مناقشة قولهم: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- درء تعارض العقل والنقل
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1411 هـ - 1991 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وذلك أن القائل إذ قال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان: أحدهما أنه لا يسبق الحادث المعين، أو الحوادث المعينة أو المحصورة، أو الحوادث التي يعلم أن لها ابتداء، فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء، واحداً كان أو عدداً، فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله، بل لا يكون إلا معه أو بعده، فيكون حادثاً.
وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما يقولان.
وليس هذا مورد النزاع، ولكن مورد النزاع هو: ما لم يخل من الحوادث المتعاقبة التي لم تزل متعقابة، هل هو حادث؟ وهو مبني علي أن هذا هل يمكن وجوده أم لا؟ فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئاً بعد شيء دائمة لا ابتداء
لها ولا انتهاء؟ وهل يمكن أن يكون الرب متكلماً لم يزل متكلماً إذا شاء؟ وتكون كلماته لا نهاية لها، لا ابتداء ولا انتهاء، كما أنه في ذاته لم يزل ولا يزال ابتداء لوجوده ولا انتهاء له؟ بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال، فهل يمكن أن يكون لم يزل متكلماً بمشيئته، فلا يكون قد صار متكلماً بعد أن لم يكن ن ولا يكون كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه، ولا يكون متكلماً بغير قدرته ومشيئته، بل يكون متكلماً بمشيئته وقدرته، ولم يزل كذلك، ولا يزال كذلك.
هذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك، وبين من نازعهم في ذلك.
والفلاسفة يقولون: إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركاً، لكن هذا القول باطل من وجوه كثيرة.
ومعلوم بالاضطرار أن هذا مخالف لقولهم، ومخالف لما أخبر به القرآن والتوراة وسائر الكتب، بخلاف كونه لم يزل متكلماً أو لم يزل فاعلاً أو قادراً علي الفعل، فإن هذا مما قد يشكل علي كثير من الناس سمعاً وعقلاً.
وأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم، فهذا إنما نازع فيه طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه.
وأما جمهور الفلاسفة، مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم، ومع المجوس وغيرهم، ومع أهل الكتاب وغيرهم، فهم متفقون علي أن السماوات والأرض وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن، ولكن تنازعوا في مادة ذلك،
هل هي موجودة قبل هذا العالم؟ وهل كان قبله مدة ومادة، أم هو أبدع ابتداء من غير تقدم مدة ولا مادة؟
فالذي جاء به القرآن والتوراة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله، كما أخبر في القرآن أنه: ﴿استوى إلى السماء وهي دخان﴾ أي بخار ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت: 11] ، وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش والماء، كما قال تعالى ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء﴾ [هود: 7] وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر، كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
والشمس والقمر هما من السماوات والأرض، وحركتهما بعد خلقهما، والزمان المقدر بحركتهما ـ وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما ـ إنما حدث بعد خلقهما، وقد أخبر الله أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخري غير حركة الشمس والقمر.
وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون: إن هذا العالم مخلوق محدث، وله مادة متقدمة عليه، لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعنية قديمة أزلية، وهذا أيضاً باطل، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلي قول من يقول: إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع.
فإن قيل: إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالي ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [الرعد: 8] وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: 28] كما ذكر ذلك طائفة من النظار، فإن ما لا ابتداء له ليس له كل، وقد أخبر أنه أحصي كل شيء عدداً.
قيل: هذا لو كان حقاً لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها، كنفي ما دل علي الصفات، فإن تلك نصوص كثيرة جلية، وهذا ـلو قدر أنه دليل صحيح ـ فإنه يحتاج إلي مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقاً، مثل أن يقال: هذا يستلزم بطلان حوادث لا أول لها، وذلك يستلزم حدوث الجسم، لأن الجسم لو كان قديماً للزم حوادث لا بداية لها، لأن الجسم يستلزم الحوادث، فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو الحركات أو الأعراض، ثم يقال بعد هذا: وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسماً.
وهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالي، فكيف وقوله ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ لا يدل علي ذلك؟ فإنه سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: 12] فقد أحصي وكتب ما يكون قبل أن يكون إلي أجل محدود، فقد أحصي المستقبل المعدوم، كما أحصي الماضي الذي وجد، ثم عدم.
ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا، فإن كان الإحصاء يتناول ما لا يتناهى جملة فلا حجة في الآية، وإن قيل: بل أحصي المستقبل، تقديره: جملة بعد جملة، لم يكن في الآية حجة، فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك.
ومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة علي القولين، ليس الغرض هنا إنهاء القول فيها، بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام كونه لم يزل متكلماً