس بوصف متمكن "ولذلك صرفته"3، وإن كان "صفة وصف"4 على أفعل.
فكأن تلقامة بعد ذلك كله اسم لا صفة5، وإذا كان اسما أو كالاسم سقط الاعتذار منه؛ لأن سيبويه قد ذكر في المصادر تفعّلت تِفِعالًا، فإذا6 ذكره أغنى عن ذكره في الأبنية، ولم يجز لقائل أن يذكره مثالًا معتدًا عليه.
كما أن ترعاية7 في8 الصفات تسقط عنه أيضًا من هذا الوجه؛ ألا تراه صفة مؤنثة جرت على موصوف مذكر، فأوحش ذلك منها في الوصف، وجرى لذلك مجرى: مررت برجال أربعة، في أن أربعة ليس وصفًا محضًا، وإنما هو اسم عدد بمنزلة نسوة9 أربع؛ كما أن أربعة لما لم يخص المؤنث دون المذكر جرى لذلك مجرى الاسم، فلذلك قالوا في جمعه: ربعات، فحركوا كما يحركون الاسم نحو9 قصعات.
و"إذا كان كذلك سقط عنه أيضًا أن لم يذكر تِفِعالا في الصفة.
و"10 كذلك11 ما حكاه الأصمعي من قولهم ناقة تضراب12؛ لأنها لما كانت صفة مذكرة جارية على مؤنث لم تستحكم في الصفة.
وأما فِرناس1 فقد ذكره2 في الأبنية في آخر ما لحقته الألف رابعة مع3 غيرها من الزوائد.
وأما فُرانس4 فلعمري إنه لم يذكره.
وظاهر أمره أنه فُعانل من لفظ الفرس قال:
أأن رأيت أسدًا فرانسًا ... الوجه كرهًا والجبين عابسا5
وأما تنوفى6 فمختلف في أمرها.
وأكثر أحوالها ضعف روايتها، والاختلاف الواقع في لفظها.
وإنما رواها السكري وحده.
وأسندها إلى امرىء القيس "في قوله"7:
كأن دثارًا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب الفواعل8
والذي9 رويته عن أحمد بن يحيى:
عقاب تنوف لا عقاب الفواعل
وقال القواعل إكام حولها، وقال أبو حاتم: هي ثنية طيئ "وهي مرتفعة"1.
وكذا رواها ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني.
ورواية أبي عبيدة: تنوفى.
وأنا أرى أن تنوف2 ليست3 فعولًا4؛ بل هي تفعل من النوف، وهو الارتفاع.
سميت بذلك لعلوها.
ومنه أناف على الشيء إذا ارتفع عليه والنيف في العدد من هذا هو فَيعَل بمنزلة صيب وميت.
ولو كسرت النيف على مذهب أبي الحسن لقلت: نياوف، فأظهرت عينه.
فتنوف -في أنه علم على تفعل- بمنزلة يشكر ويعصر.
وقلت مرة لأبي علي "وهذا الموضع يقرأ عليه من كتاب أصول أبي بكر رحمه الله"5: يجوز أن يكون "تنوفى" مقصورة من تنوفاء بمنزلة بروكاء6، فسمع ذلك وعرف صحته.
وكذلك القول عندي في مسولي7 في بيت المرار:
فأصبحت مهمومًا كأن مطيتي ... بجنب مسولي أو بوجرة ظالع8
ينبغي أن تكون مقصورة من مسولاء؛ بمنزلة جلولاء.
فإن قلت: فإنا9 لم نسمع بتنوفى ولا مسولى ممدودين، ولو كانا أو أحدهما ممدودًا لخرج ذلك إلى10 الاستعمال.
قيل: ولم1 يكثر أيضًا استعمال هذين الاسمين، وإنما جاءا في هذين الموضعين.
بل2 لو كثر استعمالها مقصورين لصح ما أردته3 ولزم ما أوردته، فإنه يجوز أن يكون ألف "تنوفى" إشباعًا للفتحة، لا سيما وقد رويناه "تنوف" مفتوحًا كما ترى، وتكون هذه الألف ملحقة مع الإشباع لإقامة الوزن، ألا تراها مقابلة لياء مفاعيلن4؛ كما أن الألف في قوله5:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
إنما هي إشباع للفتحة طلبًا لإقامة الوزن؛ ألا ترى أنه لو قال: "ينبع من ذفرى" لصح الوزن؛ إلا أن فيه زحافًا هو الخزل6؛ كما أنه لو قال: "تنوف" لكان الجزء مقبوضًا.
فالإشباع7 إذًا في الموضعين إنما هو مخافة8 الزحاف الذي مثله جائز.
وأما9 ترجمان فقد حكى فيه ترجمان بضم أوله.
ومثاله فُعلُلان؛ كعُترُفان10، ودُحمُسان11 وكذلك التاء أيضًا فيمن فتحها أصليةٌ، وإن لم يكن في الكلام مثال جعفر؛ لأنه قد يجوز مع الألف والنون من الأمثلة ما لولاهما لم يجز.
ومن ذلك عُنفُوان، ألا ترى أنه ليس في الكلام فُعلُوٌ.
وكذلك خِنظِيان12؛ لأنه ليس في الكلام فِعلِيٌ إلا بالهاء نحو حِدرِية13 وعِفرِية14؛ كما أنه ليس فيه فُعلُو إلا بالهاء نحو عُنصُوة15.
وكذلك الريهقان1؛ لأنه ليس في الكلام فَيعُل.
ونظير ذلك كثير.
فكذلك2 يكون ترجمان فَعلُلانًا، وإن لم يكن في الكلام فَعلُل ومثله قوله:
وما أيبلىٌ على هيكلٍ3
هو فَيعُلي؛ لأنه4 قد5 يجىء مع ياءي6 الإضافة ما لولاهما لم يجىء؛ نحو قولهم: تحوى في الإضافة إلى تحية وهو7 تفلى.
وأما شحم أمهج8 فلعمري إن سيبويه قد حظر في الصفة أفعل.
وقد يمكن أن يكون محذوفًا من أمهوج9 كأسكوب.
وجدت بخط أبي علي عن الفراء: لبن أمهوج.
فيكون أمهج هذا مقصورًا منه لضرورة الشعر وأنشد10 أبو زيد:
يطعمها اللحم وشحمًا أمهجا11
ولم نسمعه في النثر أمهجا.
وقد يقال: لبن أمهجان، وماهج قال هميان بن قحافة:
وعرضوا المجلس محضا ماهجا1
"ويروى: وأروت المجلس"2 وكنت قلت لأبي علي -رحمه الله- وقت القراءة:
يكون3 أمهج محذوفًا من أمهوج فقبل ذلك ولم يأبه.
وقد يجوز أن يكون أمهج في الأصل اسمًا4 غير صفة، إلا أنه وصف به، لما فيه من معنى الصفاء والرقة5، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعاني6 الأوصاف، "كما أنشد أبو عثمان من"7 قول الراجز:
مئبرة العرقوب إشفى المرفق8
فوصف بإشفى "وهو اسم"9 لما فيه من معنى الحدة، وكقول الآخر:
فلولا الله والمهر المفدى ... لرحت وأنت غربال الإهاب10
فهذا كقولك: وأنت مخرق الإهاب وله نظائر.
وأما مهوأن11 ففائت للكتاب.
وذهب بعضهم إلى أنه بمنزلة مطمأن.
وهذا سهو ظاهر.
وذلك لأن الواو لا تكون أصلًا في ذوات الأربعة إلا عن تضعيف.
فأما1 ورنتل فشاذ.
فمهوأن إذًا مفوعل.
كأنه جارٍ على اهوأن.
وقد قالوا: اكوهد2 واقوهد وهو افوعل "ونحوه"3 قول4 الهذلي5:
فشايع وسط ذودك مقبئنًا ... لتحسب سيدًا ضبعًا تبول
مقبئنًا: منصبًا.
فهذا مفعلل كما ترى.
وشبه هذا المجوز لأن يكون مهوأن بمنزلة مطمأن الواو فيه بالواو في غوغاء وضوضاء، وليس هذا من خطأ أهل الصناعة؛ لأن غوغاء وضوضاء من ذوات تضعيف الواو، بمنزلة ضوضيت وقوقيت.
وقد يجوز من وجه آخر أن يكون واو مهوأن أصلًا.
وذلك بأن يكون سيبويه قد سأل جماعة من الفصحاء عن تحقير مهوأن6 على الترخيم، فحذفوا الميم وإحدى النونين ولم يحذفوا الواو البتة، مع حذفهم واو كوثر على الترخيم "في قولهم"7: كثير، وحذفهم واو جدول، وقولهم: جديل وامتنعوا من حذف8 واو مهوأن، فقطع سيبويه بأنها أصل فلم يذكره.
وإذا كان هذا جائزًا، وعلى مذهب إحسان الظن به سائغًا، كان فيه نصرة له و"تجميل9 لأثره" فاعرفه10؛ فتكون الواو مثلها في ورنتلٍ.
وكذلك يمكن أن يحتج بنحو هذا في فرانسٍ وكنادر11؛ فتكون النون فيهما أصلًا.
وأما عياهم1 فحاكيه صاحب العين، وهو مجهول.
وذاكرت أبا علي -رحمه الله- يومًا بهذا2 الكتاب فأساء نثاه3.
فقلت له: إن تصنيفه أصح وأمثل من تصنيف الجمهرة، فقال: الساعة لو صنف إنسان لغة بالتركية تصنيفًا جيدًا أكانت4 تعتد عربية لجودة تصنيفها؟ أو كلاهما هذا نحوه.
وعلى5 أن صاحب العين أيضًا إنما قال فيها: وقال بعضهم: عياهمة وعياهم؛ كعذافرة وعذافر.
فإن صح فهو فُياعل، ملحق بعذافر وقلت فيه لأبي علي: يجوز أن تكون العين فيه بدلًا من همزة؛ كأنه أياهم كأباتر وأحامر فقبل ذلك.
وأما تماضر وترامز فذهب أبو بكر إلى أن التاء فيهما زائدة.
ولا وجه لذلك؛ لأنها6 في موضع عين7 عذافر فهذا8 يقضى بكونها أصلًا، وليس معنا اشتقاق فيقطع بزيادتها.
قال أبو زيد: وهو الجمل9 القوي الشديد؛ وأنشد:
إذا أردت طلب المفاوز ... فاعمد لكل بازلٍ ترامز
وذهب بعضهم في تماضر إلى أنه تُفاعل، وأنه فعل منقول؛ كيزيد وتغلب.
ولا حاجة به إلى ذلك، بل تماضر رباعي وتاؤه فاء كترامز.
فإن توهم ذلك لامتناع صرفه في قوله10:
حيوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإن وقوفكم حسبي
فليس شيئا؛ لأن تماضر علم مؤنث، وهو اسم الخنساء الشاعرة.
وإنما منع الصرف لاجتماع التأنيث والتعريف، كامرأة سميتها بعذافر وعماهج.
وهذا واضح.
وأما ينابعات1 فما أظرف أبا بكر أن أورده2 على أنه أحد الفوائت! ألا يعلم أن سيبويه قد3 قال4: ويكون على يفاعل نحو اليحامد5 واليرامع6.
فأما لحاق علم التأنيث والجمع به7 فزائد على المثال، وغير8 محتسب به فيه9 وإن رواه راوٍ ينابعات فينابع يفاعل؛ كيضارب ويقاتل، نقل وجمع.
وأما دحندح فإنه صوتان: الأول منهما منون10: دحٍ، والآخر منهما11 غير منون: دح "وكأن الأول نون للوصل.
ويؤكد ذلك قولهم في معناه: دح دح"12 فهذا كصهٍ صهٍ في النكرة، وصه صه في المعرفة.
فظنته الرواة كلمة واحدة.
ومن هنا قلنا: إن صاحب اللغة إن لم يكن له نظر أحال كثيرًا منها وهو يرى أنه على صواب.
ولم يؤت من أمانته وإنما أتي من معرفته.
ونحو هذا الشاهد إذا13 لم يكن فقيها: يشهد14 بما لا يعلم وهو يرى أنه يعلم.
ولذلك ما استد15 عندنا أبو عمرو الشيباني
لملازمته1 ليونس وأخذه عنه.
ومعنى هذه الكلمة فيما ذكر "محمد2 بن الحسن أبو بكر3: قد4 أقررت فاسكت" "وذكر محمد بن حبيب أن دحندح دويبة صغيرة: يقال: هو أهون علي من دحندح"5 ومثل هذين الصوتين عندي قول الآخر:
إن الدقيق يلتوى بالجنبخ ... حتى يقول بطنه جخٍ جخ6
وأما عفرين فقد ذكر سيبويه7 فعلا8 كطمر وحبر9.
فكأنه ألحق علم الجمع كالبرحين10 والفتكرين11.
إلا أن بينهما فرقًا.
وذلك أن هذا يقال فيه: البرحون والفتكرون، ولم يسمع في عفرين الواو.
وجواب هذا أنه لم يسمع عفرين12 في الرفع13 يالياء، وإنما سمع في موضع الجر، وهو قولهم: ليث عفرين.
فيجب أن يقال فيه14 في الرفع: هذا عفرون.
لكن لو سمع في موضع الرفع بالياء لكان أشبه بأن يكون فيه النظر.
فأما15 وهو في موضع الجر فلا يستنكر فيه الياء.
وأما ترعاية فقد قيل فيه أيضا: رجل ترعية، وترعاية.
وكان أبو علي صنع ترعاية فقال: أصلها ترعية ثم أبدلت الياء الأولى للتخفيف ألفا؛ كقولهم في الحيرة: حارى.
وإذا كان ذاك1 أمرا محتملا لم يقطع بيقين على أنه مثال فائت في الصفات.
ولكن قد2 حكى الأصمعي: ناقة تضراب إذا ضربها الفحل.
فظاهر3 هذا أنه4 تفعال في الصفة كما ترى.
وقد ذكرنا ما فيه في أول الباب.
وأما الصنبر فقد كنت قلت فيه في هذا الكتاب في قول طرفة:
بجفان تعترى نادينا ... وسديف حين هاج الصنبر5
ما قد مضى، وإنه يرجع بالصنعة إلى أنه من نحو مررت ببكر.
وذهب بعضهم إلى أنه كسر الباء لسكونها وسكون الراء.
وفيه ضعف.
وذلك أن الساكنين إذا التقيا من كلمة واحدة حرك الآخر منهما، نحو أمس6، وجير، وأين، وسوف، ورب. وإنما يحرك الأول منهما إذا كانا من كلمتين، نحو قد انقطع، وقم الليل، وأيضا فإن الساكنين لا ينكر اجتماعهما في الوقف.
فإن قلت: فالوزن اقتضى تحريك الأول، قيل: أجل إلا أنه لم يقتضك فساد الاعتلال7.
فإذا8 قلت ما قلنا نحن في هذا فيما مضى من كتابنا سلم على يديك، وثلج به صدرك إن شاء الله.
فإن قلت: فقد قالوا في الوقف: ضربته9.
قيل: هذا أمر يخص تاء التأنيث، رغبة في الكسرة الدالة على التأنيث.
وأيضًا فإن التاء آخر الكلمة، والهاء زائدة1 من بعدها، ليست منها.
وكذلك القول في ادعه2، واغزه، ألا ترى "أن الهاء زائدة"3 من بعد الكلمة.
وعلى أنه قد يجوز أن تكون الكسرة فيهما4 إنما هي على حد قولك: ادع واغز، ثم لحقت الهاء.
ونحوه ما أنشده أبو سهل أحمد بن زياد القطان5:
كأن ريح دبرات خمس ... وظربانا بينهن يفسى
ريح ثناياها بعيد النعس6
أراد: يفسو، ثم حذف الواو استخفافا، وأسكن السين، والفاء قبلها ساكنة، فكسر السين لالتقائهما، ثم أشبع للإطلاق فقال: يفسى.
فاعرف ذلك.
وأما هزنبزان7 وعفزران فقد ذكرا في بعض نسخ الكتاب.
والهزنبزان السيء الخلق، قال:
لقد منيت بهزنبران ... لقد نسيت غفل الزمان8
وعفزران: اسم رجل.
وقد يجوز أن يكون أصله: عفزر، كشعلع وعديس، ثم ثنى1 وسمي به، وجعلت النون حرف إعراب، كما حكى أبو الحسن عنهم في اسم رجل: خليلان.
وكذلك أيضًا ذهب في قوله2:
ألا يا ديار الحي بالسبعان
إلى أنه تثنية سبع وجعل النون حرف إعراب.
وليس لك3 مثل هذا التأويل في هزنبزان؛ لأنه نكرة وصفة للواحد.
وهذا "يبعده عن"4 العلمية والتثنية.
وأما هديكر فقال أبو علي: سألت محمد بن الحسن عن الهيدكر فقال: لا أعرفه، وأعرف الهيدكور.
قال أبو بكر: وإن سمع فلا يمتنع.
هذا حديث الهيدكر وأما5 الهديكر فغير محفوظ عنهم، وأظنه من تحريف النقلة، ألا ترى إلى بيت طرفة:
فهي بداء إذا ما أقبلت ... فخمة الجسم رداح هيدكر6
وكأن7 الواو حذفت من هيدكور ضرورة. فإذا جاز أن تحذف الواو الأصلية لذلك في قول "الأسود بن يعفر"8.
فألحقت أخراهم طريق ألاهم
كان حذف الزيادة1 أولى. ويقال: تهدكرت المرأة تهدكرا في مشيها2.
وذلك إذا ترجرجت.
وأما زيتون فأمره واضح، وأنه فعلون، ومثال فائت. والعجب أنه في القرآن، وعلى أفواه الناس للاستعمال3.
وقد كان بعضهم قد تجشم أن أخذه من الزتن، وإن كان أصلا مماتا فجعله فيعولا.
وصاحب هذا القول ابن كيسان أو ابن دريد: أحد الرجلين.
ومثل زيتون -عندي- ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد بن معاوية.
وكان4 سمعها تهجوه، فقال لها: الحقي بأهلك.
وأما قيطون فإنه فيعول5، من قطنت بالمكان؛ لأنه بيت في جوف بيت.
وأما الهندلع فبقلة، وقيل: إنها غريبة6 ولا تنبت في كل سنة. وما كانت هذه سبيله كان الإخلال بذكره قدرا مسموحا به، ومعفوا عنه. وإذا صح أنه من كلامهم فيجب أن تكون نونه زائدة؛ لأنه لا أصل بإزائها فتقابله7.
فهى إذا كنون كنتأل8.
ومثال الكلمة على هذا: فنعلل.
ومن ادعى أنها أصل، وأن الكلمة بها خماسية، فلا دلالة له ولا برهان معه.
ولا فرق بين أن يدعى أصلية هذه النون وبين ادعائه أصلية نون كنتأل وكنهبل9.
وأما كذبذب خفيفا، وكذبذب ثقيلا ففائتان.
ونحوهما ما رويته عن بعض أصحابنا من قول بعضهم: ذرحرح في هذا "الذرحرح بفتح الرائين"1 "أنشد أبو زيد"2:
وإذا أتاك بأنني قد بعتها ... بوصال غانية فقل كذبذب
ولسنا نعرف كلمة فيها ثلاث عينات غير3 كذبذب وذرحرح.
وقد4 أنشد بعض البغدادين "قول الشاعر"5:
بات يقاسي ليلهن زمام ... والفقعسي حاتم بن همام
مسترعفات ليصللخم سام
"اللام الأولى هي الزائدة هنا، لأنه لا يلتقي عينان إلا6 والأولى ساكنة"7، وهذا مصنوع للضرورة" يريد: لصلخم8، فاحتاج لإقامة الوزن، فزاد على العينين أخرى، فصار من فعل إلى فععل.
وأما الدرداقس فقيل فيه: إنه أعجمي، وقال الأصمعي: أحسبه روميا، وهو طرف العظم الناتئ فوق القفا.
وأنشد أبو زيد:
من زل عن قصد السبيل تزايلت ... بالسيف هامته عن الدرداقس9
وكذلك الخزرانق أعجمي1 أيضا.
وهو فارسي، يعنى به ضرب من ثياب الديباج.
ويجب أن تكون "نونه زائدة"2 إن كان الدرداقس أعجميا.
فإن كان عربيا فيجب أن تكون نونه3 أصلا، لمقابلتها قاف درداقس العربي.
وأما شمنصير ففائت أيضا إن كان عربيا.
قال الهذلي4:
لعلك هالك إما غلام ... تبوأ من شمنصير مقاما
وقد يجوز5 أن يكون محرقا من شمنصير6 لضرورة الوزن.
وأما مؤقٍ فظاهر أمره أنه فعلٍ وفائت.
وقد يجوز أن يكون مخففًا من فعلي، كأنه في الأصل مؤقي بمعنى مؤقٍ، وزيدت الياء لا للنسب، بل كزيادتها في كرسي وإن كانت في كرسي لازمة وفي مؤقي غير لازمة لقولهم فيه: مؤقٍ.
لكنها في أحمري وأشقري غير لازمة.
وأنشدنا أبو علي:
كان حداء قراقريا7
"يريد قراقرا"8 وأنشدنا أيضًا للعجاج:
غضف طواها لأمس كلابي9
"أي كلاب يعنى صاحب كلاب"10 وأنشدنا أيضًا له11:
والدهر بالإنسان دواري12
أي دوار؛ إلا أن زيادة هذه الياء فى الصفة أكثر منها في الاسم، لأن الغرض فيها توكيد الوصف.
ومثل مؤقٍ في هذه القضية ما رواه الفراء من قول بعضهم فيه: ماقٍ.
فيجب أيضًا أن يكون مخففًا1 من ثقيله.
وأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
يا من العين لم تذق تغميضا ... وماقيين اكتحلا مضيضا2
فمقلوب.
وذلك أنه أراد من المأق مثال فاعل فكان قياسه مائق، إلا أنه قد قلبه إلى فالع، فصار: مأقٍ بمنزلة شاكٍ ولاثٍ في شائك ولائث.
ومثله قوله3:
وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
أراد: الخائل: فاعلا من الخيلاء.
وجبروة من قبل الكوفيين.
وهو فائت.
ومثاله فعلوة.
وأما مسكين ومنديل فرواهما اللحياني.
وذاكرت يومًا أبا علي بنوادره4 فقال: كناش5.
وكان أبو بكر -رحمه الله- يقول: إن كتابه لا تصله به6 رواية، قدحًا فيه، وغضًا منه.
وأما حوريت فدخلت يومًا على أبي علي -رحمه الله- فحين رأنى قال: أين أنت! أنا أطلبك.
قلت؛ وما هو؟ قال: ما تقول في حوريت1؟ فخضنا فيه، فرأيناه خارجًا عن الكتاب.
وصانع أبو علي عنه بأنه قال: إنه2 ليس من لغة ابني نزار3، فأقل الحفل به لذلك.
وأقرب ما ينسب إليه أن يكون فعليتا4، قريبًا من عفريت.
ونحوه ما أخبرنا به أبو علي من قول بعضهم في الخلبوت5: الخلبوت، وأنشد:
ويأكل الحية والحيوتا6
وهو ذكر الحيات، فهذان7 فعلوت8.
وأما ترقؤة فبادي أمرها أنها فائتة؛ لكونها فعلؤة.
ورويناها9 عن قطرب، وذكر أنها لغة لبعض عكل.
ووجه القول عليها -عندي- أن تكون10 مما همز من غير المهموز، بمنزلة استلأمت الحجر، واستنشأت الرائحة -وقد ذكرنا ذلك في بابه- وأصلها ترقوة، ثم همزت على ما قلناه.
وأما سمرطول11 فأظنه تحريف سمرطول بمنزلة عضرفوط11، ولم نسمعه في نثر12.
قال:
على سمرطولٍ نيافٍ شعشع13
وإذا استكرهوا في الشعر لإقامة الوزن خلطوا فيه قال:
بسحبل الدفين عيسجور
أراد سبحلا، فغير كما ترى.
وله نظائر قد ذكرت في باب1 التحريف.
وقرعبلانة كأنها2 قرعبل، ولا اعتداد بالألف والنون وما بعدهما.
ويدلك على إقلالهم الحفل بهما3، ادغامهم الإمدان4؛ كما يدغم أفعل من المضاعف؛ نحو أرد وأشد، ولو كانت الألف والنون معتدة لخرج بهما المثال عن وزن الفعل فوجب إظهاره، كما يظهر ما5 "خرج عن مثاله، نحو حضض6، وسُرر7، وسَرر7.
وعلى أن هذه اللفظة" لم تسمع إلا من كتاب العين.
وهي -فيما ذكر- دويبة.
وفيه وجه آخر.
وهو أن الألف والنون قد عاقبتا تاء التأنيث وجرتا مجراها.
وذلك في "حذفهم لهما"8 عند إرادة الجمع كما تحذف9؛ ألا تراهم قالوا في استخلاص الواحد من الجمع بالهاء وذلك شعير وشعيرة وتمر وتمرة وبط وبطة، وسفرجل وسفرجلة.
فكذلك انتزعوا الواحد من الجمع بالألف والنون أيضًا.
وذلك قولهم: إنس، فإذا أرادوا الواحد قالوا: إنسان، وظرب، فإذا أراد الواحد قالوا: ظربان قال10:
قبحتم يا ظربا مجحره
وكذلك أيضًا حذفوا الألف والنون لياءي1 الإضافة؛ كما حذفت2 التاء لهما؛ قالوا في خراسان: خراسي، كما يقولون في خراشة3: خراشي.
وكسروا أيضًا الكلمة على حذفهما، كما يكسرونها على حذف التاء.
وذلك قولهم: كَروان وكِروان "وشَقذان وشِقذان"4 كما قالوا: بَرق5 وبِرقان، وخرب6 خربان.
فنظير هذا قولهم: نعمة وأنعم.
وشدة وأشد عنده سيبويه.
فهذا نظير7 ذئب وأذؤب وقطح8 وأقطع، وضرس وأضرس، قال:
وقرعن نابك قرعة بالأضرس9
وقالوا أيضًا: رجل كذبذب وكذبذبان، حتى كأنهما مثال واحد، كما أن دمًا ودمة وكوكبًا وكوكبة مثال واحد.
ومثله الشعشع10 والشعشان10، والهزنبر11 والهزنبران11 و"الفرعل والفرعلان"12.
فلما تراسلت الألف والنون، والتاء في هذه المواضع وغيرها جرتا مجرى المتعاقبتين13، فإذا التقتا في مثال واحد ترافعتا أحكامهما، على ما "قدمناه14 في" ترافع الأحكام.
فكذلك قرعبلانة لما اجتمعت15 عليه16 التاء مع الألف والنون ترافعتا17
أحكامهما، فكأن لا تاء هناك ولا ألف ولا نونًا، فبقى الاسم على هذا كأنه قرعبل.
وذلك ما أردنا بيانه.
فاعرفه.
وأما عقربان "مشدد1 الباء" فلك فيه أمران: إن شئت قلت: إنه لا اعتداد بالألف والنون فيه -على ما مضى- فيبقى حينئذ كأنه عقرب، بمنزلة قسقب2 وقسحب2 وطرطب3.
وإن شئت ذهبت مذهبا أصنع من هذا.
وذلك أنه قد جرت الألف والنون من حيث ذكرنا في كثير من كلامهم مجرى ما ليس موجودًا على بيننا.
وإذا كان كذلك كانت الباء لذلك كأنها حرف الإعراب وحرف الإعراب قد يلحقه التثقيل في الوقف، نحو هذا خالد، وهو يجعل.
ثم إنه قد يطلق ويقر تثقيله عليه نحو الأضخما4، وعيهل5.
فكأن عقربانًا6 لذلك عقرب، ثم لحقتها التثقيل لتصور معنى الوقف عليها عند اعتقاد حذف الألف والنون من بعدها، فصارت كأنها عقرب ثم لحقها7 الألف والنون فبقي على تثقيله كما بقى "الأضخما" عند إطلاقه على تثقيله إذا8 أجرى9 الوصل مجرى الوقف، فقيل: عقربان، على ما شرحنا وأوضحنا.
فتأمله ولا "يجف عليك"10 ولا تنب عنه، فإن له نظيرًا، بل نظراء، ألا تراهم قالوا في الواحد: سيد11، فإذا12 أرادوا الواحدة قالوا سيدانة، فألحقوا علم التأنيث بعد
الألف والنون، وإنما يجب أن يلحق بعد حرف إعراب المذكر، كذئب وذئبة، وثعلب وثعلبة؛ وقد ترى إلى قلة اعتدادهم بالألف والنون في سيدانة، حتى كأنهم قالوا: سيدة.
وهذا تناهٍ في إضعاف حكم الألف والنون.
وقد1 قالوا: "الفرعل والفرعلان"2 والشعشع والشعشعان "والصحصح والصحصحان"3 بمعنى واحد فكأن اللفظ لم يتغير.
ومثل التثقيل في الحشو لنية الوقف ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
غضٌ نجارى طيب عنصري4
فثقل الراء من عنصري"5 وإن كانت الكلمة مضافة إلى مضمر.
وهذا يحظر عليك الوقوف على الراء كما يثقلها6 في عنصر نفسه.
ومثله أيضًا قول الآخر:
يا ليتها قد خرجت من فمه7
فثقل آخر الكلمة وهي مضافة إلى مضمر، فكذلك8 حديث9 عقربان.
فاعرفه فإنه غامض.
وأما مألك فإنه أراد: مألكة فحذف الهاء ضرورة، كما حذفها الآخر من قوله:
إنا بنو عمكم لا أن نباعلكم ... ولا نصالحكم إلا على ناح1
أراد: ناحية"2.
وكذلك قوله الآخر:
ليوم روع أو فعال مكرم3
أراد: مكرمة، وقول الآخر4:
بثين الزمي لا إن لا إن لزمته ... على كثرة الواشين أي معون
أراد: أي معونة، فحذف التاء.
وقد كثر حذفها في غير هذا.
وأما أصرى5 فإن أبا العباس استدركها.
وقال6: وقد جاءت أيضا إصبع.
وحدثنا أبو علي قال: قال إبراهيم الحربي: في إصبع وأنملة جميع ما يقول الناس.
ووجدت بخط أبي علي: قال الفراء: لا يلتفت إلى ما رواه البصريون من قولهم: إصبع؛ فإنا بحثنا عنها فلم نجدها.
وقد حكيت أيضا: زئبر وضئبل وخرفع؛ وجميع ذلك شاذ لا يلتفت إلى مثله؛ لضعفه في القياس، وقلته في الاستعمال.
ووجه ضعف قياسه خروجك من كسر إلى ضم بناء لازما وليس بينهما إلا الساكن.
ونحو منه ما رويناه عن قطرب من "قول بعضهم"7 في الأمر: اقتل، اعبد.
ونحو منه8 في الشذوذ عن الاستعمال قول بعضهم: إزلزل، وهي كلمة تقال عند الزلزلة.
وينبغي أن تكون من معناها، وقريبة من لفظها، ولا تكون من حروف الزلزلة.
وإنما حكمنا بذلك لأنها1 لو كانت منها لكانت إفعلل، فهو مع أنه مثال فائت فيه بلية من جهة أخرى.
وذلك أن ذوات الأربعة لا تدركها الزيادة من أولها، إلا في الأسماء الجارية على أفعالها؛ نحو مدحرج وليس إزلزل من ذلك.
فيجب أن تكون2 من لفظ الأزل ومعناه3.
ومثاله فعلعل، نحو كذبذب فيما مضى.
وأما مد المقصور وقصر الممدود، والإشباع والتحريف فلا تعتد أصولا، ولا تثبت بها مثل، موافقة ولا مخالفة.
وقال4: الفعلال لا يأتي إلا مضاعفا5؛ نحو القلقال6 والزلزال.
وحكى الفراء: ناقة بها خزعال، أي داء.
وقال أوس7:
ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا ... والخيل خارجة من القسطال
وقد يمكن أن يكون أراد: القسطل، فاحتاج، فأشبع الفتحة؛ على قوله:
ينباع من ذفرى
وقد8 جاء في شعر ابن ذريح سراوع اسم مكان؛ قال:
عفا سرفٌ من أهله فسراوع9
وقالوا: جلس الأربعاوي1.
وجاء الفرنوس في2 أسماء الأسد.
والحبليل3: دويبة يموت4 فإذا أصابه5 المطرعاش.
وقالوا: رجل ويلمة6، وويلم للداهية.
وهذا خارج على7 الحكاية، أي يقال له من دهائه: ويلمه، ثم ألحقت8 الهاء للمبالغة، كداهية ومنكرة9.
وقد رووا قوله10:
وجلنداء في عمان مقيما
وإنما هو11: جلندى مقصورا.
وكذلك ما أنشده12 من قول رؤبة:
ما بال عيني كالشعيب العين
حملوه على فيعل مما اعتلت عينه.
وهو13 شاذ.
وأوفق من هذا -عندي- أن يكون: فوعلا أو فعولا حتى لا يرتكب شذوذه.
وكأن الذي سوغهم هذا ظاهر
الأمر وأنه أيضا قد روى "العين" بكسر العين.
وكذلك طيلسان مع الألف والنون: فيعل في الصحيح، على أن الأصمعي قد أنكر كسر اللام.
وذهب أحمد بن يحيى وابن دريد في يستعور1 إلى أنه يفتعول.
وليس هذا من غلط أهل الصناعة.
وكذلك ذهب ابن الأعرابي في يوم أرونانٍ2 إلى أنه أفوعال من الرنة، وهذا كيستعورٍ في الفساد.
ونحوه في الفساد قول أحمد بن يحيى في أسكفة3: إنها من استكف، وقوله في تواطخ القوم: إنه من الطيخ، وهو الفساد.
وقد قال أمية:
إن الأنام رعايا الله كلهم ... هو السليطيط فوق الأرض مستطر4
ويروى السلطليط وكلاهما شاذ.
وأما صعفوق فقيل: إنه أعجمي.
وهم خول5 باليمامة، قال العجاج:
من آل صعفوقٍ وأتباعٍ أخر6
وقد7 جاء في شعر أمية بن أبي عائذ:
مطاريح بالوعث مر الحشو ... ر هاجرن رماحه زيزفونا8
يعني قوسا.
وهي في ظاهر الأمر: فيفعول من الزفن؛ لأنه ضرب من الحركة مع صوت.
وقد يجوز أن يكون "زيزفون" رباعيا قريبا من لفظ الزفن.
ومثله من الرباعي ديدبون.
وأما الماطرون1 فذهب أبو الحسن إلى أنه رباعي.
واستدل على ذلك بكسر النون مع الواو ولو كانت زائدة لتعذر ذلك فيها.
ومثله الماجشون وهي ثياب مصبغة، قال2:
طال ليلى وبت كالمحزون ... واعترتني الهموم بالماطرون
وقال أمية الهذلي أيضا:
ويخفى بفيحاء مغبرة ... تخال القتام به الماجشونا3
وينبغي أن يكون السقلاطون4 على هذا خماسيا، لرفع النون وجرها مع الواو.
وكذلك أيضا نون أطرنون، قال5:
وإن يكن أطربون قطعها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا
والكلمة بها خماسية كعضرفوط.
وضهيد6: اسم موضع.
ومثله عتيد.
وكلاهما مصنوع.
وقيل: الخرنباش: نبت طيب الريح قال:
أتتنا رياح الغور من نحو أرضها ... بريح خرنباش الصرائم والحقل1
وقد2 يمكن أن يكون في الأصل خرنبش، ثم أشيعت فتحته فصار: خرنباش.
وحكى أبو عبيدة القهو باة3.
وقد قال سيبويه: ليس في الكلام فعولى.
وقد يمكن أن يحتج له، فيقال: قد يأتي مع الهاء ما لولا هي لما أتى نحو ترقوة وحذرية.
وأنشد ابن الأعرابي:
إن تك ذا بز فإن بزى ... سابغةٌ فوق وأي إوز4
قال أبو علي: لا يكون إوز من لفظ الوز لأنه قد5 قال6: ليس في الكلام إفعل صفة.
وقد يمكن -عندى- أن يكون وصف به لتضمنه معنى الشدة كقوله7:
لرحت وأنت غربال الإهاب
وقد مضى ذكره.
ويجوز أيضا أن يكون كقولك8: مررت بقائمٍ رجلٍ.
وقال أبو زيد: الزونك: اللحيم القصير الحياك في مشيه9.
زاك يزوك زوكانا.
فهذا يدل على أنه فعنل.
وقيل: الضفنط من الضفاطة، وهو الرجل الضخم الرخو البطن.
وأما زونزك فإنه فونعل "فيجب أن يكونا من أصلين"1.
وأما زوزى2 فإنه من مضاعف الواو.
وهو فعلل كعدبس.
وحكى أبو زيد زرنوق3 بفتح الزاي، فهذا فعنول.
وهو غريب.
وجميع هذا شاذ.
وقد تقدم في أول الباب4 وصف حاله، ووضوح العذر في الإخلال به "وقالوا5: تعفرت الرجل.
فهذا6 تفعلت.
وقالوا: يرنأ لحيته إذا صبغها باليرنأ "وهو الحناء"7 وهذا يفعل في الماضي.
وما أغربه وأظرفه".