إلا ماكان خاصاً بها، فلا يعد: الإسلام والعقل؛ لأنهما شرطان فى مطلق الصلاة وليسا خاصين بالإمام، ولا خلافَ فى اشتراط الإسلام.
واختلفى فى الكافر يَتَزَيَّا بِزِىِّ الإسلام ويُصَلِّى، فإذا ظُهِرَ عليه قال: فعلت ذلك خوفاً، فقال مالك فى العتبية: لا يُقتل، ويُعيدون أبداً.
ابن يونس: يريد ويُعاقَبُ.
ونقل عن مالك أيضاً أنهم يُعيدون أبداً، وإِنْ ظُفِرَ به استُتِيبَ كالمرتد.
وكذلك قال مطرف: إِنْ لم يَتُبْ قُتِلَ.
وقاله ابن الماجشون.
ابن يونس: وقال سحنون: إن كان بوضع يخاف على نفسه فَوَارَى بذلك عن نفسه وماله لم يُعْرَضَ له، وإِلا قُتِلَ.
ومنشأُ الخلاف: هل الصلاة عَلمٌ على الإسلام كالشهادتين، فيكون كالمرتدِّ، أَمْ لا؟ فعلى القول أنها ليست عَلماً يُقبل عذرهُ ويُعيدُ مأمومُه، وعلى عكسِه لا يُقبل عذرُه، وفى إعادتهم قولان.
وقوله: (قراءة وفقها) كذلك فى بعض النسخ، وفى بعضها: وفعلا عوضا عن (فقها) وهى أولى؛ لأنها يدخل تحتها الفقه والقدرة على الركوع، والسجود، والقراءة.
ثم أخذ المصنف يتكلم على الشروط فقال:
فَلا تَؤُمُّ امْرَأَةٌ، وَرَوَى ابْنُ أَيْمَنَ: تَؤُمُّ النِّسَاءَ
روى أبو داود حديثاً فى جواز إمامة المرأة، ولم يأخذ به أكثر العلماء، ورأوا الإمامةَ مِن باب الولاية.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لن يفلح قومٌ ولوا أمَرهم امرأةً".
وذهب أبو ابراهيم الأندلسى إلى أنه من ائتم بها من النساء يُعيد فى الوقت.
وَلا الصَّبِيُّ، وَقِيلَ: يَؤُمُّ فِي النَّافِلَةِ
مذهب المدونة أنه لا يَؤُمُّ فى فريضة ولا نافلة، وفى المختصى جوازُ إمامته فى النافلة.
زاد أشهب فى روايته: وفى قيام رمضان.
فإنْ أمَّ فى النَّفْل- على مذهب المدونة- صحتْ وإِنْ لمْ يَجُزْ.
وإنْ أَمَّ فى الفَرْضِ فقال سحنون: يُعيد مَن صلى خلفَه أبداً، وكذلك مَنْ صلى خَلْفَ المرأةِ.
وحكى فى النوادر عن أبى مصعب أنها جائزةٌ إذا وقعت، وقاله أشهبُ فى مدونته فى إمامِ أَحْدَثَ فَقَدَّمَ صَبِيّاً فأَتَمَّ بهم: إِنْ عَقَلَ الصلاةَ وأَمْرَها أَجزأَتْه، وأَعَادَ مَنْ خَلْفَه فى الوقت.
وزعم اللَّبِيدِىُّ أن الشيخَ وَهِمَ من ذلك، وأن المسألة لا وجود لها فى كتاب أبى مصعب، وأن الشيخ عزم على إصلاح كتابه بعد [??/أ] مطالعته لأبى مصعب فاخترمته المنية.
فرع:
سُئِلَ مالكٌ فى العتبية عن الغلمان فى الكتاب، أيصلى بهم أحدهم؟ فقال: ما زال ذلك مِن فِعْل الصبيان وخفَّفَه.
ولم يَحْكِ فى البيان فى ذلك خلافاً.
وَلا السَّكْرَانُ
لا إشكالَ فى َعَدِم الصلاةِ خلفَه إذا غُلِبَ على عقلِه.
التونسي: وهو كالمجنون.
وإلى ذلك أشار اللخمي، قال: ويُختلف إذا شَرِبَ خمراً ولم يَسكر، فقال مالك فى الموازية: يعيدون؛ لأن الخمر فى جوفه.
وعلى القول أن عَرَقَ السكرانِ نجسٌ يكون جميعُ الحسد نجساً، ويُعيد فيها قَرُبَ.
انتهى.
ونصَّ ابنُ حبيب والتونسى على إعادته وإن لم يَسكر أبداً.
رقال ابن حبيب: وكذلك مَنْ صَلَّى خلفَه، إلا أن يكون الإمام الذى تؤدى إليه الطاعة، فلا يُعيدون إلا أن يكون فى حالة صلاته سكراناً.
قال ابن حبيب: وقاله مَن لقيته مِن أصحابِ مالك.
ابن يونس: والصواب عدم إعادة المصلى خلفه؛ لأنه مِن أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالاً من المبتدع.
وقد اختلف فى إعادة الصلاة خلفه.
وَلا الْجَاهِلُ بِمَا ذُكِرَ
أى بالفقه والقراءة.
وَلا الْعَاجِزُ عَنِ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ أَوِ الْفَاتِحَةِ كَالأَخْرَسِ وَالأُمِّيِّ
هذا ظاهر.
وَالْقَاعِدُ بِالْقيَامِ مِثْلُهُ عَلَى الأَصَحِّ
أى: أن القاعدَ لا يجوز أن يؤم القائم فى فرضٍ أو نفلٍ، وهكذا فى المدونة.
وقوله: (مِثْلُهُ) أى: العاجز، وما عبَّر عنه المصنف بالأصحِّ عبَّر عنه ابن البشير بالمشهور.
وفى المدونة: إذا عَرَضَ للإمام ما يمنعه القيامَ استَحلف ورجع إلى الصف، فإن أمَّ أَعَادَ مَنِ ائْتَمَّ به أبداً.
ونحوه لابن الماجشون.
وفى الجلاب: الكراهة، ومَنِ ائْتَمَّ به يُعيد فى
الوقتِ.
وروى الوليد بن مسلم جوازَ إمامةِ الجالس للقيام، وقاله أشهب في مدونته، واختاره اللخمي.
واستحب مالك في هذه الرواية أن يقوم إلى جانب الإمام رجلٌ يَقتدي به الناسُ.
ودليل المشهور ما خرجه الدارقطني عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "لا يَؤُمُّ أحدٌ بعدي جالساً".
هذا الحديث أدخله سحنون في كتابه واحتج به، وذكر عبد الحق في الأحكام الكبرى أن الحديث، مرسل، وأن جابرَ بن يزيد متروكُ الحديث، ولكن العمل عليه في سائر الأمصار.
ودليله من جهة القياس أن الجالسَ تاركٌ لركنٍ، فلا يصح الاقتداء به كصلاة القادر عل القراءة خلفَ العاجزِ عنها؛ لأنه إن قام المأموم خالفه، وإن جلس تَركَ فرض القيام.
ودليل الثاني صلاةُ أبي بكر في مرضه صلى الله عليه وسلم، على ما عليه الجمهور أن أبا بكر كان مأموماً.
وَفِي إِمَامَتِهِمُ لأَمْثَالِهِمْ قَوْلانِ بِخِلافِ الْمُومِىِء
أي: الأمي، والقاعد، والعاجز عن الركوع أو السجود أو الفاتحة؛ لأنه أخرسُ أو أميٌّ.
وأشار ابن عبد السلام إلى أن الخلاف في الأخرس والأمي مقيّدٌ بعدمِ وجودِ القارئ، وأما إذا أمكنها أن يصليا خَلْفَ القارئ فلا؛ لأن القراءة لمَّا كان يحمِلُها الإمام كان تركُهما الصلاة خلف الإمام تَركاً للقراءة اختياراً، وفيه نظر؛ فقد قال سند: ظاهر المذهب بطلانُ صلاة الأميِّ إذا أمكنه الائتمامُ بالقارئ فلم يفعل.
وقال أشهب: لا يجب عليه الائتمام بالقارئ، كالمريض الجالس لا يجب عليه أن يأتم بالقائم.
وحكى المصنف في إمامة هؤلاء لأمثالهم قولين: قال ابن القاصم: لا يتبني لأحد أن يَاتَمَّ بمَنْ لا يُحسن القراءةَ.
وعلى هذا فلا يأتمَّ أميٌ بأميٌّ.
وقال ابن حبيب: لا يجوز لهم أن يأتموا بأميٍّ إلا أن
لا يجدوا قارئاً ويخافوا فواتَ الوقت، وأما إن وجدوه فصلاتُهم فاسدة.
قال ابن الحارث: وهو قولُ ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ.
وقال سحنون في كتاب ابنه أنه لا بأس أن يؤم الأميُّ أميين.
قال سند: وهو المعروف من قول أهل العلم، أن ائتمام الأمي بالأميين صحيح، وقاله الشافعي وأبو حنيفة.
انتهى.
وأمَّا إمامة الأخرس بمثله فلم أَرَ فيها نَصّاً.
وأما العاجزُ فأنكر ابن عبد البر وصاحب البيان وجودَ الخلاف فيه، ورَأَيَا أنه لا يُختلف في صحتها، وصحح غيرُهما وجودَه.
وقوله: (بخِلافِ المومِئِ) ظاهرُه أنه لا يختلف في ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم في صفات الإمام: (فإذا ركع فاركعوا) فجعل مِن صفته الركوعَ.
ولعل المصنف اعتمد هنا على المازري، فإنه قال: ولو كان الإمام يصلي إيماء.
فأجاز الشافعي الائتمام به، ومنعه أبوحنيفة.
وظاهرُ ما أشار إليه أصحابنا أنَّا لا نُجيزها وإن أجزنا إمامةَ الجالس، لكن ذكر في الجواهر الخلافَ في إمامة المضطجع.
فرع:
في أسئلة ابن رشد: تجوز إمامةُ الأجذم، فإن كثر ذلك وتضرَّرَ مَن خلفَه به فينبغي له أن يتنحَّى عنهم، فإن أبى أُجْبِر.
وَفِيهَا وَلا يَؤُمُّ أَحَدٌ جَالِساً، وَلا يُصَلِّي عَلَى أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ إِلا فِي الْيَسِيرِ؛ لأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ، وَقَالَ فِي السَّفِينَةِ: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ فَوْقَهَا وَالنَّاسُ أَسْفَلَ ....
تقدم الكلام على مسألة الجالس.
وفي مسند ابن سَنْجَرَ (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الإمام على أرفَع مما عليه أصحابه).
قال علماؤنا: وكأنه أشار بذلك إلى ما أحدثته بنو أمية بعده من التكبر عن مساواة الناس.
ابن بشير: ولا خلاف أن قصد الإمام ذلك محرَمٌ، وأنه مبطلٌ للصلاة، وإن صلى غيرَ قاصد للتكبر، [73/ب] وكان الارتفاعُ يسيراً صحتِ الصلاةُ بلا خلافٍ، وإن كان
كثيراً فللمتأخرين قولان: صحةُ صلاته، وأُخِذَ مِن قوله- في تعليل البطلان- لأن هؤلاء يعبثون.
والبطلانُ لعمومِ الحديث المتقدم.
ولو تساوى قومٌ في الارتفاع، وصلَّى غيرُهم على موضعٍ غيرِ مرتفعٍ، فإن قَصَدَ المرتفعون الكبرَ بطلتْ صلاتُهم، وإنْ لم يقصدوا ذلك ففي إعادةِ الصلاة في الوقت قولان.
وهكذا قال ابن حبيب في الإمام يصلي في السفينة: إن المُرْتَفِعِينَ يُعيدون في الوقت.
انتهى بمعناه.
ونص المدونة: ولا يُصلي الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه، وإن فعلوا أعادوا أبداً لأنهم يعبثون، إلا الارتفاع اليسير مثل ما كان بمصر فإنه تجزئهم صلاتم.
انتهى.
وظاهرُه، أن الإعادة على الإمام والمأموم، وكذلك نقل المسألة التونسي.
وقيل لأبي عمران: هل يعيد الإمام؟ فقال: ليس بالقوي.
وقال ابن زَربٍ: لا إعادة عليه؛ لأنه لو ابتدأ الصلاة وحده هناك لم تكن عليه إعادة.
قالوا: ويلزم على قول ابن زرب أن يُعيد الإمام إذا كانت الصلاةُ جمعهً؛ فإنه يصر قد جمع وحده لبطلان صلاة المأمومين، وهذا مما ينقض الاتفاق الذي حكاه ابن بشير.
المازري: وذهب سحنون ويحي بن عمر إلى إجازة ذلك إذا ضاق موضع الإمام عن المأمومين.
وقال فضل بن مسلمة: تعليله بأنهم يعبثون يشير إلى قصر المنعِ على موضعٍ واسع يُمكن الصلاة فيه مع الإمام.
ثم قال: وقال بعض أشياخي -يعني اللخمي– إذا صلى رجٌل في موضعٍ مرتفع لنفسه، فأتى رجلٌ فائتم به صحت صلاته، وكأنه رأى أن افتتاحه وَحدَه يُشعِرُ بعدم قصده العبثَ.
انتهى.
وفي الجلاب: ويجوز أن يصل الإمام والمأموم أسفل منه، ولا يصل المأموم في أسفلَ والإمامُ في علوٍ إلا أن يكون مع الإمام طائفةٌ يُصلون معه.
انتهى.
وقُيَّدَ بأن تكون طائفة مِن سائرِ الناس.
قال بعضُ الأصحاب: وما ذكر ابنُ الجلاب هو اخيارُه، وظاهرُ المذهب خلافُه، لقوله في السفية: لا يعجبني أن يكونَ هو فوق والناسُ أسفل، وليُصَلَّ الذي فوقَ بإمامٍ والذي أسفل بإمام.
قال صاحب اللباب: وذكر ابنُ حبيب أن الأسفلين يعيدون في الوقت، قيل: وإنما ذلك لأنَّ الأسفلين ربما لم تمكنهم مراعاة أفعال الإمام، وربما دارتْ فيختلط عليهم.
انتهى.
خليل: وعلى هذا فيحتمل أن يكون هذا جواباً لما في الجلاب ولا يكون مخالفاً، وهو الأقربُ بالقيدِ الذي قيد به كلامَه، فانظره، والله أعلم.
وقالوا: الارتفاع اليسير نحو الشبر، وعَظْمِ الذراع.
زاد في المدونة في مسألة السفينة: ولكن يُصلون فوق بإمام، وأسفل بإمام.
ابن حبيب: وإن صلى الأسفلون بصلاة الأعلى أعادوا في الوقت.
ابن يونس: لأنهم ربما لم يتمكن لهم مراعاةُ فِعْلِ الإمام.
وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ الأَعْرَابِيِّ لِلْحَضَرِيِّ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَأَهُمْ
قالوا: لتركه الجمعةَ والجماعات غالباً ومشاهِدَ المسلمين.
وفي النَّفْسِ مِن هذا التعليل- مع كونه أقرأ -شيء.
عياض: والأعرابي -بفتح الهمزة- وهو البدوي كان عربياً أو عجمياً.
وَلا تُكْرَهُ مِنَ الأَقْطَعِ، وَالأَشَلِّ كَالأَعْمَى، وَقِيلَ: تُكْرَهُ كَالْمُتَيَمِّمِ بالْمُتَوَضِّئِينَ، وَالْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِينَ ....
قال ابن بشير وصاحب العمدة: المشهورُ من المذهب أن القطعَ والشللَ لا يَمنع الإجزاءَ؛ لأنه مكملٌ للفرضِ.
وظاهرُ روايةِ ابن وهب أنه يمنعُ الإجزاءَ؛ لأنه رأى ألا يُصلى خلفه، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" فعَدّ اليدين.
قال في العمدة: ومحتملُ أن يريد الكراهةَ، يرتفعُ الخلافُ.
وعلى هذا فما ذكره المصنف مِن نفي الكراهة ليس هو المذهب، لكنه اقتصر في الجلاب على ما ذكره المصنف.
ونقل اللخمي وصاحب اللباب وغيرهما عن ابن وهب كراهةَ إمامة الأقطع والأشل إذا لم يقدر أن يضع يده بالأرض، وأجاز ابن الماجشون إمامة الأقطع والخصي وإن كان راتباً.
ولفظ الرواية المذكورة في النوادر: لا أرى أن يؤم.
والمعروفُ عدمُ كراهة إمامة الأعمى كما ذكر المصنف.
وفي الصحيح أن عِتَبانَ بنَ مالكٍ كان يَؤُمُّ قومَه وهو أعمى، وفي
الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام استَخلف ابنَ أمِّ مكتوم على المدينة بضع عشرة مرة يؤُمُ الناس.
نَعَمْ قَدَّم أصحابُنا البصيرَ عليه.
وفي الإرشاد الكراهةُ.
ولا أعلم له موافقاً.
وَفِي اللَّحَّانِ ثَالِثُهَا: تَصِحُّ إِلا أَنْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى كَأَنْعَمْتُ ضَمّاً وَكَسْراً.
وَرَابِعُهَا: إِلا فِي الْفَاتِحَةِ، وَالشَّاذُّ الصَّحَّةُ.
وَفِيهَا: وَلا يُصَلِّي مَنْ يُحْسِنُ خَلْفَ مَنْ لا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَيُعِيدُ أَبَداً، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِهَا ...
الخلاف المذكور ينبني على أن اللحن هل يُلحِق القراءةَ بكلامِ الناس ويخرجه عن كونِه قرآناً أم لا؟ فمَن رأى الصحةَ رأى أنَّ اللحنَ لا يُلحقها بالكلاَم، وهذا القول حكاه اللخمي ولم يعزه.
المازري: ولم أقف عليه.
ولذلك قال المصنف: (وَالشَّاذُّ الصَّحَّةُ).
ونقله في البيان عن ابنِ حبيبٍ، قال والصلاة عندي مكروهة ابتداء.
قال وهو الصحيح؛ لأن القارئ لا يقصد بقراءته ما يقتضيه اللحنُ، بل يعتقد بقراءته ما يعتقد ما من لا يلحن.
انتهى.
وفي قوله: (وَالشَّاذُّ الصَّحَّةُ) إشارةٌ إلى أن المشهور البطلان، ولكن لا أعلم مَن صرَّح بتشهيرِه.
نَعَم [74/أ] قال القابسي: هو الصحيح.
واحتَجَّ له بقوله في المدونة: ولا يُصلي مَن يُحسن خلفَ مَن لا يُحسن القراءةَ، وهو أشدُّ من تَركِها.
قال: ولم يفرق في المدونة بين فاتحةٍ وغيرِها، ولا بين مَن يغير المعنى وغيرهَ.
ورأى في الثالث أنه إذا غَيَّرَ المعنى صار كلاماً، مثل أن يقول: أنعمتُ -بضم التاء- فيضيف الفعلَ إلى نفسِه، أو يكسرها فيُضيفه إلى المؤنث، وهو اختيار القاضيين: أبي الحسن وأبي محمد.
والرابعُ لابن اللباد وابن أبي زيد.
ابن عبدالسلام: وبهذا كان كثير ممن أدركنا يفتي.
وَالأَلْكَنُ: الْمَنْصُوصُ تَصِحُّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ
قال ابن عبد السلام: والأَلكَنُ من لا يستطيع إخراجَ بعضِ الحروف مِن مخارجِها سواء كان لا ينطق بالحرف ألبتةَ، أو ينطق به مُغتراً.
انتهى.
والألكنُ جنسٌ يدخل تحته أنواعٌ، كالفَافَاءِ، والتَّمْتَامِ، والأَرَتِّ، والأَلْثَغِ.
والفأفاء والتمتام اللذان يزيدان الفاء والتاء، والأرت الذي يجعل اللام تاء، قاله الفراء.
وقيل: هو الذي يدغم حرفاً في حرف.
وقال المبرد: الرُّنَّةُ كالربح تمنع الكلام فإذا جاء شيء منه اتصل، والألثغُ الذي يُبْدِلُ حرفا بحرف.
وقال الفراء: الذي يجعل الراءَ لاماً، والصادَ تاءً وقال الأبهرى: وهو الذي لا يُبِينُ الكلامَ.
وقال ابن العربي: واللُّكنةُّ تجمع ذلك كله.
وقوله: (الْمَنْصُوصُ) ظاهرُه أن مقابلَه القول الثاني، وهو أنها إنها تصح إذا كانت لكنته في غير الفاتحة، وهذا القول حكاه ابن العربي، وهو ظاهر الجلاب؛ لقوله: ولا بأس بإمامة الألكن إذا كان عدلاً وكان يقيم حروف الفاتحة.
وقال اللخمي: ولا أعلمهم يخالفون أن صلاة مَنِ ائْتَمَّ بالألكن ماضيةٌ ولا إعادة عليه.
وفي ابن بشير: وإذا كانت لكنته في لسانه فالمنصوصُ صحةُ الصلاة.
وحكى عن القاضي إسماعيل أنه قال: إذا لم تكن لكنته في القراءة، وهذا إن صح فيكون في المسألة قولان: صحه الاقتداء؛ لأن اللكنة لا تغير معنى، وعدمُ الصحة؛ لأن المطلوب النطق بالحروف، وهو عاجز عن ذلك.
انتهى.
خليل: وفي كلامه نظر؛ لأن الذي نقله اللخمي والمازري عن القاضي أنه أجاز إمامةَ الألكنِ إذا كانت لُكنته في غيرِ محلِّ القراءة.
المازري: وهذا الاشتراط لا معنى له؛ لأن التقصير في غير القراءة لا يؤثر في القراءة، ولذلك استبعده اللخمي لأن اللكنة من الطبع فلا تغير بقراءة ولا غيرها، لكن هذا لا
يدل على البطلان إن وقع، ألا ترى أن اللخمي حكاه ثم حكى الاتفاق المقدم، فلو كان يدل عل البطلان لتناقض كلامه.
وقول المصنف: (تَصِحُّ) لا يلزم منه الجواز ابتداء.
ونقل اللخمي أن لمالك في المجموعة وفي المبسوط إجازة ذلك ابتداء.
وفي الجلاب الجوازُ كما تقدم.
وحكى ابنُ العربي قولاً بالجواز في قليل اللكنة، والكراهة في بَيَّنها.
وَمِنْهُ مَنْ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ
ظاهره أن الضمير في (مِنْهُ) عائد على الألكن؛ أي: مِن جنس الألكن.
وهو الذي قاله ابن عبد السلام.
ونص ابن أبي زيد والقابسي على أن مَن صلَّى خَلفِ مَن لا يُميز بين الضاد والظاء صلاتُه باطلة.
اللخمي: وفي الإشراف في الأعجمي الذي يلفظ بالضادِ ظاءً، أو الألثغ تَصِحُّ إمامته؛ إذْ ليس في ذلك إحالة.
والأظهر عَوْدُ الضمير على اللحان.
وكذلك ذكره اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم، أعني أنم ذكروا مَن لا يميز بينهما من اللحن.
خليل: وهنا بحث، وهو أن يقال: الذي لا يميز بين الضاد والظاء لا يخلو إمَّا أن يكون عاجزاً في الحال والمستقبل؛ أي: لا يقبل التعليم لطبعه، أو قادراً في الحال، أو عاجزاً في الحال قادراً في المستقبل.
فالأول: ينبغي أن يكون كالألكن.
والثاني: ينبغي ألا يُختلف في بطلان صلاته؛ لأنه كالمُتَلاعب.
والثالث: إن اتسع الوقت للتعليم وَجَبَ عليه الائتمام، كما قالوا في العاجز عن الفاتحة.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ كَالْجَاهِلِ فِي الْبَابَيْنِ كَاللامِ وَالنُّونِ
فيحتمل أن يريد بالبابين اللحانَ والألكن، ويعني أته إذا أمكن لكل منهما أن يتعلم فهو غير معذور.
وقوله: (كاَللامِ وَالنُّونِ) أي أن الضاد والظاء حرفان متباينان كتباين اللام والنون، فكما لا تقوم اللامُ مقامَ النون ولا العكس فكذلك هما، وإلى هذا ذهب ابن عبد السلام وابن هارون.
ويحتمل أن يريد بالبابين الجاهلَ بالفقه والقراءة؛ لأنهما إذا أمكنهما التعليم ولم يتعلما كانا كالتارك عمداً لما لا تصح الصلاة إلا به قراءة وفقهاً ولم يفعل، وإذا لم يمكنه ذلك فهو معذور.
وقوله: (كاَللامِ وَالنُّونِ) مثالٌ لما يمكنه تعليمه؛ لأن مخرجَ اللام والنون سهلٌ بخلاف مخرج الضاد والظاء، وإليه ذهب ابن راشد، فقال: وهكذا سمعته من شيخنا ابن دقيق العيد.
ابن هارون: وفيه عندي بُعْدٌ؛ لأن المصنف لم يتكلم في هذا الفصل إلا على القراءة، لا على الفقه، فقرينةُ السباق تنفيه.
خليل: وقولُ المصنف: (كَالْجَاهِلِ) في كلا التمشيتين من باب تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن من يمكنه التعلم ولم يتعلم فهو جاهل.
وانظر قول المصنف: (وَالظَّاهِرُ) هل أراد الظاهر في النظر، أو أراد بالظاهر قول ابن أبي زيد؟ ويكون مقابله ما قاله عبد الوهاب في الإشراف، وعلى هذا تمشية ابن عبد السلام، وأما على التمشية الثانية فإنما يريد الظاهر في النظر، والله أعلم.
وَفِي الْمُبْتَدِعِ كَالْحَرُورِيِّ وَالْقَدَرِيُّ ثَالِثُهَا: تُعَادُ فِي الْوَقْتِ.
وَرَابِعُهَا: تُعَادُ أَبَداً مَا لَمْ يَكُنْ وَالِياً بِنَاءً عَلَى فِسْقِهِمْ أَوْ كُفْرِهِمْ، وَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي فِيهِمْ قَوْلانِ، وَفِيهَا: لا يُنَاكَحُونَ، وَلا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، وَلا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ، وَلا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ .....
القول بالإعادة أبداً لأصبغ وابن عبد الحكم، والقولُ بنفي الإعادة لمالك في سماع ابن وهب، وهو قول سحنون.
والثالثُ لابن القاسم في المدونة، ونصها: وقف مالك في إعادةِ مَن صَلَّى خلف مبتدعٍ.
وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت.
قال مالك: ولا يُسلم على أهل البدع، ولا يناكحون، ولا تُصلى خلفهم جمعة ولا غيرها.
والرابع لابن حبيب، قال: إذا كان والياً تؤدى إليه الطاعة، أو قاضيه، أو خليفته، أو صاحب شرطة فالصلاةُ خلفه جائزةٌ، وإن أعاد في الوقت فحَسَنٌ.
ونحوه لمالك.
وقوله: (بِنَاءً عَلَى فِسْقِهِمْ أَوْ كُفْرِهِمْ) أي: فعلَى الكُفْرِ يُعيد مَن صلى خلفَه أبداً، وعلى الفسق يُخْتَلَفُ، كالفاسق بالجوارح، والمختارُ عند حذاق المتكلمين عدمُ تكفيرهم، وأنه لا يُكَفَّرُ أحدٌ بذنبٍ من أهل القبلة.
وأكثر المتكلمين إنما فرضوا هذه المسألة فيمن كانت بدعته في الصفات، وجعلوا الخلاف فيها مبنياً على الخلاف في التكفير بالمآل.
وعلى هذا فليس لذِكرِ الحروريِّ هنا معنى: إذ الحرورية قومٌ خرجوا على عليٍّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- بحرُورَاءَ ونقضوا عليه قضية التحكيم، وكفَّرُوا بالذنبِ، ولم يظهر منهم خلافٌ في الصفات، وإلى هذا أشار ابن عبد السلام، وقد يُجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن ما ارتكب هؤلاء من التكفير بالذنب من أعظم البدع.
والثاني: نقل ابن يونس عن مالك التسوية بين القدري والحروري في أنه لا يُصلى خلفهما، ثم ذكر بعد ذلك الخلافَ كما ذكر المصنف، فدل على أن الجميع سواء.
قال في البيان بعد ذكره الأربعة الأهوال، وأن الخلافَ مبنيٌّ على الخلاف في التكفير: وهذا فيما كان من الأهواء والبدع محتملاً للوجهين، إذ منها ما هو كفٌر صرح، فلا يصح أن يُختلف في أن الإعادة واجبة على من صلى خلفهم، ومنها ما هو هوى خفيف لا يَؤُول بمعتَقِدِه إلى الكفر، فلا يصح أن يُختلف في أن الإعادة غيرُ واجبة على مَن صلَّى خلفهم، هذا وجه القول في هذه المسألة، وإن كانت الروايات جاءت مجملة.
انتهى.
وقوله: (وَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي فِيهِمْ قَوْلانِ) يعني أبا بكر بن الطيب.
(قَوْلانِ) أي: لكل واحد با لتكفير وعدمه.
ونَقَلَ الْمَازِرِيُّ الإِجْمَاعَ فِي الْمُخَالِفِ فِي الْفُرُوعِ الظَّنِّيَّةِ، واعْتَذَرَ عَنْ قَوْلِ أَشْهَبَ فيمَنْ صَلَّى وَرَاءَ مَنْ لا يَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الْقُبْلَةِ أَعَادَ أَبَداً، فَإِنَّهُ رَآهُ كَالْقَطْعِ، وقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ بِخِلافِ مَسِّ الذَّكَرِ، وخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ الْخِلافَ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ ....
لما ذكر المخالفَ في الاعتقاد ذكر المخالفَ في الفروع.
ولفظ المازري: وقد حكى حُدَّاقُ الأصوليين إجماعَ الأمة عل إجزاء الصلاة خلف الأئمة المختلفين؛ لأنه إن كان كل مجتهد مصيباً فواضحٌ، وإن كان المصيب واحداً فكذلك لعدم بيان المُحَقَّقِ.
واستقرأ اللخمُّي الخلافَ مِن قول أشهب: يُعيد من صَلَّى خَلْفَ مَن لا يرى الوضوءَ مِن القُبلة، فقال: هذا خلاف في، الائتمام المخالف في الفروع الظنية، فيدخل, الخلاف في، ائتمام المالكى بالشفعي وبالعكس.
قال المازري: إنما قال أشهب بالإعادة؛ لأنه رأى الدليلَ الدالَّ على وجوب الوضوء مِن القُبلة قطعياً لا ظنياً، فهو إنما صلَّى خلف رَجُلٍ خالف قطعياً لا ظنياً.
قال: ويؤيده قولُ أشهبَ: بخلاف مس الذكر.
وإنما فرّق بينهما؛ لأن الدليلَ على نقض الوضوء باللمس غيرُ قطعيِّ بخلاف القُبلة، وفيه نظرٌ.
وأين الدليلُ الدال على وجوب الوضوء من القُبلة؟ وبالجملة فالإجماعُ فيه نظرٌ.
وقد نص الشافعية على الخلاف عندهم، بل حكى المازري في باب الأقضية عن ابن القاسم في العتبية ما يقتضي الخلاف، وهو قوله: لو أعلمأن أحداً لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين ما صليت خَلْفَه.
وفِي الْفَاسِقِ أَرْبَعَةٌ كَالْمُبْتَدِعِ
أي: الفاسق بالجوارح.
وتصوُّرُه ظاهرٌ.
ابن بزيزة: والمشهور إعادةُ مَن صلَّى خلفَ صاحبِ كبيرةٍ أبداً.
وفصَّل الأبهري، فقال المسألة على وجهين؛ إن كان فاسقاً بتأويلٍ أعاد في الوقت، وإن كان فاسقاً إجماع كمن ترك الطهارة، أوزنى أَعَادَ أبداً.
وقال اللخمي: إنْ كان فسقُه لا يتعلق بالصلاة -كالزنا، وغصبِ الأموال، وقَتْلِ النَّفْسِ- أجزأَتْه، لا إن كان يتعلق بالطهارة.
وفي القول الرابع هنا زيادة، ونصه: وقال ابن حبيب: مَن صلَّى وراءَ مَن يشربُ الخمرَ أعاد أبداً، إلا أن يكون الوالي الذي تُؤدَّى إليه الطاعةُ، فلا إعادةَ عليه إلا أن يكون حينئذٍ سكراناً.
قاله مَن لقيتُه مِن أصحاب مالك.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَالْخَصِيُّ وَوَلَدُ الزِّنَى وَالْمَابُونُ وَالأَغْلَفُ إِمَاماً رَاتِباً فِي الْفَرَائِضِ وَالْعِيدِ، بِخِلافِ السَّفَرِ وقِيَامِ رَمَضَانَ.
وقِيلَ: لا تُكْرَهُ كَالْعِنِّينِ .....
هذا لأن الإمامةَ دَرَجَةٌ شريفة، لا يَنبغي أن تكون إلا لمن لا يُطْعَنُ فيه، وهؤلاء الخمسة تُسْرِعُ الألسنةُ إليهم، وربما تعَدَّى إلى مَن ائتمَّ بهم، فلذلك كُرِهَتْ إمامتُهم في المشهور.
وقيل: لا تُكره كما لا تكره مِن العِنِّين، مع أنَّ [75/أ] في فرجِه نقصاً.
وظاهرُ قوله: (وقِيلَ: لا تُكْرَهُ) عمومُه في الخمسة.
ابن هارون: ولا أعلم نفيَ الكراهةِ في الأغلف إذا تركَ الختانَ من غير عذر.
انتهى.
وقال عبد الملك: من ترك الختان من غير عذر لم تجز إمامته ولا شهادته.
قال ابن العربي: وهو يدل على أن الاختتانَ عنده فرضٌ كمذهب الشافعي؛ لأن العدالة لا تسقط إلا بتركِ الواجب.
ومَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِمَامَةَ الْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ، وقَالَ: يُعِيدُ ويُعِيدُونَ.
وأَجَازَهَا أَشْهَبُ
اختلف النقلُ عن أشهب، فروي عنه ما ذكره، وروي عنه الكراهة.
وقيل: بجوز استخلافه لا ابتداء، والله أعلم.
واعلم أن للعبد ثلاث حالات:
الأُولى: أن يَؤمَّ في الفريضة مِن غير أن يُتخذ إماماً راتباً فلا كراهة هنا على المشهور.
ورُوي عن مالك: لا يَؤم العبدُ الأحرارَ، إلا أن يكون يقرأ وهم لايقرؤون.
الثانية: أن يُتخذ إماماً راتباً في الفرائض، فتُكره إمامته، وأجاز ابن القاسم أن يُتخذ إماماً راتباً في التراويح، إذ هي من النوافل، وأَلْحَقَ العيدينِ والكسوفَ والاستسقاء بالفرائضِ؛ لأنها محلُّ اجتماع الناس.
وأجاز ابن الماجشون اتحاذه راتباً في الفرائض، فالجواز -على قوله- في هذا أولى.
الثالثة: إمامتُه في الجمعة.
قال ابن بشير: لا يجوز اتخاذه راتباً بلا خلاف.
انتهى.
وإن حضرها فالأربعة المتقدمة.
ويُرَجَّحُ عِنْدَ انْتِفَاءٍ نَقَائِصِ الْمَنْعِ والْكَرَاهَةِ السُّلْطَانُ، ثُمَّ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَوْرَعُ عَلَى الأَظْهَرِ، ثُمَّ الأَقْرَأُ، ثُمَّ بِالسِّنِّ فِي الإِسْلامِ، ثُمَّ بِالنَّسَبِ، ثُمَّ بِالْخَلْقِ، ثُمَّ بِاللُّبَاسِ.
فَإِنْ تَشَاحَّ مُتَمَاثِلُونَ لا لِكِبَرٍ اقْتَرَعُوا .....
يعني: إذا اجتمع جماعة وليس في واحد منهم نقص يُوجب منعاً أو كراهة فأَوْلاهم السلطانُ لما في مسلمٍ عنه عليه الصلاة والسلام: "ولا يُؤَمُّ الرجل في سلطانه".
ثم ربُّ المنزل؛ لأنه أيضاً سلطانُ منزلِه.
قال مالك في رواية أشهب: ولو كان رب المنزل عبداً فهو أحقُّ.
وفي النوادر وقال بعض أصحابنا: وإن كانت امرأة فلها أن توفي رجلاً يؤم في منزلها.
قال اللخمي: وأربعةٌ لهم الإمامةُ; الأميرُ، والأبُ، والعمُّ، وصاحبُ المنزل، فإذا اجتمع أبٌ وابنٌ فالإمامةُ للأبِ، وكذلك العمُّ وابنُ الأخِ الإمامةُ للعمِّ.
قال مالك في المستخرجة: ولو كان العمُّ أصغر فهو أحقُّ بالإمامة، إلا أن يَاذَنَ الأبُ والعمُّ.
قال سحنون: وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثلَ ابنِ الأخ، وعلى هذا يكون الابنُ أولى مِن الأب إن كان عالماً أو صالحاً والأب ليس كذلك.
انتهى.
قال المازري: وقد لا يلزم ما ألزمه اللخمي لسحنون لكون الأب آكد حرمة.
(ثُمَّ الأَفْقَهُ) لأن الفقه مما تظهر له ثمرة في الصلاة؛ ولأن الفقهاء كالأمراء المصدور عن رأيهم.
(ثُمَّ الأَوْرَعُ عَلَى الأَظْهَرِ) في الدليل وقيل: يقدم الأورع عل الأفقه؛ لأن الشفاعة في حقه أظهرُ، والأئمةُ شفعاء.
قال ابن بشر: فإن اجتمع الأفقهُ والأصلحُ فلم أر في المذهب نصاً، وللشافعية قولان.
(ثُم الأَقْرَأُ)، فإن قلت: قوله صلى الله عليه وسلم في مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه: "يَؤُمَّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواة فأعلمُهم بالسُّنَّةِ، فإن كانوا في السُّنة سواءٌ فأقدمُهم في الهجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمُهم في الإسلام، ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلس على تَكْرِمَتِه إلا بإِذْنِه".
واللفظُ لمسلمٍ يَدُلُّ على تقديمِ الأقرأ على مَن تقدَّم.
فالجوابُ أنَّ القارئَ في ذلك الزمانِ هو الفقيهُ؛ لأنهم كانوا يتعلمون الأحكامَ مع الحفظ، والله أعلم.
وقوله: (ثُمَّ بِالسِّنِّ فِي الإِسْلامِ) أي: ولا يُعتبر كِبَرُ السن إذا لم يكن في الإسلام، (ثُمَّ بِالنَّسَبِ) لما في الحديث: (قَدِّمُوا قُرَيشاً ولا تقدموها) ولأن النَّسب شرفٌ.
(ثُمَّ بالْخُلُقِ) أي: بالصورة الجميلة، (ثُمَّ بالْخُلُقِ) أي: لأن العقل والخير يتبعانه، ولأنه أَهْيَبُ في النْفس، لِما في الحديث: "خياركم أحسنكم أخلاقاً".
هكذا كان شيخنا يُمَشِّي هذا المحل، وضبطه ابنُ هارون بالعكس فقدم الخُلق- بضم الخاء- على الخَلق بفتحِها، وهو أظهرُ.
(ثُمَّ بِاللُّبَاسِ.
فَإِنْ تَشَاحَّ) مَن تساوتْ أحوالُهم أُقْرعَ بينهم.
قال ابنُ بشير: إذا كان مطلوبهم فضلَ الإمامة، لا طلب الرئاسة الدنيوية.
انتهى.
قال في البيان: فإن اجتمع فقيهٌ وصاحبُ حديث ومقرئٌ وعابدٌ ومسنٌّ فالفقيه، ثم المحدث، ثم المقرئ الماهر، ثم العابد، ثم ذو السن.
انتهى.
وقد تقدم قول ابن بشير، ولم أَرَ فيه نصاً فاعلمه.
ولِلسُّلْطَانِ وصَاحِبِ الْمَنْزِلِ الاسْتِنَابَةُ وإِنْ كَانَ نَاقِصاً، ويُكْرَهُ لأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ أَنْ يُصَلُّوا بِغَيْرِ رِدَاءٍ ....
قوله: (وإِنْ كَانَ نَاقِصاً) راجع إلى صاحب المنزل والسلطان، لا يقال: لا يصح عوده عل السلطان؛ لأن النقصَ المانع من الإمامة مانع من الولاية، لأنا نقول: شروط الإمامة الكبرى قسمان: قسم يشترط في ابتدائها ودوامها، وقسم يشترط في ابتدائها وإذا طرأ لا يُوجب العزل كأَخذِ الأموال.
ثم إن النقص قد يطلق على مايوجب 72/ب الكراهة كا مر، والله اعلم.
وقوله: (ويُكْرَهُ لأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ) أي بخلاف الإمام في غير المساجد، كالسفر ومنزله؛ لأنه إذا كان بغير رداء وهو في المسجد خرج عن هيئة الوقار.
وشُرُوطُ الاقتداء أَرْبَعَةٌ: نِيَّةُ الاقتداء بخِلافِ الإِمَامِ إِلا فِي الْجُمُعَةِ والْخَوْفِ، والْمُسْتَخْلِفِ ....
أي: يجب أن ينوي المأمومُ أنه مُقْتَدٍ، وإلا لَما وَقَعَ التمييزُ بينه وبين الفذِّ، بخلاف الإمام فإنه لا تجب عليه نية الإمامة.
ابن عبد السلام: وحكى بعضُ الأندلسيين عن ابن القاسم اشتراطَ نية الإمام الإمامةَ مطلقاً.
ابن رشد في كتاب القصد والإيجاز: قال عبد الوهاب: الإمام لا يفتقر عند مالك أن ينوي كونه إماماً، وإنما يفتقر إلى ذلك المأموم أن ينوي أنه مُؤْتَمٌّ، وإلا بطلت صلاته.
وإنما يلزم الإمام النية في أربعة مواضع:
أحدها: إذا كان إماماً في الجمعة، فإن الجماعة شرطٌ فيها، فلا بد أن ينوي مصليها كونه إماماً.
والثاني: صلاة الخوف على هيئتها؛ لأن أداءها على تلك الصفة لا يصح إلا إذا كان إماماً.
والثالث: للمستخلَف يَلزمه أن ينوي الإمامة؛ ليميز بين نية المأمومية والإمامية.
والرابع: فضل الجماعة، فإنها لا تحمل له إلا أن ينوي أنه إمام.
فإن قيل: فما تقولون فيمن صلى منفرداً ينوي الانفراد ولاينوي الإمامة، فصل رجل خلفه، أيحصل لصاحب الصلاة فضيلة؟
قيل له: أما المأموم فَنَعَمْ؛ لأنه نواها، وأما الإمام فلا؛ لأنه لم ينوها.
انتهى.
وخالفه اللخمي في هذا، ورأى أنه يحصل للإمام أيضاً فضيلةُ الجماعة، وإن لم ينو الإمامة.
خليل: وتسامح في الرابع؛ لأنها غير لازمة، وإنما هي شرط في حصول فضلِ الجماعة، ولذلك قال المازري بعد ذكر الثلاث: ويجب أن تُشترط نيةُ الإمامة في تحصيل فضل الجماعة؛ لأن الإمام إنما تكتب له فضيلة الجماعة إذا نواها.
ولم أَرَ مَن أضاف الجمعَ إلى الثلاثة الأُوَل إلا المتأخرين كالمصنف والقرافي.
ولمَّا ذكر ابن عطاء الله الثلاثةَ الأولَ قال: ويظهر لي أن يُلحق بها جمعُ الصلاتين ليلة المطر؛ إذ لا يكون ذلك إلا في الجماعة، فينبغي أن ينوي الإمامُ الإمامةَ فيها كالجمعة، ثم ينظر هل يُشترط ذلك في الثانية مِن الصلاتين؛
لأنها التي ظهر تأثير الجمع فيها لتقديمها على وقتها، أَوْ لا يشترط فيها، إذ السنةُ الجمعُ، والجمعُ لا يُعقل إلا بين اثنين.
انتهى.
تنبيه:
ضبطَ بعضُهم هذه المسائل فقال: كلُّ موضع تُشترط فيه الجماعة فإنه يجب على الإمام فيه نيةُ الإمامة.
وليس بصحيحٍ؛ فإن مسألة الاستخلاف لا تشترط فيها الجماعة، ولو أتموا أفذاذاً صحت الصلاة، وكذلك صلاة الخوف لو صلى كلٌّ لنفسِه صحتْ.
وزاد ابن بشير مسألة أخرى، وهي صلاة الجنازة، فأوجب فيها على الإمام نيةَ؟ الإمامة بناء على اشتراط الحماعة فيها، وفيه نظر؛ فإنه نص في المدونة على أنه لو لم يكن إلا نساء صلين أفذاذاً.
وصرح في الجواهر بأن الجماعة غير مشرطة فيها.
فَلا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ إِلَى جَمَاعَةٍ ولا بِالْعَكْسِ، واخْتُلِفَ فِي مَرِيضٍ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ فَصَحَّ
(لا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ) لأن نية الاقتداء فات محلُّها، وهو أول الصلاة، (ولا بِالْعَكْسِ) لأن المأموم قد أَلْزَمَ؛ نفسَه نيةَ الاقتداء.
واختُلف في مريضٍ اقتدى بمثله فصَحَّ المأمومُ، فقال سحنون: يَخرج مِن صلاة الإمام ويُتِمُّ لنفسه؛ إِذْ لا يجوز لقائمِ، أن يأتمَّ بقاعدٍ، وهو قد دخل معه أوَّلاً بوجهٍ جائزٍ فلا يقطعها قياساً على الإمام يَصيرُ مأموماً لعذرٍ، وعلى المأمومِ يُتِمُّ منفرداً إذا لم يستخلف الإمام وأَتَمُّوا أفذاذا.
وقال يحى بن عمر: يتمادى معه.
يُرِيدُ لأنه دخل معه أوّلاً بوجهٍ جائزٍ فتمادَى مراعاةً لمن أجاز ذلك ابتداءً.
الثَّانِي: أَلا يَاتَمَّ فِي فَرْضٍ بِمُتَنَفَّلٍ
يُريد خلافَ العكسِ، فإنه جائزٌ، والدليلُ على امتناعِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المُتنفل ما خَرَّجَه البخاريُّ ومسلم، مِن قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعل الإمامُ ليُؤْتَمَّ به فلا تختلفوا عليه).
فَعَمَّ الخلافَ في النيةِ والفعلِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّحِدَ الْفَرْضَانِ فِي ظُهْرِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا
تصوره ظاهٌر، ويشترط أيضاً أن تتحد الصلاتان في الأداء والقضاء، فلا يصل ظهراً قضاء خلفَ مَن يُصلي ظهراً أداء، ولا العكس.
الرَّابِعُ: الْمُتَابَعَةُ فِي الإِحْرَامِ والسَّلامِ، والْمُسَاوَاةُ والْمُسَابَقَةُ مُبْطِلَةٌ فِيهِمَا، فَيُعِيدُ الإِحْرَامَ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ أَحْرَمَ مَعَهُ أَجْزَأَهُ، وبَعْدَهُ أَصْوَبُ ......
لأن المسابقةَ في الإحرام والسلام منافيةٌ للاقتداء.
وقوله: (فَيُعِيدُ الإِحْرَامَ) واختُلِفَ إذا أَحرم قبله، هل عليه أن يُسَلِّمَ مِن ذلك الإحرام؟ فقال مالك: يكبر ولا يسلم.
وهو ظاهر كلام المصنف لسكوته عنه، وقال سحنون: يسلم.
وهو اختيار بعض المتأخرين لكونه عقد على نفسه صلاةً إحرام، كما لو أحرم بالظهرِ قبلَ الزوال، وكما لو أحرم بها فذكر -وهو في الصلاة- أنه صلاها، فإنها تنعقد نافلة فيهما، وكذلك تعقد في هذه المسألة نافلة، وإذا انعقدت [76/ب] فلا بُدَّ مِن السَّلامِ، وفُرِّق بأنه هنا أَحْرَمَ على أنه مأمومٌ، فمتى لم يَصِحَّ ذلك لم تنعقد، بخلافها، وإنما هو بمنزلة مَن أَحرم بالظهر خلفَ مَن يُصلي على جنازة.
قال سند: ويؤيده أنه لو تمادى على إجرامه ليصليها لنفسه لم تَصِح.
ونقل ذلك ابنُ سحنون عن أبيه، وفَهِمَ اللخميُّ مِن قول سحنون: يسلم أَنَّهُ لو صلى لنفسه بذلك الإحرام أنه يجزئه، ثم نَقَلَ ما حكيناه عن سحنون، وجَعَلَه اختلافَ قولٍ، وليس كما ظَنَّه، وإنما أَمَرَه سحنونُ بالسلامِ مراعاةً لقولِ مَن أجاز، وهو الشافعي، قاله المازري، وابن بشير، وابن راشد.
وما ذكره مِن البطلان في المساواة هو لمالكٍ في الواضحة، وهو الظاهرُ.
وقال ابن القاسم: تجزئه قال سحنون في المجموعة: وقولُ ابن القاسم هو قول عبد العزيز، وقول مالك أنه يعيد الصلاة، ولابن عبد الحكم ثالثٌ؛ إن لم يسبقه الإمام بشيء
من حروف التكبير لم يصح، وإنْ سبقَه بحرفٍ صحت.
وكلامه في البيان يقتضي أن هذا ليس بخلافٍ؛ لأنه قال؛ مذهب ابن القاسم إنْ أَحْرَمَ معه أجزأه، وهو قول ابن عبد الحكم، وقال محمد وأصبغ وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب: لا يجزئه.
وهو أظهر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام "إنما جُعل الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا كَبَّرَ فكَبِّرُوا) فأَتي بالفاءِ المقتضيةِ للتعقيب، وهذا الاختلاف إنما هو إذا ابتدأ بتكبيرة الإحرام معه، فأتمها معه أَوْ بعدَه، وأما إذا ابتدأها قَبْلَه فلا تحزئه وإِنْ أتمها بعده قَوْلاً واحداً، وإِنِ ابتدأها بعده فأتمها معه أوبعده أجزأه قولاً واحداً، والاختيارُ أَلا يُحْرِمَ المأمومُ إلا بعد أن يَسكتَ الإمامُ قَبْلَه، قاله مالك، قادت وحكم السلام في ذلك حكم الإحرام.
وسئل سحنون عن رجلين ائتم أحدُهما بالآخر ثم نسيا قبل الإكمال مَنِ الإمامُ منهما؟ فقال: إِنْ سَبَقَ أحدُهما بالسلام أَعاد الصلاةَ، وإِنْ سَلَّما معا جَرَتْ على اختلافِ أصحابِنا في المساواةِ في الإحرامِ والسلامِ.
وتَجِبُ الْمُتَابَعَةُ فِي غَيْرِهِمَا، ويُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ مَا لَمْ يَلْحَقْهُ الإِمَامُ، وقِيلَ: تَجُوزُ الْمُسَاوَاةُ إِلا فِي قِيَامِ الْجُلُوسِ والأَوَّلَيْنِ .....
هكذا وقع في بعض النسخ، وهي صحيحة باعتبار أن مسابقة الإمام غير جائزة، وأما مساواته فمكروهةٌ، هكذا صرح الباجي بالتفصيل، وكذلك صرَّح المازريُّ وغيرُه بمنع المسابقة، ويدل عليه ما في الصحيحين: "أَوَ مَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام".
الحديث، وروي عن مالكٍ جوازُ المساواة إلا في قيام الجلوس مِن اثنتين.
و (والأَوَّلَيْنِ) أي: الإحرام والسلام.
ووقع في بعض النُّسخ عِوَضَ قوله: (وتَجِبُ): وتستحب.
وفي كل من النسختين نظر؛ أما الأولى فلأنها تُفْهِمُ منعَ المساواة، وأما الثانية فلأنه يُفْهَمُ مِنْهُ كراهيةُ المسابقة.
والأَوْلَى نسخة: تستحب.
ويكون احترز بذلك عن المساواة، فإنهما مكروهة، ولا يكون في كلامه تعرض للمسابقة.
وقوله: (ويُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ مَا لَمْ يَلْحَقْهُ الإِمَامُ) ظاهرٌ.
قال مالك: ومَن سَهَا فرفعَ قبلَ إمامِه في ركوعِه أو سجودِه فالسُّنَّةُ أَنْ يرجع راكعاً أو ساجداً.
قال الباجي: وإِنْ عَلِمَ أَنه يُدْرِكُ الإمامَ راكعاً لَزِمَهُ أن يرجع إلى متابعته.
وإِنْ عَلِمَ أَنَّه لا يُدركه راكعاً فقال أشهب: لا يرجع.
ورواه ابنُ حبيب عن مالك، وقال سحنون: يرجع، ويبقى بعد الإمام بقدرِ ما انفردَ الإمامُ قبله.
ثم قال: وهذا حكمُ الرفع قبل الإمام، وأما الخفضُ قَبْلَه كركوعٍ أو سجود فإنه غير مقصود في نفسه بلا خلاف في المذهب، وإنما المقصود منه الركوع أو السجود، فإن أقام بعد ركوع الإمام راكعاً أو ساجداً مقدارَ فرضِه صحت صلاته، إلا أنه قد أساء في خفضِه قبلَ إمامِه.
انتهى.
ولم أَرَ عندنا قولاً بالبطلان فيما إذا سَبَقَ الإمامَ بالركوع أو السجود.
قال ابن بشير: وقد ألزمتُ بعضَ أشياخي البطلانَ؛ لكونه لم يحصل له الاقتداء في الأركان فالتزَمَه على القول بأن الحركةَ إلى الأركان مقصودةٌ.
وفِيهَا: ولا تُمْنَعُ النِّسَاءُ مِنَ الْمَسْجِدِ، ولا تُمْنَعُ الْمُتَجَالَّةُ فِي الِعِيدَيْنِ والاسْتِسْقَاءِ
تصوره ظاهرٌ، وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وفي تفسير ابن مزين: أَنَّ المرأة الشابة إذا استأذنت زوجها في الخروج لَمْ يُقْضَ لها عليه بالخروج.
قال في البيان: وليس ذلك بخلافٍ لما في المدونة؛ لأن معنى ما في المدونة إنما هو في المنع العام، وأما الشابَّةُ فيُكره لها الخروج الكثير إلى المسجد، فتؤمر ألا تخرج إليه إلا في الفرض بإذن زوجها.
ويَتعين في زماننا هذا المنعُ، والله أعلم.
ويَدل عليه قول عائشة رضي الله عنها المشهورُ: "لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء ... الحديث".
وقد شرط العلماء في خروجهن شروطاً، منها أَلا تمسَّ طِيباً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أَيُّما امرأةٍ أصابتْ بَخُوراً فلا تَشْهَدْ معنا العشاء".
ويلحق بالبخور ما في معناه.
ومنها: أن تخرج في خَشِّ ثيابها، وأَنْ لا تَتَحَلَّى بِحَلْيٍ يَظهر أثرُه، وأن لا يُزاحمن الرجالَ.
وزاد بعضُهم في الشروط: أن يكون ذلك ليلاً.
الْمَسْبُوقُ: ولا يَحْصُلُ فَضْلُهَا بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ
لما خرَّجه مالك والبخاري ومسلم، عنه عليه الصلاة والسلام: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
ابن عبد السلام: وحملَه المالكيةُ على فضيلة [76/ ب] الجماعةِ والوقتِ، وقَصَرَه بعضُهم على الوقت، لأن لفظَه قريبٌ مِن لفظ: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس .... " الحديث.
ولا يُطِيلُ الإِمَامُ لإِدْرَاكِ أَحَدٍ
قال في النوادر: ومن العتبية مِن سماع ابن القاسم قال: ولا يَنتظر الإمامُ مَن رآه أو حَسَّ به مُقْبِلاً.
قال ابن حبيب: إذا كان راكعاً فلا يَمُدُّ في ركوعه.
وكذلك قال اللخمي: ومَنْ وراءه أعظمُ عليه حقّاً ممن يأتي.
انتهى.
وجوز سحنونُ الإطالةَ، واختاره عياضٌ، وحديثُ: "مَن يتصدق على هذا".
وتخفيفُه عليه الصلاة والسلام من أجل بكاء الصغير، والوقوفُ في صلاة الخوف لأجل إدراك الطائفة الثانية يَدُلُّ له، وانظرْ هل يجوز إطالة الصلاة كلها لهذا أمْ لا؟
قَالَ مَالِكً: وحَدُّ إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَنْ يُمَكَّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ رَفْعِ الإِمَامَ مُطْمَئِناً
(مطمئناً) هو حالٌ مِن فاعلِ (يُمَكِّن)، وتصوره واضحٌ.
وحكى ابنُ العربي وسندٌ الإجماعَ على هذه المسألة.
قال بعضُهم: وينبغي أن تَفُوتَ الركعةُ على القول بأن عقدَ الركعة بتميكن اليدين على الركبتين.
فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَهُ بوُصُولِهِ إِلَى الصَّفِّ فَلْيَرْكَعْ، فَإِنْ كَانَ بقُرْبِهِ دَبَّ إِلَيْهِ
هذا مذهب المدونة، وهو المشهور، وروى ابن حبيب عن مالك: ولا يكبر ولا يركع حتى يأخذ مكانَه مِن الصَّفِّ أو يُقارِبُه.
وقال أشهب: لا يركع حتى يأخذ مقامه مِن الصَّفِّ.
وفي لعتبية فيمن جاء والإمامُ راكعٌ، وعند باب المسجد قوم يُصَلُّون: فليركع معهم ليدركَ الركعةَ، إلا أن يكونوا قليلاً فليتقدم إلى الفُرَج أَحَبُّ إليَّ.
فرأى أن اللحاقَ بالصفِّ أَوْلَى مِن الصلاةِ مع النفرِ اليسيرِ، وإذا كان كذلك فَأَحْرَى أَلا يُصَلِّيَ وَحْدَه.
ومنشأُ الخلافِ هل إدراكُ الركعة أفضلُ أم الصف الأول؟ ورُجِّحَ الثاني لما في البخاري من قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكرة لما كبر دون الصف: "زادك الله حرصاً، ولا تَعُدْ".
ولهذا روى ابن حبيب عن مالك: إذا كبّر دون الصف أن عليه الإعادة.
وحُمِلَ معنى كلامه: ولا تَعُدْ إلى الركوعِ قَبْلَ الصَّفِّ.
وأجيب بأن قوله: ولا تَعُدْ إنما هو نهيٌ عن الإسراع.
وقيل: المعنى لا تَعُدْ إلى التأخير عن الصلاة.
قال في البيان: أمّا لو علم أنه إذا ركع دون الصف لا يُدرك أن يَصِلَ إلى الصفِّ راكعاً حتى يرفع الإمامُ رأسَه فلا يجوز أن يركع دون الصف، وليتمادى إلى الصف، وإن فاتته الركعةُ قولاً واحداً، فإنْ فعل أجزأتْه ركعته وقد أساء، ولا يمشي إذا رَفع رأسَه مِن الركوع بعدُ حتى يتم الركعة ويقوم في الثانية.
قال في الجلاب: ولا بأس أن يدبَّ قبل الركوع وبعده، وأن يَدُبَّ راكعاً، ولا يَدِبُّ ساجداً ولا جالساً.
اللخمي: وهو ظاهرُ الكتاب.
وقال في سماع أشهب: لا أرى لأحدٍ أن يَدِبَّ راكعاً؛ لأنه لا يدب راكعاً إلا تجافت يداه عن ركبتيه.
اللخمي: وهو أحسن.
وما حَدُّ القرب الذي يدب فيه؟ في المذهب روايتان إحداهما: أنه الصفان.
الثانية: أنه الثلاثة.
ابن بشير: وظنه اللخمي خلافاً، وليس كذلك، بل المقصودُ جوازُ الدَّبِّ إذا كان قريباً، والاثنان مِن الثلاثة قريبٌ، ولا أصلَ للتحديد.
قيل: والظاهر أنه يحسب في الثلاثة الصفَّ الذي هو فيه والذي يَدِبُّ إليه.
خليل: وهو عندي مخالف لما قاله ابنُ حبيب وغيرُه؛ لأن للمصلي أن يخرق الصفوف لسد الفُرَجِ.
فرع:
واختلف إذا رأى في الصفوف فُرَجاً متعددة، فروى ابنُ القاسم عن مالك في المجموعة: يدِبُّ إلى آخرِها.
وقال ابن حبيب: يدب إلى أولها.
واختلف أيضاً إذا كان التخلُّل عن يمينه أو عن يساره، فقال ابن القاسم: يتقدمُ إليها ويسدُّها.
ونحوَه حكى القاضي أبو محمد.
وقال ابن حبيب: إن كانت عن يمينه أو يسارِه تَرَكَها، أما إن لم يُحْرِم أَخْرَقَ إليها مطلقاً.
وإِنْ كَانَ سَاجِداً كَبَّرَ وسَجَدَ، ولا يَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَرْفَعَ
أي: تكبيرتين، إحداهما للإحرام، والأخرى للسجود، وهكذا يفعل إن وجد راكعاً، بخلاف إن وجده جالساً فإنه يكبر تكبيرة الإحرام فقط ولا ينتظره، لما في الصحيحين: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وَاتُوها وعليكم السكينةُ والوقار، فما أدركتُم فصَلُّوا.
وما فاتكم فأتِمّوا".
فَلَوْ شَكَّ فِي الإِدْرَاكِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَقِيلَ: يُعِيدُ الصَّلاةَ.
ولِذَلِكَ كَانَ الأَوْلَى إِذَا خَشِيَ الشَّكَّ أَلا يُكَبِّرَ ....
يعني: إذا شَكَّ: هل أدرك الركعة أم لا؟ لم يَعْتَدَّ بتلك الركعةِ؛ لأن الذمةَ لا تَبْرَأُ بالشَّكِّ، وإذا لم يَعتد بها فتَأَوَّلَ بعضُهم أنه يقطعُ بسلامٍ ويدخلُ مع الإمامِ، وتأوّلَ صاحبُ البيان أنه يلغيها ولا يقطع، بل يتبع الإمام فيما بقي، ثم يضقضي هذه الركعة ويسجد بَعْدَ سلامِ الإمام.
وهو الأقيسُ بمنزلة مَنْ شَكَّ أصلى ثلاثاً أم أربعاً، وهو ظاهر لفظ المصنف.
وقال ابن القاسم: يُسلم مع الإمام –يُريد إذا كان في أول ركعة- ويُعيد الصلاة، ولا يأتي بركعة مخافةَ أن تكون خامسة.
وصَوَّبَهُ بعضُهم؛ أي: يتمادى لاحتمال الإدراك، ويُعيد لاحتمالِ عدمِه.
وذكر في البيان قولاً آخر: أنه يعتد بتلك الركعة، وتجزئه صلاته.
ولأجل هذا الخلافِ كان الأَوْلَى- إذا شَكَّ: هل يدرك الإمام أم لا؟ -أَنْ لا يُحْرِمُ، فإن تَحَقَّقَ أنه إنما وضع يديه على ركبتيه بعدَ رَفْعِ الإمام، فقال [77/أ] ابن عبد السلام: الحق أنه يرفع موافقةً للإمام، وإن كان بعض أشياخي يقول: ويبقى كذلك في صورة الراكع حتى يهوي الإمام للسجود، فيَخِرُّ مِن الركوع ولا يرفع، قال: لأنَّ رفعَ الرأسِ مِن الركوع عَقْدٌ للركعة، فلو فعل ذلك هنا كان قاضياً في حكم إمامه، وهذا كما تراه ضعيفٌ لاشتماله على مخالفة الإمام، وإنما يكون قاضياً لو كان هذا رَفَعَ مِن ركوعٍ صحيح، وإنما هو موافقة للإمام كما في السجود.
وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ونَوَى بِهِ الْعَقْدَ أَجْزَأَتْهُ بِخِلافِ الإِمَامِ والْمُنْفَرِدِ، فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ ومَنْ خَلْفَهُ، فَإِنْ قَصَدَ بهَا الرُّكُوعَ أَو الْهُوِيَّ مُجَرَّداً لَمْ يُجْزِئْهُ.
وفِيهَا: يَتَمَادَى مَعَ الإِمَامِ ويُعِيدُ احْتِيَاطاً ..........
قال في التهذيب: إِنْ ذَكَرَ مأمومٌ أنه نسي تكبيرةَ الإحرامِ، فإن كبَّر للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه، وإِنْ كبَّرها ولم ينوِ بها ذلك تمادى مع الإمام وأعاد صلاته احتياطاً؛
لأنها لا تجزئه عند ربيعة، وتجزئه عند ابن المسيب، وإنْ لم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعة وركعها معه، ثم ذَكَرَ ابتدأَ التكبيرَ، وكان الآن داخلاً في الصلاة، ويقضي ركعةً بعد الإمام، ولو كان وحده ابتدأ متى ما ذَكَرَ قبلَ ركعةٍ أو بعدها، نَوَى تكبيرةَ الإحرامِ للركوعِ أَوْ لا، وكذلك الإمام لا يجزئه أن ينوي بتكبيرة الإحرام تكبيرةَ الركوع، فإنْ فعل أعاد هو ومَن خلفَه.
انتهى.
وعليه فالمأموم الناسي لتكبيرة الإحرام على ثلاثة أقسام:
قسم لا يجزئه وحيثما ذَكَرَ ابتدأ، وذلك إذا لم يُكَبِّر للإحرامِ ولا للركوع، ولا أعلمُ فيه خِلافاً إلا ما حُكِيَ عن مالك أن الإمام يَحمل عن المأموم تكبيرةَ الإحرام كالفاتحةِ، وهي روايةٌ شاذةٌ.
والفَرْقُ أنَّ الإمامَ إنما يَحْمِلُ عن مأمومِه إذا دَخَلَ مَعَه، وقَبلَ تكبيرةِ الإحرامِ لَيْسَ هو مَامُوماً، ولم يذكر المصنفُ هذا القسمَ لوضوحِه.
وقسم تُجزئه الصلاة، وذلك إذا كبر للركوع ونوى بها الإحرام، وإليه أشار بقوله: (وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ونَوَى بِهِ الْعَقْدَ أَجْزَأَتْهُ).
وأشارَ بعضُ الشيوخِ إلى تخريج هذه المسألة على مَنْ نوى بغسله الجنابةَ والجمعةَ، ذكره المازري، قال ابنُ عطاء الله: والصحيحُ أنها تُجزئه.
ولو قُلنا بعدمِ الإجزاء فيمن نوى بغسله الجنابةَ والجمعةَ؛ لأن نيةَ تكبيرةِ الإحرام قد نَوَاها، وتكبيرةُ الركوع لا تَفتقر إلى نيةٍ، وهذا إذا وَقَعَ التكبيرُ في حالِ قيامِه.
واختُلف إذا كبَّرَ في حالِ انحطاطِه ونوى بذلك الإحرامَ، فتأوَّل صاحبُ النكت، وابنُ يونس، وصاحب المقدمات أنها لا تجزئه، وهو قول محمد.
وتأوَّل الباجيُّ وابنُ بشير الإجزاءَ؛ لأن التكبيرَ للركوع إنما يكون في حال الانحطاطِ، قيل: وهو ظاهر المدونة.
وهذا الخلافُ مبنيٌّ على أنه هل يجب على المأموم أن يقف قدرَ تكبيرةِ الإحرام أَوْ لا؟ أمَّا إِنْ لم يكبر إلا وهو راكع ولم يَحْصُلْ شيءٌ مِن تكبيرِه في حالِ القيام فلا إشكال أنه لا يُعَتَدُّ بهذه الركعة.
قاله ابن عطاء الله.
وقوله: (بِخِلافِ الإِمَامِ والْمُنْفَرِدِ) أي: فلا تُجزئهما الصلاة؛ لئلا يلزم صحة الصلاة بدون قراءةٍ، ولذلك التزم أبو الفرج مساواتهما للمأمومِ على القولِ بأنَّ أُمَّ القرآن لا تَجِبُ في كلِّ ركعةٍ، ورده ابن شعبان بأَنَّا وإن قلنا أنها إنما تجب في الجُلِّ، وفي ركعةٍ فالزائدُ سنةٌ، فإنْ ترك ذلك سهواً أجزأته، وإن كان عمداً لم تُجْزِئْه.
قال في المقدمات: ومَن تأَوَّلَ على ابنِ المسيبِ وابنِ شهابٍ أن تكبيرةَ الإحرامِ عندهما سنةٌ، وأنَّ سجود السهو يُجزئ فيها عن الفذِّ، وأَنَّ الإمام يحملها عن المأموم فَقَدْ أخطأ عليهما خطأ ظاهراً؛ إذ لو كانت عندهما سُنة لم يفترق الحكمُ عندَهما بين أن يكبرَ الإمامُ للركوعِ أَوْ لا، وهو خلافُ ما صَرَّحا به؛ لأنهما لم يقولا بالإجزاء إلا إذا كبر للركوع، وإنما التأويلُ في ذلك أن النيةَ قد تقدمت عند القيام إلى الصلاة، إِذْ لا يُتصور عدمُ النيةِ مِن القيام إلى الصلاةِ، فانتظمت النية المتقدمة بالتكبيرِ للركوعِ، لقربِ ما بينهما، فصَحَّ الإحرامُ.
انتهى.
والقسمُ الثالث: إذا كبَّر للركوعِ ولم ينوِ بها تكبيرةَ الإحرام، فمذهبُ المدونة- وهو المشهور- أنه يتمادى ولا يقطع؛ لَمِا ذَكَرَه في المدونةِ من أنها تُجزئُ عند ابنِ المسيبِ وابنِ شهاب.
وهل من شرط تماديه- على مذهب المدونة- أن يكون قد كبر في حال القيام أم لا؟ قولان.
وقيل: الصحيح أن يبتدئ وعلى الأول، فهل يتمادى وجوباً، وهو ظاهر المذهب، أو استحباباً، وهو الذي في الجلاب؟
فوجه الأول: أن الصلاة قد انعقدت له على قولٍ، فلم يَجُزْ قطعُها لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
ووجهُ الثاني: أنه لَّما لم يَكُنْ بُدٌّ مِن الإعادةِ لم يَجِبْ عليه الإتمامُ؛ لأن الإنسان لا تجب عليه صلاتان.
قال التلمساني: واختُلف في الإعادة هل هي واجبة أو ندب؟ فقال ابن القاسم: يُعيد احتياطاً، وذكر ابن الجلاب أنه يعيد صلاته وجوباً.
انتهى.
ففهم التلمساني من الاحتياط عدم الوجوب، وكذلك فهم غيره، والذي يَظهر أن معناه الوجوب.
فإنْ قلتَ: لا يمكن أن يكون معنى الاحتياط الوجوب؛ لأنه إذا كان التمادي واجباً فلا يُؤمر بالإعادة؛ لأن الإنسان لا تجب عليه صلاتان.
فالجواب: لا منافاة بينهما لجواز أن تكون عنده هذه الصلاة عنده [77/ ب] غير مجزئة، ولكنه أَمَرَه بالتمادي مراعاةً للخلافِ، وقد صرح صاحب الإرشاد بالإعادة إيجاباً، فقال: وأعاد إيجاباً.
وقال ابن الماجشون: استحباباً.
واعلم أن للمأموم في هذا القسم الثالث حالات: إما أن يذكر بعد رفعه من الركوع، أو في حال ركوعه ويمكنه أن يرفع ويحرم ويدركه، أو يعلم أنه لو رفع لم يدركه.
فإِنْ ذَكَرَ بعدَ رفعِه فالمذهبُ التمادي، وقيل: يقطع.
وإِنْ ذكر في الركوع وعَلِمَ أنه يَرْفَعُ ويُحْرِمُ ويُدْرِكَ الإمامَ قَبْلَ رَفْعِهِ ففي ذلك قولان: قال في الموازية والعتبية: يرفع ويحرم.
ورآه خفيفاً وأَقْطَعَ للشكِّ مع كونِه لا يَفُوته شيء.
وقيل: لا يقطع، وهو الذي يؤخذ من المدونة.
وإن علم أنه لا يدركه فثلاثة أقوال: قال ابن عطاء الله: أشهرها ما في المدونة أنه يتمادى ويعيد.
والقول الآخر: أنه يبتدئ الآن الصلاة.
والقول الثالث: لأبي مصعب أنه بالخيار بين التمادي والابتداء.
فرعان:
الأول: لو كبَّر ونوى بتكبيرِه تكبيرةَ الإحرام والركوع، فقال في النكت: يجزئه؛ كمن اغتسل غسلاً واحداً للجنابة والجمعة.
وقد تقدم ما يؤُخذ منه أن هذه المسألة أخفُّ مِن مسألة نية الجنابةِ والجمعة.
الثاني: لو كبر ولم ينوِ بتكبيرِة الإحرامَ ولا الركوعَ، فقال ابن رشد في أجوبته: صلاته مجزئةٌ؛ لأن التكبيرة التي كبرها تنضم مع تنضم مع النية التي قام بها إلى الصلاة، إِذْ يجوز تقديمُ النيةِ قبلَ الإحرامِ بيسيرِ.
تنبيهات:
الأول: خلافُ سعيدٍ وابنِ شهاب إنما هون إذا كبَّر للركوع غيرَ ذاكرٍ للإحرام، ولو كبر للركوع وهو ذاكرٌ للإحرام متعمداً لما أجزأتْه صلاتُه بإجماع، قاله في المقدمات.
وعلى هذا فلا يتمادى حينئذٍ؛ لعدم الخلافِ المُراعَى.
الثاني: اعترض على صاحب التهذيب في قوله: ولا يجزئه عند ربيعة.
لأن المدونة ليس فيها: فلا يجزئه عند ربيعة.
ونصها: وإنما أُمِرَ المأمومُ بالتمادى لأني سمعتُ سعيدَ بن المسيب يقول: يُجزئ الرجل تكبيرة الركوع إذا نسي تكبيرة الإحرام، وكنت رأيت ربيعة يعيد الصلاة مراراً.
قال سند: فيحتمل أن يكون أعادَ لكونِ الصلاة عنده غير مجزئة أو لكونه يرى الوقف.
الثالث: حيث أمرناه بالقَطْعِ فهل بسلامٍ أم لا؟ قولان، ذكرهما في المقدمات، وخصصهما بما إذا ذَكَرَ بَعْدَ ركعةٍ، قال: وإِنْ كان قبلَ ركعةٍ قَطَعَ بغيرِ سلامٍ.
وذكر أن المنفرد في ذلك كالمأموم.
الرابع: لو نوى به ذلك في غير الركعة الأولى، كما لو فاتته الأولى ودخل في الثانية، ونَسِيَ تكبيرةَ الإحرامِ وكبَّر للركوعِ ففيها قولان، وروى عن مالك أنها كالركعة الأولى؛
فيتمادى ويقضِي ما فاته ويُعيد.
وقال ابن حبيب: بل يَقطع بغيرِ سلامٍ ويَبتدئُ، كبَّر للركوع أم لا.
قال في المقدمات: ولا وَجْهَ له.
الخامس: قال ابن يونس: قال ابن حبيب: وإن نسي المأمومُ تكبيرةَ الإحرام يومَ الجمعة، أو أَحْرَمَ قبلَ إمامِه، وذَكَرَ بَعْدَ ركعةٍ- فلْيَقْطَعْ بسلامٍ، ثم يُحْرِمُ، وذلك لحرمةِ الجمعةِ، بخلاف غيرِها، ثم يقضي ركعةً، وقاله مالك.
ورُوي عن ابن القاسم أَنَّ الجمعةَ وغيرَها سواءٌ، ووجهُ هذا أنه تَصِحُّ له جمعةٌ على قولِ سعيدٍ، فلا يُبْطِلها.
انتهى.
السادس: لو دخل
مع الإمام في الأُولَى، ونسيَ الإحرامَ والتكبيرَ للركوع في الأُولى، وكبّر في الركعة الثانية، ولم يَنْوِ بها الإحرام، فقال مالك في الموطأ: يقطع.
قال في المقدمات: والفَرْقُ عنده بين هذه المسألةِ والمسألةِ الأولى- أي مسألة المدونة- تَبَاعُدُ ما بين النيةِ والتكبيرِ.
فرع:
قال في المقدمات: فإن صَلَّى ثم شَك في تكبيرة الإحرام، فإن كان على شكِّه قبل أن يركع، أو بعد أَنْ رَكَعَ ولم يكبر للركوع فَقِيلَ: إنه يَقطع ويُحرم.
يُريد بسلام.
وفي الواضحة دليلٌ على أنه يَقطع بغيرِ سلامٍ، وقيل: إنه يتمادى ويُعيد.
وأما إن لم يَذْكُرْ حتى كبَّر للركوع فإنه يَتمادى ويُعيد، قال: وأما مَن كبَّر قبل إمامِه فإنه يكون بمنزلةِ مَن لم يُكبِّر في جميعِ شأنِه.
وقيل: إنه إنْ ذَكَرَ قبل أن يَرْكَعَ قَطَعَ بغيرِ سلامٍ، وإن ذكر بعد أن ركع ولم يكبر قَطَعَ بسلامٍ.
وهو قولُ ابن القاسم، وأما إن لم يذكر حتى كبر للركوع فإنه يتمادى ويعيد قولاً واحداً.
انتهى كلامه في المقدمات.
فرع:
قال اللخمي: واختلف في الإمام يَشُكُّ في تكبيرة الإحرام، فقال سحنون: يمضي في صلاته، فإذا سلَّم سألهم، فإن قالوا: أَحْرَمْتَ.
رَجَعَ إلى قولهم، وإن شَكُّوا أعادوا جميعُهم.
ثم خرَّج قولاً بالبطلان- مِن قول سحنون أيضاً- فيمن سَلَّم على شكِّ هل هو في الثالثة أو في الرابعة، ثم تبين أنها الرابعة: إن صلاته فاسدة.
هذا ما فهمت منه، فانظره.
بِخِلافِ تَكْبِيرَةِ السُّجُودِ، وقِيلَ: تُجْزِئُهُ
قوله: (بِخِلافِ تَكْبِيرَةِ السُّجُودِ) يُريد: إذا كبَّر للسجود- ولم يكبر للإحرام ولا للركوع- فإنه لا يتمادى، ويقطعُ ما لم يركع الثانية، كبَّر أو لم يكبِّر، فإن ركعها تمادى وأعاد بعد قضاء ركعة، نَقَلَه في المقدمات عن الموازية.
ولا يَصِحُّ حمل كلام المصنف على معنى أنه إذا نوى بتكبيرة السجود الإحرام أنه لا يُجزئه، كما [78/أ] قِيل؛ فإن صاحب المقدمات وغيرَه نَصَّ على أن يُجزئه، كما في الركوع سواء.
قوله: (وقِيلَ: تُجْزِئُهُ) هو راجعٌ إلى مسألةِ مَن كبَّر للركوعِ غيرَ قاصدٍ للإحرام، وهذا هو القول الذي قدمناه مِن أن الإعادةَ مستحبةٌ، لأنه إذا كانت الإعادة مستحبة فلا شَكَّ أن الصلاة بالأُولى تُجزئه.
وَإِذَا نَعَسَ الْمَامُومُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ مَا بَعْدَهَا اتَّبَعَ الإِمَامَ مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودِهَا بِخِلافِ الأُولَى فَإِنَّهُ يَسْجُدُ ويَقْضِيهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ .....
تصورُ كلامِه ظاهرٌ، وقد تقدمَ الكلامُ على المزحومِ، وهو قريب من هذه، ولذلك كان الأَوْلَى أَنْ يَذكر المسألتين في محلٍّ واحدٍ ويستوفي الكلام عليهما.
ويُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ دُونَ الْجُلُوسِ
يعني: أن المسبوق إذا وجد الإمام ساجداً كبَّر تكبيرتين للإحرام والسجود، وكذلك في الركوع دون الجلوس فإنما يكبر للإحرام فقط.
ويَقُومُ الْمَسْبُوقُ بِتَكْبِيرٍ إِنْ كَانَتْ ثَانِيَتَهُ، وقِيلَ: مُطْلَقاً
قوله: (إِنْ كَانَتْ ثَانِيَتَهُ) أي: إن كانت التي جلس فيها ثانية للمسبوق؛ لأن جلوسه كان في محل جلوس، وأما إن أدرك ركعة أو ثلاثاً فإنه يقوم بغير تكبير على المشهور؛ لأنه جلس في غيرِ محلِّ جلوسه، وقد رفع بتكبير، والقيامُ لا يحتاج إلى تكبيرتين، وجلوسه إنما كان موافقةً للإمام، فكان بمنزلة مَن كبَّر قائماً وعاقه شيءٌ ثم أَمْكَنَهُ القيام.
وقال ابن الماجشون: يُكبِّر.
ورأى أن التكبير إنما هو للانتقال إلى الركن.
وفِيهَا: فِي مُدْرِكِ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ يَقُومُ بتَكْبيرٍ
فيه استشهاد لابن الماجشون، ويُجاب عنه بأنه إنما قيل هنا بالتكبير؛ لأنه كالمفتتح صلاته.
وفِي إِتْمَامِهِ ثَلاثَةُ طُرُقٍ، الْكُثْرَى: بَانٍ فِي الأَفْعَالِ قَاضٍ فِي الأَقْوَالِ.
الثَّانِيَةُ: لِلْقَرَوِيِّينَ قَوْلانِ فِي الْقَرِاءَةِ دُونَ الْجُلُوسِ.
الثَّالِثَةُ: لِلَّخْمِيِّ وَغَيْرِه ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: بَانٍ فِيهِمَا، وقَاضٍ فِيهِمَا، والْفَرْقُ.
وعَلَلَّهُ بأَنْهُ بَانٍ ولَكِنِ الْقِرَاءَةُ لا يُفْسِدُ تَلافِيَهَا .....
الضمير في (إِتْمَامِهِ) عائد على جنس المسبوق.
والبناءُ: أن يَجعل ما أَدْرَكَ مع الإمام أولَ صلاتِه.
والقضاءُ: أن يَجعل ما أَدركه آخرَ صلاتِه.
ولنبين الطريقة الثالثة، إِذْ ببيانها يَظهر ما عداها، فنقول: إذا أدرك ركعة من العشاء الآخرة فعلى البناءِ مطلقاً يَقُومُ فيأتي بركعةٍ بأم القرآن وسورة جهراً، ويتشهد ثم بركعتين بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسلِّم.
وعلى القضاء مُطلقاً يَأتي بركعةٍ بأم القرآن وسورةٍ ولا يجلس، ثم بأخرى بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم بثالثة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها آخر صلاته.
وعلى الثالث: يأتي بركعة بأم القرآن وسورةٍ ويجلس؛ لأنها ثانية بنائه ثم يأتي بأخرى بأم القرآن وسورة؛ لأنه يقضي الأقوال، ثم بركعة بأم القرآن فقط.
والطريقة التي نسبها المصنف للأكثر هي لابن أبي زيد وعبدِ الحميد، وقال بها جُلُّ المتأخرين، واختارها المازري، ورَدَّ طريقةَ اللخميِّ بأنَّ القولَ الذي حكاه أنه قاضٍ في الأفعال غيرُ موجود؛ فقد قال الشيخ أبو محمد: لا خلاف بين مالك وأصحابه أن القاضي إنما يَفترق مِن الباني في القراءة فقط، لا في قيام أو جلوس، وهكذا قال ابن حارث: اتفقوا على أنه قاضٍ في القراءة بانٍ في القيام والقعود.
ثم قال المازري: فإِنْ قيل: إذا صححتم طريقَ مَن قال: إنَّ المَذهبَ لا يَختلف في القيام والقعود، فَعَلامَ تحملون الخلافَ عن مالك؟ فقد رُوي عنه أنَّ ما أدركَ المسبوقُ هو أولُ صلاته، وروي عنه أنه آخرها.
قال القاضي أبو محمد في إشرافه: وهو المشهور.
قيل: المشهور من مذهب الأشياخ أنه يحمل على حالين: فما رُوي عنه أن المُدْرَكَ هو أول الصلاة فحَمْلُه على اعتبارِ القيامِ والقعودِ على حكم نفسه.
وما روي عنه أنه آخرُها محمولٌ على اعتبار القراءة على ما قرأ الإمام.
انتهى.
وحاصلُ الطريقة الثانية أنه اتُّفِقَ على أنه بانٍ في الأفعال، واختلف هل هو بان في الأقوال أو قاضٍ؟
قوله: (وعَلَلَّهُ ... إلخ) أي: واختار اللخمي أنه بانٍ مطلقاً، ولكن تلافيه القراءة على نحو ما كان الإمام قرأ زيادةٌ في مقدار القراءة، وذلك لا يَضُرُّ، وهو ضعيف؛ إذ الزيادةُ في القراءة غيرُ مغتفرةٍ، ألا ترى أنَّ مَن جهر في صلاة سِرِّيَّة يَسجد بعد السلام.
قيل: ومنشأُ الخلافِ اختلافُ الروايات في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، وفي بعض الروايات: "فاقضوا"، وجمعَ القائلُ بالفرقِ بين الدليلين.
فرع:
مَن أَدرك الأخيرةَ مِن الصبح، فقال في العتبية: لا يَقنتُ في ركعةِ القضاء، وهو جارٍ على التفصيل؛ لأنه يَقضي ما قيل في الأُولى، ولا قنوت فيها، ويَلزم على البناء مطلقاً القنوتُ.
الْمَوْقِفُ الأَوَّلُ لِلْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِهِ، وَالاثْنَيْنِ فَصَاعِداً وَرَاءَهُ، وَالنِّسَاءُ وَرَاءَهُمْ
هو ظاهر.
وَلا يَجْذِبُ مُنْفَرِدٌ أَحَداً، وَفِيهَا: وَهُوَ خَطَأًّ مِنْهُمَا
يعني: إذا صلى رجل خلف الصف فصلاته صحيحة، فإذا جذب أحدا من الصف ليقف معه وتبعه كان خطأ من الجاذب والمجذوب، وهذا على المشهور بصحة صلاته خلف الصف، وأما على ما نقله المازري وصاحب البيان عن ابن وهب من البطلان فينبغي أن يجذب من يصلي معه، ونص عليه من قال بهذا القول بخارج المذهب.
ويقال: جذب وجبذ.
ذكرهما في التنبيهات.
[78/ب].
وَيَتَقَدَّمُ إِنْ وَجَدَ فُرْجَةً
أي: ويتقدم هذا المنفرد إن وجد فرجة في الصف، وقد تقدم من هذا.
وَلا بَاسَ إِنْ لَمْ تُلْصَقُ طَائِفَةٌ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوَهُ
يعني: إذا وقفت طائفة حذو الإمام- أي: خلفه- ثم جاءت طائفة فوقفت عن يمين الإمام أو عن يساره، ولم تلصق بالطائفة التي خلف الإمام فلا بأس بذلك، وهذا
قوله في المدونة: وإن كانت طائفة عن يمين الإمام أو حذوه في الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام في الصف، ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه.
انتهى.
وقال اللخمي: الصواب أن يبدأ الصف من خلف الإمام، ثم من يمينه، وعن شماله حتى يتم الصف، ولا يُبتدأ ثانٍ قبل تمام الأول، ولا ثالث قبل تمام الثاني.
قال: وهذا الذي يقتضيه قول مالك في كتاب ابن حبيب، وهو أحسن مما في المدونة لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا تصافون كما تصاف الملائكة عند ربها" ثم قال: "يتمون الصف الأول ويتراصون" أخرجه مسلم.
انتهى.
قال في البيان: وقوله في المدونة: ولا بأس ألا تلصق.
معناه إذا وقع، لا أن ذلك يجوز ابتداء من غير كراهة.
وَلا بَاسَ بِالصَّلاةِ بَيْنَ الأَسَاطِينِ لِضِيقِ الْمسْجِدِ
نحوه في المدونة، وظاهره أن ذلك يكره إذا لم يضق، وكذلك فهمه الأشياخ.
والأساطين: السواري.
وأجاز ذلك في المبسوط مع الاختيار، وذكر أن العمل عليه.
واختلف في تعليل الكراهة، فقيل: لتقطيع الصفوف.
وقيل: لأنه محل للنجاسة غالباً والأقذار.
وقيل: لأنه محل الشياطين.
وَلَوْ صَلَّى رَجُلِّ بَيْنَ صُفُوفِ النِّسَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَجْزَأَتْ
نحوه في المدونة، وهو تنبيه على مذهب الحنفية، ونسب لابن القاسم مثله.
وَتَصِحُّ صَلاةُ الْمُسَمِّعِ وَالْمُصَلِّيِ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ
اختلف في المنع بتبليغ الصلاة، فأجازه ابن عبد الحكم في الفرض والنفل، وأجازه ابن حبيب في النفل فقط، وادعى بعض الشافعية الإجماع على جوازه.
قال: ولم يزل التسميع في الجوامع يوم الجمعة.
وحكى جماعة في المسألة أربعة أقوال: الصحة في حقه
وحق من اقتدى به؛ لما ورد من صلاته صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وراءه يسمع الناس.
والبطلان فيهما لخروجه عما شرع من التكبير، ولاقتداء السامع بغير إمام.
والثالث: الفرق، فتصح إن أذن له الإمام، ولا تصح إن لم يأذن له.
والرابع: إن لم يكن صوت الإمام يعمهم صحت وإلا فلا.
وحكى في الإكمال في صحة الصلاة بالمسمع للشيوخ ثلاثة أقوال: ثالثها تصح إن أذن له الإمام.
وكذلك اختلف في صحة صلاة المكبر نفسه، هل تصح أو تفسد؟ أو يحتاج فيها إلى إذن الإمام؟ وقيل: إنما يجوز هذا في مثل الأعياد، والجنائز، وغير الفرائض التي يجتمع له الناس.
وقيل: يجوز في هذا وفي الجماعات لضرورة كثرة الجموع.
وقيل: إنما يجوز بصوت وطي غير متكلف.
انتهى.
فذكر ستة أقوال.
وأشار صاحب البيان إلى أن محل الخلاف إذا مد المسمع صوته كثيراً، وأما لو زاد الشيء اليسير الذي لا يخرج به عن المعتاد وما قاربه فلا خلاف في صحة صلاته.
خليل: وهذه المسألة أشكلت علي؛ وذلك لأنه إما لأن يكون محل خلاف إذا اضطر إلى الإسماع، أو إذا لم يضطر أو أعم.
فإن كان مع الضرورة فلا ينبغي أن يختلف في الجواز والصحة، وإن كان مع عدم الضرورة فالبطلان ظاهر.
وظاهر كلامهم أن الخلاف أعم، ألا ترى أنهم جعلوا الرابع تفصيلاً.
وَتَصِحُّ فِي دُورٍ مَحْجُورَةٍ غَيْرَ الْجُمُعَةِ بِالرُّؤْيَةِ أَوِ السَّمَاعِ، وَأَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَتُكْرَهُ وَتَصِحُّ ...
يصح الاقتداء عندنا بأحد أمور أربعة: إما برؤية أفعال الإمام، وإما برؤية أفعال المأموم، وإما بسماع قوله، أو بسماع قول المأموم.
والكراهة بين اليدين محمولة على عدم الضرورة.
قال ابن عبد البر: ويروى عن مالك أنه يعيد إذا فعله من غير ضرورة.
وهو أحب إلي، وظاهره البطلان.
وأما إن صلى بين يديه لضرورة ضيق المسجد، فلا بأس بذلك.
قاله في الجلاب.
وَلا بَاسَ بِالنَّهْرِ الصَّغِيرِ وَبِالطَّرِيِقِ بَيْنَهُمْ
هو ظاهر.
وَقَالَ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ: جَائِزٌ.
ثُمَّ كَرِهَهُ وَلَمْ يَكْرَهْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
لم يكرهه ابن القاسم لحصول السماع.
وينبغي أن يكون خلافاً في حال.
وَفِي السُّفُنِ الْمُتَقَارِبَةِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ جَائِزَةٌ
هكذا في المدونة، وذكر مجهول الجلاب فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والتفصيل بين أن يكونوا في المرسى أو في حال السير.
فوجه الجواز البناء على السلامة لأنها الغالب، ووجه المنع الخوف من طريان ريح أو غيرها فيفرقها، ووجه التفصيل أن الغالب في المرسى السلامة وعدم ما يفرقها.
انتهى.
فرع:
فإذا بنينا على المشهور من الجواز فطرأ ما فرقهم، فقال ابن عبد الحكم: لا يستخلفون من يتم بهم.
قال في تهذيب الطالب: قال بعض شيوخنا: ولو أجمعتهم الريح بعد الافتراق، وقد فرغوا منها أو من بعضها والإمام لم يفرغ فلا شيء عليهم؛ لأنهم قد فرغوا من إمامته، وجاز لهم البناء، وألا يلغوا ما صلوا قبل الإمام، بخلاف من ظن أن الإمام سلم فقام لقضاء ما عليه، ثم ظهر أنه [79/ أ] لم يسلم، وكذلك إذا استخلفوا ولم يعلموا شيئاً من الصلاة؛ لأنهم لا يأمنون التفريق أيضاً إلا أن يكونوا لم يستخلفوا ولا علموا شيئاً من الصلاة حتى جمعتهم الريح، فهؤلاء على حالتهم الأولى مع إمامهم كذلك ينبغي.
انتهى.
الاسْتِخْلافُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
يريد وهو مستحب.
صرح به ابن الجلاب، فقال: يستحب له أن يستخلف عليهم من يتم بهم صلاتهم فإن لم يفعل قدموا منهم رجلاً يتم بهم.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَطْرَأَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الإِمَامَةَ كَالْعَجْزِ، أَو الصَّلاةَ كَذِكْرِ الْحَدَثِ أَوْ غَلَبَتِهِ بِخِلافِ النِّيَّةِ، وتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، وَمُتَعَمِّدِ الْحَدَثِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَفِي ذِكْرِ مَنْسِيَّةٍ خِلافٌ تَقَدَّمَ ....
أي: وشرط مشروعيته، ويحتمل وشرط صحته.
وفي كل منهما نظر لما كتاب ابن سحنون: إذا صلى الإمام ركعة ثم انفلتت دابته وخاف عليها أو على صبي أو أعمى أن يقع في بئر أو نار أو ذكر متاعاً يخاف عليه التلف فذلك عذر يبيح الاستخلاف.
وقوله: (كَالْعَجْزِ) أي: عن ركن من أركان الصلاة كالركوع والسجود.
وقال سحنون: وإن عجز عن القراءة في بقية صلاته استخلف وصلى مأموماً.
المازري: ولو عجز عن قراءة بعض السورة التي مع أم القرآن لم يستخلف عندي لصحتها مع العجز عن قراءة الباقي.
قوله: (أَو الصَّلاةَ) معطوف على (الإِمَامَةَ) فهو منصوب، ومثَّل ذلك بذكر الحدث وغلبته، وليس لنا ما تبطل فيه صلاة الإمام وتصح صلاة المأموم إلا في هاتين المسألتين.
وقوله: (بِخِلافِ النِّيَّةِ، وتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ) أي: فإن نسيانهما مانع من التمادي إذ لم يدخل في الصلاة.
وقوله: (وَمُتَعَمِّدِ الْحَدَثِ) معطوف على (النِّيَّةِ، وتَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ).
وشِبهُ تعمدِ الحدثِ كلُّ منافِ.
وأشار بقوله: (تَقَدَّمَ) إلى ما قدمه في ترتيب الفوائت من قوله: (وروى ابن القاسم يسري فلا يستخلف.
وروى أشهب: لا يسري فيستخلف).
فَيُشِيرُ لِمَنْ يَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ مُؤْتَمّاً فِي الْعَجْزِ، أَوْ يَتَكَلَّمُ
هذه كيفية الاستخلاف، وهو أن يشير لم يتقدم منهم ويتأخر مؤتماً، حيث يكون العذر مانعاً من الإمامة خاصة.
وقوله: (أَوْ يَتَكَلَّمُ) ليس هو على التخيير، بل هو على للتفصيل؛ أي: أو يتكلم في مانع كالحدث، والأفضل عدم الكلام.
صرح بذلك الباجي وغيره، قال: ويضع يده على أنفه في خروجه ليرى أن ما أصابه رعاف.
قال ابن القاسم: وإن قال يا فلان تقدم لم يضرهم، وقد أفسد على نفسه في الرعاف خاصة.
فإن قيل: لِمَ لَمْ تبطل عليهم أيضاً للارتباط؟ قيل: لأنه إنما أفسد على نفسه بعد خروجه من الإمامة.
فَإِنْ كَانَ بَعِيداً فَلا يَنْتَقِلُ
أي: إن كان المستخلف بعيداً عن محل الإمامة لم ينتقل، وأكمل بهم الصلاة في موضعه؛ لأن المشي الكثير مفسد للصلاة.
وإن كان موضعه قريباً تقدم إلى موضع الإمام لتحصيل الرتبة إذ لا مانع؛ ولهذا استحب مالك للإمام أن يستخلف من الصف الذي يليه.
المازري: ويكون تقدمه على الهيئة التي صادفه الاستخلاف عليها؛ فيتقدم الراكع راكعاً، والجالس جالساً، والقائم قائماً.
وَإِنْ كَانَ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَفِيهِمَا، وَقِيلَ بَعْدَ الرَّفْعِ، وَلا يُكَبِّرُ
يعني: إذا طرأ عليه العذر وهو راكع أو ساجد استخلف حينئذ، فيرفع بهم من استخلفه الإمام.
والقول الثاني حكاه الباجي عن ابن القاسم، وجعل قوله: (وَلا يُكَبِّرُ) من قول يحيى بن عمر؛ أي: لئلا يرفعوا برفعه.
فَإِنْ رَفَعُوا مُقْتَدِينَ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الأَصَحِّ كَالرَّافِعِ قَبْلَ إِمَامِهِ غَلَطاً
يعني: فإن رفع الإمام الأول قبل أن يستخلف فاقتدى المأمومون به لم تبطل صلاتهم على الأصح.
قال عبد الحق: كمن ظن أن الإمام رفع فرفع، فتبين أن الإمام لم يرفع، أو رفع بعض المأمومين فظنوه الإمام فتبعوه.
قال: ثم يرجعون إلى الركوع، فيتبعون المستخلف.
قال: ولو لم يستخلف عليهم أحداً واجتزووا بهما الرفع أجزأهم.
انتهى.