مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتهاصفحات 453-3
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا الأول

صفحات 453-3
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرجراجي، علي بن سعيد
الكتاب
منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
المؤلف
أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
الناشر
دار ابن حزم
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع

فإن كان القتل عمدًا، فقال المقتول: إن قبل أوليائي الدِّية، فالوصية فيها، فهل تدخل [فيها] 1 الوصايا أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين: أحدهما: أن الوصايا لا تدخل فيه؛ لأنه مال غير محقق، والميت لم يعلم به، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أن الوصايا تدخل فيه؛ [لأن الميت أوصى أن تدخل فيه] 2 إن [قبلوا] 3. وهما قولان قياسيان.
وأما إذا عدا ابن الموصى له على الموصي، فقتله فإن الوصية نافذة كان القتل عمدًا أو خطأ؛ إذ لا تهمة في ذلك، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
وإن [وهبه] 4 في مرضه هبة، فعدا الموهوب له فقتل الواهب [بعد] 5 أن قبض الهبة أو لم يقبضها، فإن الهبة له جائزة في الثلث كان القتل عمدًا أو خطأ إذا كانت هبة بتل لا يمكنه الرجوع فيها، ولا تهمة في ذلك؛ لأن قتله قد أضر به؛ إذ لو عاش كانت من رأس المال، وهي الآن من الثلث [والحمد لله وحده] 6.

المسألة الثامنة فيمن أوصى لوارث ثم صار قبل [أن يموت] (1) غير وارث أو كان غير وارث ثم صار وارثًا، أو أقر له بدين على هذا

فإن أوصى لوارث ثم صار قبل موت الموصى غير وارث كامرأة أوصت لزوجها ثم طلقها البتة ثم ماتت، أو أوصى لأخيه وهو يرى أنه وارثه ثم مات فظهر له حمل إما بزوجة أو أم ولده.
فهل تصح الوصية للموصى له أو لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الوصية له نافذة، سواء علم الموصى بحدوث الولد والحمل، أو لم يعلم، وسواء علمت الزوجة بالطلاق أو لم تعلم، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "العتبية"، و"المجموعة"، وهو قول أشهب في "المدونة" في "كتاب الوصايا الأول".
والثاني: أن الوصية باطلة، إلا أن تعلم المرأة بالطلاق، أو لم يعلم الميت بالولد، فتجوز وتنفذ، وهو أحد قولي ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأمر إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد، هل تستصحب معه حالة الابتداء، أو يستصحب معه حالة الانتهاء؟ فمن رأى أنه يستصحب معه حالة الابتداء قال: الوصية باطلة؛ لوقوعها على الفساد.
ومن رأى أنه يستصحب معه حالة الانتهاء قال بنفوذ الوصية؛ لأنه1

انكشف الأمر في العاقبة أنها وصية لغير وارث.
وأما القول بالتفصيل بين العلم وعدمه [وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الوصايا الأول"] 1 فمبني على اعتبار استدامة الشيء أنه كالإنشاء [لأنه] 2 إذا علم صار كالمبتديء [للوصية] 3 من ساعته.
فإن أوصى لغير وارث ثم صار وارثًا؛ مثل أن يوصي لامرأة ثم تزوجها، أو أوصى لأخ له ولد ولد يحجبه عن الميراث ثم مات الولد، وعاد الأخ وارثًا، فالوصية باطلة [قولًا واحدًا] 4؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أعطى لكل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث" 5. والنظر في الوصية إلى يوم الموت لا إلى يوم الوصية.
وكذلك لو أوصى لابنه، وهو عبد أو نصراني فلم يمت حتى عتق أو أسلم بطلت الوصية قولًا واحدًا.
ولو أقر بدين في مرضه لغير وارث ثم صار وارثًا، فذلك لازم له؛ لأن كونه غير وارث في حين إقراره له كإقراره في صحته، ولا رجوع عن ذلك، والوصية إذا صار الموصى له وارثًا كان له الرجوع عنها؛ فصار كأنه إذا نفذها بعد أن صار الموصى له وارثًا؛ لأن له الرجوع عنها [والحمد لله وحده] 6.

المسألة التاسعة في معرفة ما تدخل فيه الوصايا من مال الموصي مما لا تدخل فيه

ولا يخلو حال الموصي من وجهين: أحدهما: أن يكون عالمًا بأصله.
والثاني: أن يكون غير عالم بأصله.
فإن كان عالمًا بأصله، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يملك التصرف فيه في الحال، وفي ثاني حال.
والثاني: ألا يملك التصرف فيه في الحال، ويملكها في ثاني حال لتعلق حق الغير به كالعمرى أو الحبس الذي إليه مرجعه، فأما ما يملك التصرف فيه في الحال والمآل، فلا يخلو من أن يكون حاضرًا معه أو غائبًا [عنه] 1. فإن كان حاضرًا معه، فلا يخلو من أن يعمل فيه عملًا يدل على أنه لم يرد دخول الوصايا فيه، أو لم يعمل.
فإن عمل فيه عملًا يدل على أنه لم يرد دخول الوصايا فيه مثل أن يوصي لوارث أو أجنبي، فإن الوصايا لا تدخل في حق الوارث، ويتحاصان به الورثة مع أهل الوصايا، فما صار للوارث رجع ميراثًا إن لم يجيزوا له بقية الورثة.
فإن لم يعمل فيها عملًا، فإن الوصايا تدخل فيه قولًا واحدًا.
فإن كان عنه غائبًا كعبد آبق، أو بعير شارد أو مال سفره في سفينة،

فلا يخلو من أن ينقطع عنه خبر ما غاب عنه، وجهل حاله، أو بلغه الخبر بأن سفينته قد غرقت، وأن العبد قد هلك.
فإن انقطع عنه خبر ذلك وجهل حاله، فإن الوصايا تدخل فيه إذا رجع العبد إليه، والبعير الشارد، ووصلت السفينة بسلامتها، ولو كان إيابهم بعد الإياس، ولو بعد عشرين سنة، وهو قول مالك، وابن القاسم في "الموازية"، و"المجموعة".
فإن بلغه الخبر أن السفينة قد غرقت، وأن العبد قد هلك، ثم ظهر سلامة ذلك بعد موت الموصي، هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الوصايا لا تدخل فيه جملة.
والثاني: أن الوصايا تدخل فيه.
والقولان رواهما أشهب عن مالك في "العتبية" وغيرها.
والثالث: التفصيل بين أن تشهد بذلك عنده بينة أو لا؛ فإن شهدت عنده بينة بغرق السفينة، وموت العبد أو بلغه الخبر، فطال زمان ذلك، وآيس منه ثم مات فلا تدخل فيه الوصايا.
وإن كان بلغه بلاغًا ثم مات بقرب ذلك، ولم يشهد بذلك عنده أحد، فإن الوصايا تدخل فيه، وهي رواية عيسى، وأصبغ عن ابن القاسم في "المجموعة".
وأما أن كان ذلك المال مما لا يملك التصرف فيه في الحال ويملكه هو أو وارثه في ثاني حال؛ لتعلق حق الغير به كالعمرى أو الحبس الذي مرجعه إليه، فإن الوصايا تدخل فيه، وهو قول مالك في "الموازية"، و"المجموعة".

والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان الموصي غير عالم بأصله كمال ورثه ببلد بعيد، ولم يعلم به حتى مات، أو دية العمد قبلت بعد موته.
هل تدخل فيه الوصايا أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تدخل فيه جميع الوصايا كمالٍ علم به، وهذا القول حكاه الحفيد عن مالك في كتاب "النهاية".
والثاني: أنه لا يدخل فيه إلا المدبر في الصحة خاصة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثالث: أنه لا يدخل فيه إلا المُدَبَّر في الصحة والمرض خاصة، وهو قول ابن القاسم في "الموازية" وغيرها.
فوجه قول من قال: إن جميع الوصايا تدخل فيه كمالٍ علم به [لحق] 1 الموصى له؛ لأنه مال للوصي داخل في ملكه وتحت ولايته، وأنه يورث عنه كمال علم به وجهله لا يؤثر؛ لأنه قال: ثلث مالي لزيد، والغائب من حمله ماله بلا خلاف.
ووجه القول الثاني أنه لا يدخل فيه إلا المُدَبَّر في الصحة بناء على أن قصد الموصي بالوصية ما علم به من المال دون ما لم يعلم، والمدبر في الصحة ماله إلى الثلث بعد الموت، والمال الذي يخرج من ثلثه مجهول العين؛ إذ لا يدري سيده هل يخرج من هذا المال الذي بينه الآن أو يفنى هذا المال وينفد، ويستفيد مالًا آخر يخرج من ثلثه؛ ولهذا قال: يخرج المدبر في الصحة مما علم، ومما لم يعلم بخلاف المُدَّبر في المرض؛ لأن المرض من أسباب الموت، والمال الذي بيده معين، فكأنه قصد إلى خروجه

من ثلثه كالوصية بمال.
ووجه القول أن المدبر في المرض لما كانت له المزية بالتبدية على ما دونه من الوصايا وجب أن يكون له المزية عليها أيضًا في دخولها فيما علم به، وفيما لم يعلم كالمدبر في الصحة فيما لم يعلم به الموصى ما قدمناه، وهذا معنى معدوم في المدَبَّر في المرض [والحمد لله وحده] 1.

المسألة العاشرة في ترتيب الوصايا وتبدية بعضها على بعض في الثلث

ولا يخلو ثلث الموصى من أن يكون [فيه محمل] 1 لجميع الوصايا، أو ضاق عن بعضها.
فإن كان فيه محل لجميع الوصايا، فلا إشكال.
وإن ضاق عن بعضها، فهذا محل الكلام في اعتبار تبدية الأقوى على الأضعف، ونحن نبين ذلك على أحسن سياق، وأبلغ نظام إن شاء الله فنقول -وبالله التوفيق: لا يخلو الموصي من وجهين: أحدهما: أن يصرد وصاياه من غير أن ينص على تقدمة بعضها على بعض.
والثاني: أن ينص على تقدمة الأضعف على الأقوى.
فإن صرد وصاياه، ولم ينص على تقدمة بعضها على بعض، فإنه يبدي الآكد، فالآكد تقدم باللفظ أو تأخر.
وإن نص على تبدية الأضعف على الأقوى، فإنه يبدأ بالذي نص على تبديته؛ اتباعًا لوصيته وما يقرضه.
وقولنا: إنه يُبَدّى الآكد، فالآكد لا الأقدم فالأقدم، قال عبد الملك ابن الماجشون، قال عبد الملك بن الماجشون في "الواضحة": وذلك ما لم يكن الأقدم مما لا يجوز له الرجوع عنه كالمبتل في المرض، والمُدَبَّر فيه، والعطية البتل فيه، فإنه يبدأ بالأقدم فيه على الآخر.

فإذا ثبت ذلك فأول ما يخرج من الثلث المدبر في الصحة، وصداق [المريض] 1 إذا دخل في مرضه، وقد اختلف فيهما على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة": أحدها: أنه يبدأ بالمُدَبَّر في الصحة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الصيام" من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بصداق المريض، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني"، و"كتاب الأيمان بالطلاق" من "المدونة".
والثالث: أنهما يتحاصان.
والأقوال الثلاثة لابن القاسم.
ووجه القول بتقديم المُدَبَّر في الصحة؛ لأنه أمر لزم في الصحة، فكان مقدمًا على ما يلزم في المرض كما يقدم على العتق المبتل في المرض.
ووجه القول بتبدية الصداق؛ لأنه مختلف في كونه من رأس المال، أو من الثلث؛ ولكونه إن صح من هذا المرض، صار كالدين يتعلق بالذمة، ويكون من رأس المال باتفاق المذهب.
ووجه القول بالمحاصاة مساواتهما في المرتبة والقوة، وعدم الترجيح.
ولا خلاف في المذهب في تقديم هذين الاثنين على ما عداهما من الوصايا إلا ما قاله أشهب في "المجموعة"؛ فإنه قال: إذا كان التدبير مع الزكاة والكفارة في لفظ واحد، وكان التَّدْبِير بعد ذلك، فالزكاة والكفارة مقدمة عليه.
ووجه قول الجمهور أنّ التَّدْبِير أمر لازم حال الصحة مختص بالعتق، وللعتق تأثير في التقديم.

ووجه قول أشهب: أن هذه حقوق لازمة مقدمة بالشرع، فكانت مقدمة على ما يلزمه المرء نفسه؛ ولذلك قدمت على سائر الوصايا، ثم بعد ذلك على مذهب ابن القاسم ما فَرَّط فيه من زكاة الحرث، والعين، والماشية، ثم ما فرَّط فيه من زكاة الفطر، خلاف ما ذهب إليه ابن الماجشون على ما سنبينه آخرًا إن شاء الله، ثم العتق في الظهار، وقتل النفس في الخطأ.
ولا يخلو من أن يكون في الثلث رقبة، وإطعام ستين مسكينًا، أو لم يكن فيها إلا الرقبة [فإن كان الثلث الرقبة والإطعام، فإن الرقبة تعتق عن القتل، ويطعم عن الظهار، وإن لم يكن فيه إلا الرقبة وبعض الإطعام] 1؛ فقد اختلف فيها على خمسة أقوال: أحدها: أنه يبدأ بكفارة قتل النفس.
والثاني: أنه يبدأ بكفارة الظهار، فإن بقى شيء أشرك به في كفارة القتل.
والثالث: أنهما يتحاصان فما صار للظهار أطعم به، وما صار للقتل أعين به في رقبة.
والرابع: أنه يقرع بينهما.
والخامس: أن الورثة يخيرون، ويعتقدون على أيّ الكفارتين شاؤوا.
وأوجه تبدية الزكاة على العتق في الظهار، وقتل النفس أن الزكاة واجبة بالشرع على معنى التزكية، والتطهير للمكلف، ولا بدل لها؛ فوجب تقديمها، والعتق في الظهار، وقتل النفس، وإن كان وجوبهما بالشرع المنقول، فإن لهما بدلًا -وهو الصيام في القتل والصيام أو الإطعام

في الظهار، وأيضًا فإن سبب وجوبهما جناية المكلف؛ فكانت الكفارة عقوبة عليه، والزكاة تطهير للنفس من داء البخل، وشكر لمالك الكل.
واختلف فيما بينهما في الترتيب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه [يليهما] 1 في الترتيب كفارة اليمين، ثم كفارة الفطر في رمضان متعمدًا، ثم كفارة التفريط في قضاء رمضان.
والثاني: أن الإطعام لقضاء رمضان يبدى على كفارة اليمين عند ابن القاسم.
والثالث: أن المبتل في المرض، والمدبر في المرض مقدمان على كفارة اليمين، وكفارة رمضان، والأول أصح.
وعلى القول بتبدية الكفارة على المبتل في المرض، هل يبدأ بكفارة اليمين على كفارة رمضان أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يبدأ بكفارة اليمين، وهو [ظاهر] 2 قول مالك في "كتاب الصيام" من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بكفارة رمضان.
والأول أظهر وأصح.
ووجهه أن كفارة اليمين بالله تعالى ثابتة بنص القرآن، وكفارة الفطر في رمضان متعمدًا ثابتة بأخبار الآحاد، وكفارة قضاء رمضان ثابتة بالاجتهاد.
ثم النذر على قول ابن أبي زيد إذا أوصى به وعند غيره، ثم العتق المبتل في المرض، والمُدَبَّر فيه، وهو الصحيح.
ولا يخلو من أن يكونا في فور واحد، أو كان أحدهما قبل الآخر.

فإن كان أحدهما قبل الآخر، فيبدأ بالأول منهما.
وإن كانا في فور واحد، فاختلف في أيهما يبدي على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المبتل في المرض يبدي على المدبر فيه.
والثاني: أن المدبر في المرض يبدي على المبتل فيه.
والثالث: أنهما يتحاصان في الثلث.
ثم بعدهما الموصي بعتقه بعينه، والموصي أن يشترى فيعتق، والموصي بعتقه على مال إذا عَجَّل المال، والموصي بكتابته إذا عَجَّل الكتابة، والموصى بعتقه إلى شهر، فقيل: إنهم يتحاصون جميعهم في الثلث، ولا يُبَدّى بعضهم على بعض.
وقيل: إن الذي أوصى بعتقه بعينه يُبَدَّى على الموصي بشرائه للعتق.
ثم بعد هذه الخمسة الموصى بعتقه إلى شهر، والموصى بكتابه، فقيل: إنهما يتحاصان، وقيل: إن الموصي بعتقه إلى سنة كالموصي بعتقه إلى سنتين.
وقال غير الشيخ محمَّد بن أبي زيد: ثم النذر، وهو بعيد لتبدية الموصى بعتقه عليه؛ لأن الوصية بالعتق يصح الرجوع فيها، والنذر لازم لا رجوع فيه؛ فهو إذا أوصى به آكد منه.
وقول ابن أبي زيد أصح.
ثم الوصية بالعتق بغير عينه، وبالمال، وبالحج، وقد اختلف في ذلك على قولين: أحدهما: أنها كلها سواء، ويتحاصون في الثلث، وهو أحد قولي مالك في "المدونة".

والثاني: أنه يبدي بالعتق على الحج [ويتحاصان] 1 مع المال، وهو قوله الثاني فيها، ووجه هذا القول أن العتق عنده آكد ثم يليه المال، ثم يليه الحج؛ فيتحاص العتق مع المال، ولا يبدي أحدهما على صاحبه؛ لقرب ما بينهما في التأكيد، ويبدي العتق على الحج؛ لبعد ما بينهما على ما رتبناه.
ووجه العمل فيه أن يتحاص العتق، والمال، والحج، فما ناب العتق، والحج بديء فيه العتق على الحج، ولم يكن للحج من ذلك إلا ما فضل عن العتق.
وقيل: يبدأ بالحج، ثم يتحاص في المال، والعتق.
وقيل: يُبَدّى العتق، ويتحاص في المال والحج.
وسواء كانت الوصية بالمال جزء أو عدد.
فإن اجتمعا جميعًا -الوصية بالعدد والوصية بالجزء- فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يبدأ بالجزء.
والثاني: أنه يبدأ بالعدد.
والثالث: أنهما يتحاصان.
وهذا الاختلاف موجود لمالك، وابن القاسم، ومعناه في الضرورة.
وأما في حجة التطوع، فلم يختلف [قولهما] 2 في أن العتق مبدى عليهما، ولا في أن الحج لا يبدى على المال.

واختلف [قول ابن القاسم] 1 في "العتبية" هل يبدى المال على الحج أو يتحاصان على قولين: أحدهما: أنهما يتحاصان، وهو قوله في "العتبية".
والثاني: أن الوصية بالمال تُبَدَّى.
فهذا ترتيب الوصايا على مذهب ابن القاسم.
وأما على مذهب ابن الماجشون، فإن المُدَبَّر في الصحة يبدى عنده على المبتل في المرض، والمبتل في المرض يبدى على العطية المبتلة في المرض، والعطية المبتلة في المرض تُبَدّى على التَّدْبير في المرض، [والتَّدْبير في المرض يُبَدَّى] 2 على الزكاة التي فَرَّط فيها، والزكاة التي فَرَّط فيَها تُبَدّى على عتق كفارة الخطأ، وعتق كفارة الخطأ يُبَدّى على عتق كفارة الظهار.
قال: وكل ما نعت لك من هذا، فسواء كان في فَوْر واحد أو في فَوْر بعد فَوْر؛ إنما يُبَدَّى الأوجب، فالأوجب، والأثبت، فالأثبت على [حال] 3 ما فسرت لك.
وقال بعض المتأخرين: والذي ذهب إليه عبد الملك أقوى في الحجة مما ذهب إليه ابن القاسم؛ وذلك أن للموصى أن يرجع فيما أوصى به من الزكاة، ولا يجوز له أن يرجع عما بتله أو دبره في المرض، وما لا يجوز له الرجوع فيه آكد مما له الرجوع فيه، وأيضًا فإنه يتهم على أنه أراد أن يرجع فيما بتله أو دَبَّره، فأوصى بزكاة [ليس] 4 عليه، وحكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في "المعونة" أن الوصية

بالعتق المعين تُبَدّى على الزكاة، وهو بعيد في القياس، ووجهه اتباع ظاهر الحديث روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بتبدية العتق على الوصايا؛ فعم ولم يخص.
وحكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية بالحج تُبَدَّى على كل شيء؛ المُدَبَّر وغيره.
وكان أبو عمرو الاسبياني بدأ بتبدية ما أوصى به في فداء أسير على جميع الوصايا؛ المُدَبَّر في الصحة وغيره، ويحتج بما روى عن مالك أنه قال: لا يحل لأحد أن يقتني مالًا ما دام أحد من أسارى المسلمين في أيدي العدو، وحكى ذلك عنه ابن عتاب، وقال: إن الشيوخ أجمعوا على ذلك.
تم [كتاب الوصايا الأول] 1 بحمد الله وعونه.

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

تأليف أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي

تقديم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم

اعتنى به أبو الفضل الدمياطي أحمد بن عليّ

الجُزءُ العاشر

مركز التراث الثقافي المغربي

دار ابن حزم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حُقُوق الطَّبْع مَحفُوظَةٌ الطبعة الأولى 1428 هـ - 2007 م

7 - 431 - 81 - 9953 ISBN

الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها

مركز التراث الثقافي المغربي الدار البيضاء - 52 شارع القسطلاني - الأحباس هاتف: 442931 - 022/ فاكس: 442935 - 022 المملكة المغربية

دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb

كتاب الوصايا الثاني

فصول الكتاب · 82 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها · 555 صفحة
مقدمة المحقق
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثاني
كتاب الجهاد
كتاب النذور والأيمان
كتاب الصيد
كتاب الذبائح
كتاب الضحايا
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب الرضاع
كتاب إِرخاء الستور
كتابُ العِدَّةِ وطلاقُ السنَّة
كتاب الأَيمانِ بالطلاقِ
كتابُ التخيير والتمليك
كتاب الظهار
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب العتق الأول
كتاب العتق الثانيكتاب المدبر
كتاب المكاتب
كتاب أمهات الأولاد
كتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلم الأول
كتاب السَّلم الثاني
كتاب السَّلم الثالث
كتاب الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الغَرَر
كتاب بيع الخِيَار
كتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب التدليس بالعيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب تضمين الصناع
كتاب الجعل والإجارة
كتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراض
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارة
كتاب الرهون
كتاب [الحمالة]
كتاب الحوالة
كتاب الغصب
كتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللُّقَطَةكتاب حريم الآباركتابُ الحَبْسكتاب الصدقة والهبةكتاب الهبات
كتاب الوصايا الأول
كتاب الوصايا الثانيكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرَّجمكتاب القذفكتاب الجراحات
كتاب جناية العبيد
كتاب الديات
جارٍ التحميل