التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أجزاء السعي.
وأما تفريق الطواف من السعي فذكر سند أن اتصاله بالطواف سنة، وقال مالك: وإن طاف ليلاً وأخره حتى أصبح أجزأه إن كان بوضوئه، وإن انتقض أعاد الطواف والسعي والحلاق، وإن خرج من مكة أهدى وأجزأه.
الباجي: فإن لم يعد حتى رجع فالظاهر من المذهب أن عليه الدم.
وفي الموازية فمن طاف ولم يخرج للصفا حتى طاف سبعًا أو سبعين أحب إلى أن يعيد الطواف ثم يسعى، فإن لم يعد الطواف رجوت أن يكون في سعة.
وقول ابن عبد السلام: إن قول محمد الذي حكاه عن المؤلف إنما يتبين إذا قلنا إنه يعيد الطواف -ليس بظاهر، بل الظاهر أنه مفرع على الإعادة، وانظر هل قول محمد منصوص في مسألة تفريق أجزاء الطواف، أو في تفرقته من السعي؟ فإني لم أتحققه الآن.
فرع: فإن أقيمت عليه الصلاة وهو في السعي فلا يقطع، بخلاف الطائف؛ لأن الطائف لما كان في المسجد فلو لم يقطع خالف الإمام.
قاله مالك في العتبية والموازية.
وَنُِهيَ عَنِ الرُّكُوبِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَشَدَّ النَّهْيِ أي: نهى مالك، وهو محمول على القادر.
قال مالك في الموازية: وإن سعى راكبًا من غير عذر أعاد سعيه إن كان قريبًا، وإن تباعد ذلك أو طال أجزأه وأهدى.
نقله ابن يونس، ونقله الباجي عن ابن القاسم.
ونقل ابن راشد عن محمد أنه قال: إن لم يعد أجزأه ولا دم عليه.
فَإِنْ تَرَكَهُ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ مِنَ الْحِلِّ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَلا حَائِضٍ وَلا نَاسٍ إِلى طَوَافِ الإِفَاضَةِ، فَالدَّمُ عَلَى الأَشْهَرِ .... الضمير في (تَرَكَهُ) يعود على السعي.
وذكر لوجوب الدم على الأشهر خمسة قيود:

فاحترز بالحج من العمرة، إذ لا إفاضة فيها.
فإن قيل: إذا لم يكن فيها إفاضة فلا حاجة إلى الاحتراز عنها؛ لأن قوله: (إِلى طَوَافِ الإِفَاضَةِ) يخرجها.
قيل: احترز بذلك مما لو أردف عليه الحج قبل السعي.
وبقوله: (مِنْ الْحِلِّ) مما لو أحرم بالحج من الحرم، فإنه لا قدوم عليه.
وبـ (غير المراهق) من المراهق فإنه معذور في سقوط الطواف عنه.
وبقوله: (وَلا حَائِضٍ) ممن طرأ عليها الحيض قبل تمام الطواف.
وقوله: (ولا ناسٍ) يريد وفي حكمها المغمي عليه، وهو على قول ابن القاسم الذي يعذر الناسي، والأشهر مذهب المدونة، ومقابله لأشهب في الموازية.
فَإِنْ تَرَكَهُ إِلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ فَفِي الإِجْزَاءِ وَيَجِبُ الدَّمُ قَوْلانِ يعني: فإن تركه من حَصُلَت فيه القيود المذكورة إلى طواف الوداع، وظاهر كلامه أن القولين منصوصان، والذي ذكره اللخمي وتبعه غير واحد أنهما مخرجان من القولين في إجزاء طواف التطوع عن الإفاضة.
ولفظ اللخمي: يجزئه عند مالك؛ لأنه يرى أن طواف التطوع في الحج يجزئ عن الواجب، ولا يجزئ عند محمد بن عبد الحكم.
وقول المصنف: (فَيَجِبُ الدَّمُ) أي: على القول بالإجزاء.
وأما على القول بعدمه فيلزمه الرجوع.
ابن عبد السلام: وعلى الإجزاء فيحتمل أن يحب الدم بالاتفاق، ويحتمل أن يدخله الخلاف فيمن تركه إلى طواف الإفاضة.
فَإِنْ تَرَكَهُ أَوْ شَوْطاً مِنْهُ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍٍ صَحِيحَيْنِ أَوْ فَاسِدَيْنِ رَجَعَ إِلَيْهِ مِن بَلَدِهِ أي على المشهور كما تقدم.
وروى ابن القاسم أنه خففه في ترك الشوط والشوطين ثم رجع فقال: وكذلك الشك.
وحكى عبد الحق أن القاضي إسماعيل قال: حُكي عن مالك فيما إذا تركه وتباعد وتطاول الأمر وأصاب النساء أنه يهدي فقط.
وحكى ابن عبد البر أنه قال: كان مالك يشدد في السعي بين الصفا والمروة ولم يبلغ فيه الفرض.
وقد بلغني أنه ربما لين في ذلك.
وقد حكى في الإكمال عن بعض أصحابنا أنه تطوع.

سند: ويجزئ السعي بدون الصعود، ولا يجب إلصاق العقبين بالصفا على المذهب.
ابن المعلى: وبعض الدرج محدث فليحذر أن يخلفها وراءه فلا يتم سعيه، وليصعد ليستيقن، وهو سنة.
وقال بعض أصحابنا: يجب أن يرقى بقدر قامته.
وَالمُسْتَحَبُّ فِيهِ شُرُوطُ الصَّلاةِ أي: طهارة الحدث والخبث وستر العورة، وأما استقبال القبلة فغير ممكن.
واستحب مالك لمن انتقص وضوؤه أن يتوضأ ويبني، فإن لم يتوضأ فلا شيء عليه، وكذلك إن أصابه حقن فإنه يتوضأ ويبني.
وَفِي الْحَجِّ ثَلاثُ خُطَبٍ؛ فِي السَّابِعِ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَاحِدَةٌ لا يَجْلِسُ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَاحِدَةٌ يَجْلِسُ فِي وَسَطِهَا لا خلاف عندنا أنها ثلاث، الأولى: بالمسجد الحرام يوم السابع بعد صلاة الظهر على المشهور.
وقال ابن الموز: بعد الزوال.
والمشهور أنها واحدة، وذلك مستلزم لعدم الجلوس في أثنائها.
وقال ابن حبيب عن مطرف: إن خطب الحج كلها ثنتان يجلس بينهما، فمن رآها واحدة نفى الجلوس، ومن رآها اثنتين أثبته، لا كما هو ظاهر كلام المؤلف أنها واحدة، والخلاف إنما هو في الجلوس.
والثانية: يوم عرفة بعد الزوال.
التونسي: وقيل: [189/ ب] خطب قبل الزوال أو صلى بعده أجزأه.
وفي النوادر عن ابن حبيب: يخطب بعد الزوال أو قبله بيسير بقدر ما يفرغ من الخطبة وقد زالت.
ابن أبي زيد: وفيه نظر؛ لأن ابن حبيب قال: إذا زالت الشمس فراح إلى مسجد عرفة، وقال هنا: يخطب مقدار أن تزول الشمس بعد الخطبة، وقال: يؤذن إذا جلس الإمام في الخطبة، والأذان لا يجب إلا بعد الزوال فيجزئه.

الباجي: وموضع الخلاف بين أشهب وابن حبيب أن ابن حبيب يرى أن يؤتى بها قبل الزوال، وأشهب يمنع من ذلك وريى أن يعيدها إلا أن تفوت بفوات الصلاة.
قال: وإنما جاز ذلك لأنها ليست للصلاة بل لتعليم الحاج.
واتفقوا على الجلوس في خطبة عرفة.
ابن حبيب: ويفتتح الخطب الثلاث بالتكبير كالأعياد، ويكبر في خلال كل خطبة.
ابن الحاج: ويلبي في أثناء الخطبة الأولى.
وحسن أن يفتتحها بالتلبية ولا يلبي في الخطبتين الآخرتين.
البلنسي: والخطب ثلاثة أقسام: قسم ينصت فيه وهو خطبة الجمعة.
وقسم لا ينصت فيه وهو خطب الحج كلها.
وقسم اختلف فيه، وهو خطب العيدين والاستسقاء.
واستحب مالك الإنصات فيهما.
فرع: وهل يجلس في أول هذه الخطب؟ حكى الباجي: في الجلوس في أول كل خطبة ما عدا الجمعة قولان.
وَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ فِيهَا، وَقِيلَ: بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَقِيلَ: سَوَاءٌ، وَقِيلَ: فِي جُلُوسِهِ، فَقِيلَ له: قَبْلَ أَنْ يَاتِيَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ؟ فَقَالَ: مَا أَظُنُّهُمْ يَفْعَلُونَ هَذَا ... الأول حكاه في الإكمال عن مالك.
فقال: قال مالك: وأذانه في آخر الخطبة حتى يكون فراغ الإمام من الخطبة مع فراغ المؤذن من الأذان، والقول بأنه بعد الخطبتين لمالك في الصلاة.
الثاني من المدونة.
وقوله: (قِيلَ: سَوَاءٌ) أي: إن شاء أذن في الخطبة أو بعد فراغها وهو قوله في الحج الثاني من المدونة.
ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: معناه: إن شاء أذن في الخطبة الثانية؛ لأنه قد فرغ من تعليمهم في الأولى.
وقال صاحب تهذيب الطالب: ما ذكره في الصلاة يريد أنه هو

المستحب، وتخييره في الحج يريد أن ذلك واسع، وليس ذلك باختلاف قول.
وعلى هذا ففي تقديم المصنف القول الأول نظر.
وقوله: (وَقِيلَ: فِي جُلُوسِهِ) أي: بين الخطبتين، وهو قوله في الواضحة، وحكى في الإكمال خامسًا عن مالك أن الأذان قبل الخطبة والإمام على المنبر كالجمعة.
وقولهم: (مَا أَظُنُّهُمْ يَفْعَلُونَ هَذَا) نحوه في المدونة.
ابن راشد: يريد الصحابة.
خليل: ويحتمل أن يريد أمراء وقته.
ابن عبد السلام: اختلف قول مالك في محل الأذان.
فقال: والإمام يخطب.
وقال أيضًا: إذا مضى صدرًا من الخطبة.
والأول هو مرادف المؤلف بقوله فيها.
ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا وَقَصْرًا، وَجَمْعُ الإِمَامِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ بأَذَانٍٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلاةٍ وَفِي الأَذَانِ لِلْعَصْرِ قَوْلانِ .... قوله: (جَمْعًا وَقَصْرًا) أي: بعرفة.
والقصر سنة، وإلا فليس بمسافة القصرة في حق المكي وأهل مزدلفة ونحوهم، وقد تقدمت مسألة الأذان للجمع في باب الأذان بأتم ما ذكره هنا.
وَيُتِمُّ أَهْلُ عَرَفَةَ لأنهم حاضرون، وضابطه أن أهل كل مكان يتمون به، ويقصرون فيما سواها، فيتم أهل عرفة بعرفة ويقصرون بمنى ومزدلفة.
ويتم أهل مزدلفة بها ويقصرون في عرفة ومنى، ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفة ومزدلفة.

وَخُطْبَةٌ الْحَادِيَ عَشَرَ بِمِنىَ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ كَالأُولَى، وَيُتِمُّ أَهْلُ مِنَى، وَيَذْكُرُ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ مَا يَفْعَلُ إِلَى الأُخْرَى .... قوله: (كَالأُولَى) أي: فلا يجلس على المشهور.
(وَيَذْكُرُ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ مَا يَفْعَلُ إِلَى الأُخْرَى) فيذكر في الأولى خروجهم إلى منى وأنهم يصلون بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يغدون إذا بزغت الشمس إلى عرفة، ويحرضهم على النزول بنمرة فإنهم يتركون ذلك في زماننا غالبًا، ويعلمهم في الثانية وقوفهم ودفعهم ونزولهم بمزدلفة ومبيتهم بها ودفعهم منها بعد أن يصلوا الصبح بها إلى المشعر الحرام، ورمي جمرة العقبة والحلق والنحر والإفاضة.
ويعلمهم في الثالثة حكم مبيتهم بمنى وكيفية الرمي وما يلزمهم فيه وما يجوز لهم من التأخير والتعجيل وهذا ظاهر.
لكن في دخول الثالثة في كلامه نظر؛ لأن قوله: (إِلَى الأُخْرَى)، يقتضي أن بعدها غيرها.
والله أعلم.
وَالصَّلَوَاتُ سِرِّيَّةٌ وَلَوْ وَافَقَتْ جُمُعَةً، وَيُصَلِّيهِما الْمُنْفَرِدُ أَيْضًا جَمْعًا وَقَصْرًا أي: في يوم عرفة، وأيام منى، وأما من أدركه وقت الجمعمة بمكة يوم التروية –من مكي أو غيره ممن أقام بها أربعة أيام– فعليهم أن يصلوا الجمعة قبل أن يخرجوا، قاله مالك في الموازية.
ابن القاسم: ومعناه: أنه ممن يلزمه إتمام الصلاة.
أصبغ: وأما المسافر فمخير، وأ؛ ب إلي أن يصلي الجمعة لفضيلة المسجد الحرام.
وقال محمد: أحب إلى خروجه إلى منى.
وإنما تكلم مالك على من يقفل حتى يأخذه الوقت.
وقيل: إن الرشيد جمع مالكًا وأبا يوسف، فسأل أبو يوسف مالكًا عن إقامة الجمعة بعرفة فقال مالك: لا يجوز؛ لأنه عليه الصلاة [190/ أ] والسلام وافق الجمعة بعرفة في حجة الوداع ولم يصلها.
فقال أبو يوسف: قد صلاها؛ لأنه خطب خطبتين وصلى بعدهما ركعتين: فقال مالك: أجهر فيهما بالقراءة كما يجهر في الجمعة؟ فسكت أبو يوسف وسلم.

قوله: (وَيُصَلِّيهِما الْمُنْفَرِدُ) أي: الظهر والعصر يوم عرفة جمعًا وقصرًا أيضًا.
وهل له الجمع في رحله إذا قدر على الجمع مع الإمام؟ أجازه مالك.
وكان ابن القاسم ربما صلى في رحله، وربما صلى مع الإمام.
وقال ابن حبيب: لا يترك الجمع مع الإمام ألبتة؛ للسنة.
وَيَخْرُجُ إَلَى مِنَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ بهَا الظُّهْرَ فيُصَلِّي الصَّلَوَاتِ لِوَقْتِهَا قَصْرًا ويَبَيِتُ بِهَا ولا دَمَ فِي تَرْكِهِ سُمي الثامن يوم التروية؛ لأنهم كانوا يعدون الماء له بالروايا.
وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء للحاج ويسقونهم.
قوله: (لِوَقْتِهَا) أي: ولا يجمع.
ويسقط الدم في تركه؛ لأن المقصود به تقريب المسافة فقط لا فعل نسك.
ابن حبيب: وإذا مالت الشمس يوم التروية فطف بالبيت سبعًا ثم اخرج إلى منى وأنت تلبي، وإن خرجت قبل ذلك فلا حرج، وإذا خرجت من منى فلا تجاوز محسرًا حتى تطلع الشمس على ثبير.
مالك: ويخرجون بقدر ما إذا بلغوا منى صلوا الظهر، وهي السنة ولا أحب التراخي عن ذلك إلا لعذر.
وَكُرِهُ التَّقَدُّمُ إِلَى مِنَى قَبْلَ ذَلِكَ أَوِ التَّقَدُّمُ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا، وَكَذَلِكَ تُقَدِّمُ الأَبْنِيَةُ خِلافَاً لأَشْهَبَ .... لمخالفة السنة، والإشارة بـ (ذَلِكَ) عائدة إلى قوله: (وَيَخْرُجُ إِلَى مِنَى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ولا تعود إلى قوله: (بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ بهَا الظُّهْرَ) لأنه نص في المدونة على ذلك، قال فيها: وكره مالك التقدم إلى منى قبل يوم التروية، وإلى عرفة قبل يوم عرفة، وأن يقدم الناس أبنيتهم.
انتهى.

وأجاز أشهب في المجموعة تقدم الأبنية.
وأجاز ابن المواز للضعيف ومن به علة أو بدابته أن يغدو إلى عرفة قبل طلوع الشمس.
وَيَغْدُو مِنْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى عَرَفَةَ، ثُمَّ يَقِفُ بِهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ أي: فإذا جاء إلى عرفة نزل بنمرة.
ابن حبيب: وإذا زالت الشمس راح منها إلى مسجد عرفة.
ابن المواز: قال ابن شهاب: ويعجل بالصلاة يوم عرفة.
وكذلك قال الباجي وغيره: إنه يستحب أن يصلي الظهر والعصر بإثر الزوال.
قاله أشهب وسحنون وابن حبيب.
فإذا تمت الصلاة فخذ في التهليل والتكبير والتحميد.
وَوُقُوفُهُ طَاهِرًا مُتَوَضِّئًا أَفْضَلُ، وَيَدْعُو إِلَى الْغُرُوبِ، وَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الْقِيَامُ، وَلا يَجْلِسُ إِلا لِكَلالٍ .... أي: طاهر من الجنابة.
ولا يريد بقوله يدعو خصوصية، بل يهلل ويكبر كما ذكرنا عن أشهب وسحنون وابن حبيب.
ابن شعبان: ويكثر من ذكر لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
ابن حبيب: وإذا سألت فابسط يديك وإن رهبت واستغفرت وتضرعت فحولهما، ولا تزال كذلك مستقبل القبلة بالخشوع والتواضع والتذلل وكثرة الذكر بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والتعظيم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء لنفسك ولأبويك والاستغفار إلى غروب الشمس.
(وَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ) لفعله عليه الصلاة والسلام؛ ولأنه يستعين به على مواصلة الدعاء.
قالوا مالم يشق الوقوف على الدابة، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ ظهور

الدواب كراسي.
والكِلاَلُ: التعب.
قال في الموطأ: يقف راكبًا إلا أن يكون به أو بدابته علة، فالله أعذر بالعذر.
وَالْوَاجِبُ مِنَ الْوُقُوفِ الرُّكَنِيِّ أَدْنَى حُضُورٍ فِي جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَجُزْءٍ مِنْ عَرَفَةَ حَيْثُ شَاءَ، سِوىَ بَطْنِ عُرَنَةَ .... المراد بالوقوف الطمأنينه بعرفة ولو جالسًا.
وقوله: (الرُّكَنِيِّ) إشارة إلى أن الوقوف نهارًا ليس بركن.
ويجبر بالدم على المشهور خلافًا لسحنون.
ولذلك أوجب مالك في الموازية الدم على من دفع قبل الغروب، إلا أنه لم يخرج منها إلا بعده، وأسقطه عمن دفع بعده، وقبل الإمام قال: مع الإمام أحب إلى ما لم يتأخر.
قال: وإن دفع قبل الغروب، فإن رجع ووقف قبل الفجر أجزأه، ولا هدي عليه.
وقال أصبغ: أحب إلينا أن يهدي.
تنبيه: استقرأ اللخمي من قول يحيى بن عمر في أهل الموسم: ينزل بهم ما نزل بالناس سنة العلوي، وهروبهم عن عرفة قبل أن يتموا الوقوف أنه يجزئهم ولا دم عليهم، عدم ركنية الوقوف ليلاً.
وقد يقال: لا يلزم هذا للضرورة الحاصلة هنا.
لكن استدل له بما رواه الترمذي صححه وغيره عن عروة ابن مضرس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إنى جئت من جبل طيئ أَكْلَلْتُ راحلتي وأتعبت نفس، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد أتم حجه وقضى تفثه".
ابن عبد البر: أجمعوا أن قوله: "نهارًا" لم يرد به ما قبل الزوال.
قال القاضي إسماعيل: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "نهارًا" أن الوقوف بالنهار لا يضر، ولم يرد الاقتصار على

النهار.
وقال أبو الفرج: فيه حذف معطوف، أي: ليلاً أو نهارًا وليلاً، وسكت عن أن يقول: وليلاً؛ لعلمه مما تقدم من فعله [190/ ب] فكأنه أراد بالنهار اتصال الليل به.
قال: ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو.
ورد بأنه كان يلزم منه وجوب الجمع بينهما ولم يقل به أحد.
قوله: (وَجُزْءٍ مِنْ عَرَفَةَ) قال في الجلاب: وليس لموضع من عرفة فضيلة على غيره.
وقال ابن حبيب: ويستند إلى الهضاب من سفح الجبل، وحيث يقف الإمام أفضل، وكذلك قال أشهب: أحب موقف عرفة إلى ما قرب من عرفة، ومن المزدلفة ما قرب من الإمام.
قال في الجلاب: ويكره الوقوف على جبل عرفة.
قوله: (سِوىَ بَطْنِ عُرَنَةَ).
ابن حبيب: عرنة ليست من عرفة إنما هي من الحرم، وعرفة خارجه.
وعلى هذا فقوله: (سِوىَ بَطْنِ عُرَنَةَ) استثناء منقطع.
وحكى سند الاتفاق على أن وادي عرنة ليست من عرفة.
ولا يجزئ الوقوف به.
وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال: من وقف به حجه تام وعليه دم.
ونحوه في الجلاب؛ لأنه قال: يكره الوقوف به، ومن وقف به أجزأه وقوفه.
قال: وبطن عرفة: هو المسجد الذي يصلي فيه الإمام.
عياض وغيره: وعرنة بضم العين والراء، وذكره ابن دريد بفتح الراء وهو الصواب.
وذكر ابن عبد السلام فيها ضم العين وتسكين الراء.
وَوَقَفَ مَالِكٌ أَنْ لَوْ وَقَفَ بالْمَسْجِدِ، وَفِيهِ لأَصْحَابِه قَوْلانِ، وَكَرِهَ بُنْيَانَهُ، وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ بَنِي هَاشِمٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَائِط الْقِبْلِيَّ عَلَى حَدِّ عُرَنة .... أي: في مسجد عرفة للشك هل هو من عرفة أو من الحرم؟ وكذلك توقف ابن عبد الحكم.
وفيه لأصحابه قولان في الإجزاء وعدمه، والإجزاء لمحمد وعدمه لأصبغ.
ورآه من بطن عرنة.
والإجزاء لابن مزين.
وكره في المدونة بنيانه.
قال في الموازية: لأنه

يضيق على الناس.
والمراد بقوله: (بَعْدَ بَنِي هَاشِمٍ) بعد مصير الدولية لهم ولم يرد بعد انقراضهم وقاله ابن عبد البر.
وما حكاه من أن الحائط هذا المسجد القبلي على حد عرنة مثله.
حكاه ابن المواز، وزاد: ولو سقط لسقط في عرنة.
اللخمي: وعليه فيجزئ الوقوف به، ووقع هنا نسختان (على حد عرفة) وأخرى (عرنة) وهما بمعنى؛ لأن الحائط القبلي إذا كان على حد عرفة فهو حد لعرنة.
وَفِي اشْتِرَاطِ الْوُقُوفِ قَوْلانِ، وَفِي الْمَارِّ قَوْلانِ قد تقدم أن المراد بالوقوف الطمأنينة بعرفة على أي وجه كان.
ابن عبد السلام: وعلى هذا فالخلاف حقيقة إنما هو في الاكتفاء بالمرور، فلا ينبغي لمن مذهبه الاختصار أن يجعلهما مسألتين إحداهما ثمرة على الأخرى.
انتهى.
ولم يبين مالك الحكم في هذه المسألة في المدونة.
وحكى ابن يونس فيها قولين: الأول: لابن القاسم في المدونة من رواية الدباغ: يجزئه إذا نوى بمروره الوقوف، زاد محمد: ولو تعمده إذا عرفها، وإن لم يعرفها بطل حجه.
الثاني: نقله ابن المنذر في كتاب الأشراف عن مالك وغيره من العلماء أن من مر بعرفة ليلاً قبل الفجر وهو لا يعلم أنها عرفة أن ذلك يجزئه.
التونسي وابن محرز وغيرهما: وقول محمد: "إذا عرفها" ينبغي ألا يحتاج إلى معرفتها على مذهب ابن القاس؛ لأنه يرى أن من وقف بها مغمى عليه أجزأه.
اللخمي: والأول أحسن.
ولم أرَ قولاً بعد الإجزاء مطلقًا كما هو ظاهر كلام المصنف.
وكذلك جعل سند محل الخلاف إذا لم يعرفها، فقال: من مر بعرفة وعرفها أجزأه.
وإن لم يعرفها فقال محمد: لا يجزئه، والأشهر الإجزاء، لأن تخصيص أركان الحج بالنبية ليس شرطًا.

وَفِي اشْتِرَاطِ عِلْمِهِ بعَرَفَةَ قَوْلانِ، وَفِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْجَاهِلِ بِهَا– ثَالِثُهَا: لابْنِ الْقَاسِمِ لا يُجْزِئُ الْجَاهِلُ .... فرأى في القول بالاشتراط أنه لا بد من العلم لستشعر بالقربة، وهو قول محمد، ورأى في آخر أن القصد الوقوف وقد حصل.
وهو يأتي على ما حكاه ابن المنزر عن مالك كما تقدم.
والقولان المتقابلان في المغمى عليه والجاهل مبنيان على اشتراط العلم وعدمه.
ابن عبد السلام: والمشهور يجزئ المغمى عليه.
ومفهوم قوله: (قَبْلَ الزَّوَالِ) أنه إذا كان بعده أنه يجزئه.
وفي اللخمي: قال مالك فيمن أتى عرفة وهو مغمى عليه، ودفعوا به على حالته، قال– يجزئه.
وروى مطرف وابن الماجشون إن أغمي عليه قبل الزوال لم يجزأه، وإن أغمي عليه بعده فإن كان ذلك قبل أن يقف أجزأه لو اتصل به الإغماء حتى دفع به، وليس عليه أن يقف ثانيًا إن أفاق في بقية ليلته، وهو كالذي يغمى عليه في رمضان قبل الفجر فلا يجزئه، وإن طلع عليه الفجر وهو في عقله ثم أغمى عليه بعد ذلك لم يضره.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إن وقف صحيحًا ثم أغمي عليه بعد ذلك أجزأه، وإن وقف مغميًا عليه فلم يقف حتى طلع الفجر لم يجزأه.
انتهى.
وَالْوَقْتُ بَاقٍ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَوْ أَنْشَأَ الإحرام فِيهَا أَجْزَأَهُ لما أخرجه النسائي والترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن يعمر قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، وأتاه ناس من نجد فأمروا رجلاً فسأله عن الحج، فقال: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك حجه".
وروى الترمذي: (قبل طلوع الفجر).
تنبيه: وإذا غربت الشمس فقد حصل الوقوف الركني، والأفضل ألا يدفع قبل الإمام.
قاله في المدونة.
قوله: (وَلَوْ أَنْشَأَ الإحرام فِيهَا أَجْزَأَهُ) [191/ أ] ظاهر.

فَلَوْ قَرُبَ مِنْهَا قُرْبَ الْفَجْرُ فَذَكَرَ صَلاةً يُفِيتُهُ فِعْلُهَا- فَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ بَيْنَ قُرْبِهِ جِدّاً وَغَيْرِهِ، وَفَرَّقَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ والآَفَاقِيِّ، وَقِيلَ: يُصَلِّي إِيمَاءً .... اعلم أن القاعدة أن المُضَيَّقَ في الشرع مقدم على ما وسع فيه، والموسع فيه في زمان محصور كالصلاة مقدم على ما غياه بالعمر كالكفارات، وما يجب على تاركه القتل مقدمًا على ما ليس كذلك، وعلى هذا فتقدم الصلاة على الحج في المسألة المفروضة، وهي إذا قرب من عرفة قبل الفجر، وذكر صلاة إن تشاغل بها فاته الوقوف، وإن ذهب للوقوف لم يمكنه فعل الصلاة.
وإلى هذا أشار بقوله: (يُفِيتُهُ فِعْلُهَا) أي يفيت الوقوف فعلها، وتقديم الصلاة هو المشهور لما ذكرناه من عظم أمرها في الشرع واستحقاقها للوقت بالذكر.
وقال اللخمي: تقدم عرفة مطلقًا لما في فوات الحج من المشاق.
وفرق محمد بن المواز بين قربه من عرفة فيمضي إليها وبعده فيصلي لحصول الشك حينئذ في إدراك عرفة.
وزاد المصنف بعد قوله: (قُرْيهِ) لفظة (جِدّاً) وليست هذه الزيادة في النوادر.
وفرق ابن عبد الحكم بين المكي ونحوه فيصلي، وبين الآفاقي فيمضي لعرفة، هكذا صرح في النوادر بأن ما حول مكة كحكمها عند ابن عبد الحكم، ووجهه ظاهر.
وقال عبد الحميد: يصلي إيماءً كالمسايف.
واعترضه ابن بشير بعدم تحققق الجامع؛ لأن المشقة في الأصل خوف تلف النفس، وفي الفرع خوف تلف المال سلمناه، ولكن قياسًا على الرخص.
وأجيب على الأول بأن الأسفار الشاقة مع بعد المسافة يخشى فيها على النفس والمال، ففي الفرع ما في الأصل وزيادة.
وعلى الثاني بأن القياس على الرخص المختلف في قبوله إنما هو إذا كان الأصل المقيس عليه منصوصًا، أما إذا كان اجتهاديًا فلا نسلمه.
تنبيه: وقول المصنف: (ذكر صلاة) هكذا عبر جماعة كثيرة من أهل المذهب، وهو ظاهر في أنها فائتة.
وإذا كان هذا في الفائتة فأحرى لو ذكر العشاء، وفرضها ابن بشير في العشاء.

وَلَوْ وَقَعَ الْخَطَأُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فَفِي الإِجْزَاءِ قَوْلانِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الثَّامِنَ لا يُجْزِئُ، وَالْعَاشِرَ يُجْزِئُ وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ .... أي: إذا وقع الخطأ في يوم عرفة إما بالتقديم أو بالتأخير ففي المسألة ثلاثة أقوال: الإجزاء فيها، وعدمه، والمعروف التفصيل فيجزئ العاشر ولا يجزئ الثامن.
وما ذكره المصنف من الخلاف في الصورتين موافق للخمي، فإنه حكى الخلاف في العاشر، ونحوه في البيان، وحكى الثلاثة التي ذكرها المصنف.
وذهب ابن الكاتب إلى أن المذهب يتفق على الإجزاء في العاشر.
قال في البيان: وعلى التفرقة أكثر أهل العلم.
وهو قوله مالك والليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن سيرين وعثمان البتي.
والفرق أن الذين وقفوا يوم النحر فعلوا ما تعبدهم الله به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إكمال العدة دون اجتهاد، بخلاف الذين أخطئوا قبل، فإنه باجتهادهم وشهادة من شهد بالباطل.
انتهى.
وعلى الإجزاء اقتصر مالك في العتبية على أنه إذا كان وقوفهم يوم النحر مضوا على عملهم، ويتأخر عمل الحج كله الباقي عليهم يومًا، ويكون حالهم كحال من لم يخطئ وقيد في الاستذكار هذا الخلاف بجماعة أهل الموسم، وأما المنفرد فلا يلزمه إذا فاته الوقوف ما يلزم من فاته الحج.
فرع: من ردت شهادته في الهلال، فقال سند: يلزمه الوقوف كالصوم.
وقاله الجمهور.
وقال محمد بن الحسن: لا يجزئه حتى يقف مع الناس، وسلم الصوم، فيكون حجة عليه.
وقد تقدم هذا من كلام صاحب البيان في الصوم.
وَيُفِيضُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ وَيَبِيتُ بِهَا، وَيُكْرَهُ الْمُرُورُ بِغَيْرِهَا بَيْنَ الْمَازَمَيْنِ، وَيُصَلِّي بِهَا الإِمَامُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءُ جَمْعًا وَقَصْرًا، وَيُتِمُّ أَهْلُ مُزْدَلِفَةَ (وَيَبيتُ بِهَا) للسنة (وَيُكْرَهُ الْمُرُورُ بِغَيْرِهَا بَيْنَ الْمَازَمَيْنِ) لمخالفة فعله صلى الله عليه وسلم.
وكلامه ظاهر.

والمأزمان: قال في التنبيهات: مهموز مكسور الزاي ومفتوح الميمين مثنى.
قيل لمالك في المدونة: فإن أتى المزدلفة قبل الشفق؟ قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان ما أحببت له أن يصلي حتى يغيب الشفق، وهكذا قال ابن القاسم وابن حبيب: لا يصلي حتى يغيب الشفق.
وقال أشهب: إن وصل قبل مغيب الشفق صلى حينئذ.
قال مالك في العتبية: وإذا أتى المزدلفة فلا بأس أن يبدأ بحط الرحل الخفيف قبل الصلاة وأما حط المحامل والزوامل فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاة ثم يحط.
وقال أشهب: حط رحل من أتى المزدلفة بعد أن يصلي المغرب أحب إلي ما لم يضطر إلى غير ذلك؛ لثقل دابته ونحوه، فإذا صلى المغرب حط رجله – إن شاء – قبل صلاة العشاء وإن لم يكن بدابته ثقل؛ لأن ذلك قريب لا تفاوت فيه بين الصلاتين، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، وليصل المغرب ثم يتعشى قبل صلاة الشعاء إن كان عشاؤه خفيفًا، وإن كان عشاؤه فيه طول فليؤخره حتى يصل العشاء أحب إلى.
وفي الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بها ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله [191/ ب] ثم أقيمت صلاة العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا.
وروى ابن مسعود: لما نزل صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة صلى بهم المغرب ثم وضعوا رحالهم وتعشوا ثم صلوا العشاء.
وَمَنْ لَمْ يَقِفْ إِلا بَعْدَ دَفْعِ الإِمَامِ صَلْى كُلَّ صَلاةٍ لِوَقْتِهَا، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الثُّلُثِ أَوِ النِّصْفِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .... قوله: (كُلَّ صَلاةٍ) أي: من المغرب والعشاء (لِوَقْتِهَا) وهو قول ابن المواز قال في النوادر: ووجهه أن الجمع إنما ورد في حق من وقف مع الإمام.
قال ابن القاسم: إن طمع أن يقف ويرجع إلى مزدلفة في ثلث الليل رأيت أن يؤخر إلى مزدلفة فيجمع بينهما.
ابن بشير: وعلى القول بأن وقت العشاء إلى نصف الليل يؤخر إن كان يدرك قبله، وهو معنى قوله: (أَوِ النِّصْفِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) ونقل عن مالك قول ثالث: أنه يجمع بينهما سواء راح أو لم يرح كمن وقف مع الإمام.

تنبيهان: أولهما: انظر كيف صدر المصنف بقول ابن المواز.
الثاني: تخريج ابن بشير ليس بظاهر؛ لأن القائل بالنصف هو ابن حبيب، ولا يعلم له التفصيل الذي قاله ابن القاسم هنا.
ولا بد في التخريج من اتحاد القائل، وقد تقدم هذا المعنى.
وَأَمَّا مَنْ وَقَفَ وَعَجَزَ جَمَعَهُمَا بَعْدَ الشَّفَقِ حَيْثُ كَانَ تصوره ظاهر ونحوه في المدونة وغيرها.
فَلَوْ قَدَّمَهُمَا قَبْلَهَ أَعَادَ الْعِشَاءَ، وَفِي إِعَادَةِ الْمَغْرِبِ فِي الْوَقْتِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قوله: (قَدَّمَهُمَا) يعني: المغرب والعشاء.
(قَبْلَهَ) قبل الشفق.
وفي بعض النسخ (قبلهما) أي: الشفق والمزدلفة.
وفي بعضها (قبلها) أي المزدلفة.
اللخمي: واختلف فيمن صلى المغرب قبل المزدلفة أو جمع الصلاتين بعد مغيب الشفق وقبل المزدلفة، ثم ذكر القولين اللذين حكاهما المصنف.
واتفق على إعادة العشاء إذا صلاها قبل الشفق؛ لكونه صلاها قبل وقتها.
واختلف في إعادة المغرب، فقال ابن القاسم: يعيدها في الوقت.
وقال ابن حبيب: أبدًا.
واحتج ابن القاسم في المدونة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة أمامك".
يريد فكأنه قد قدمها عن وقتها، وقال أشهب: لا يعيدها؛ لأنها وقعت في وقتها، والجمع إنما هو رخصة وتخفيف.
ثُمَّ يَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ، فَلَوْ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَالدَّمُ عَلَى الأَشْهَرِ، فَلَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا دَمَ لا خلاف أن السنة النزول بمزدلفة والمبيت بها، فإن نزل بها ثم دفع منها قال في المدونة: في أول الليل أو وسطه أو آخره، وترك الوقوف مع الإمام أجزأه ولا دم عليه.
ولفظ المدونة أحسن من لفظ المصنف؛ لأن قوله: (فَلَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا دَمَ) مجمل.

قوله: (فَلَوْ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَالدَّمُ عَلَى الأَشْهَرِ) هو قول مالك وغيره.
والقول بسقوط الدم منقول عن بعد الملك.
وهو مما يبين لك أن قوله: اختلف في الوقوف بالمشعر الحرام هل هو ركن أم لا؟ ابن هارون: واختلف عن مالك في القدر المستحق من الزمان بمزدلفة هل هو الليل كله أو جله أو أقل زمان؟ على ثلاثة أقوال.
حكاه ابن خويزمنداد.
انتهى.
خليل: والظاهر أنه لا يكفي على المذهب في سقوط الدم بالنزول إناخة البعير فقط، بل لا بد مع ذلك من حط الرحال، وكلام الباجي يدل عليه.
ولفظه: والفرض من المبيت بها النزول بها والمقام مقدار ما يرى أنه مقام.
انتهى.
فرعان: الأول: قول ابن المواز يستحب ليلة المزدلفة كثرة الصلاة والذكر، وكان ابن عمر يطيل التهجد.
والثاني: إن أتى المزدلفة بعد الفجر فقال أشهب: عليه الدم لتركه المبيت، وإن كان من ضعفه الرجال والنساء والصبيان، وقال ابن القاسم: إذا أتاها بعد طلوع الفجر ونزل بها فقد أدرك ولا شيء عليه، وليقف بالمشعر الحرام ما لم يسفر جدًا وإن دفع الإمام.
وَيَرْتَحِلُ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا ثُمَّ يَقِفُ قَلِيلاً عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو، وَلا وُقُوفَ بَعْدَ الإِسْفَارِ، وَلا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ .... أي: ويرتحل من المزدلفة بعد أن يصلي الصبح أول وقتها إلى المشعر الحرام.
ابن حبيب: وهو ما بين جبلي المزدلفة، ونحوه لسعيد بن جبير.
قال ابن أبي نجيح: ما صب من محسر في المزدلفة فهو منها، وما صب منها في منى فهو منها.
ابن حبيب: ويقال للمزدلفة أيضًا جَمْعٌ: وكلها موقف، ويرتفع عن بطن محسر، وكذلك روى عنه الصلاة والسلام.
ونص اللخمي وصاحب المفهم وغيرهما على

أنه ليس من المزدلفة.
ابن حبيب: ويقف الإمام حيث المنارة التي على قزح.
قال: وترفع يديك بالدعاء والذكر والرغبة إلى الله تعالى، وتكثر من التهليل والتكبير وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة.
سحنون: ويكون وجهك إذا وقفت أمام البيت.
وقوله: (وَلا وُقُوفَ بَعْدَ الإِسْفَارِ) قالوا قصدًا لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس.
وظاهر كلامه جواز التمادي بالوقوف إلى الإسفار.
نحوه في الموازية والمختصر.
وفي المدونة: لا يقف أحد بالمشعر إلى طلوع الشمس أو الإسفار، ولكن يدفعون قبل ذلك.
قوله: (وَلا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ) لأنه خلاف السنة.
قال في المدونة: وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه، ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى [192/ أ] دفع الإمام فلا يقف بعده، ولا يتخلف عنه.
ويستحب للرجل أن يدفع بدفع الإمام ولا يتعجل قبله.
وَوَاسِعٌ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ يَتَأَخَّرُوا، ثُمَّ يُسْرِعُ فِي وَادِي مُحَسَّرٍ خرج مسلم عن أم حبيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل.
ولعل ذلك خوفًا من الزحمة، ولبطئهن في السير.
(وَيُسْرِعُ فِي وَادِي مُحَسَّرٍ) أي: الراكب بدابته والماشي في مشتيه، وهو قدر رمية الحجر وذلك للسنة.
قيل: لأنه موضع نزول العذاب على أصحاب الفيل.
ثُمَّ يَاتِي مِنَى فَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ وَضْعِ رَحْلِهِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا عَلَى حَالِهِ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَنْحَرُ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ كذا ورد عنه عليه الصلاة والسلام.
وكان صلى الله عليه وسلم حالة الرمي راكبًا.

قال مالك في الموازية: وتستقبلها ومنى عن يمينك والبيت عن يسارك وأنت ببطن الوادي.
والحلاق أفضل من التقصير إلا المتمتع فإن التقصير في العمرة أفضل له؛ ليبقى على الشعث في إحرام الحج.
ولا فرق على المشهور بين المفرد والقارن.
وقال ابن الجهم: إن القارن المكي لا يحلق حتى يطوف ويسعى، ويلزمه أن يقول بذلك في المراهق والحائض وكل من أخر سعيه إلى الإفاضة.
فَلَوْ ضَلَّتْ بَدَنَتُهُ طَلَبَهَا إِلَى الزَّوَالِ وَإِلا حَلَقَ وَفَعَلَ مَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ مِنْ إِفَاضَةٍٍ وَوَطْءٍ وَغَيْرِهِ .... لما كان المطلوب تقديم النحر على الحلق لقوله تعالى: ?وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ([البقرة: 195] لزم إذا ضلت بدنته أن يطلبها إلى الزوال؛ لأن تأخير الحلق بعد الزوال بلا عذر مكروه.
وكذلك قوله في المدونة: ومن ضلت بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإن أصابها وإلا حلق وفعل ما يفعل من لم يهد من الإفاضة ووطء النساء وحلق الرأس ولبس الثياب، كانت هذه البدنة مما عليه بدلها أم لا؟ انتهى.
قال في البيان: وإذا خشي زوال الشمس حلق مخافة أن يؤخر إلى بعد الزوال ولا يجد الهدي فتفوته الفضيلتان جميعًا: الحلاق قبل الزوال، والذبح قبل الحلاق.
فَلَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْي فَالْفِدْيَةُ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِلا فَلا فِدْيَةَ عَلَى الأَصَحِّ قد تقدم أن السنة تقديم الرمي ثم النحر ثم الحلق، فلو قدم الحلق على الأول فالفدية على الأصح؛ لأنها حلق قبل التحلل وهو مذهب المدونة.
ومقابل الأصح حكاه ابن بشير وأشار إلى الاستدلال له بما رواه البخاري ومسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في

حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح.
قال: "اذبح ولا حرج".
وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي.
فقال: "ارمِ ولا حرج".
فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا وقال: "افعل ولا حرج".
وإذا بنينا على الأصح فإنه يُجرِي الموسى على رأسه بعد أن يرمي.
رواه ابن المواز عن مالك؛ يريد: لأن ذلك الحلق الأول غير معتد به، ولذلك افتدى منه.
وقوله: (وَإِلا فَلا فِدْيَةَ عَلَى الأَصَحِّ) أي: وإن لم يقدم الحلق على الرمي بل قدم الثاني على الاول فنحر قبل الرمي، أو الثالث على الثاني فحلق قبل النحر، فالأصح لا شيء عليه للحديث المتقدم.
وكلام المصنف يقتضي أن الخلاف في الصورتين، ولم أره إلا في الثانية، وهي إذا حلق قبل النحر.
وحكى اللخمي مقابل الأصح عن ابن الماجشون وأطلق فيه كالمصنف.
وقال الباجي: إن قدم الحلق قبل الذبح فإما أن يقدم الحلق خطأً أو جهلاً أو عمداً.
فإن كان ذلك خطأً أو عمداً فروى ابن حبيب عن ابن القاسم لا شيء عليه، وهو المشهور.
وقال ابن الماجشون: عليه الهدي.
وبه قال أبو حنيفة، ووجَّه الأول بالحديث.
وروى ابن الماجشون أن معنى ذلك لا إثم عليه؛ لأن الحرج يطلق على الإثم دون الهدي.
ولابن القاسم أن يقول: هذا موضع تعليم لما يجب على السائل، فلو وجب الهدي لذكره.
وأما إن كان على وجه العمد فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر.
والظاهر من المذهب المنع من ذلك، والترتيب مشروع مستحب، وأقل ما يحمل النحر.
والظاهر من المذهب المنع من ذلك، والترتيب مشروع مستحب، وأقل ما يحمل عليه فعله عليه الصلاة والسلام في حجة الاستحباب.
انتهى باختصار.
ثُمَّ يَاتِي مَكَّةَ لِلإفَاضَةِ وَكُرِهَ أَنْ يُسَمَّى طَوَافُ الزِّيَارَةِ، أَوْ يُقَالَ: زُرْنَا قَبْرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .....

يعني: وبعد أن يفعل الثلاثة المذكورة يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة.
وأما كراهة مالك أن يقول طواف الزيارة أو زرنا قبره صلى الله عليه وسلم فقيل: لأن الزيارة تقتضي التخيير.
وقيل: إنما كره هذا الاسم لما ورد: "لعن الله زوَّارات القبور".
ورده في الشفاء بما

ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها".
وقوله: "من زار قبري" وقيل: إنما ذلك لما قيل: إن للزائر فضلاً على المزور.
ورده في الشفاء بأنه ليس كل زائر بهذه الصفة، وقد ورد في حديث أهل الجنة وزيارتهم لربهم.
وقيل: الكراهة لاستعمال لفظ القبر؛ لأنه ورد في الحديث [192/أ] "اللهم لا تجعل قبري وثناًَ يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
فحمل إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة وحسماً للباب، ولم يرده، ورده بعضهم بأن سنداً نقل عن مالك الكراهة، ولو أسقط القبر، وكان شيخنا رحمه الله يقول: يمكن أن يقال إنما كره مالك ذلك خوفاً من التبجح بالعبادة والسمعة؛ لأنه قد ورد: "من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً".
خليل: وفي قول أبي عمران: إنما كره مالك أن يقول الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض- إشارة إلى ذلك.
فرع: فإن قدم الإفاضة على الرمي فروى ابن القاسم عن مالك الإجزاء مع الهدي، وبه أخذ ابن القاسم.
وعن مالك: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يعيد الإفاضة، وذلك يوم النحر آكد.
واختلف إذا رمى ثم أفاض قبل الحلاق، فقال مالك: يجزئه، وقال أيضاً يعيد الإفاضة بعد الحلاق.
وقال في الموطأ: أحب إلى أن يهرق دماً، وإن قدم الإفاضة على الذبح أجزأته الإفاضة.
اللخمي: ويجري فيها قولاً آخر أنه يعيد.
خليل: والصحيح والله أعلم لا شيء عليه في شيء من ذلك لما رواه الترمذي وصححه من حديث علي- رضي الله عنه-: أفضت قبل أن أحلق.
فقال: "احلق أو قصر ولا حرج".
وفي بعض طرق الدارقطني من حديث ابن عمر: أفضت قبل أن أرمي: فقال: "ارم ولا حرج".

وَهذَا أَوْلَى مِنَ التَّأخِير

يعني: وتعجيل الإفاضة أولى، وهذا كما قال في الجلاب: ولا بأس بتأخير الإفاضة إلى آخر أيام التشريق، وتعجيلها أفضل، ولا يؤخرها عن ذلك.
فإن أخرها إلى المُحَرَّم فعليه دم.
وقال في الذخيرة: وله تأخير السعي إلى وقت تأخير الإفاضة انتهى.
وقد اختلف هل أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً أو نهاراً؟ ففي مسلم من حديث جابر الطويل: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.
النووي: وفيه محذوف تقديره: فأفاض وطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه.
وفي مسلم أيضاً من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمني.
النووي: ووجه الجمع بينهما أنه عليه الصلاة والسلام طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى انتهى.
وخرج أبو داود من حديث عائشة وابن عباس: أنه عليه الصلاة والسلام أخر الطواف يوم النحر إلى الليل.
ورواية جابر عندهم أرجح؛ لأنه ضبط في الحج ما لم يضبطه غيره.
فَلو أَخَّرَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ وَالسَّعْيَ بَعْدَمَا انْصَرَفَ مِنْ مِنَي أَيَّاماً فَلْيَطُفْ وَلْيُهْد

هذا تصوره في حق المراهق وشبهه ممن لا تخاطب بالسعي أولا كالمحرم من مكة.
ابن عبد السلام: والدم إما لأجل التفرقة بين الأركان أو لأنه أتى ببعض الأركان في غير أشهره.
انتهى.

وليس هذا خاصاً فيمن تركهما معاً، بل لو ترك الطواف فقط.
والظاهر في التعليل هو الثاني؛ لأنه لو كان التعليل أولاً صحيحاً لزم في حق من أخر طواف الإفاضة عشرة أيام مثلاً الدم، وليس كذلك على المشهور.
ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنَى لِلْمَبِيتِ، وَيَبِيتُ بِمِنَى ثَلاثَ لَيَالٍ، والْمُتَعَجِّلُ لَيْلَتَيْن

تصوره ظاهر.
وفي قوله: (لِلْمَبِيتِ) إشارة إلى أنه لا يلزم الرجوع على الفور، نعم هو راجح.
وفي الموازية والعتبية فيمن أفاض ثم أراد أن ينتقل بطواف أو طوافين قال: ما هو من عمل الناس، وأرجو أن يكون خفيفاً، وإن سمع الأذان فواسع أن يخرج أو يقيم حتى يصلي.
زاد في الموازية: وإن أقيمت الصلاة فله أن يبيت ليصلي.
قال عنه أشهب: وإن أفاض يوم الجمعة هل يقيم حتي يصلي الجمعة؟ قال: أحب إلى أن يرجع إلى منى.
قال مالك في الموازية: وللرجل أن يطلع على أهله بمكة أيام منى ليصيب منهم وينظر في ظهر له ما لم يختلف كل يوم أو يطيل الإقامة.
واستثنى أهل المذهب من لزوم المبيت بمني الرعاة ومن ولي السقاية.
أما الرعاة فيأتي الكلام عليهم.
وأما من ولي السقاية، فإنه صلى الله عليه وسلم أرخص للعباس في المبيت بمكة.
ابن حبيب: وإنما ذلك رخصة من أجل السقاية.
وقد روي عن ابن عباس ضي الله عنه في الرجل الذي يكون له متاع بمكة يخشى عليه الضيعة إن بات بمني أنه لا بأس أن يبيت عنده بمكة.
الباجي: وليس فيه دليل على أنه لا يلزمه دم؛ لأن ذلك عذر يخصه.
والذي يقتضيه مذهب مالك أن عليه الهدي حسب ما روى عنه ابن نافع فيمن حبسه مرض فبات بمكة أن عليه الهدي.
ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة؛ لأنه ليس من مني.
وفي الموطأ عن عمر أنه كان يرحل الناس من ورائها، وفيه أيضاً أنه قال: لا يبيتن أحد من

الحاج ليالي منى من وراء العقبة.
وعن مالك في الموازية: إن بات جل ليلة من وراء العقبة فليهد هدياً.
وروي عنه أنه لا دم عليه حتى يبيت الليلة كلها بغير مني.
يَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، وَفِيهَا: أَكْبَرُ ....

الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع.
وهو بالخاء والذال المعجمتين قاله الجوهري وعياض والنووي.
وقال ابن هارون: الحذف [193/أ] بالحاء المهملة، وكانت العرب ترمي بها في الصغر على وجه اللعب، تجعلها بين السباية والإبهام من اليسرى ثم تقذفه بالسبابة من اليمنى.
وزاد الليث: أو تجعلها بين سبابتيك.
سند: واختلف في قدر حصى الحذف، فقيل: مثل الباقلاء.
وقيل: مثل النواة.
وقيل: دون الأنملة طولاً وعرضاً.
ويكره الحجر الكبير لئلا يؤذي الناس، والصغير مثل الحمصة والقمحة لا يرمى بهما؛ لأنهما في حكم العدم.
وأكبر من حصى الحذف أبرأ للذمة؛ لأن فيه الواجب وزيادة، والحجر الكبير يجزئ عند الجميع؛ لوقوع الاسم عليه لكنه مخالف للسنة، واستحب مالك أن تكون حصى الجمار أكبر من حصى الحذف قليلاً.
سند: وكان القاسم بن محمد يرمي بأكبر من حصى الحذف.
واستشكل الشافعي استحباب مالك كونها أكبر، مع ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بمثل حصى الحذف، وأجيب عنه بوجهين أحدهما للباجي: أنه لم يبلغه الحديث، والثاني لعبد الملك وغيره: أنه بلغه لكن استحب الزيادة على حصى الحذف؛ لئلا ينقص الرامي من ذلك.
وَلَقْطُهَا أَوْلَى مِنْ كَسْرِهَا مِنْ حَيْثُ شَاءَ

للسُنَّة.
قال غير واحد: وله أن يأخذ حصى الجمار من منزله بمني أو حيث شاء، إلا جمرة العقبة فإنه يستحب أخذها من المزدلفة، قاله ابن القاسم وابن حبيب وغيرهما.
قال ابن الحاج في مناسكه: أستحب له أخذها من واد محسر.
ونص اللخمي وغيره على أنه ليس من مزدلفة.

قوله: (حَيْثُ شَاءَ) متعلق بمحذوف دل عليه لقطة الأول تقديره: يلتقطها من حيث شاء، ولا يصح تعليقه بـ (لَقْطُهَا) لأنه مصدر لا يجوز أن يخبر عنه قبل تمام صلته.
وَيُكْرَهُ مَا رُمِيَ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَقََطَتْ مِنِّي حَصَاةٌ فَلَمْ أَعْرِفْهَا، فَأَخَذْتُ حَصَاةً مِنَ الجِمَارِ فَرَمَيْتُ بِهَا فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إِنَّهُ لَمَكْرُوهٌ وَلا أرى عَلَيْكَ شَيْئاً

قوله: (يُكْرَهُ).
ابن بشير: هو المشهور.
وقيل: له الأخذ من الجمار.
فإذا قلنا إنه لا يرمي من المَرمي به وخالف ورمى به فهل يعيد أو يجزئه؟ قولان انتهى.
وقال ابن شعبان: لا يجزئه.
يريد ويعيد انتهى.
وأطلق ابن بشير القول بأن له أن يأخذ الحصى من الجمرة.
وفي الباجي: ولا يرمي من الجمار بما قد رُمي به، هذا هو المشهور من المذهب، وروى ابن وهب عن مالك فيمن سقطت منه حصاة أنه يأخذ من موضعه حصاة فيرمي بها في مكان الذي سقطت منه، وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيقن أنها الحصاة التي سقطت منه فليأخذها، وأنه يكره أن يأخذ من الجمار التي رمي بها، وإني لأَتَّقِيه، وإن أخذ منها حصاة وهو لا يتيقن أنها الحصاة التي سقطت منه فأرجو أن يكون خفيفاً.
وقد روى ابن المواز عن أشهب فيمن نفذت منه حصاة وأخذ حصاة من عند الجمار ورمى بها أنه لا يجزيه انتهى.
فقيد القول بحصاة.
وقال التونسي: إذا رمى بحصاة رُمي بها أعاد ما لم تذهب أيام منى، فإن ذهبت فلا شيء عليه.
وما حكاه المصنف عن ابن القاسم هو مذهب المدونة، ولا يؤخذ منه الجواز ابتداءً.
وقول مالك في آخره إنه مكروه، صريح في الكراهة.
وأشار اللخمي إلى أن محل الخلاف إذا رمى بها غيره، وأما لو كرر الرمي بحصاة واحدة سبعاً لم يجزه.
وقال سند: يكره ما رمي به غيره.
وإن رمى بما رمى به هو قال بعض المتأخرين هنا: لا يجزئه بخلاف ما رمى بع غيره.
ولم يوجد هذا الفرق إلا للمزني من الشافعية، وعلل ذلك ابن شعبان وغيره بأنه كماء توضئ به مرة.
وقيل: لِما نقله ابن عبد البر عن ابن عباس وأبي سعيد وغيرهما: أن ما يقبل من الحصى يرفع.
والمشاهدة تدل على ذلك لقلة الجمار، ومثله لا يقال بالرأي.
ابن يونس: والأول أصح، وعلى كل واحد منهما بحث لا يخفى عليك.

سَبْعاً فِي كُلِّ جَمْرَةٍ حَصَاةً بَعْدَ حَصَاةٍ مُتَتَابِعَةً بِالتَّكْبِيرِ مَاشِياً، فَلَوْ رَمَى أَكْثَرَ اعْتَدَّ بِوَاحِدَةٍ، فَذَلِكَ مَعَ الأُولَى سَبْعُونَ حَصَاةً، وَالْمُتَعَجِّلُ: تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ .....

(سَبْعاً) مفعول بـ (يرمي) المتقدم، ويحتمل أن يكون حالاً من النكرة المخصصة بالنعت وهي قوله قبل: (إحدى وعشرين حصاة) وقوله: (حَصَاةً بَعْدَ حَصَاةٍ) حال من (سبع) و (مُتَتَابِعَةً) نعت لـ (سبع) وقوله: (ماشياً) أي: في الثلاثة أيام استحباباً، وإلا فقد تقدم أنه يرمي جمرة العقبة على حاله التي جاء عليها من ركوب أو مشي.
وقال في الجواهر: ويستحب أن يأتي بالجمار في الأيام الثلاثة ماشياً ذاهباً وراجعاً.
كما فعل صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما رمى حصاة كبر.
قال في المدونة: وإن لم يكبر أجزأه.
قيل له: فإن سبح مع كل حصاة؟ قال: السنة التكبير.
مالك: ويرفع صوته بالتكبير عند الجمار.
وقوله: (فَلَوْ رَمَى أَكْثَرَ) أي: من واحدة، رمية واحدة فإنما يحتسب بواحدة؛ لأنه تعبد، فمن خالفه كأنه لم يأت به.
وقوله: (فَذَلِكَ .... إلخ) ظاهر التصور.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَجَراً، وَرَمْياً عَلَى الْجَمْرَةِ أَوْ مَوْضِعِ حَصَاهَا، فَلَوْ وَضَعَها لَمْ يُجْزِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى مَحْمَلٍ وَنَحْوِهِ فَوَقَفَتْ فَنَفَضَهَا غَيْرُهُ لَمْ تُجْزِهِ ...

قال في الذخيرة: ولا يختص بجنس بل ما يسمى حصىً، حجراً أو رخاماً.
وظاهر [193/ ب] المذهب، منع الطين والمعادن كالحديد والزرنيخ.
سند: قالت الشافعية: لو رمى بحَجَر نجس أجزأه.
قال: وليس ببعيد عن المذهب، لكنه يكره.
وقد قال مالك: ليس عليه غسلها.
ونقل ابن الحاج عن مالك الإجزاء في الحَجَرِ النجس.
وقوله: (وَرَمْياً) قال في المدونة: وإن وضع الحصاة وضعاً أو طرحها لم يجزئه.
وفي طرر أبي إبراهيم عن أشهب إجزاء الطرح إذا نوى به الرمي.

قوله: (عَلَى الْجَمْرَةِ أَوْ مَوْضِعِ حَصَاهَا).
الباجي وغيره: الجمرة اسم لموضع الرمي، سميت بذلك باسم ما يرمى فيها، والجمار الحجارة.
وقال سند: جمرة العقبة جبل معروف، والجمرة اسم للكل.
وعلى هذا فقول المصنف: (الْجَمْرَةِ أَوْ مَوْضِعِ حَصَاهَا) ليس بجيد.
إذ الجمرة اسم للجميع، لكن الظاهر أنه أراد بالجمرة البناء، وبـ (مَوْضِعِ حَصَاهَا) ما سفل من ذلك، ويحمل كلامه على ما إذا رمى البناء ثم وقعت على الحصى، وأما لو وقعت في شقوق البناء ففي إجزاء ذلك نظر؛ لأنه مخالف للسنة، وسيدي خليل الذي بمكة- رضي الله عنه- يفتي في ذلك بعدم الإجزاء، ورأيت من شيخنا ميلاً إلى الإجزاء؛ لأن البناء متصل بالجمرة، ولعل الذي اعتمد المصنف عليه هنا قوله في المدونة: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة، فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه.
سند: وإن وقعت دون الجمرة وتدحرجت إليها أجزأه؛ لأنه مِنْ فعله، فإن شك في وصولها فالظاهر عدم الإجزاء.
ولو وقعت دون المرمى على حصاة فطارت الثانية في المرمى لم يجزه.
وكذلك لو رمى لغير الجمرة قصداً فوقعت فيها لعدم النية.
ولو قصد الجمرة فتعدتهالم يجزه لعدم الاتصال.
ولو تدحرجت من مكان عال فرجعت إليها، فالظاهر عدم الإجزاء؛ لأن الرجوع ليس من فعله انتهى.
وقوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى مَحْمَل ... إلخ) هو كقوله في المدونة: وإن وقعت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل لم يجزه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في الجمرة أجزأه.
وَالْعَاجِزُ يَسْتَنِيبُ وَعَلَيْهِ الدَّمُ

المراد بالعاجز من يعجز بنفسه، ولم يكن له من يحمله.
قال في المدونة: وإذا قدر على حمل المريض وهو يقوى على الرمي ويوجد من يحمله حُمِلَ ورمى بيده.
ولا يرمي الحصاه

في كف غيره ليرميها ذلك عنه، وإن لم يقدر على حمله أو لم يستطع الرمي عنه غيره ثم يتحرى المريض وقت الرمي فيكبر لكل حصاة تكبيرة، وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء، وحَسَنٌ أن يتحرى المريض ذلك الوقت فيدعو وعلى المريض الدم؛ لأنه لم يَرْمِ وإنما رمى عنه غيره انتهى.
ولأشهب في الموازية: أنه لا دم عليه.
ولابن القاسم في الموازية: لا يقف الرامي عن المريض عند الجمرتين خلاف ما في المدونة.
وروى ابن عبد الحكم في مختصره إن كان المريض يرجو الراحة في أيام التشريق فليؤخر الرمي فيهما بينه وبين غروب الشمس من آخر يوم من أيام منى، وإن لم يرج ذلك ولا له من يحمله استناب من يرمي عنه.
الباجي: وهو يحتمل الوفاق للمدونة، وأنه إن وجد من يحمله وهو يطيق الرمي عَجَّل، وإن لم يجد من يحمله ولم يَرجُ إفاقة استناب، وإن رجاها لم يعجل، ويحتمل الخلاف ويكون فيما إذا رجا الإفاقة قولان.
الأبهري: وإنما وجب الدم على مذهب المدونة لعدم تحقق العذر؛ لأنه لا يقدر، ولو تحامل لقدر، وأنكره الباجي؛ لأن بعض الناس لا يشك أحد في عدم قدرته.
الأبهري: ويرجع في عدم القدرة إلى غلبة ظنه.
ونص اللخني على أنه إن خشي زيادة مرضه أنه يستنيب.
بِخِلافِ صَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الْرَمِيُّ فَيَرْمَي عَنْهُ وَلا دَمَ، فَإِنْ لَمْ يُرْمَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَرْمِ مَنْ يُحْسِنُ فَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحَجَّهُمَا ....

قوله: (بِخِلافِ صَغِيرٍ) إنما لم يلزم الدم؛ لأن المخاطب بالرمي في الحقيقة هو الولي، بخلاف المريض فإنه هو المخاطب بسائر الأركان، وفي حكم الصغير المجنون.
والضمير في (أَحَجَّهُمَا) عائد على الصغير الذي لا يحسن الرمي والصغير الذي يحسنه.
وهل يقف الرامي عن الصبي في الجمرتين الأولتين؟ ذكر ابن بشير وغيره قولين.
اللخمي: ويختلف في الوقوف عن المجنون والمغمى عليه قياساً على الصبى.
واقتصر التونسي على القول بالوقوف عن الصبى، وإنما حكى الخلاف في المريض.

فَإِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ صَارَ كَالنَّاسِي

قال في المدونة: فإن صح ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي أعاد ما رمى به عنه كله في الأيام الماضية وعليه الدم، ولو رمى عنه العقبة يوم النحر ثم صح آخر ذلك اليوم، أعاد الرمي ولا دم عليه انتهى.
وهذا معنى قوله: (كَالنَّاسِي) أي فإن كان يوم جمرة العقبة فلا شيء عليه وإلا فعليه دم.
وذكر في النوادر خلافاً في الناسي، وروى ابن وهب فيمن نسي الرمي يوماً أو يومين ثم ذكر أنه يرمي في اليوم الثالث لليومين الماضيين ويهدي.
ابن وهب: إلا أن تخرج أيام الرمي، فيهدي كما لو تعمد وإن لم تخرج، وقال ابن حبيب: إن نسي الجمار إلى بعد يوم النحر رمى أي ساعة ذكر، ولا دم عليه، إلا أن يذكر ذلك بعد الصدر وزوال أيام منى فليهدي، فإن ذكر بعد أن صدر قبل غروب الشمس رجع ورمى وعليه دم؛ لأنه رمى ما بعد الصدر.
ابن عبد السلام: وانظر هل يتخرج في الناسي قول أشهب الذي تقدم في المريض؟ والأقرب عدم ذلك؛ لأن المريض بذل وسعه وليس الناسي كذلك.
وحيث قلنا إنه يقضي فيرمي الجمرة الأولى عن اليوم الأول ثم الثانية ثم الثالثة ثم عن اليوم الثاني ثم الثالث كذلك.
ولا يرمي للأولى ثلاث مرات.
فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يََقْدِرُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ فَفِي اسْتِنَابَتِهِ قَوْلان

هذان القولان ذكرهما ابن بشير، ولعلهما ما ذكرناه عن المدونة والمختصر، ويكون كلامه إنما يأتي على أن ما في المختصر مخالف للمدونة.
والظاهر أنه إذا رجا الصحة قبل الغروب من أول يوم لا يختلف في تأخيره وعدم استنابته.

وَيَبْتَدِأُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مِنىَ فَيَرْمِيهَا مِنْ فَوْقِهَا ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَمَامَهَا فَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ، وَفِي رَفْعِ يَدَيْهِ قَوْلانِ، وَضَعَّفَ مَالِكٌ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي جَمِيعِ الْمَشَاعِر، وَالاسْتِسْقَاءِ وَقَدْ رُئِيَ رافعاً يَدَيْهِ فِي الاسْتِسْقَاءِ وَقَدْ جَعَلَ بُطُونَهُمَا إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ الرَّفْعُ فَهَكَذَا، وَيُكّبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو بِمِقْدَارِ إِسْرَاعِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يُثَنِّي بِالْوُسْطَى كَذَلِكَ؛ إِلا أَنَّ وُقُوفَهُ أَمَامَهَا ذَاتَ الشِّمَالِ ثُمَّ يُثَلِّثُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَذَلِكَ إِلا أَنَّهُ يَرْمِيهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فِي بَطْنِ الْوَادِي وَلا يَقِفُ لِلدُّعَاءِ فَتِلْكَ السُّنَّةُ ...

هذه الكيفية مستندها الاتباع.
وفي البخاري عن ابن عمر أنه يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات يكبر في إثر كل حصاةٍ ثم يتقدم حتى يسهل فيقدم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى فيأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة ويرفع يديه، ويقوم طويلاً ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
وروى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، أنه حج مع ابن مسعود، فرءاه رمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات؛ الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (وَفِي رَفْعِ يَدَيْهِ قَوْلانِ) مذهب المدونة عدم الرفع، وفي الحديث الأول دليل على رفع.
قوله: ثم (يُثَنِّي بِالْوُسْطَى كَذَلِكَ) أي يرميها من فوقها كالأولى.
قال في الجواهر: والذكر والدعاء؛ أي: في الثانية كفعله عند الجمرة الأولى.
واختار ابن حبيب أن يكون وقوفه دون الأول؛ لفعل ابن مسعود رضي الله عنه انتهى.
وذكر غيره أن ابن مسعود كان يقف في الأولى مقدار قراءة سورة الفاتحة مرتين, وفي الثانية مرة.
وفي الموطأ

عن عمر وابنه رضي الله عنهما أنهما كانا يقفان عندهما قدر ما يقرأ الرجل السريع سورة البقرة، وما ذكره من أنه يقف في الثانية ذات الشمال هو الذي ذكره الباجي ونسبه لمالك في المختصر، واقتصر عليه ابن الجلاب وصاحب الكافي والتونسي، وهو الذي ذكره ابن يونس وعزاه لابن المواز.
وقال اللخمي: إذا رمى الأولى والوسطى تقدم أمامها.
وقال محمد في الوسطى يتقدم أمامها ذات الشمال.
ابن عبد السلام: قال غير واحد من الشيوخ: إن مذهب مالك وقوفه في الوسطى كوقوفه في الأولى.
والميل ذات الشمال هو مذهب ابن المواز، وإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه.
وقوله في جمرة العقبة: (يَرْمِيهَا مِنْ أَسْفَلِهَا).
ابن المواز: ومن لم يصل لزحام الناس فلا بأس أن يرميها من فوقها، وقد فعله عمر لزحام الناس.
ثم رجع مالك فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، فإن فعل فليستغفر الله سبحانه.
وقوله: (وَلا يَقِفُ لِلدُّعَاءِ فَتِلْكَ السُّنَّةُ) ظاهر.
الباجي: ويحتمل أن يكون ذلك من جهة المعنى أن موضع الجمرتين الأولتين فيه سعة للقيام لمن يرمي.
وأما جمرة العقبة فموضعها ضيق، ولذلك لا ينصرف الذي يرميها من طريقة؛ لأنه يمنع الذي يأتي للرمي، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة.
وَيُكْثِرُ الْحَاجُّ بِمِنىَ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى وَقْتاً بَعْدَ وَقْتٍ

ابن حبيب: وأفضل ذلك أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد.
زفي الموطأ أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئاً، فكبر، فكبر الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار، فكبرن فكبر الناس بتكبيره.
ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر، فكبر الناس بتكبيره، حتى يتصل التكبير، ويبلغ البيت، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي.
قال في النوادر: وبين منى ومكة ستة أميال.

وَأَهْلُ مَكَّةَ فِي التَّعْجِيلِ كَغَيْرِهِمْ عَلَى الأَصَحّ

القولان لمالك.
روى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى ذلك لهم، إلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو مرض.
ابن القاسم في العتبية: وقد كان قال لي قبل ذلك: لا بأس به، وهم كأهل الآفاق وهو أحب إلى.
ودليله عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. فرع: ولا خلاف في جواز التعجيل لأهل الآفاق إن لم يبيتوا بمكة.
وكذلك إن باتوا بها على المشهور خلافاً لابن الماجشون وابن حبيب في قولهما: ومن بات منهم بمكة فقد خرج من سنة التعجيل، ووجب عليه أن يرجع فيرمي مع الناس في اليوم الثالث.
ابن حبيب: وإن لم يرجع فعلية الدم.
ابن راشد: وعلى قول ابن حبيب يلزمه دم آخر؛ لأجل ترك المبيت، ونحوه للباجي.
وَرَمْيُ الثَّالِثِ، وَمَبِيتُ لَيْلَتِهِ سَاقِطٌ عَنِ الْمُتَعَجِّلِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَرْمِي عَقِيبَ رَمْيهِ فِي الثَّانِي .....

تصوره ظاهر.
قال في النوادر بعد قول ابن حبيب: وليس هذا قول مالك ولا أعلم من ذهب إليه من أصحابنا انتهى.
وذكر بعض أصحابنا المتأخرين أنه يدفن الحصى إذا تعجل وليس بمعروف.
وَقَالَ مَالِكٌ: لا يُعْجِبُنِي لإِمَامِ الْحَاجِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ

هذا لمالك في الموازية [194/ ب] وهو ظاهر؛ لأنه متبوع فلو تعجل لتبعه أكثر الناس، ويقتدي به من لم تكن نيته التعجيل فيؤدي إلى تضييع إحياء تلك الشعيرة في اليوم الثالث.

وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي الثَّانِي فَلا يَتَعَجَّلُ

لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار، فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث، ولأنه لا يصدق عليه أنه تعجل في يومين.
قال في النوادر: ومن الموازية: فإذا جاوز العقبة ثم غربت الشمس فلا شيء عليه، وإن شاء طاف ليلاً وانصرف، ومن أفاض وليس شأنه التعجيل فبدا له بمكة أن ينفر فذلك له ما لم تغرب عليه الشمس بمكة، فإن غابت فليقم حتى يرمي من الغد، ولو رجع إلى منى ثم بدا له قبل الغروب أن يتعجل فذلك له وهي له وهي السنة.
ومنه ومن العتبية ابن القاسم عن مالك: ومن تعجل فأتى فأفاض وانصرف وكان ممره على منى فلم ينفر عن منى حتى غابت الشمس فلينفر ولا يضره.
قال في كتاب محمد: وكذلك لو لم يكن ممره، إلا أنه نسي بها شيئاً فرجع به فغابت عليه الشمس فيها فلينفر ولا يضره انتهى.
وَأُرَخِّصُ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَنْصَرِفُوا بَعْدَ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ وَيَاتُونَ ثَالِثَةً فَيَرْمُونَ لِلْيَوْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيَرْمُونَ بِاللَّيْلِ ....

يعنى: ويجوز لرعاة الإبل إذا رموا جمرة العقبة أن يخرجوا عن منى إلى رعيهم، ويقيمون ليلتهم وغدوهم، ثم يأتون من الغد في اليوم الثالث من يوم النحر، فيرمون لليوم الذي مضى وليومهم الذي هم فيه ثم يتعجلون إن شاءوا أو يقيمون.
وقال محمد ابن المواز: ويجوز لهم ذلك ويجوز لهم أن يأتوا ليلاً ويرمون ما فاتهم ذلك.
وَلِلرَّمْيِ وَقْْتُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ وَفَوَاتٍ، فَأَدَاءُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ لا أَدَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَأَفْضَلُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ .....

مراده بـ (أَدَاءٍ) ما له أن يؤخره فيه ولا يلزمه دم، وبـ (القضاء) ما لا يجوز له التأخير إليه، وإن فعل فعليه دم، وبـ (الفوات) ما لا يرمي فيه بوجه.
وفي جعل الفوات وقتاً للرمي نظر.

وقوله: (فأداء جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الغروب) ظاهر (والليل قضاء على المشهور) فيلزم الدم.
والقولان في المدونة.
والمشهور هو اختيار ابن القاسم.
ابن يونس: ولم يختلف قول مالك فيمن ترك جمرة العقبة إلى الليل أن عليه الدم، وإنما اختلف قوله إذا ترك بعضها وقاله غير واحد من القرويين.
وقال بعضهم: يدخله الاحتلاف.
والأول أبين.
وأما يوم ثاني النحر فسواء ترك جمرة واحدة أو الثلاث أن اختلاف قول مالك هل يدخله في وجوب الدم عليه أو لا؟ وهو في الأمهات بين.
ووقع في بعض المختصرات إنما اختلف قول مالك في ترك جمرة واحدة فقط انتهى.
وقوله: (وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي: لا فرق بينهم وبين الرجل.
وقوله: (وَأَفْضَلُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوّالِ) ابن عبد البر: أجمعوا أن وقت الاختيار في جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها وأنه إن رماها قبل الغروب فلا شيء عليه، إلا أن مالكاً قال: يستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهرق دماً يجيء به من الحل.
ابن عبد السلام: ولا يريد بقوله: أمسى ما بعد الغروب بل العَشِي، وذلك لأنه أعقبة بقوله: واختلفوا إذا رماها بعدما غابت الشمس.
ووقع لابن القاسم في العتبية: إذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إلا لمريض أو ناس، وهو محمول على فوات وقت الفضيلة.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ، فِي اللَّيْلِ الْقَوْلانِ وَأَفْضَلُهُ عَقِبَ الزَّوَال

تصوره ظاهر.
و (ال) في القولين راجعة إلى أنه في الليل هل هو قضاء أو لا؟ وقوله: (عَقِبَ الزَّوَالِ) أي: قبل صلاة الظهر، قاله في الموازية والواضحة.
ابن المواز: ولو رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه.
زاد في الواضحة: وقد أساء.

وَالْقَضَاءُ فِي الْجَمِيعِ إِلَى آخِرِ الرَّابِعِ، وَإِلا فَاتَ وَلا قَضَاءَ لِلرَّابِعِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَضَاءُ كُلِّ يَوْمٍ ثَانِيَةٌ .....

يعني: أن من ترك جمرة أو أكثر سواء كانت جمرة العقبة أو غيرها حتى خرج وقتها- قضاها بعد ذلك أن تغرب الشمس من اليوم الرابع.
وإن لم يقض حتى غربت الشمس من الرابع فقد فات القضاء.
وهذا معنى قوله: (وَإِلا فَاتَ) وهذا هو المشهور.
وقال أبو مصعب: من نسي جمرة رماها متى ما ذكر كمن نسي صلاة.
وعلى قوله فإنما يكون للرمي وقتان؛ وقت أداء ووقت قضاء.
وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَضَاءُ كُلِّ يَوْمٍ ثَانِيَةٌ) ووقع هكذا في بعض النسخ بنون وياء بعد الألف، وفي بعضها: (تالية) بلام وياء بعد الألف.
ونقل ابن الأنباري أنهما بمعنى واحد.
ابن عبد السلام: وفيه نظر يمنع من ذكره عدم وجود هذا الكلام في المنتقى تصريحاً أو تلويحاً وكذلك قال ابن هارون: أنه لم يره، وإنما حكى الباجي في المنتقى المشهور، ولعله اطلع عليه في غير المنتقى.
خليل: ويمكن أن يكون النظر الذي أشار إليه ابن عبد السلام هو أنه باللام يكون المراد الليل لتلوه اليوم، وبالنون اليوم الآتي بعد يوم الفوات والله أعلم.
فَمَتَىَ بَدَأَ بِالْحَاضِرَةِ أَتَى بِالْمَنْسِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا، وَأَعَادَهَا، وَلا يُعِيدُ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الصَّلاةِ ....

مثاله: لو نسي الجمرة الأولى في ثاني النحر ورمى اليوم الثالث واليوم الرابع، فإنه يأتي بالمنسية والجمرتين اللتين في يومها (وَأَعَادَهَا) أي: المفعولة في اليوم الرابع (ولم يعد ما بينهما) أي: بين المنسية [195/أ] والحاضرة، وهى جمار اليوم الثالث لخروج وقته.
ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر الصبح، فإنه يصلي الصبح، ويعيد المغرب والعشاء؛ لبقاء وقتهما، ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما، وفي قوله: (فِي يَوْمِهَا) فائدة؛ لأنه لو اقتصر على قوله: (وَمَا بَعْدَهَا) لتوهم في

المثال المفروض أنه يعيد جمرات اليوم الثالث.
وعلى هذا فقوله: (وَلا يُعِيدُ مَا بَيْنَهُمَا) يجري مجرى البيان، لقوله: (فِي يَوْمِهَا) والضمير في (بَعْدَهَا) وفي (يَوْمِهَا) عائد على (المنسية) والضمير في (أَعَادَهَا) عائد على الحاضرة.
والإشارة بقوله: (كَمَا فِي الصَّلاةِ) إلى مجموع شيئين إعادة الحاضرة وعدم إعادة ما بينهما.
وما ذكره من عدم إعادة رمي اليوم الثالث هو المشهور.
وفي الجواهر قول أنه لا يعيد.
فإن قلت: لِمَ يُعِيدُ ما بعد المنسية من يومها والفرض أنه مفعول قد خرج وقته، ألا ترى أنه لا يعيد في الصلاة ما فعله بعد المنسية من ذلك اليوم إذا خرج وقته؟! فالجواب أن هذا مبني على وجوب الترتيب في رمي الجمار مطلقاً، ولو كان الإخلال به على سبيل السهو.
التونسي: وانظر إذا نسي حصاتين من الأولى فذكر من الغد وقد رمى ولم يكن للغروب إلا اليسير، فرمى الحصاتين ورمى الثانية والثالثة ولم يبق من النهار ما يعيد فيه من رمي يومه هذا إلا جمرة واحدة يجعلها الأخيرة وهي العقبة لتأكدها أو يكون لمَّا أدرك بعض الوقت صار كأنه مدرك لجميعها، إذا قدرنا أن الجمار كلها كجمرة واحدة، كمن صلى ما فاته وبقي له قدر ركعة أنه يقضي العصر كلها، أو يقال: لا يلزمه شيء؛ لأنه لما لم يدرك الجمار الثلاث قبل غروب الشمس أشبه ما لو ذكر ذلك بعد الغروب، إذ الرمي لا يكون في هذا المعنى بالليل، فانظر في ذلك.
فائدة: قد تقدم أن للرمي ثلاثة أوقات.
ويزاد على ذلك رابع، وهو وقت استدراك لحصول الترتيب وهو ما نحن فيه.
وَإِذَا نَسِيَ الأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَعَادَ مَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَشْهُور

يعني: إن نسي الجمرة الأولى أو الوسطى فالمشهور أنه يأتي بما نسيه ويعيد ما بعده.
وتبع المصنف في ذكر القولين وتعيين المشهور، ابن بشير قال: وسبب الخلاف هل

الترتيب من باب الأولى أو من باب الأوجب؟ وعلى هذا فيتفق على الأمر بالإعادة، وإنما يختلف هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ وهكذا قال ابن راشد.
وهذا الفرع محمول على ما إذا ذكر في يوم الجمرة المنسية؛ لأنه قد تقدم الكلام على ما إذا خرج الوقت ولأنه فرض هذا الفرع في الجواهر كذلك.
خليل: ولم أر في ابن يونس واللخمي والبيان إلا وجوب الإعادة، وهو مبني على وجوب الترتيب في الجمار.
واقتصر الباجي على وجوب الترتيب، فقال: الترتيب بين الجمار واجب كركعات الصلاة.
فَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً لم يَكْتَفِ بِرَمْيِ حَصَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ في يَوْمِ الْقَضَاء اكْتَفَى ....

أي: فلو كان المنسي حصاه من إحدى الثلاث، وقد ذكر من يومه أو من الغد لم يكتف برمي حصاة على المشهور بل لابد من إعادة الجمرات كلها.
وقيل: يكتفي برمي حصاة، ويعتد بست في الجمرة الأولى بناءً على أن الفور في الجمرة واجب أو مستحب.
وذكر المصنف أن المشهور عدم الاكتفاء، وفيه نظر، وقد صرح الباجي وابن بشير بأن الاكتفاء هو المشهور، وكذلك قال ابن راشد وغيره، وبه صرح في الجواهر.
قوله في القول الثالث: (إِنْ كَانَ في يَوْمِ الْقَضَاء اكْتَفَى) عكس المنقول، وممن نقل العكس الباجي وابن بشير وابن شاس وابن راشد، وابن عبد السلام.
ووقع في بعض النسخ: (إن كان يوم القضاء لم يكتف) وهو الصواب، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
ووجهه أنه لو قيل بالاكتفاء في يوم القضاء يلزم أن يكون بعض الجمرة أداء وبعضها قضاء، بخلاف يوم الأداء.
فإذا تقرر هذا علمت أن الترتيب والفور هنا على العكس من الوضوء؛ لأن الترتيب هنا واجب والفور ليس بواجب والله أعلم.

وَعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَهَا أَعَادَ جَمَرَاتِ الْيَوْمِ كُلَّهَا إِلا الأُولَى، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ حَصَاةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: وَالأُولَى ....

يعني: أن من ترك حصاة ينقسم إلى قسمين، الأول: أن يذكر من أي جمرة هي، وقد تقدم حكمه.
والثاني: أن لا يعرف من أي جمرة هي، والكلام الآن فيه، والقولان في المدونة ونصها: قال ابن القاسم: وإن ذكر أنه نسي حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة، فقال مالك: يرمي الأولى بحصاة ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع، وبه أقول.
ثم قال: يرمي كل جمرة بسبع سبع انتهي.
وما شهره المصنف هنا صحيح.
وقد صرح الباجي وغيره بمشهوريته.
وهو يخالف ما شهره المصنف في الفرع السابق.
ابن بشير: وتردد اللخمي هل يجري هذان القولان في المسألة الأولى إذا علم موضعها أو لا؟ وهو مقتضى الكتاب.
والفرق أنه إذا علم الموضع قصد بتلك الحصاة سد ذلك الموضع.
وأما إذا لم يعلم لم تحصل له صورة يعول فيها على الترتيب فأعاد الجميع انتهى.
خليل: وفيه نظر، والظاهر أن لا فرق في ذلك؛ لأنه إذا رمى الأولى بحصاة، فإن كانت منها فقد حصل له ما يعول عليه في الترتيب، وإن لم تكن منها فالأولى تامة لا خلل فيها قاله ابن راشد.
فرعان: الأول: قال الأبهري: ومثل هذا الفرع من بقيت في يده حصاة لا يدري موضعها.
الثاني: وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه إن رمى الأخيرة، ثم الوسطى، ثم الاولى أعاد الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى الأولى ثم الأخيرة [195/ب] ثم الوسطى أعاد الأخيرة.
التونسي: لم يضره تفرقته بين الأولى والثانية بما فعل من رمي الأخيرة؛ لأنه يتصل عمله برمي الثانية بعد الأولى لإدخاله بينهما الثالثة.
فانظر هل تكون تفرقته بين الأولى والثانية

كتفرقته بين عمل الأولى إذا رمى بعض الثانية قبل تمام الأولى، على القول الذي يقول في هذا أنه يبتدئ لدخوله في الثانية قبل تمام الأولى انتهى.
ابن يونس: قال ابن المواز: وإن رمى الجمار كلها، بحصاة حصاة كل جمرة حتى أتمها بسبع سبع فليرم الثاينة بست ثم الثالثة بسبع انتهى؛ لأن الأولى صحت، ولأن التفريق الواقع بين حصياتها يسير، وصح من الثانية واحدة وهي الأخيرة التي رماها بعد تمام الأولى، وأبطل الست لوقوعها قبل تمام الأولى وكذلك أبطل الثالثة كلها لوقوعها قبل كمال الثانية، والترتيب بين الثلاث شرط ولم يحصل.
وَفِيهَا: وَلَوْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِي يَوْمِهِ اعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الأُوَلِ خَاصَّةً وَكَمَّلَ وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....

وهذا مما يدل على أن المشهور في المسألة المتقدمة وهي قوله: (فلو كانت حصاة لم يكتف برمي حصاة) غير ما شهره المصنف.
وقوله: (فِي يَوْمِهِ) احترازاً من خروجه، فإنه يلزمه حينئذ.
وقوله: (اعْتُدَّ بِالْخَمْسِ) أي: فيكمل تلك الجمرة بحصاتين ثم يأتي بالجمرتين بعد ذلك، وما ذكره في المدونة مبني على سقوط الفور، وبالجملة فهذا الفرع مشارك للفرع المتقدم، فليجر عليه والله أعلم.
وَلَوْ رَمَى كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ سَبْعٍ- عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ- أَجْزَأَه

يعني: إذا رمى عنه بسبع، ثم رمى عن صبي بسبع، أو بالعكس، ثم فعل في الجمرتين الأخيرتين هكذا، فإن ذلك يجزئه، هكذا قاله عبد الملك، قال: وقد أساء.
ولو رمى رمياً واحداً عنه وعن الصبي فذكر سند أنه يختلف إذا رمى إنسان عنه وعن مريض هل يجزئ عن نفسه، وعن المرمي عنه، أو لا يجزئ عن واحد منهما؟

خليل: ولعله أشار إلى تخريج هذا على الخلاف فيمن طاف بصبي ينوي به عنه وعن الصبي، وأشار غيره إلى أنه لا يدخله الخلاف الذي في الطائف عنه وعن الصبي، قال: لأنهما هناك طافا معاً أحدهما محمول والآخر بنفسه، وأما هنا فقد وجب عليهما سبعاً سبعاً، لِكُلٍ جمرة، فلما اشتركا في فعل واحد بطل، وقد اقتصر في الجلاب على أنه لا يجزئ عن الرامي ولا عن المرمي عنه.
وَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً حَصَاةً عَلَى الْمَشْهُور

يعني: أن المشهور الإجزاء.
ولو رمى عنه حصاة ثم عن الصبي.
حصاة، وكذلك إلى الآخر.
والشاذ لابن القاسم وهو خاص بالصورة الثانية.
قال: ويعتمد بحصاة من الأولى.
ابن يونس: وقوله غير صحيح؛ لأنه تفريق يسير انتهى.
وقول ابن المواز المتقدم فيما إذا رمى الجمرات الثلاث بحصاة حصاة قريب من المشهور والله أعلم.
وَفِي تَرْكِ الْجَمِيعِ أَوْ جَمْرَةٍ أَوْ حَصَاةٍ هَدْيٌ

ابن عبد السلام: ما قاله المؤلف من لزوم الهدي هو ظاهر المذهب.
وحكى ابن المواز عن مالك فيمن ذكر بعد أيام منى- ذبح شاة، فإن ذكر جمرة ذبح بقرة.
محمد: وإن كانت الجمار كلها فبدنة انتهى.
ولفظ المدونة: وإن ترك رمي جمرة أو الجمار حتى مضت أيام منى فحجه تام وعليه بدنه، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام.
وأما في حصاة فعليه دم انتهى.
وعلى ما قاله ابن عبد السلام يكون كلامه في المدونة محمول على الأول.
وقال عبد الملك فيمن ترك حصاة إلى ست فشاة، وإن كانت سبعاً فهو كالجميع فعليه بدنه.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل