كتاب أمهات الأولاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرجراجي، علي بن سعيد
- الكتاب
- منَاهِجُ التَّحصِيلِ ونتائج لطائف التَّأْوِيل في شَرحِ المدَوَّنة وحَلِّ مُشكِلاتها
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي (المتوفى: بعد 633هـ)اعتنى به: أبو الفضل الدّميَاطي - أحمد بن عليّ
- الناشر
- دار ابن حزم
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب وجملتها ست مسائل:
[المسألة الأولى]: فى الأمة تدعى أنَّ سيدها أولدها
, ولا يخلو السيِّد مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُصدقها فى الوطء والوضع.
والثانى: أن يُكذبها فى الأمرين.
والثالث: أن يُصدِّقها فى الوطء، ويُكذبها فى الوضع.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا صدَّقها فى الأمرين، فلا خلاف أنَّها تكون أم لولده، وتبقى على أحكامها، وذلك أنَّ أمهات الأولاد من ساداتهن الأحرار، لهنَّ حُكم الأحرار فى ستة أوجه، وحكم العبيد في أربعة أوجه.
ولا خلاف عندنا أنهنَّ لا يبعن فى ديْنٍ ولا غيره، ولا يَرهنَّ ولا يُوهبن ولا يُؤاجرن، ولا يُسلمن فى جناية، ولا يستسعين.
وأما حُكمهن فى حُكم العبيد فى انتزاع أموالهنَّ ما لم يمرض السيَّد، وفي إخبارهنَّ على النكاح فى أحد القولين، وفي استخدامهن الخدمة الحقيقية وإن لساداتهن فيهن من الاستمتاع ما لهم في الإماء.
وأمَّا ولدها من سيِّدها: فلا خلاف بين العلماء أنَّهُ حُر.
وأمَّا ولدها من غير سيدها قبل حملها من سيِّدها، فلا خلاف أنَّهُ عبد.
وأما ولدها من غير سيِّدها، بعدما ولدت من سيِّدها:
فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ حُر كولدها من سيدها، وهو مذهب [ربيعة بن أبي عبد الرحمن] 1.
والثانى: أنَّهُ عبدٌ كما لو ولدتهُ قبل ذلك، وهو مذهب الزهرى.
والثالث: أنَّهُ بمنزلتها فى كونها تُعتق مِن رأس المال، ويخالفها فى وجوه:
منها جواز استخدامه واستئجاره وغير ذلك، وهو مذهب مالك - رضي الله عنه -.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كذبها فى الأمرين جميعًا، فلا يخلو من أن يكون له بينة على إقراره بالوطء أم لا:
فإن لم تكن لها بينة: فلا خلاف فى المذهب أنها لا تصدق عليه، وهل يحلف أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ لا يحلف، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه يحلف إن كانت عليه [بينة] 2، وهو اختيار بعض المتأخرين.
فإن كانت لها عليه بينة، فهل تُصدَّق عليه أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كُلَّها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تصدَق، كان معها الولد أم لا، شهدت المرأتان على الولادة أم لا، قياسًا على تماديه على الإقرار.
والثانى: أنَّها لا تُصدَّق عليه إلا بشهادة امرأتين على الولادة، كان
معها الولد أم لا، وهو ظاهر قوله فى الكتاب عند [تمامه] 1 هذا الفصل بقوله: "ويثبت نسب ولدها منه".
والثالث: بالتفصيل بين أن يكون معها الولد، فتصدَّق بلا بيِّنة على الوضع أو لا ولد معها، فلا تُصدَّق إلا ببيِّنة على الوضع، وهو قول سحنون وربيعة فى "كتاب الشهادات" من "المُدوَّنة".
وعلى القول بأنها لا تُصدَّق إلا ببيِّنة على الوضع:
فإن شهد شاهدان على [إقرار بالوطء وامرأتان على الولادة فإنها تصدق بلا يمين فإن شهد شاهدان على] 2 الإقرار، وامرأة واحدة على الوضع، فهل يحلف السيِّد أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة".
فإن شهد شاهد واحد على الإقرار، وامرأة [واحدة] 3 على الولادة:
فإن كان معها ولد، حلف السيد.
وإن لم يكن معها ولد، ففى [يمين] 4 السيِّد قولان:
أحدهما: أنَّهُ يحلف ليدفع شهادة الشاهد عن نفسه.
والثانى: أنَّهُ لا يحلف.
والقولان: قائمان من المُدوَّنة، على اختلاف الروايات فى "كتاب أمهات الأولاد" وفي "كتاب الشهادات".
فإن ادعى على السيد الاستبراء بعد قيام البيِّنة عليه، هل يُقبل قوله أو
لا يُقبل؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ يُصدَّق، وهو نصَّ قوله فى كتاب أمهات الأولاد.
والثانى: أنَهُ لا يُصدَّق، وهو قائم من "المُدوَّنة" من غير ما موضع إلا بعد [أمد] 1 الحمل، إمَّا بعد خمس سنين أو أربع:
على الخلاف فى ذلك، وهو قول المغيرة فى خمس سنين فى أحد قوليه.
وعلى القول بأنَّهُ يُصدَّق، هل ذلك بيمين أو بغير يمين؟
قولان قائمان من "المُدوَّنةِ":
أحدهما: أنَّهُ يُصدَّق بغير يمين، وهو قول ابن الموَّاز ومحمد بن مسلمة، وهو ظاهر "المدونة" فى "كتاب العدَّة"، حيثُ قال: "ولا لعان فى ملك اليمين"، معناه: لا يمين عليه.
والثانى: أنَّهُ لا يُصدَّق إلا بيمين، وهو قول عبد الملك فى كتاب محمد، وهو ظاهر "المُدونة" أيضًا.
وعلى القول بأنَّهُ يُصدَّق فى ذلك بيمين، هل الاستبراء فى ذلك بحيضه أو بثلاثة؟ قولان قائمان من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الاستبراء بحيضة واحدة، وهو نصُّ "المُدوَنة".
والثانى: أنَّ الاستبراء فى ذلك بثلاثة قُروء، وهو قول عبد الملك فى "كتاب محمد"، وهو ظاهر "المُدوَّنة" على القول بأنَّ الثلاثة الأقراء كلها للاستبراء.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا صدَّقها فى الوطء، وكذَّبها في
الوضع، هل تَصدَّق عليه فى الوضع أو لا تصدَّق؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة من "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تُصدق عليها، كان معها الولد أم لا، عَلِمَ بالوضع جيرانها أم لا، وهو نصُّ قوله فى "كتاب القذف".
والثانى: أنَّها تُصدَّق عليه إن صدَّقها الجيران، كان معها الولد أم لا، وهو ظاهر قوله فى "كتاب أُمهات الأولاد"، و"كتاب الشهادات"، وهو نصَّ قوله فى "كتاب محمد".
والثالث: التفصيل بين أن يكون معها ولد، فتُصدق أو لا يكون معها، فلا تصدَّق إلا بشهادة امرأتين على الولادة، وهو ظاهر الكتاب، وهو نصَّ قوله فى [المدونة] 1 وغيرها, لأنَّ السيَّد أقرَّ لها بالإيداع.
فإذا جاءت بولد قبل قولها أنَّهُ وديعة.
فإذا لم يكن معها ولد، فهي مُدَّعية، فلا يُقبل قولها إلا بدليل يقومُ لها.
فإن ادعت على السيد العلم بالوطء، فهل يحلف أم لا؟
قولان عن ابن القاسم فى غير "المُدوَّنة" [وقائمان من المدونة] 2.
وسبب الخلاف: هل إقراره بالوطء شهادة] 3 قائمة له على دعواها أم لا؟
والحمد لله وحده.
المسألة الثانية
فى الأب إذا وطئ أمة ابنه،
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يطأ أمة ابنه.
والثانى: أن يطأ سريته التي [لم] 1 تلد معه بعد.
والثالث: أن يطأ أم ولد ابنه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وطئ الأب أمة ابنه، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تحمل.
أو لا تحمل.
فإن حملت من وطئه، فلا يخلو الولد من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حُرًا، فلا يخلو الولد من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا:
فإن كان صغيرًا: فإنَّها تقوم على الأب فى العسر واليسر اتفاقًا، وتكون أم [له] 2 ولد:
فإن كان الابن كبيرًا، فإنَّها تقوم عليه أيضًا، وهل ذلك باختيار من الابن أو مجبورٌ على التقويم؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ الولد مجبور على التقويم، وهو نصّ المدوَّنة.
والثانى: أنَّهُ مُخير بين التماسك والتقويم، وهذا القول قائم من
"المدوَّنة": من وطئ أحد الشريكين أمة بينهما.
وينبنى الخلاف على الخلاف فى أُم الولد، هل يجوز إنكاحها أم لا؟
ومن جوَّز إنكاحها، قال: إنَّ الولد [غير] 1 مجبور على التقويم لما فيه من منافع النكاح.
وإن منع هو من الاستمتاع، فشبهها بأُم الولد إذا حدث على السيد ما يمنعهُ من وطئها، هل يعتق أم لا؟
قولان، وعلى ذلك ينبنى الخلاف فى هذه المسألة.
ومَنْ منع من نكاحها جعله مجبورًا على التقويم.
فإن كانت حائلًا، فهل تقوم على الأب إن كان الولد صغيرًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تقوم عليه وتصير له أم ولد، ويُؤخذ منه القيمة مع المُيسر وتباع عليه مع اليسر وتباع عليه مع العسر، وهو قوله فى "الكتاب".
والثانى: أنَّها لا تقوم عليه سواء كان موسرًا أو معسرًا، لأنَّ ذلك ذريعة إلى أن يستأثر الأب من مال ولده بما [أراده] 2 لنفسه، وقد قال [مالك] 3 فى غير ما موضع من الكتاب: "لا ينبغى للأب أن يشتري لنفسه من مال ابنه الصغير شيئًا، وهو قول عبد الحكم.
فإن كان الولد كبيرًا، فهل يجبر الولد على التقويم أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يجبر عليها، وهو قوله فى "المدونة".
والثانى: أنَّهُ يُخيَّر ولا يجبر، وهو قوله فى كتاب "ابن الموَّاز"، بشرط أن يكون الولد مأمونًا.
وسبب الخلاف: الحماية تحمى أو لا تحمى؟
فعلى القول بأنَّ الولد مجبورٌ على التقويم، والأب مُوسر، فإنها تكون لهُ أُم ولد، ويحلَّ له وطؤها، فقال سحنون: بعد الاستبراء من ذلك الملك، وما قاله صحيح.
وقد قال فى الوطء الفاسد: "أنَّهُ لا يطأ إلا بعد إلاستبراء [من] 1 صحة الملك، فكيف بهذا؟ ".
فإن وطئها الابن بعدما وجبت القيمة على الأب: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك منه رضا بإسقاط الفداء عن الأب وتباع عليه، ويأخذ ثمنها قلَّ أو كثر، وهو قول عبد الملك.
والثانى: أنَّها تقوم على الأب يوم وطئ، وعلى الابن يوم وطئ، فإن تساوت القيمتان تقاصَّا، وإن تفاضلت القيمتان رجع من له الدرك على الآخر، وهو قول أصبغ، وهو الأصح.
وسبب الخلاف: تقويمها على الأب، هل هو حقٌّ لله تعالى أو حق للابن؟
فإن أتت بولد، فالحكم يأتى فيه فى الوجه الثاني إن شاء الله تعالى.
فإن كان ذلك الولد عبدًا [فإن] 2 كان الأبَّ موسرًا: فإنَّهُ يغرم قيمة
الأمة، وتكون له أُم ولد.
وإن كان مُعسرًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الأمة تبقى رقيقًا للولد، ويتبع الأب بقيمة الولد بعد الوضع، وهو قول عبد الملك في "الموَّازية".
والثاني: أنَّ الأب يتبع بقيمة الأمة في اليُسر، وتُباع عليه في العسر إن لم تحمل، فإن حملت [يتبع] 1 بقيمتها دينًا في الذمة، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا وطئ سرية ابنه التي لم تلد بعد، فلا تخلو من أن تكون حائلًا أو حاملًا:
فإن كانت حاملًا، فلا يخلوا وطئ الأب من أن يكون بعد الاستبراء أو ما يقوم مقامه من اعتزال الابن عنها مُدَّة يحصل في مثلها الاستبراء أو وطئ قبل الاستبراء.
فإن وطئ الأب بعد الاستبراء، فأتت بولد لستة أشهر فأكثر، فالولد لاحق بالأب وتعتق الأم، ويكون ولاؤهما للأب، ويغرم قيمتها للابن ويتبع بها في العُسر.
فإن وطئ الأب قبل الاستبراء، فأتت بولد:
فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطئ الأب [فبالابن] 2 يلحق، وقيمة الأُم على الأب.
وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر، هل يُلحق بالابن أو يدعى له القافة؟
قولان في المذهب قائمان من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلحق بالابن, لأنَّ فراشه صحيح، وفراش الأب فاسد، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، حيث ساوى بين هذه المسألة، والسيِّد إذا وطئ أمته، وهي زوجة لغيره، فقال: يُلحق بالزوج، لأنَّ فراشه صحيح، وهو قول سحنون في "العُتبية".
والثانى: أنَّ الولد يُدعى له القافة، فمن [ألحقوه] 1 به كان نسبه منه، وهو ظاهر قوله في المدونة في "باب القافة" أيضًا، حيثُ قال: "إنما القافة [في الأمة] 2 في الملك لا في النكاح"، وهذا وطئ بملك، لأنَّ للابن وطأ صحيحًا , وللأب وطئ بشبهة الملك، فقد تساويا في إثبات النسب، وهو صحيح.
وسبب الخلاف: هل الشبهة تُفيد ما يُفيد الملك التام أم لا؟
وأما إن كانت حائلًا، فالقيمة لازمة للأب في العسر واليسر، فهل تباع على الأب على كُلِّ حال، لأنَّ وطئها لا يحلَّ لواحدٍ منهما، وهو نصُّ المُدَّونة، أو يجوز للابن أن يمسكها للخدمة إن كان مأمونًا.
لا يُخشى منهُ الوقوع عليها أو العودة إليها بما اعتاد منها، وهو القول الذي قدمناهُ في الوجه الأول.
وسبب الخلاف: ما تقدَّم.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا وطئ أُم [ولد ابنه] 3، وهل يُعجَّل عتقها أو تبقى عند الابن [ويُعزل] 4 عنها؟ قولان قائمان من "المدونة"
أحدهما: أنَّهُ يعجل عتقها، والولاء للابن، وهو نصُّ "المدونة".
والثانى: أنَّها توقف إلى موت الابن، وهو ظاهر المُدوّنة أيضا، وعند إيراد سبب هذا الخلاف يتبين لك هذا الظاهر.
وعلى القول بأنَّهُ يتعجَّل عتقها، هل يغرم الأب القيمة للابن أم لا؟
على قولين قائمين من "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّه يغرمها، وهو نصُّ قوله في كتاب أمهات الأولاد.
والثانى: أنَّ الأب لا يغرم القيمة، وهو ظاهر قوله في كتاب القطع في السرقة في البيِّنة إذا شهدت على رجلٍ بطلاق امرأته، فحكم القاضى بشهادتهما، وطلق عليه زوجته، ثم رجعا عن شهادتهما، قال: إن كان الزوج قد دخل بهما فلا يرجع عليهما بشىء، يريد, لأنَّ الصداق قد استوجبتهُ بالدخول، ولم يفوتا عليه بشهادتهما شيئًا، وهو قول عبد الملك في النصراني إذا وطئ أم ولد ابنهِ، ثمَّ أسلما، والجمع بين المسألتين أنه لم يفوت له في الوجهين غير الاستمتاع لا في أُم الولد ولا في الزوجة.
وسبب الخلاف: هل للسيِّد في أُم ولدهِ منفعةٌ مقصودة غير الاستمتاع أم لا؟
فمن رأى أنهُ لا منفعة لهُ فيها غير الاستمتاع، فإذا طرأ ما يمنعهُ منه مع حياة السيد تعجل عتقها، قال: لا يغرم الأب شيئًا، لأنَّهُ لم يجن جناية، [الأب] 1، فساوى بين المسألتين.
وَمَنْ رأى أنَّ للسيد في أُم ولدهِ مأرب سوى الاستمتاع بالوقاع، مثل أُروش الجنايات عليها أو قيمتها إن قتلت أو انتزاع ما يطرأ لها من المال،
قال: إنَّ الأب يغرم القيمة، ويُفرق بين المسألتين، وهذا من باب اعتبار الطوارئ البعيدة، وهي من الطوارئ النادرة الوقوع، وقليل من السادات مَنْ يكون ذلك مقصوده من أمهات الأولاد، وهذا كله إذا كان الأب الواطئ حرًا.
وأمَّا إن كان عبدًا فوطئ أمة ابنه الحُر، فأحبلها، هل تقوم عليه أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يُتبع الأب بشىء, لأن ذلك ليس بغصب، ولا خراج ولا حد عليه، ولو قال الابن: "أنا أسلمها إليه، وأتبعه بالقيمة" لم يكن ذلك له.
فإن وضعت حملها: كان حرًا على أخيه.
ولو أسلمها إليه الابن: لم تكن [له] 1 أم ولد بذلك الولد, لأنَّهُ خلق في بطنها على الحُرية، وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن سحنون"، وبه قال [ابن المواز] 2.
والثانى: أنَّ وطأها كالجناية، وقيمة الجارية في رقبة العبد الذي هو الأب، ويخير سيد العبد بين أن يفديه بقيمة الجارية أو يسلمه، وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن المواز" وكتاب "ابن سحنون".
فإن فداه، هل تتبعه الجارية أو تكون لسيده؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تكون لسيد العبد، وهو قوله في كتاب "ابن المواز".
والثانى: أنَّ الجارية للعبد، والعبد للسيد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون".
فإن أسلمهُ سيده في تلك الجناية، كان حرًا على ابنه الذي يُسلم له، وتتبعه الجارية، وهل تكون له أم ولد بذلك الولد أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّها تكون أُم ولد بذلك الولد، وهو قوله في كتاب "ابن سحنون".
والثانى: أنَّها لا تكون أُم ولد إلا بولد ثانٍ، لأنَّ ذلك الولد لسيِّده الذي أسلمه, لأن رقيق له، إلا أن يقال: إن علم السيِّد بأنه يتبعه ماله إذا أسلمه، كان تسليما للولد إذا ولد، وإسقاطًا لحقِّهِ فيه، وإن ماتت الجارية قبل أن يُخيَّر السيِّد فمصيبتها من العبد، وتكون القيمة في رقبتهِ، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد" وكتاب "ابن سحنون".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يكون الأب عبدًا مأذونًا له في التجارة أو غير مأذون:
فإن كان مأذونًا له في التجارة: قومت عليه قيمة عدل، ثُمَّ يؤخذ ذلك مِن مالهِ إن كان لهُ مال، وهو قول المُغيرة في "كتاب ابن سحنون".
وإن لم يكن له مال، هل يُتبع في الذَّمة أو تُباع عليه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتبع بالمال في ذمته، وتكون الأمة والولد لسيده, لأنَّه ليس من مال العبد، وهو قول المغيرة في "الكتاب المذكور".
والثانى: أنَّه إذا لم يكن لهُ مالٌ تباع عليه ويعتق الولد على أخيه [وهذا القول حكاه سحنون عن المذهب في كتاب ابنه.
[فإن كان غير مأذون له في التجارة للابن، والولد لاحق بأب العبد، ويعتق على أخيه] 1، وهو قول المغيرة.
والابن إذا وطئ أمة أبيه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون وطؤه إياها بتعدٍ.
والثانى: أن يكون بنكاح.
فإن وطئها بتعدٍ، فالحدُّ واجب عليه اتفاقًا، فهل تقوم عليه بالحكم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تقوم عليه بالحكم، شاء الأب أو أبى، ويغرم القيمة إن كان مُوسرًا وتكون له ملكًا، وتُباع عليه إنك كان معسرًا، من غير اعتبار، بأن تكون حاملًا أو حائلًا.
والثانى: أنَّ الخيار للأب إن كان معدمًا إن شاء قوِّم وإن شاء مسك، ويترك التقويم، ويتبع الابن بما نقصها [الوطء] 2 أو الحمل إن كانت حاملًا.
والقولان قد قدَّمناهما في جارية الابن.
فإن وطئها بنكاح، فذلك مباح له, لأنَّهُ يجوز للابن أن يطأ أمة أبيه بنكاح اتفاقًا.
وفي جواز نكاح الأب أمة ابنه بالنكاح قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه، فإن فعل: فإنَّ نكاحه مفسوخ، وعلى الأب قيمتها يوم وطئ، حملت أو لم تحمل،
وتكون له أم ولد إن حملت، وهو مشهور مذهب مالك - رضي الله عنه -.
والثانى: "إنهُ لا يجوز له تزويجها ابتداءً، فإن نزل: فإنَّهُ يمضي ولا يرد، وهو قول محمد بن عبد الحكم في كتاب ابن المواز.
فإذا ثبت أنه يجوز للابن وطء أمة أبيه بنكاح.
فإن اشتراها من الأب بعد النكاح، فلا يخلو من أن تكون حاملًا أم لا:
فإن كانت حائلأ، فالبيع جائز اتفاقًا.
وإن كانت حاملًا، فهل يجوز البيع أم لا؟ قولان [قائمان] 1 من "المدوَّنة":
أحدهما: أنَّ البيع جائز، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدوَّنة"، وإن كان بعض المتأخرين تأوَّل قوله على الوفاق، فقال معناه بعد الوقوع.
والثانى: أن البيع لا يجوز، وهو قول الغير.
وسبب الخلاف: المستثنى، هل هو مبقى أو مشترى فابن القاسم يرى أنَّهُ مبقى، فجوز البيع.
وغيره يرى أنَّهُ مشترى، فمنع البيع لما في ذلك من الغرر.
وللخلاف فيه مطلع آخر، وهو الجنين [هل] 2 تلحقه الحُرية في بطن أمه أو لا تلحقه إلا بعد الوضع والاستهلال صارخًا:
فمن رأى أن الحُرية لا تلحقه إلا بعد الوضع، قال: بجواز البيع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة": في الابن يشترى امرأة أبيه،
وهي حامل ثمَّ يلحقه الدين، قال: "تباع في الدين الذي على الابن"، وقال في التعليل: "إنَّهُ لا يعتق عليه إلا بعد الوضع".
ومن رأى أن الحُرية تلحقهُ في بطن أُمه، قال: لا يجوز البيع, لأنَّ ذلك من باب استثناء الأجنَّة، وهو قوله في أمهات الأولاد أنها لا تباع في الدين حتى تضع, لأنَّهُ عتق سنة، خلاف قول ابن القاسم، ومشهور المذهب أنَّ الحرية تلحقه قبل الوضع.
وعلى هذا ينبنى الخلاف في الأمة، هل تكون أُم ولد بنفس الحمل [أو بالوضع] 1؟ قولان قائمان من المدوَّنة.
فعلى القول: بأنَّ الحُرية تلحقُه قبل الوضع:
فمن ضربها فألقت جنينا ميتًا، ففيه [غرة عبد أو وليدة] 2.
وعلى القول بأنَّهُ لا تلحقه الحُريَّة إلا بعد الوضع، فينبغى أن تكون به أُم ولد، كما قال إذا اشترى زوجة أبيه، وهي حامل أنَّها تباع في دين لحق الابن الذي اشتراها، وكل منهما عتق سنة.
هذا أعتق الأخ، وهذا أعتق ابن الابن.
أمَّا أن يحكم بعتقهما جميعًا قبل الوضع أولًا يحكم بعتقها إلا بعد الوضع، وهو ظاهر في المعنى جدًا لمن أمعن نظره واستعمل فكره، وغاص بذهنه في بحار المعانى، حتى يستخرج منها نفائس الجواهر واللآلئ.
أمَّا من ركن إلى الدعة والراحة ولازم الرقاد طول الأيام والليالى، فهو
معزول عمَّا نصف، ولاحظ له فيما نتحف، والفضل بيد الله يُؤتيه من يشاء.
والحمد لله وحدهُ.
المسألة الثالثة
في أُم ولد الذمي تُسلم:
وقد اختلف المذهب عندنا في أُم ولد الذمِّى تُسلم، هل توقف أو تعتق؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تعتق الآن.
والثانى: أنَّها توقف حتى يسلم أو يموت، والقولان لمالك [في المدونة] 1.
والثالث: أنها تباع، وهو قوله في المختصر الكبير.
ووجه القول بتعجيل عتقها أنَّ السيد ممنوع من الاستمتاع بها, لكونها مُسلمة في إيقافها ضرر بربها, لأنَّهُ بين إحدى حالتين:
إمَّا أن تكلفهُ النفقة عليها، فذلك ضررٌ عليه, لأنَّهُ ينفق على أم ولد لا يستمتع بها.
وإمَّا أن يدعها بلا نفقة، فذلك ضررٌ عليها، فكأن عتقها أصوب وزنًا بينهما بالقسطاس المُستقيم.
ووجه القول بالإيقاف: رجاء أن يُسلم السيد، فتعود إلى فراشه، وتعجيل عتقها قطع لما يُؤمله ويرجوه.
ووجه القول بأنها تباع عليه: قطعا [لمدة] 2 الضرر [من كلا الضررين] 3، حتى لا يستقر السيد بالإنفاق دون الاستمتاع، ولا تستضر
هى بالإيقاف دون النفقة، لأنَّ الإيلاد في حال الكُفر لم يُوجب لها حُرم أُم الولد، فالإسلام لا يُوجب لها حقًا لم يكن.
وعلى القول بأنها تعتق، هل يفتقر [عتقها] 1 إلى حكم حاكم أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهُ يفتقر إلى حكم حاكم، وهو قول ابن القاسم، لأنه أمر مختلف فيه.
والثانى: أنَّهُ لا يفتقر إلى حُكم حاكم، وأنَّها تُوقَّف حتى تحيض حيضة واحدة، فإن أسلم: كان أحقَّ بها.
وإن انقضت الحيضة قبل أن يُسلم: أُعتقت بغير حكم، [حاكم] 2، وهو قول محمد بن عبد الحكم في كتاب ابن حبيب، وجعل حكمها حُكم الزوجة، تسلم قبل البناء.
والحمد لله وحده.
المسألة الرابعة
في إقرار السيد بالإيلاء، واستلحاق الولد:
فإذا أقر الرجل بوطء أمته، وأنَّها ولدت منهُ، فلا يخلو مِن أن تكون في ملكه أو في ملك غيره:
فإن كانت في ملكه، فلا يخلو إقراره من أن يكون في الصحة أو في المرض [فإن كان في المرض] 1، فلا يخلو من أن يكون معها الولد أو لم يكن:
فإن كان معها الولد، فلا يخلو من أن يكون موروثا بولد أو بكلالة:
فإن كان موروثًا بولد، فالمذهب على أنَّهُ مصدق.
فإن كان موروثًا بكلالة، وكان له إلى الولد انقطاع، فهل تلحقه التُهمة في ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يتهم أن يُقر بميراثه عن الكلالة إليه، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ التهمة لا تلحقهُ، وأنَّ الولد به لاحق، وهو قول أشهب، وقال: "إلحاق الولد قاطع لكل تهمة".
فإن لم يكُن معها ولد، فلا يخلو مِن أن يكون مورثًا بولد أو بكلالة:
فإن كان موروثًا بكلالة: فلا خلاف في المذهب أنَّه لا يصدق.
وإن كان موروثًا بولد: فهل يصدَّق أو يتهم؟ قولان في "المُدوَّنة" عن
مالك:
أحدهما: أنَّهُ يُصدق، وبه أخذ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يصدق، وبه قال أكثر الرواة, لأنَّهُ يتهم أن [يفر] 1 بذلك عن الورثة، وقالوا: لا يكون في الثلث ولا في رأس المال، كقوله: "أعتقت عبدي في صحَّتى"، فلا يعتق، لا في [الثلث] 2 ولا في رأس [المال] 3.
وابن القاسم: فرَّق بين العتق والإيلاد، لأنَّ الإيلاد مبني على الإخفاء والإسرار، والعتق مبنى على الإعلان و [الإشهار إذ العرف فيه] 4 الإشهاد.
فإذا ادَّعى عتقه، ولم تكُن له بينة فقد ادعى خلاف العُرف.
ثم لا يقبل قول مَنْ ادَّعاهُ منهما من عبد أو سيد إذا كان هناك أمرٌ يوجب الدَّعوى.
فإن كان إقرارهُ في الصحة، فلا يخلو من أن يكون مديانًا أو غير مديان:
فإن كان غير مديان: فيصدق، كان معهُ الولد أم لا.
وإن كان مديانا: صُدِّق إن كان معهُ الولد، ولا يُصدَّق إن لم يكن معهُ الولد.
فأمَّا الوجه الثاني: إذا كان في غير ملكه، مثل: أن يبيعها، ومعها
ولد ثُمَّ استلحقه، أو باعها وحدها وهي حامل أو حائل، فولدت عند المشتري ثم استلحقه البائع، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يستلحق ولدًا ولد عنده [من أمته] 1.
والثانى: أن يستلحق ولدًا لم يُولد عنده، ولا علم أنه ملك أمة بشراء ولا نكاح.
والثالث: أن يستلحق ولدًا في ملك غيره.
فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الثاني: إذا استلحق ولدًا عنده من أمته أو ولدته بعد أن باعها بمثل ما يُلحق به الأنساب، فلا يخلو من هما في يديه من أن يُحدث فيهما أو في أحدهما عتقا أو تدبيرًا أو لم يحدث فيهما شيئًا:
فإن لم يحدث فيهما شيئا، فلا يخلو مِن أن يكون موسرًا أو معسرًا:
فإن كان موسرًا , ولم يتهم في الأُم بالصبابة لذواتها: فلا خلاف أنَّهُ يصدق ويلحق به الولد، وتكون أُم ولد.
وإن كان مُوسرًا، واتَّهم في الأم بالصبابة أو معسرًا ولم يتهم بالصبابة، فهل يُفسخ البيع وتُردَّ إليه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَهُ لا يلحق به، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثانى: أنَّهُ يلحق به، وهو لابن القاسم أيضًا، وبه قال أشهب في المدونة أيضًا، ويتبع بالثمن والولد لاحق [به بكل حال] 2، ويتبع بحصته من الثمن في العسر.
وإن أحدث المشترى فيهما أو في أحدهما عتقًا أو تدبيرًا، هل يكون ذلك فواتًا في الأم أم لا؟ قولان لابن القاسم في "المدونة"، ولا خلاف أنَّهُ يكون فوتًا في الولد، وأنَّهُ يُلحق به، وإنَّما الخلاف في الولاء، وهل يسقط للمعتق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يسقط والولاء ثابت لهُ، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثانى: أنَّ الولاء يسقط ولا يثبت، وهو قول سحنون في غير "المدونة".
وعلى القول بأنَّهُ يكون فوتًا، تُرد إليه في اليسير والعسير، قولان في الكتاب:
أحدهما: أنَّهُ تُرد إليه في اليسر، ولا تُرد إليه في العسر، وهو قول ابن القاسم وأشهب.
والثانى: أنَّها تُرد إليه في الحالتين، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم، وهذا كُلَّهُ ما لم يثبت إقراره في المسيس ببيِّنة قبل البيع.
وأمَّا إن ثبت، فلا خلاف أنَّها [ترد] 1 في اليُسر والعُسر، ويبيع بالثمن، والولد يلحق به بكُل حال، ويُرد مقدار منابته من الثمن، إن كان له حصة من الثمن، ويتبع بها في العسر.
واختلف في قدر حصَّته من الثمن، متى تُعتبر باختلاف حالاته:
فإن كان معها يوم الصفقة، فبقدما يصح لهُ من الثمن.
فإن كانت به حاملًا يوم الصفقة، ثم [وضعته] 1: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يرد قيمتهُ يوم الولادة [وبه قال ابن القاسم.
وليس] 2، كذلك المستحقة.
والثانى: أنَّهُ يرد قيمته يوم أقر أن لو كان على تلك [الحالة] 3 يوم الوضع، وهي رواية يحيى ابن عمر عن بن القاسم، وهذه كله إذا كان معها ولد.
وأمَّا إذا لم يكن معها ولد، وقد اعترف بعد بيعها بأنَّها ولدت منهُ، فإن أعتقها البائع فلا ترد، وهو قوله في كتاب "أمهات الأولاد".
فإن لم يعتقها، فهل ترد على المُشترى أم لا؟ [فالمذهب] 4 على قولين منصوصين في كتاب السابق من "المدونة" و"الواضحة" و"العُتبية".
والجواب عن الوجه الثانى: إذا استلحق ولدًا لم يُولد عنده، ولا علم أنَّهُ وطئ أمة بملك ولا بنكاح، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يتبين صدقه، فيصدق اتفاقًا.
وإمَّا أن يتبيَّن كذبه، فيُكذَّب اتفاقًا، مثل: أن يستلحق ولدًا جىء به من بلاد، يعلم أنَّهُ لم يدخلها قط.
وأمَّا إن أشكل أمره، فلم يتبيَّن صدقهُ ولا كذبهُ، فالمذهب على قولين
قائمين من "المُدونة":
أحدهما: أنَّهُ لا يُصدَّق ولا يُلحق به، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، من قوله: "إذا عرف أنَّهُ لم يدخل تلك البلاد: لم يُصدق فقال: [فكذلك لا يصدق مع الإشكال أيضًا كما لو عرف.
والثانى: أنه يصدق فيلحق به الولد] 1 حتى يتبين كذبهُ"، وهو ظاهر قوله في "الكتاب": "إذا لم يكن له نسب معروف، فإنَّهُ يُلحق به".
والقولان: قد نبَّه على استقرائهما بعض حُذَّاق المتأخرين، وموضع استقرائهما ظاهر، والقولان منصوصان عن مالك في "كتاب ابن سحنون"، قال مرة: "إذا لم يكن [له نسب] 2 معروف، ولا تبيَّن كذب الأب: لحق به، وإن لم يعرف أنَّهُ ملك أمة أو تزوَّجها".
وقال مرة: "لا يلحق حتى يُعرف أنَّهُ [قد] 3 ملك أمة أو تزوجها"، وبه أخذ ابن القاسم.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا استلحق ولدًا في ملك غيره، وقد أعتقه من هو في يديه أم لا، هل يُلحق به إن أكذبه الحائز لرقه أو لولائه؟ فقولان لابن القاسم:
أحدهما: أنَّهُ لا يلحق به، وبه قال ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنَّهُ يلحق به، وبه قال أشهب [والحمد لله وحده] 4.
المسألة الخامسة
في القافة:
والقافة مِن مدارك معارف البشرية، ومن غرائب نتائج المعرفة، متميزة من فنون الكهانة، ومترقية عن قوانين النجامة.
وحقيقتها: اقتفاء الشبهة لتخايل الخلقة، وهو علمٌ خص اللهُ بهِ آحادًا أو أفرادًا مِن العباد، وهي سنة دائمة إلى يوم التناد، وكان الحُكم بها في الجاهلية، فأقرها الشرع في سائر الأزمان من مواضح البرهان.
والدليل على ذلك: حديث ابن شهاب عُروة عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرورًا تبرق أسارير جبهتهُ، قال "ألم تسمعى ما قال محزر المدلجى لزيد وأسامة، ورأى أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض".
فوجه الدليل مِن الحديث: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فرح مسرورًا لقولها، حتى برقت أسارير جبهتهُ، ولا يفرح النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالحقِّ، فدلَّ على أنَّ القافة دليلٌ يُعمل بهِ، ويجب المصير إليه، عند تعذر الفراش الصحيح الذي هو دليل على صحة الإلحاق، وقد قضى بها عمر رضي الله عنهُ بمحضر خير القرون، وقد روى 1 مالك عن سليمان بن يسار: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ كان يليط أولاد الجاهلية لِمن ادّعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدَّعى ولد امرأة، فدعا قائفًا ينظر إليهِ، فقال القائف: "فقد اشتركا فيه"، فضربهُ عمر بالدرة ثُمَّ دعى المرأة، فقال لها: "أخبرينى خبرك"، فقالت: "كان هذا [لأحد] 2
الرجلين، يأتينى [وهي] 1 في إبلٍ لأهلها، فلا يُفارقها حتى يظن وتظن أنها قد استمرَّ بها حمل، ثُمَّ انصرف عنها، [فأهريقت] 2 عليه دمًا، ثُمَّ خلفَ [عليها] هذا "تعنى الآخر"، فلا أدرى مِن أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: "وإلى أيَّهما شئت"، فقال [حكم] 3 بذلك عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] 4 بمحضر جماعة الصحابة [رضي الله عنهم] 5 مِن غير إنكار من واحدٍ منهم، فصار ذلك كالإجماع.
وبهذا قال مِن فقهاء الأمصار مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأبو ثور والأوزاعي.
وعلى الجملة فالناس في القول بالقافة على ثلاثة مذاهب:
أحدها: القول والعمل بمقتضاهُ، وبهِ قال من ذكرنا، ودليلهم: ما تقدَّم.
والثانى: أنَّهُ لا يجوز العمل بالقافة، وأنَّ الولد إذا تداعاهُ اثنان أو أكثر، فإنَّهُ يُقضى به لمن ثبت لهُ الفراش، وإن لم يكُن هناك [فراش] 6: كان بينهما، وكذلك إذا اشتركا في الفراش، وهو مذهب الكوفيين وأكثر أهل العراق، وحُجتهم: ما خرّجه مالك وغيرهُ مِن أئمة الحديث مِن طريق عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الولد للفراش, وللعاهر
الحجر"، فإذا عُدم الفراش أو اشتركا في الفراش: كان الولد بينهما، وكأنَّهم رأوهُ في ذلك بقوة شرعية لا طبيعية، وقالوا: "فإنَّهُ يلزم مَنْ قال: أنَّهُ لا يمكن [أن يكون] 1 ابنًا واحدًا من أبوين بالعقل، إذ لا يجوز [وقوع] 2 ذلك في الشرع، لاستحالة ورود الشرع بخلاف ما في العقل"، وروُى مِثل قولهم عن عمر رضي الله عنهُ.
والثالث: أنَّهم يقترعون فيهِ، فمن وقعت [عليه] 3 قُرعتهُ: فإنَّهُ يكون ابنًا له، ويغرم للباقين قدْر مالهم فيهِ على حساب الدِّية في مذهب أهل الظاهر وجماعة مِن أهل الحديث.
وحُجَّتهم: حديث ذكرهُ أبو عمر بن عبد البر أنَّهُ رواه [الثورى] 4 عن صالح بن خير عن الشعبى عن زيد بن أرقم، قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنهُ باليمن، فأُتى بامرأة وطئها ثلاث أُناسٍ في طهرٍ واحد، فسأل كُلُّ واحدٍ منهم أنَّ يُقَّر لصاحبه بالولد، فأبى فأقرع بينهم، وقضى بالولد للذى أصابتهُ قُرعتهُ، وجعلَ عليهِ ثُلُثى الدّية، فرُفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعجبهُ وضحك حتى بدت نواجذهُ".
فقالوا: إنَّ في هذا الحديث نفي الحكم بالقافة، وإلحاق الولد بالقُرعة.
وسبب الخلاف: إجماع السكوت، هل يكون حجَّة أم لا؟
فمن جعلهُ حُجَّة، قال: بوجوب العمل للقافة، وهو الصحيح وربُّك أعلم.
فإذا ثبت ذلك ووطئت امرأة في طُهرٍ واحد، فتأتى بولد لستة أشهر
مِن يوم وطئها، فلا يخلو الواطئان مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ يكونا حيَّين.
والثانى: أنْ يكونا ميِّتين.
والثالث: أن يكون أحدهما حيًا والآخر ميتًا.
فأما الوجه الأول: إذا كانا حيين، فلا يخلو وطؤهما مِن خمسة أوجه:
إما بنكاحٍ منهما جميعًا.
أو بملكٍ منهما.
أو أحدهما بنكاح والآخر بملك.
أو أحدهما بنكاح والآخر بزنا.
أو أحدهما بملك والآخر بزنا.
فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كان وطؤهما جميعًا بنكاحٍ، فإنَّهُ يُنظر:
فإن أتت بولد لأقل مِن ستة أشهر مِن يوم وطئ الثاني، فهو للأول إذا أتت بهِ لستة أشهر مِن يوم وطئهُ.
وإن أتت بهِ لستة أشهر فأكثر مِن يوم وطئ الثاني، فالولدُ بهِ لاحق، وإن كان وطؤه إياها بعد حيضة.
فإن وطئها قبل الحيضة، هل يُلحق بالأول لصحة فِراشهِ أو يُدعى لهُ القافة؟ فعن مالك في ذلك قولان:
والمشهور [عنه] 1 [نفى] 2 القافة في الحرائر، وهو نصُّ قوله في
"المُدوّنة"، حيث قال: "وإنَّما القافة في الأمة يطؤها السيدان في طهر واحد".
وسبب الخلاف: الحكم بالقافة، هل هو مقصور على ملك اليمين أو يتعدى بهِ إلى النكاح؟
فمرةً [قال] 1: أنَّهُ يتعدَّى به لثبوت العمل بالقافة، وقبول قول القائف في لُحوق النسب بأحد الواطئين، وثبوت نسبة منهُ بذلك: هذا أمرٌ يستوى فيه الملك والنكاح.
ومرةً رأى أنَّ الحكم بالقافة [يُقضى] 2 له في الملك، ولا يتعدَّى إلى النكاح، لأنَّ الأمة يُمكن أن تكون فراشًا لسيِّدين لصحة الاشتراك في الأمة، والزوجة لا يصح أن تكون فِراشًا لزوجين، لاستحالة وجود المقتضى في ذلك، فكون الزوج الثاني ترك البحث حتى أُوقع النكاح في زوجة الغير، أو [في] 3 العدة ليس ممَّا يقدح في فِراش الأول.
ووجهٌ آخر أنَّ الولد في النكاح لا يُنفى إلا بِلعان، والنفى بالقافة ضرب من الاجتهاد، فلا ينقل الولد من فراش صحيح بالاجتهاد بخلاف [ولد] 4 الأمة في ملك اليمين لأنه ينفى لمجرد الدعوى إذا ادعى الاستبراء فلأجل هذا شرع فيه الحكم بالقافة.
والجواب عن الوجه الثانى: إذا كان وطؤها بملك اليمين في طهر واحد.
فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها الثاني فلا خلاف أنه للأول وتقوم عليه وتكون له أم ولد على تفصيل [سيأتى] 1 في ذلك بيانه في وطء أحد الشريكين أمة بينهما.
فإن وضعته [لأقل من ستة أشهر من وطئها الثاني] 2 لستة أشهر فأكثر فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن تكون بين حرين مسلمين.
أو بين حر وعبد.
أو بين مسلم ونصراني.
فإن كانت [بين] 3 حرين مسلمين فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكونا فيها شريكين.
أو أحدهما بائع والآخر مشترٍ.
فإن كانا شريكين فلا يخلو من أن تضع ولدًا [واحدًا] 4 أو توأمين فإن وضعت واحدًا فلا يخلو من أن يكون حيًا أو ميتًا.
[فإن كان ميتًا] 5 فهل تدعى له القافة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا قافة في الأموات، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنهُ يدعى لهُ القافة، ولا يغير الموت شخصهُ، وهو قول
سحنون في "العُتبيَّة".
فإن وضعت واحدًا، وكان حيًا: فإنَّهُ يدعى لهُ القافة، فهل يكتفى [في ذلك بقائف أو لابد من الاثنين، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكتفى بقائف واحد.
والثانى: أنه لابد من اثنين] 1 وهو المشهور عن مالك، وبه قال الشافعي رضي الله عنهُ.
وسبب الخلاف: هل طريقها طريق الشهادة، ثُمَّ لابُدَّ في ذلك، مِن اثنين، أو طريقها طريق الإخبار، فيكتفى في ذلك بواحد بعد اتفاقهم على أنَّهُ لا يكون إلا عدلًا.
فإذا دعى لهُ القافة، فلا يخلو مِن أربعة أوجه:
أحدها: أن يلحقوهُ بواحدٍ منهما.
والثانى: أن يلحق بهما جميعا.
والثالث: أن يشكل على القائف أمرهُ.
والرابع: أن ينفيه عنهما جميعًا.
فإن ألحقهُ بواحد منهما: فإنَّهُ يلحق [به] 2 ويثبت نسبه منه، وتكون أمه أُم ولدٍ له، ويغرم نصف قيمتها يوم الحمل لشريكهِ، ولا [يحمل] 3 عليهِ في الولد على الخلاف في التقويم، متى تعتبر في وطء أحد الشريكين.
فأمَّا إن ألحقتهُ القافة بهما جميعًا، فقد اختلف [فيه] 4 المذهب على
أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يوالى [إذا] 1 كبر أيهما شاء، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يلحق بأوضحهم شبهًا ولا يترك، وموالاة من أحب، وهو قول مطرف وعبد الملك وابن نافع في كتاب "ابن حبيب".
والثالث: أنَّهُ يلحق بالأول إنْ عُرف، وإن جُهل يلحق بأكثرهما شبهًا، وهو قول محمد بن مسلمة.
والرابع: أنَّ الولد يبقى ابنًا [لهما] 2 جميعًا, ولا يُوالى واحدًا دون الآخر، وهذا القول حكاهُ [سحنون] 3 في "العُتبيَّة".
وسبب الخلاف: [هل] 4 قول القافة يُفيد العلم واليقين، ثُمَّ لا يجوز للابن إذا كبُر موالاة مَن شاء منهما، لما في ذلك مِن قطع نسب الآخر عنهُ بعد ثبوتهِ أو إنَّما يُفيد غلبة الظن، فيجوز للولد أن ينتهى إلى واحد يختارهُ، ويتخذ لهُ بنوَّتهُ لما في الانتساب إلى كليهما مِن مخالفة المُعتاد، في كون الولد الواحد لهُ أبوان، مع ما يلحق الابن مِن التبرى بذلك.
فإذا انتهى إلى واحدٍ منهما، فقد قطع مادة الطعن عن نفسه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، فأشار إلى اتخاذ الأُبوَّة.
وعلى القول بأنَّهُ يُوالى إذا كبر مَنْ شاء منهما.
فإن مات أحد الواطئين قبل أن يبلغ الصبى، وقف لهُ سهمه مِن ميراثه، إن والى الميت كان له الميراث، وإن والى الحي ردَّ المال [الموقوف] 1 إلى ورثة الميت، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة"، لأنَّ الصبى لو مات ولهُ أبوان، وقد سبقهُ أحدهما بالموت، فَوَرَثَتُهُ يقومون مقامهُ.
والثانى: أنَّهُ يرد ما وقف مِن مال الميت إلى ورثتهِ ثُمَّ يرثهُ الباقي، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: هل حياة الباقي بعدهُ كموالاتهِ إياهُ أم لا؟
فإن مات الصبى قبل بُلُوغهِ [وهما] 2 حيان، فميراثهُ بينهما نصفان.
فإن مات الأبوان قبل أن يبلغ الصبى، ويُوالى مَنْ شاء منهما [فإنه يوقف له قدر ميراثه من كل واحد منهما.
فإذا بلغ يوالى من شاء منهما] 3، ويرثهُ ويردُّ ما بقى للآخر، ويكون لورثته، وهو قول عبد الملك في "العُتبيَّة"، وقال أصبغ: "يرث مِن كُلِّ واحد نصف ميراث ولد".
وأمَّا إذا أُشكل أمرهُ على القائف، فذلك كما لو قال: قد اشتركا فيه.
وإنما دخل عليهِ الإشكال لتناسب الأشباه مِن الطرفين.
وأمَّا إذا قالت القافة: "ليس لواحدٍ منهما"، ففى ذلك قولان:
أحدهما: أنَّهُ يدعى [له] 4 قافة أخرى، هكذا أبدًا، لأنَّ القافة [إنما] 5 دُعيت لتُلحق لا لتنفى، وهو قول سحنون في
"العُتبيَّة".
والثانى: أنَّهما فيه شُركاء، وهذا القول حكاهُ الشيخ أبو إسحاق التونسي، ولم يُسم قائلهُ.
وعلى القول بأنَّهُ لا يُلحق بواحدٍ منهما إلا بقافة أُخرى.
فإن مات الأبوان أو أحدهما قبل أن يُدعى لهُ قافة فميراث من مات منهم لورثتهِ، ولا يرث الابن منهما شيئًا، لأنَّهُ ميراثٌ بالشك، لاحتمال أن يكون الولد مِن [غيرهما بسفاح] 1.
وإن مات الابن، فلا يخلو مِن أن يترك أولادًا أم لا؟
فإن لم يترك ولدًا، فميراثهُ لهما جميعًا, لأنَّ الولد لم يخرج عنهما، ولم يدعه غيرهما بشكٍ ولا بيقين، كمال تداعياهُ، ولم يدعه غيرهما، وهو قول عبد الملك في "العُتبيَّة".
فإن ترك ولدًا أو أولادًا، فإنَّهما يكون لهما [معهم] 2 السُدُس.
فإن ألحقهُ القافة بهما، ثمَّ مات قبل أن يبلغ، ويُوالى مَن شاء منهما، على القول بأنَّ ذلك سائغٌ لهُ، وترك [ولدًا أو] 3 أولادًا.
[فإن ترك ولدًا فإنه يوالى من شاء من الجدين كما كان للأب أن يوالى من شاء منهما] 4.
فإن ترك أولادًا، فهل يجوز لكلِّ واحدٍ منهما موالاة مَنْ أحبَّ [منهما] 5 أم لا؟
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز لهما إلا موالاة واحد مِن الجدين، ولا يُوالى هذا واحدًا [وهذا واحدًا] 1 [كما لم يكن] 2 لأبيهما أن يُواليهما جميعًا، وهو قول سحنون في "النوادر".
والثانى: أنَّهُ يجوز موالاة كُل واحدٍ منهما مَن أحبَّ مِن الجدَّين، كما لو ولدت توأمين، فإنَّهُ يجوز لكلِّ واحدٍ منهما أن يُوالى مَنْ شاء مِن الأبوين.
وأمَّا إن ولدت توأمين، فإنَّهما يُدعا لهما القافة أيضًا.
فإن ألحقهما القافة بأحد منهما أو قالت: "قد اشتركا فيهما"، كان الحُكم على ما قالت القافة.
وإن لحقت القافة كُل واحدٍ منهما بالآخر، وقال: هذا ابن هذا، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز، ويعاود النظر فيهما لهذه القافة أو لغيرها، وهو قول عبد الملك.
والثانى: أنَّ ذلك جائز، ويكون كُل واحدٍ منهما ابنًا لمن لحق به، وهو قول سحنون.
ثُمَّ ينظر [إلى] 3 الواطئ منهما أولًا:
فإن كان مُوسرًا، كانت لهُ أُم ولد، [وعليه نصف قيمتها يوم حملت وله على الثاني قيمة الولد جميعه وإن كان معسرًا كان] 4 عليهِ نصفُ قيمةِ
الولد للثانى، وهل لهُ على الثاني مِثل ذلك؟ قولان:
أحدهما: أنَّ لهُ على الثاني مِثلُ ذلك.
والثانى: أنَّهُ لا شىء لهُ عليهِ، والقولان حكاهما اللخمى.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمة، هل تُعتق عليهما بنفس الحمل [من الثاني فإن وطأها عليهما حرام أو لا تعتق إلا بالحكم؟ فمن رأى أنها تعتق بنفس الحمل] 1؟
قال: لا شىء على الثاني مِن قيمة الولد.
ومن رأى أنَّها لا تعتق إلا بالحُكم، قال: للأول عليهِ نصفُ قيمة الولد، وهذا كُلَّه إذا كانا شريكين.
فأمَّا إذا كانا مُتبايعين، فوطئها البائع، ثمَّ وطئها المشترى في طُهر واحد.
[فإن أتت] 2 بولد لأقلَّ مِن ستة أشهر مِن وطء المُشترى: فإنَّهُ يُلحق بالبائع، والأمة أُمُّ ولدٍ لهُ، ويُفسخ البيع.
واختلف إن ماتت قبل الوضع، ممن ضمانها؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ ضمانها مِن البائع، والأصل استصحابهُ حتى تخرج مِن الاستبراء، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ الضمان منهما جميعًا، ماتت قبل ستة أشهر أو بعدها، وهو [قول] 3 سحنون في الكتاب المذكور, لأنَّهما أصابا في طُهرٍ
واحد، وحصل الامتزاج بين المائين، وماتت قبل [أن] 1 يتبين مِن أيِّهما كان الحمل، وقد وجب الفداء بنفس الوطء، والأصل استصحابهُ عليهما حتى يتبين البراءة منهُ لأحدٍ منهما.
ويكون على المُشترى على هذا القول الأكثر مِن نصف قيمتها يوم الوطء أو نصف الثمن إن وضعتهُ لستة أشهر فأكثر.
فإن [مات] 2 قبل نظر القافة، هل يُدعى لهُ بعد موتهِ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُدعى لهُ القافة، إذْ لا قافة في الأموات, وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّهُ يُدعى لهُ القافة، إذْ لا يُغير الموت شخصهُ، وهو قول سحنون في "العُتبيَّة".
فإن عاش، فإنَّهُ يُدعى لهُ القافة:
فإن ألحقتهُ بالبائع، كان ابنًا لهُ، ويُفسخ البيع.
وإن ألحقتهُ بالمُشترى، لزم البيع وكانت الأمة أُم ولدٍ لهُ.
فإن قالت القافة "قد اشتركا فيه": عجل عِتق الأمة [الآن] 3، إذ لا يحلُّ وطء واحدٍ منهما, لأنَّ نصفها أُم ولدٍ [لكل واحد] 4 منهما،
ويغرم المُشترى للبائع نصف الثمن، وينتظر بالصبى حتى يبلغ ويُوالى مَنْ شاء منهما.
فإن مات قبل البلوغ، والموالاة: ورثاهُ جميعًا على حسبِ ما قدَّمناهُ.
فإن مات أحد الأبوين، وقف لهُ ميراثهُ منهُ.
فإن مات الصبى قبل بُلوغهِ، فهل يرثهُ ورثة الأب الميت أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ [ورثة] 1 الأب الحى [يرثوه] 2 دون ورثة الأب الميت، ويرد ما وقف لهُ مِن تركة الأول إلى ورثتهُ، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة"، وبهِ [قال] 3 ابن عبد الحكم.
والثانى: أنَّ ميراثهُ بين الباقي من الأبوين وبين ورثة الأب الميت [نصفين] 4، [ويضم ماله مع وقف له] 5، فيُقسمُونهُ بينهم أنصافًا، وهو قول سحنون في "الكتاب المذكور".
ثُمَّ إن مات الباقي [مِن] 6 الأبوين، فوقف لهُ ميراثهُ منهُ، ثُمَّ مات الصبى قبل أن يُوالى، فهل يُورث عنهُ ما وقف لهُ مِن الأبوين مع ما ترك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يورث عنهُ جميعًا، ويرثهُ [ورثة الأبوين] 1، وهو قول سحنون.
والثانى: [أنه] 2 لا يورث عنهُ ما وقف لهُ مِن الأبوين، بل يُرد إلى ورثة كُل واحدٍ منهما، وميراث الصبى لمن يرث الأبوين، نصفٌ لكلِّ فرق منهما، وهى رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العُتبيَّة".
واختلف على مَن تكون نفقتهُ إلى بلوغهِ: على قولين:
أحدهما: أن النفقة على الواطئين جميعًا، فإذا بلغ الصبى ووالى أحدهما لم يرجع المنفق على الملتحق بهِ بشىء ممَّا أنفق، وهو قول عيسى ابن دينار في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ النفقة على المُشترى، فإذا بلغ ووالى البائع، رجع عليه المُشترى بما أنفق، وهو قول أصبغ في "العُتبيَّة".
وأمَّا إذا كانت بين حُرٍ وعبد، فوطآها في طهرٍ واحد، فإنَّهُ يُدعى للولد القافة أيضًا.
فإن ألحقتهُ بالحُر كان ولدهُ وأُمهُ أُمَّ ولد لهُ، وعليه نصفُ قيمة الأُم وحدها إن كان مُوسرًا، وإن كان مُعسرًا.
كان الخيارَ لسيِّد العبد بين أن يتماسك بنصف الأمة لعبده، ويتبع الحُر بنصف قيمة الولد, لأنَّ الولد للسيِّد.
فإن قُوِّم عليهِ نصفُ الأمة ونصفُ الولد، فما ناب الولد مِن القيمة فلسيِّد العبد، وما ناب الأمة مِن القيمة فللعبد.