الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- درء تعارض العقل والنقل
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1411 هـ - 1991 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أن يقال: كل من له أدني معرفة بما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم يعلم بالاضطرار أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه الطريقة، طريق الأعراض، ولا نفي الصفات أصلاً ن لا نصاً ولا ظاهراً، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا مبايناً له، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، بل ولا نفي الجسم الاصطلاحي، ولا ما يرادف من الألفاظ، ولا ذكر أن الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل، أو في الماضي، لا نصاً ولا ظاهراً، ولا أن الرب صار الفعل ممكناً له بعد أن لم يكن ممكناً، ولا أنه صار الكلام ممكناً له بعد أن لم يكن ممكنا ًن ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه، وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصاً ولا ظاهراً.
بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وأن القرآن لم يعارضه أحد، وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس، وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلي الليل وصلاة الليل إلي النهار، وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف والاستسقاء، وأنه لم يرض بدين الكفار، لا المشركين ولا أهل الكتاب قط، وأنه لم يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء، وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به، لا أهل الصفة ولا غيرهم، وأنه لم يكن يؤذن بمكة، ولا كان بمكة أهل صفة، ولا كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلي المدينة، وأنه لم يجمع أصحابه قط علي سماع كف ولا دف، وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب، وأنه لم يكن يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب، وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحاً إلا بالمسلمين، لم يكن يصلي الفرض وحده، ولا في الغيب، وأنه لم يحج في الهواء قط، وأنه لم يقل رأيت ربي في اليقظة، لا ليلة المعراج ولا غيرها، ولم يقل: إن الله ينزل عشية عرفة إلي
الأرض، وإنما قال: إنه ينزل إلي السماء الدنيا عشية عرفة فيباهي اللائكة بالحجاج
ولا قال: إن الله ينزل كل ليلة إلي الأرض، وإنما قال: ينزل إلي سماء الدنيا وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علماً ضرورياً أنه لم يكن، ومن روي ذلك عنه أو أخذ يستدل علي ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار، كما يعلمون بطلان قول السوفسطائية، وإن لم يشتغلوا بحل شبههم.
وحينئذ فمن استدل بهذه الطريق، أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات، كان كذبه معلوماً بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي عليه هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها، وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل، فضلاً عن المتوسطين، فضلاً عن الوارثين له، العالمين بأقواله وأفعاله.