الوجه السادس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- درء تعارض العقل والنقل
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1411 هـ - 1991 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به الكتاب والسنة.
وهؤلاء يقولون: علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من دينه، أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ونحو ذلك.
وإذا كان ذلك معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام، لم يكن أن يقال: إن الرسول لم يخبر به، بل لا يمكن إلا أحد أمرين: إما تكذيب الرسول، وإما رد هذه المعارضات المبتدعة.
قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله، فالشبه القادحة في ذلك كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية، وهذه من جنس شبه السوفسطائية، فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل.
ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله، فإن أهل الإلحاد قد يذكرون له شبهات ويقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة، وقد لا يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك، لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في كلامهم، كمن يتكلم بلفظ (الجسم) ، (والجوهر) ، (والحيز) ، (الهيولى) ، (المادة) ، (والصورة) ، (الكلي) ، (والجزئي) ، (الماهية) ، ونحو ذلك عند من ليس له خبره بهذه الأوضاع والاصطلاحات، ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله، فإن المؤمن يعلم فساد ذلك مجملاً، وإن لم يعرف وجه فسادها، لا سيما إذا لم يكن خبيراً بطرق
المناظرة وترتيب الأدلة، وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها، ولمعارضة في موضعها، ونحو ذلك ما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق.
وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة النفاة، إذا قالوا: قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا، أو نفي الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة، أو على نفي معاد البدن، والنصوص المعارضة لذلك إما أن تأول وأما أن تفوض، فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم قالوا لهم: نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام، فلا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقاً لزم: إما جحد كون الرسول أخبر به، وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق- علم بالضرورة أن المعاد حق.
وهنا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة، فإن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات، فلا يستل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له، والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد.
فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول.
قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول.
وقد تقدم من كلام الملاحدة، كابن سينا ونحوه، ما يبين ذلك، وكل من تدبر كلام السلف والأئمة في هذا الباب، علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة.
ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية.
وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وقال يوسف بن أسباط، وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية.
قيل: والجهمية فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد.
ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.