كلام الباقلاني في شرح اللمع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- درء تعارض العقل والنقل
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1411 هـ - 1991 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال القاضي أبو بكر: (اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال على حدوث سائر الأجسام، وذلك أن الذي عناه بقوله: لو كانت قديمة لم يلحقها الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير، وخروجها من صفة كانت عليها إلى صفة لم تكن عليها، كنحو خروجها عن السكون إلى الحركة، وعن الحركة إلى السكون، وكاستصلابها بعد لينها، وافتراقها بعد اجتماعها، وما يلحقها من تعاقب الأكوان، وغير ذلك من التغيرات، لأن القديم الحاصل على صفة من الصفات لا يجوز خروجه عنها على ماذكره أصلاً، وذلك أن القديم إذا لم يزل مجتمعاً مثلاً أو مفتقراً، أومتحركاً أو ساكناً، أو على بعض هذه الصفات، لم يجز خروجه عنه، لأنه لايخلو أن يكون على ما هو عليه في أزله: لنفسه، أو لعلة، أولا لنفسه ولا
لعلة، أن لبطلان نفسه، أو لبطلان معنى، فيستحيل أن يكون على ما هو عليه لا لنفسه ولا لمعنى، لأن هذا يوجب خروج الإثبات عن تعلقه بمثبت، والخبر عن تعلقه بمخبر، وغير ذلك من وجوه الفساد، ويستحيل أن يكون ما هو عليه لبطلان نفسه - وعدمها، لأن المعدوم ليس بشيء يحصل على صفة من الصفات، ولأنه ليس عدم نفسه - إن جاز عدمها - بأن يكون تحصيله ساكناً أولى من تحصيله له متحركاً، ويستحيل أن يكون ذلك لبطلان معنى كان موجوداً به.
لأن القديم لا يجوز عدمه، ولأنه ليس بأن يكون متحركاً لعدم سكونه أولى من غيره، ممن يصح أن يكون متحركاً.
وهذا يوجب أن يكون الجسم إنما تحرك لعدم سكونه إلى محاذاة بعينها، ولو كان ذلك كذلك لم يكن تحركه لعدم ذلك السكون إلى تلك المحاذاة بعينها، أولى من تحركه إلى غيرها من الجهات، وإلىما هو أبعد منها.
وفي تحركه إلى جهة مخصوصة، ومحاذاة معينة - دليل على أن ذلك إنما وجب له لمعنى سوى عدم سكونه، ولأنه ليس بأن يتحرك هو لأجل عدم السكون، أولى من غيره من الأجسام، لأن عدم السكون ليس هو بأكثر من خلوه منه، وأنه ليس فيه وغيره من الأجسام حال من ذلك السكون أيضاً، فكيف صار خلوه منه يوجب له التحرك أولى من كل من خلا من الأجسام؟ وفي فساد ذلك: دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك تحرك لعدم معنى.
وجملة هذا أن القديم لا يجوز عدمه، ولا يجوز لمثل ذلك أن يكون القديم إنما يتحرك فيما لم يزل لعدم نفسه، ولا لعدم معنى قديم.
فلم يبق إلا وجهان: أحدهما: أن يكون فيما لم يزل على ما هو عليه لنفسه أو لمعنى قديم.
فإن كان لم يزل ساكناً لنفسه، استحال تحركه بعد سكونه، لوجود نفسه في كلا الحالين.
ويستحيل خروج الشيء عن الوصف المستحق لنفسه، مع وجود نفسه التي بها كان كذلك.
وإن كان لم يزل ساكناً لأجل معنى قديم، استحال أن يتحرك إلا عند عدم سكونه القديم، وإلا وجب تحركه وسكونه معاً.
فإذا استحال ذلك، واستحال عدم سكونه إذا كان قديماً، واستحال أن يخرج القديم عن الصفة التي هو فيها لم يزل عليها، لم يجز أن يلحقه - لما وصفناه - وانقلاب ولا تغيير، ولا اعتمال ولا تأثير، فصح ما قاله شيخنا أبو الحسن من هذا الوجه) .