التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 510-549
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وتغير السوق يعمل في الحيوان والعروض دون العقار، وذوات الأمثال من المكيل والموزون من المعدود، وقيل: في الأربعة كغيره .... يعني: أن تغير السوق بزيادة أو غيره أو نقص يعمل، أي: يفيت الحيوان والعروض باتفاق، ولا يعمل في العقار وذوات الأمثال على المشهور.
وقال ابن وهب: يعمل أيضاً فيهما، وإليه أشار بقوله: وقيل في الأربعة كغيره، لأنه أراد بالأربعة العقار، وثلاثة أنواع: المثلى المكيل، والموزون، والمعدود.
وفرق للمشهور بأن غالب شراء العقار للغنية، فلا يطلب فيه كثرة الثمن وقلته بخلاف غيره، وبأن الأصل في ذوات الأمثال القضاء بالمثل والقيمة كالفرع، فلا يعدل إليها مع إمكان الأصل.
وفي بيعه قبل قبضه قولان أي: وفي بيع المذكور وهو العقار وذوات الأمثال، وهما القولان المتقدمان.
وكرره، لأنه لما لم يعمل فيها تغيير السوق فلا يتوهم لأجل ذلك لا ملك يعمل فيه تغير، فلا يخاف أن يتهم أنه يعمل فيها غيره من المفوتات، على أن الظاهر أن مراده بهذا خلا ف الأول، ويتضح لك ذلك بما قاله في الجواهر، فلو باع ما اشتراه شراء فاسداً فقد رأى المتأخرون في نفوذ المتأخرون في نفوذ البيع له وهو في يد بائعه قولين، قالوا: وكذلك عكسه، وهو أن يبيع البائع ما باعه بيعاً فاسداً بعد قبض من اشتراه الشراء الفاسد.
وجعلوا سب الخلاف كون البيع الفاسد هل ينقل شبهة الملك أم لا؟ انتهى.
فيحمل كلامه في هذا الفرع على الفرع الثاني الذي في ابن شاس، وقد حكى ابن بشير هذا الخلاف أيضاً.
وفي طول الزمان في الحيوان قولان أي: وفي مجرد الطول فقط.
والقول بأنه يفيت مذهب المدونة، القول الآخر ذكره ابن شاس.
وعلى المشهور فذكر فيها في العيوب أن مرور الشهر فوت، وذكر في السلم أن

الشهرين لا يكون فوتاً، وحمله اللخمي على الخلاف، ورأى المازري أنه ليس بخلاف وإنما هو اختلاف شهادة.
تنبيه: سكت المصنف عن الطول في غير الحيوان، أما العقار، فقال في البيان: واختلف قول ابن القاسم في طول الزمان هل هو فوت في الأرضين والدور أم لا؟ والقولان في كتاب الشفعة من المدونة نص في موضع منها أن طول الزمان فوت، وفي موضع آخر أن الستين والثلاث ليس بفوت، فدل أن طول الزمان فوت.
ونص اللخمي والمازري أن مالكاً وابن القاسم قالا: لا يفيتها الطول.
قالا، وقال أصبغ: [483/أ] إلا أن يكون الطول عشرين سنة، فإن هذا لابد أن يدخله التغيير في بعض الوجوه والبلاد.
وأشار المازري إلى أن ما ذكر أصبغ لا يخالف فيه، والرواية المذكور فيها: أن مجرد الطول لا يفيت، إنما أطلقت على أن طول الزمان لم يغير عينها.
وأما العروض، ففي المدونة: لا يفيتها الطول، إذ لم تتغير في نفسها ولا حال سوقها.
وذكر ابن راشد أن طول الزمان في العروض مفيت، قال: لسرعة التغيير فيها.
ونقل العروض والمثلي من بلد إلى بلد بتكلف أو إجارة، ووطء الأمة كتغير السوق .... أي: فيفيت غير المثلي ولا يفيت المثلى على المشهور، وهذا ظاهر كلامه وفيه نظر، لأن الذي نقله المازري وغيره: أن نقل العروض والمثلي مفيت، ولم أر خلافه.
وتقييده بتكلف وإجارة يخرج الحيوان الذي ينتقل بنفسه فلا يكون نقله فوتاً.
قال المتأخرون: إلا في خوف الطريق وأخذ مكترٍ عليه، فلذلك فوت لما فيه من الضرر.
ونبه بقوله: (بتكلف أو إجارة) على وجه إلحاقه بتغير السوق، وهو ما يلحق من زيادة فيها.

وما ذكره المصنف من وطء الأمة هو في الموازية لابن القاسم، ووجهه: أنه يفتقر إلى إيقافها إلى الاستبراء، ويمنه السيد من التصرف فيها بالبيع والوطء وغيره، فيلحق البائع الأول الضرر.
اللخمي: ولم يجعل ابن القاسم الغيبة عليها فوتاً ولا يعلم الوطء إلا بذلك، فإن قال: وطئتها، صدق.
فإن قال: لم أصبها وصدقه البائع، ردت ووقفت للاستبراء، وإن كذبه وكانت من العلي لم ترد، وإن كانت من الوخش فالقول قوله: أنه لم يصب، وردت ولم توقف.
ولو ارتفع السبب قبل الحكم بالفوات، فإن كان بتغير سوق ثم عاد لم يرتفع، وفي ارتفاعه بالبيع ثم يرجع، وبالعتق والتدبير ثم يرده الغريم، وبالإجارة والرهن والعيب ثم يزول قولان لابن القاسم وأشهب أي: إذا وقع البيع فاسداً وحصل هنالك مفيت من الأنواع المفيتة، ثم ارتفع ذلك المفيت قبل أن يحكم القاضي بعدم الرد، وأما لو حكم لمضى اتفاقاً.
فإن كان المفيت تغير سوق ثم زال، فإنه يقدر كأن التغيير حاصل، وإليه أشار بقوله: (لم يرتفع) إلى الفوات.
وإن كان غيره- كما ذكر المصنف- فقال ابن القاسم: يرتفع الفوات ويكون له الرد.
وقال أشهب: لا يرتفع كحوالة الأسواق.
وفرق لابن القاسم بوجوه، أولها: أن السوق الثانية غير الأولى بخلاف البيع، فإن البيع إذا رجع فهو الأول بعينه قطعاً.
ورده المازري بأن المعتبر وقوع السبب وهو البيع لا السوق، فلا فرق بين سوق تغيرت ثم عادت، أو سلعة بيعت ثم عادت.
ثانيها لأبي عمران: أن حوالة الأسواق تغير في عين السلعة، لأن المقصود ثمنها.
وأما خروج السلعة من يد المشتري فليس بتغير، وإنما هو لأجل أن يد المشتري فيه حائلة، فإذا زالت انتقض.
المازري: وهو قريب من الأول.

ثالثها: لصاحب النكت وابن يونس: بأن تغير السوق ليس من سببه فلا يتهم بخلاف غيره.
ورده المازري: بأنه فرض المسألة في المدونة فيما إذا عادت بميراث، ولا تهمة فيه مع أنه ساوى بينه وبين ما إذا عادت بشراء.
وتلف المبيع البت بسماوي وقت ضمان البائع يفسخ العقد لما تكلم على الضمان في الصحيح والفاسد تكلم فيما يتعلق به من تلف أو استحقاق، أي: من اشترى شيئاً فهلك بسماوي، أي: تلف بأمر من الله لا صنع لآدمي فيه وقت ضمانه من بائعه، فإن البيع ينفسخ وإلا لم يكن لضمانه فائدة.
واحترز بالبت من الخيار، وسيأتي.
ودخل في قوله: (وقت ضمان البائع) المحتبسة للثمن، والإشهاد، والبيع المحتاج إلى توفية، والثمار المشتراة بعد بدو صلاحها.
ولا يقال: يرد عليه تلف المبيع بخرجه، لأن البيع في السلم ليس هذا هو، وإنما هو الضمان في الذمة.
وتعييبه يثبت الخيار يصح أن يقرأ بالغين المعجمة، أي: إذا غيبه البائع، وقال: هلك، يثبت للمشتري الخيار في فسخ البيع عن نفسه، لأنه لم يتمكن من المبيع.
والفرض أن ضمانه من بائعه وفي التماسك به، ويطلب البائع بمثله إن كان مثلياً أو قيمته، وذلك بعد يمين البائع أنه هلك، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد السلام.
ويحتمل أن يقرأ بالعين المهملة وهو ظاهر، وهو الذي قاله ابن راشد وغيره ممن تكلم على هذا الموضع، والمعنيان صحيحان.
وتلف بعضه أو استحقاقه كرده بعيب، إلا أنه لا يلزمه باقي جله بحصته على المشهور للجهل بالثمن أي: وتلف بعض المبيع واستحقاقه، يريد: والبعض المستحق معين، لأن الشائع له حكم سيأتي، كرد البعض بعيب فينظر في الباقي بعد التلف والاستحقاق، فإن كان وجه

الصفقة- أي: أكثر من الصنف- لزمه الباقي بنسبته من الثمن، وإن كان التالف أو المستحق هو الجل، فقال المصنف: لا يلزمه باقي جلِّه على المشهور، أي: لا يجوز له التمسك بالباقي خلافاً لابن [483/ب] حبيب.
هكذا الخلاف لا ما هو ظاهر كلام المصنف، ولهذا اعترض عليه ابن راشد، ولعل المصنف اكتفى بقوله: (للجهل بالثمن) لأنها علة تقتضي المنع، فرأى في المشهور أن البيع قد انحل بتلف جله أو استحقاقه، فتمسك المشتري بباقية كإنشاء عقدة بثمن مجهول، إذ لا تعلم نسبة الجزء الباقي إلا بعد تقويم أجزاء المبيع على الانفراد ونسبة كل واحد من تلك الأجزاء المعينة من مجموع الصفقة.
ورأى ابن حبيب أن هذه جهالة طرأت بعد تمام العقد فصارت بمنزلة الجهالة الطارئة إذا اطلع على عيب بالمبيع، وبناه على أحد قولي ابن القاسم في جواز جمع الرجلين سلعتهما في البيع.
والذي علل به ابن حبيب هو الأول، وقال: يجوز له أن يتمسك بباقي الصفقة، لأنه بيع قديم، ثم قال: بخلاف من باع عبداً أو جارية- وهي الصفقة- فهلكت في المواضعة، فلا يجوز التمسك بالعبد، لأنه بيع لم يتم.
بخلاف المثلي فيهما، فإنه يلزم بحصته إلا أن يكون جله فللمشتري الخيار أي: في التلف والاستحقاق، فإنه إن كان التالف أو المستحق نصف الصفقة فأقل، لزمه الباقي بما يخصه من الثمن.
ولا مخالفة للمثلي في هذا الوجه للمقوم، وإنما يخالفه في قوله: (إلا أن يكون جله فللمشتري الخيار) أي: في التمسك بالباقي بحصته، أو فسخ العقد عن نفسه ولا يكون كالمقوم.
والفرق بينهما: أن ما ينوب المثلي من الثمن معلوم بخلاف المقوم.
واعترضه ابن عبد السلام بأن كلامه يقتضي أن لا خيار له في المثلي باستحقاق النصف وليس كذلك،

بل قال ابن القاسم: يخيره في الثلث فأكثر.
وأشهب: لا يخيره فيه ولا في الجل، فإنه لا يرى الخيار في المثلي بالجل ولا ما دونه، ويلزمه الباقي بما ينوبه من الثمن.
خليل: وقيل إنما يخير في الطعام بالنصف.
وفي ابن يونس: يخير فيه بالربع، فقال: جعلوه مخيراً إذا وجد ربع الطعام معيباً كالكثير من العروض، فإذا وجد ربع الطعام معيباً، لم يكن للمبتاع إذا وجد ربع الطعام معيباً كالكثير من العروض، فإذا وجد ربع الطعام معيباً، لم يكن للمبتاع رد المعيب وأخذ السالم إلا برضى البائع، لكمال حاجة الناس إلى الطعام فجعل له مزية، كما ضمنه الحمالون ونهى عن بيعه قبل قبضه، بخلاف العروض.
وفي البيان: وجود العيب بالطعام على خمسة أوجه: أحدها: أن يكون العيب مما لا ينفك عنه الطعام كقيعان الأهراء.
الثاني: أن يكون العيب مما ينفك عنه إلا أنه يسير لا خطب له.
الثالث: أن يكون ذلك كالربع والخمس.
الرابع: أن يكون ذلك كالثلث والنصف.
الخامس: أن يكون أكثر من الصف.
فأما إن كان العيب مما لا ينفك عنه كقيعان الأهراء، فإنه يلزم المشتري ولا يوضع عنه لذلك شيء من الثمن، وإن كان مما لا ينفك عنه إلا أن يسير لا خطب له، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن فذلك له بلا خلاف.
وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك على ما في المدونة، وكذلك على رواية يحيي عن ابن القاسم، وأما إن كان ذلك كالربع والخمس، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن فذلك له بلا خلاف.
وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك.

وأما إن كان ذلك والنصف، فإن أراد البائع أن يلزم المشتري ذلك بحصته من الثمن، فليس له ذلك على قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وله ذلك على قول أشهب واختاره سحنون، وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم بحصته من الثمن فليس له ذلك بلا خلاف.
وأما إن كان ذلك أكثر من النصف، فليس للبائع أن يلزمه للمشتري السالم بحصته من الثمن، ولا المشتري أن يلتزمه إلا برضاهما.
انظر ما حكاه في الربع من الاتفاق على أن للبائع أن يلزم المشتري السالم بحصته، فإنه خلاف ما حكاه ابن يونس، وقاله أبو الحسن.
خليل: وروى ابن يونس قوله في المدونة في باب القسم: ومن اشترى مائة إردب قمحاً فاستُحق منها خمسون خير المبتاع بين أخذ ما بقي بحصته من الثمن أو رده، فإن أصاب بخمسين إردباً منها عيباً أو بثلث الطعام أو بربعه، فإن له أخذ الجميع أو رده.
فائدة: لهم ثلاث مسائل: مسألة: لا يجوز التمسك فيها بباقي الجل، وهي المسألة التي خالف فيها ابن حبيب.
ومسألة: يلزم التمسك فيها بباقي الجل، وهي ما في الجائحة.
ومسألة: يخير فيها، وهي باقي العيب.
والجزء المشاع يستحق فإنه يخير مطلقاً يعني: وأما إذا استُحق جزء شائع فإنه يخير مطلقاً، سواء كان الجزء يسيراً أو كثيراً، لضرر الشركة.
وكل ثوب ونحوه بدرهم لغو، فالقيمة أي: لو وقع العقد على سلع متعددة وسميا لكل سلعة جزءاً من الثمن، كمن اشترى ثمانية أبواب بثمانية دنانير وسميا لكل ثوب ديناراً ثم استُحق واحد منهما، فالتسمية لغو ولابد من الرجوع إلى القيمة، لأنه قد يكون أحدهما أردأ.

وقسم في البيان في الأكرية هذه المسائل على ثلاثة أقسام، فقال: إن خالفت التسمية القيمة وشرط الرجوع بها لا بالقيمة عند الاستحقاق ونحوه، فلا خلاف أن البيع فاسد.
وإن شرطا الرجوع إلى القيمة فلا خلاف أن البيع جائز.
وإن دخلا على السكوت، فقال ابن القاسم ورواه عن مالك: التسمية لغو والبيع [484/أ] صحيح.
وقاله سحنون، وأصبغ، وروى ابن القاسم أيضاً: أن مراعاة التسمية فاسد.
وإتلاف المشتري قبض هذا قسيم ما تلف بسماوي، أي: إذا أتلف المشتري ما اشتراه وهو في ضمان البائع فهو كقبضه له فيلزمه الثمن.
وحكى ابن عبد السلام الاتفاق على ذلك، سواء علم أنه المبيع أم لا، سلطه البائع عليه أو لا.
وإتلاف البائع والأجنبي يوجب الغرم أي: من باع سلعة ثم أتلفها هو أو أجنبي قبل قبض المشتري لها، فإن ذلك الإتلاف يوجب الغرم، ولم يبين المصنف ما يغرم، وصرح في الجواهر: يغرم القيمة في حق البائع والأجنبي.
وفي اللخمي في كتاب العيوب تفصيل، فقال: إن هلكت خطأً فسخ البيع ولا شيء للمشتري ولو كانت القيمة أكثر من الثمن، وإن هلكت عمداً أو كانت القيمة أكثر غرم البائع فضل القيمة عن الثمن.
فإن اختلف الثمن والقيمة في الجنس كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يدع الثمن الذي اشترى به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول بأن المصيبة من المشتري يكون العمد والخطأ سواء، وعلى المشتري الثمن وله القيمة، فمن كان له فضل أخذه.
قال: وإن أهلكه أجنبي خطأً أو عمداً فعليه الأكثر من القيمة أو الثمن، لأنه أبطل على البائع الثمن الذي له في ذمة المشتري، هذا على القول

بأن الضمان من البائع، وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الجاني وعليه الثمن للبائع.
خليل: وهذا إنما هو في المحتبسة.
وكذلك تعييبه أي: تعييب المبيع كإتلافه، فيفضل فيه بين البائع والمشتري والأجنبي كما تقدم.
وإتلاف المشتري والأجنبي الطعام المجهول كيله يوجب القيمة لا المثل أي: من اشترى طعاما على الكيل فأتلفه المشتري أو الأجنبي قبل معرفة كيله فالواجب فيه القيمة، وتبع في هذا ابن بشير، وفصل المازري فجعل هذا في الأجنبي فقط، وأما المشتري، فقالوا: يعد بإتلافه قابضاً لما يتحرى فيه من المكيلة.
وفي المدونة: وإن ابتعتها على كيلٍ كلُّ فقيزٍ بكذا فهلكت قبل الكيل بأمر من الله تعالى، كانت من البائع وانتقض البيع.
وإن هلكت بتعدي البائع أو أفاتها بيع فعليه أن يأتي بمثلها تحرياً يوفيها على الكيل، ولا خيار لك في أخذ ثمنه أو الطعام.
ولو أهلكها أجنبي غرم مكيلتها إن عرفت وقبضت على ما اشتريت، وإن لم يعرف كيلها أغرمناه للبائع قيمتها عيناً، ثم ابتعنا بالقيمة طعاماً مثله ووفيناكه على الكيل.
قيل: وإنما ألزم البائع مثلها تحرياً والأجنبي قيمتها، لأنه لو ألزم الأجنبي المثل لما أمن من التفاضل بين الطعامين، وقيل: لأن الغالب في البائع علم المكيلة، فلو التزم القيمة لكان البائع قد يربح.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: فإذا رغم الأجنبي تلك الصبرة فاشترى مثلها، فإن فضلت فضلة لرخص حدث فالفضلة للبائع، لأن القيمة له إن غرمت، ألا ترى أن المتعدي لو أعدم أو ذهب فلم يوجد كانت المصيبة من البائع، فلما كان عليه التوابع كان له النماء.
والمشتري إذا أخذ مثل صبرته التي اشترى لم يظلم، وإن لم توجد بالقيمة إلا أقل كان ما نقص كالاستحقاق، فإن كان كثيراً فللمشتري فسخ البيع، وإن كان يسيراً أسقط عنه حصته.

ابن أبي زمنين: والذي يدل عليه لفظ الكتاب أن البائع هو الذي تولى الشراء بالقيمة، وقيل: إن المتولي هو الأجنبي المتعدي.
وحكى ابن بشير أنه على المشتري.
قوله: (لا المثل) أي: ليس عليهما غرم المثل، إذ الجزاف مقوم لا خصوصية للطعام، بل كذلك كل جزاف بيع على الكيل.
ولا ينفسخ على الأصح ظاهر كلامه أن القولين في الصورتين، أي: سواء كان التلف من المشتري أو الأجنبي، والخلاف إنما هو في الأجنبي، ففي المدونة: يفسخ كما تقدم.
وقال أشهب: لا يفسخ.
وأما إن كان المشتري هو المتلف فقد يحمله على إتلافها قبل الكيل استغلاؤها فيستهلكها لتلزمه القيمة ويسقط عنه الثمن، فلا يمكن من الفسخ لذلك.
والضمان في الخيار من البائع فيما لا يغاب عليه، ومن المشتري إذا كان بيده ما يغاب عليه، ويصدق المشتري مع يمينه ما لم يظهر كذبه .... قد تقدمت هذه المسألة مع نظائرها، أي: سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما، أو لأجنبي.
هذا راجع إلى قوله: (وتلف المبيع البت بسماوي).
قوله: (ويصدق المشتري) أي: فيما لا يغاب عليه إذا ادعى هلاكه مع يمينه.
واختلف هل يحلف المتهم وغيره، أو المتهم فقط ما لم يظهر كذبه، كدعواه موت العبد والدابة في حاضرة وله جيران لا يعلمون ذلك، فإنه يصدق ولا يحلف، لأنَّا إنا نحلفه إذا لم يضمن.
إلا أن يقبض المشتري ما يغاب عليه إلا أن تقوم له بينة الاستثناء الأول منفصل، لأن ما تقدم فيما لا يغاب عليه، وهو مخالف لما يغاب عليه.
ويحتمل الاتصال، لأن قوله: (ويصدق المشتري مع يمينه) عام أخرج منه ما يغاب

عليه، أي: أن المشتري يصدق مع يمينه إلا في قبض ما يغاب عليه، فلا يصدق فيه مع يمينه، وهذا هو المشهور.
وقال ابن نافع: إذا كان الخيار للبائع فضمان المبيع منه مطلقاً.
وفي المازري: إذا كانت في يدي البائع فضمانها منه مطلقاً كان الخيار له أو للمشتري أو لهما [484/ب] معاً، وإن كانت بيد المبتاع والخيار له، فإن المذهب: يضمن ما يغاب عليه إلا ببينة.
ابن راشد: إن كانت في يده والخيار للبائع، فالمشهور أن المبتاع ضامن.
وذهب ابن كنانة إلى أن الضمان هنا من البائع أشهر.
ونقل اللخمي عنه أن الضمان من مشترط الخيار.
وأما الاستثناء الثاني وهو قوله: (إلا أن تقوم له بينة) فمتصل بلا شك، أي: أنه لا يصدق إلا إذا قامت له بينة.
ابن عبد السلام: انظر هل يدخل خلاف أشهب المذكور الذي في الرهن والعارية وأنه لا يبرأ وإن قامت بينة؟ خليل: أشار اللخمي وابن راشد وغيرهما إلى تخريج قوله هنا.
فإذا غاب عليه المشتري والخيار للبائع، ضمن الأكثر، إلا أن يحلف فيضمن الثمن، وقال أشهب: الأكثر .... فإن غاب المشتري على ألا يغاب عليه والخيار للبائع، فقال ابن القاسم: يضمن المشتري الأكثر من الثمن والقيمة، لأنه إن كان الثمن أكثر مضى البيع، وإن كانت القيمة أكثر رد، إلا أن يحلق المشتري أنه لم يتلف المبيع ولقد هلك بغير سببه، فيلزمه الثمن.
وقال أشهب: يضمن الأكثر مطلقاً، ولم يقبل اليمين وهو الأظهر.

وإن كان الخيار للمشتري ضمن الثمن، وقال أشهب: الأقل ويحلف أي: فإن كان الخيار للمشتري والمسالة بحالها، فقال ابن القاسم: يضمن المشتري الثمن، لأنه يعد راضياً بتعييب المبيع.
وقال أشهب: هذا إذا كان الثمن أقل، وإن كان أكثر ولم يحلف على ضياع المبيع فكذلك، وإن حلق على ضياعه وأنه لم يرض بالشراء فليس عليه إلا القيمة.
تنبيه: وقع في بعض النسخ: أو الأقل بإثبات أو وليست بجيدة، لأن الأقل هو الأقل من الثمن أو القيمة، وكيف يعطف الأقل على الثمن.
وإذا غاب عليه البائع والخيار للمشتري ضمن الثمن.
وقال أشهب: أو الأقل ويحلف .... أي: إذا لم يقبض المشتري المبيع وهو مما يغاب عليه، أو قبضه ورده للبائع والخيار للمشتري فادعى البائع تلفه، فإنه يضمن للمشتري الثمن ويصير كمن استهلك سلعة وقفت على ثمن.
وقال أشهب: إذا حلف البائع أنه لم يتلف المبيع فيضمن الأقل.
هكذا قال المصنف، وصوابه أن يقول، وقال أشهب: الأكثر، وهكذا قال اللخمي.
ابن راشد: هو فساد في الأصل ووجهه ظاهر، لأنه إذا كان الثمن أكثر فالبائع قد أتلف ما يقابله، وإن كانت القيمة أكثر فالبائع يتهم في إتلافها لاسترخاصها.
والخيار للبائع واضح أي: إذا صار بيد البائع والخيار له فغاية الأمر أنه تصرف فيه اختياراً، وذلك رد للبيع.

فلو اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار أحدهما والخيار له: فأحدهما مبيع وهو في الآخر أمين، وقيل: إلا أن يكون سأل في إقباضهما.
وقال أشهب: ليس بأمين .... أي: إذا اشترى ثوباً من ثوبين وقبضهما ليختار واحداً منهما إن شاء، وإن شاء ردهما فليس له أن يتمسك إلا بواحد منهما، فيضمن أحدهما بالاتفاق، لأنه بيع على خيار، واختلف في الآخر على ثلاثة أقوال، مذهب ابن القاسم وهو المشهور: أنه فيه أمين، لأنه مقبوض على أن يرد على صاحبه.
والثاني له أيضاً في الموازية: وإن لم يسال في الإقباض فكالأول، وإن سأل البائع ضمنهما، واختار محمد الأول.
والثالث لأشهب في الموازية، وقال: ضامن لهما، لأن كل واحد منهما يمكن أن مبيعاً.
فإن ادعى ضياعهما، فعلى المشتري ضمان واحد بالثمن لا غير، وقال أشهب: يضمنهما أحدهما بالثمن أو الأقل، والآخر بالقيمة .... هذا تفريع الأقوال، وبدأ بالتفريع على الأول لأنه المشهور، أي: فعليه أن يضمن واحداً بالثمن كما تقدم، ولا ضمان عليه في الثاني لأمانته فيه.
وعلى قول أهب يضمنها، أحدهما: بالقيمة لكونه غير مبيع، ويضمن الآخر بالأقل من الثمن أو القيمة، لأنه إذا كان الخيار له قادر على أن يلزمه بالثمن أو يريده، فيضمنه بالقيمة بعد حلفه.
وقوله: (بالثمن أو الأقل) يريد بالثمن إن كان أقل، أو بالقيمة إن كانت أقل، ولو أسقط بالثمن واكتفى بالأقل لكان أحسن.
ولم يفرع المصنف على القول بالتفرقة لوضوحه، لأنه إن سأل فكقول أشهب وإلا فكالمشهور.

وإذا ادعى ضياع أحدهما، فعلى المشهور: يضمن نصف ثمن التالف، وله أن يختار كل الباقي.
وقال محمد: لا يختار إلا نصفه.
وعلى قول أشهب: إن أخذ الباقي أخذه بالثمن والتالف بالقيمة، وإن رده فعليه للتالف الأقل من الثمن أو القيمة .... أي: فإذا كانت المسألة بحالها ولكن ادعى المشتري ضياع أحدهما لا جميعهما، فعلى المشهور: يكون الضياع نصفه مبيعاً ونصفه الآخر هو فيه أمين، فيلزمه نصف الثمن الضائع، واتفق ابن القاسم ومحمد على هذا، ثم اختلفا، فقال ابن القاسم: له أن يختار جميع الثوب الباقي لضرر الشركة.
وقال ابن المواز: ليس له أن يختار إلا نصف الباقي، إلا أن يرضى البائع.
قال: لأنه لم يبعه ثوباً ونصفاً وإنما باعه ثوباً واحداً، ونسب المصنف هذا القول لمحمد.
والذي في ابن يونس عن الموازية: أن السالم بينهما والعيب بينهما وعليه نصف ثمن كل منهما.
وعلى قول أشهب: إن أخذ الباقي كان عليه بالثمن، والتالف بالقيمة، لأن البيع لم يتم فيه، وإن رده فعليه التالف بالأقل من الثمن أو القيمة على ما [485/أ] تقدم فوق هذا.
ولو اشتراهما والخيار له فيهما أو في أحدهما، فكلاهما مبيع أي: اشترى الثوبين معاً على أنه بالخيار فيهما بين أن يردهما أو يمسكهما معاً، أو اختار أحدهما دون الآخر، فجميع الثوبين مبيع.
فإن ادعى ضياعهما والخيار له فيهما فيلزمه ثمنهما عند ابن القاسم ويلزمه الأقل عند أشهب، وإن كان الخيار في أحدهما والثاني لازم وادعى ضياعهما معاً، لزمه قيمتهما عند ابن القاسم وثمن أحدهما، والأقل في الآخر عن أشهب كما تقدم.
واقتصرنا على هذا القدر في هذه المسالة قصداً لحل كلام المصنف، وإلا فالمسالة في كتاب الأصحاب أوسع من هذا.

وإن جنى البائع والخيار له عمداً، فرد.
وقال أشهب: كالخطأ يعني: من باع عبداً أو غيره على خيار فجنى عليه البائع عمداً ولم تتلفه الجناية، فقال ابن القاسم: ذلك رد للبيع كسائر الأفعال الدالة على الفسخ.
وقال أشهب: لا تكون جنايته عمداً دليلاً على الرد، لأن البائع إذا كان الخيار له قادر على الرد مع السلامة، فرده المبيع بواسطة العيب لا يقدر من عاقل وهو الظاهر، وهذا المعنى هو الذي أراد المصنف بقوله: (كالخطأ).
وإن تلفت انفسخ أي: تلفت السلعة بالجناية انفسخ العقد على القولين، لذهاب عين المعقود عليه.
وإن جنى البائع خطأ، فللمشتري خيار العيب أي: ولو كانت المسالة بحالها إلا أن جناية البائع خطأ، فللبائع أن يمضي البيع بحكم خيار التروي، لأن جناية البائع خطأً لا يكون رداً للمبيع، لأن الخطأ مناف لقصد الفسخ، فإن أراد البائع إمضاء البيع كان للمشتري الخيار بعيب النقيصة، لأن ما حدث من العيوب في زمن الخيار كالعيب القديم.
وإن تلفت انفسخ هو ظاهر.
وإن جنى البائع والخيار للمشتري عمداً، فله أخذ الجناية أو الرد واعلم أن المصنف- رحمه الله- تكلم على صور هذه المسألة كلها، وهي ست عشرة مسألة، في جناية البائع ثمان، وفي جناية المشتري ثمان، لأنه إذا جنى البائع فإما أن يكون خطأً، أو عمداً، والجناية إما متلفة، أم لا.
فهذه أربع، وكل من الأربع تارة يكون الخيار للمشتري وتارة يكون للبائع، وكذلك الكلام في جناية المشتري.

ولما تكلم المصنف على الأربع شرع فيما بعدها، أي: إن جنى البائع على المبيع بالخيار والخيار للمشتري وكانت الجناية عمداً ولم تتلف المبيع، فالمشتري مخير بين أن يختار الإمضاء ويأخذ أرش الجناية أو يرده، لأن الخيار بيده.
وقوله: (فله أخذ الجناية) فيه حذف مضاف، أي: فله أخذ أرش الجناية، وهو أعم من أن يكون عيباً أم لا، ولكن فيها أرش مسمى كالموضحة والمنقلة فيأخذه وإن برئت على غير شين.
خليل: وفي هذه المسألة نظر، والقياس أن المشتري لا يكون له أخذ الأرش، لأن البائع إنما جنى على سلعته، إذ بيع الخيار منحل على المعروف، وأكثر هذه المسائل على الاستحسان، والله أعلم.
فإن تلف ضمن الأكثر أي: وإن كانت الصورة بحالها، لأن جناية العمد إن أتلفت المبيع، فإن البائع يضمن للمشتري الأكثر من الثمن أو القيمة.
فإن كان الثمن أكثر، فللمشتري الفسخ عن نفسه.
وإن كانت القيمة أكثر، فمن حق المشتري أن يجيز البيع، فيدفع الثمن ويطالب البائع بقيمة المبيع، فيقاصان في الثمن ويأخذ الزائد.
وإن جنى خطأ فله أخذه ناقصاً أو رده أي: وإن جنى البائع خطأً والخيار للمشتري ولم يتلف المبيع، فالمشتري مخير بين أن يأخذه معيباً ولا شيء له، أو يرده.
وإن تلف انفسخ تصوره ظاهر.

وإن جنى المشتري والخيار له عمداً، فالقولان في أنه رضا لما فرغ من صور البائع شرع في صور المشتري.
و "أل" في القولين للعهد، أي: قولي ابن القاسم في الصورة الأولى.
فإن تلف ضمن الثمن وفي بعض النسخ، وقال سحنون: القيمة.
أي: فإن جنى المشتري والخيار له عمداً وتلفت السلعة بجنائية، ضمن المشتري الثمن، وهو ظاهر قول ابن القاسم، لأن جناية العمد دالة على الرضا، وقول سحنون يجري على أنها لا تدل على الرضا، وسقط قوله في كثير من النسخ.
إن جنى خطأ، فله رده وما نقص أي: فإن جنى المشتري جناية خطأً ولم تتلفه والخيار له، فللمشتري رد ذلك المعيب بحكم الخيار، لكن بقيمة العيب، وله أن يتمسك به معيباً ولا شيء عليه، لأنه تبين له أنه جنى على ملكه، والقياس أن يغرم للبائع الأرش، لأنه في ضمانه.
وإن تلفت ضمن الثمن كله، وقال سحنون: القيمة أي: فإن تلفت السلعة بجناية المشتري خطأً والخيار له، ضمن الثمن كله، قاله ابن القاسم في المدونة.
وقال سحنون: القيمة.
فقيل: وفاق.
ثم قيل: مراد ابن القاسم بالثمن القيمة.
المازري: وهو خلاف ظاهر اللفظ.
وقيل: مراد ابن القاسم إذا ثبت أن المشتري اختار قبل أن يجني.
المازري: وهو تعسف.
وقال ابن محرز: خلاف.
والقولان مبنيان على الخلاف فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، فهل يضمن الثمن الذي وقفت عليه، أو القيمة؟ وأنكر اللخمي بناء الخلاف على هذا، لأن ذلك الخلاف إنما هو في سلعة كثر فيها العطاء، وتواطأ جماعة من الناس عليه حتى صار كالحاصل.

وأجاب المازري بأن أصله في تضمين الثمن المسمى كون المشتري يعد بإتلافه السلعة كالمتلف لثمنها، فكان للبائع أن يلزمه إياه فيدخله الخلاف كالسلعة الموقوفة.
وإن جنى المشتري والخيار للبائع عمدا أو خطأ، فله أخذ الجناية أو الثمن، فإن تلف ضمن الأكثر .... يعني: إذا كانت الجناية من المشتري على المبيع ولم يتلفه، وجمع بين العمد والخطأ لاتحادهما في الحكم، فللبائع أن يرد البيع ويأخذ [485/ب] ارش الجناية من المشتري، وله أن يمضي البيع ويأخذ منه الثمن.
وفي إمضائه البيع نظر، لأن الضمان منه فيكون للمشتري خيار العيب.
أما إن تلفت ضمن المشتري للبائع الأكثر من الثمن، إذ له أن يمضي البيع أو القيمة، إذ له أن يرده.
وإن جنى أجنبي فالأرش للبائع، وقيل: إن أمضي البيع فللمشتري لما فرغ من جناية البائع والمشتري شرع في جناية الأجنبي.
والمشهور أن الأرش للبائع، سواء كان الخيار له أو للمشتري أو لغيرهما، لأن المبيع على ملك بائعه.
وقال ابن حبيب: إن أمضى البيع فللمشتري الأرش، ولعله مبني على أن بيع الخيار منعقد.
وبيع المشتري قبل القبض جائز إلا في الطعام مطلقاً يصح في المشتري كسر الراء من إضافة المصدر إلى الفاعل ويكون المفعول محذوفاً، أي: ما اشتراه.
ويحتمل أن يفتح قوله: (مطلقاً) أي: ربوياً كان أو غيره، لما في الموطأ والبخاري ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ((من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله)).

وهل المنع من بيع الطعام قبل قبضه تعبد، أو معقول المعنى؟ قولان.
وعلى الثاني فقيل: إنما نهى عن ذلك لأن أهل العينة كانوا يتوصلون إلى الفساد ببيع الطعام قبل قبضه، فنهى عن ذلك سداًّ للذريعة والفساد.
وقيل: لأن للشرع غرضاً في ظهوره، فإنا لو جوزنا بيعه قبل قبضه لباعه أهل الأموال بعضهم من بعض من غير ظهور، بخلاف ما إذا منعنا ذلك، فإنه حينئذ ينتفع به الكيال والحمال، ويظهر للفقراء وتتقوى نفوس الناس به، والله أعلم.
بشرط كونه معاوضة فيما فيه حق توفية من كيل أو شبهه، بخلاف الهبة، والقرض، والصدقة، وكذلك الجزاف على الأصح هذا الشرط راجع إلى المستثنى، أي: بشرط كون الطعام وجب عن معاوضة وكونه فيه توفية، فاحترز بمعاوضة من القرض والهبة والصدقة، أي: فإنه يجوز بيعه في هذه الوجوه قبل قبضه.
قال بعض من تكلم على هذا الموضع: وفي اشتراطه المعاوضة نظر، لأن الاستثناء دل على منع بيع الطعام المشتري.
فإما أن يريد بالمعاوضة نفس الشراء أو أعم، فالأول يلزم منه اتحاد الشرط والمشروط، ويلزم عليه أيضاً جواز بيع الطعام إذا لم يكن من شراء، كما لو كان عن منافع، أو نكاح، أو خلع، أو صداق، أو مثلاً لمتلف، أو أرش جناية، وذلك لا يجوز.
وإما أن يريد ما هو أعم فلا يصح، لأن الشرط مقيد لمشروطه فلا يكون أعم.
وهذا إنما يأتي إذا كان كلام المصنف يشتمل على شرطين، أما إن جعل شرطاً واحداً مشتملاً على جزءين فلا.
تنبيه: جعل في الواضحة ما يأخذه القضاة والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام من باب المعاوضة، فمنع من بيعه قبل قبضه.

وحكى ابن بشير فيما يأخذه المستحقون من بيت المال قولين: الجواز، والمنع بناءً على أنه عن فعل غير معين فأشبه العطية، أو مستحق على أمر واجب فأشبه المأخوذ في الإجارة.
وأجاز في المدونة بيع ما على المكاتب من الكتابة بعرض أو عين خاصة قبل الأجل، فلا يجوز بيع ذلك من الأجنبي حتى يقبضه.
ابن حبيب: إلا أن يكون يسيراً تافهاً.
قاله مالك في المدونة.
ولا يجوز أن يبيع من المكاتب نجماً قبل قبضه، وإنما يجوز أن يبيع جميع ما عليه ويعجل لحرمة العتق، وقاله سحنون: وقيل: يجوز وإن لم يتعجل العتق، لأن الكتابة ليست بدين ثابت.
واختلف الشيوخ على مذهب ابن القاسم على أن القولين يحمل.
ابن بشير: ولو ثبت الطعام في الذمة عن تعد أو غصب، ففي بيعه قبل قبضه قولان.
واقتصر في البيان على منح البيع قبل القبض في أرزاق القضاة وولاة السوق والمؤذنين والكتاب والأعوان والجند الذين يرزقون من الأطعمة، أما إن كان الطعام رفقاً وصلة على غير عمل، أو إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل، فيجوز البيع قبل القبض، قاله في البيان.
قال: ويجوز بيع الأرزاق والعطايا السنة والسنتين إذا كان مأموناً، قال: ولا يجوز بيع أصل العطاء، لأنه يبطل مئونته، قال ذلك أشهب، وابن وهب، وجماعة من التابعين رضي الله عنهم.
واحترز المصنف بكونه مما فيه حق توفية من الجزاف، لأنه مقبوض بنفس العقد وليس فيه حق توفية.
وذكر المصنف في الجزاف قولاً بالمنع، وهو مروي عن مالك رواه الوقار.
فوجه الأصح ما في أبي داود من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما-: أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه.
ومفهومة يقتضي جواز الجزاف، لأنه لم يشتر بكيل.
ووجه مقابله في مسلم عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)).
قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه.
ولعله أظهر، لأنه كالنص في الباب.
فرع: وعلى المشهور في جواز بيع الجزاف قبل القبض، فاختلف إذا كان ضمان الجزاف من البائع، مثل: أن يشتري لبن غنم بأعيانها، فهل يجوز بيعه قبل قبضه نظراً على كونه جزافاً [486/أ] وهو قول أشهب، أو لا نظراً لكونه في ضمان البائع وهو قول ابن القاسم؟ ووقع لمالك في العتبية فيمن اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها، فقال: ليس له بيعها حتى يستوفيه.
ابن القاسم: ثم سألناه عنه، فقال: بيعه قبل استيفائه جائز.
ولو باع أشجاراً واستثنى ثمرتها، فهل يمنع من بيع ما استثناه قبل قبضه، أو لا؟ لمالك قولان، واختار ابن عبد الحكم والأبهري الجواز.
ولا ضمان هنا على المشتري، وإنما الخلاف هنا مبني على الخلاف في المستثنى هل هو مشترى، أو مبقى؟ فمن ابتاع طعاماً جاز له إقراضه أو وفاؤه عن قرض، ومن اقترضه جاز له بيعه منه ومن غيره .... اعلم أن الممتنع من بيع الطعام ما توالى فيه بيعان لا يتخللهما قبض، فلذلك جاز لمن ابتاع طعاماً مكيلاً أن يقرضه أو يوفيه عن دين ترتب عليه، وكذلك جاز لمن اقترضه أن يبيعه قبل قبضه.
ابن عبد السلام: فإن قيل قوله: (ومن اقترضه) تكرار لما قدمه المؤلف من قوله: (بخلاف القرض) فالجواب: لا، لأن الأول محمول على من أقرض طعاماً فله أن يبيعه قبل قبضه، والثاني محمول على من اقترض- أي: تسلف- فله بيعه قبل قبضه من مسلفه.

وليس لمن صار إليه منهما بيعه قبل قبضه الضمير في (منهما) عائد على المقرض الذي دل عليه إقراضه وعلى المقترض الذي دل عليه وفاؤه، أي: من اقترض ممن ابتاع طعاماً ولم يكن المشتري قبضه من بائعه، فلا يجوز له بيعه قبل القبض، وكذلك لا يجوز للمقرض البيع قبل القبض إذا أوفاه له المبتاع ولم يكن المبتاع قبضه، لأن المقترض في الصورة الأولى والمقرض القابض لدينه في الثانية كما كان تنزلاً منزلة المشتري.
فكما لا يجوز للمشتري فيهما بيعه قبل القبض، فكذلك هما لأنهما حلا محله.
ويجوز لهذا المقترض أن يقبضه لآخر قبل قبضه كما كان ذلك للمشتري، ويمتنع المقترض من المقرض من بيعه قبل قبضه من بائعه، فهذا هو الحكم.
ولو كثر المسلفون والمستسلفون، وكذلك من أحاله المشتري على طعام البيع بسبب طعام كان عليه من سلف، فلا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه.
قال في السلم في البيان: من صار إليه الطعام بأي وجه كان، من هبة، أو صدقة، أو قرض، أو اقتضاء من قرض أو ميراث يحل محل المشتري الذي صار إليه الطعام، فلا يجوز له بيعه قبل استيفائه على معنى ما في المدونة وغيرها.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك أنه خفف ذلك في الهبة والصدقة، قال: ولا اختلاف أن الوارث يحل محل موروثه في أنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه، وكذلك من اقترضه أو اقتضاه من قرض كان له.
قال: ويحتمل أن يدخل ذلك من الاختلاف ما دخل فيمن وهب له أو تصدق به عليه على ما حكاه ابن حبيب عن مالك.
وقيل: يمنع في الربويات خاصة.
وقيل: فيما فيه حق توفيه مطلقاً هذا راجع إلى صدر المسألة، يعني: أن المشهور منع بيع الطعام مطلقاً.
وفي المذهب قولان آخران، أحدهما رواه ابن وهب: جواز بيع الطعام غير الربوي قبل قبضه، لأن

المتداول بينهم الربوي فيخص النهي عن بيع الطعام، لكن هذا إنما يجري على التخصيص بالعادة، والصحيح أنه لا يختص به كما تقرر في محله.
والقول بالمنع: في كل ما فيه حق توفية سواء كان طعاماً أم لا، لابن حبيب.
ولا يقبض بنفسه لنفسه إلا من يتولى طرفي العقد كالأب في ولديه، والوصي في يتيميه .... فيهما تفسيران، أولهما: لا يجوز لمن وكل على شراء طعام أو بيعه أن يبيعه من نفسه ولا أن يقبض لنفسه، ولو أذن له في ذلك الموكل، لأنه يقبض لنفسه من نفسه.
قال في المدونة: وإن أعطاك بعد الأجل عيناً أو عرضاً، فقال لك: اشتر به طعاماً وكله ثم اقبض حقك لم يجز، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، إلا أن يكون رأس مالك ذهباً أو ورِقاً فيجوز بمعنى الإقالة.
الثاني وهو الذي قاله ابن عبد السلام: أنه لو كان عنده طعام وديعة وشبهها فاشتراه من ماله، فإنه لا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء، لأن القبض السابق لم يكن قبضاً تاماً، بدليل أن رب الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه من التصرف لكان له ذلك، إلا أن يكون ذلك القبض قوياً كما في حق الوالد لولديه الصغيرين، فإنه إذا باع طعاماً لأحدهما من الآخر وتولى البيع والشراء عليهما كان له أن يبيع ذلك الطعام على من اشتراه قبل أن يقبضه قبضاً ثانياً، وكذلك الوصي في يتيميه.
وتبع المصنف في استثنائه من يتولى طرفي العقد ابن شاس ولم آره لأصحابنا، وفي النفس شيء من جواز هذه المسألة، ولاسيما والصحيح عند أهل المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه متعبد به.

وأرخص في الإقالة والتولية والشركة، وقيل: دون الشركة وروى سحنون في المدونة عن ابن القاسم عن سليمان بن القاسم عن ربيعة عن ابن المسيب أنه قال: من ابتاع طعاماً فلا يبيعه قبل أن يستوفيه، إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة.
ورواه أبو داود، وقال: هذا قول أهل المدينة، ولأن هذه الثلاث باب معروف فكانت كالقرض.
والإقالة: أن يقيل البائع المشتري أو العكس.
والتولية: أن يولي ما اشتراه لآخر.
والشركة: أن يشرك غيره في بعض المبيع.
والقول باستثناء الشركة رواه أبو الفرج عن مالك، لأن المعروف إنما يظهر في الجميع، ورأى في المشهور أنها تولية في البعض.
فرع: [486/ب] وهل أجرة الكيل في الإقالة والتولية والشركة على المقيل والمولي والمشرك كما أن العهدة عليه كالبيع، أو لا كالقرض بجامع المعروف، ولأنه لو هلك الطعام المشرك فيه قبل الكيل لكانت مصيبته منهما، وذلك يدل على أنه ليس على الذي أشركه أن يكيله.
ابن يونس: وهو أبين من الأول، والقولان للقرويين.
فينزل المشتري الثاني منزلة المشتري الأول بشرط استواء العقدين في المقدار والأجل وغيرهما سلما كان أو غيره .... الثاني: هو المقال والمولى والمشرك منزلة المشتري، وهو المقيل والمولي والمشرك.
قوله: (بشرط استواء العقدين في المقدار) اعلم أنه إن كان رأس المال عيناً جازت الإقالة عليه وعلى مثله.
وإن كان عرضاً مقوماً جازت الإقالة عليه إذا لم يتعين بنفسه ولم تجز على مثله.
وإن كان مثلياً، فهل تجوز الإقالة على مثله؟ المشهور: المنع خلافاً لأشهب.

وأما التولية والشركة فلا يمكن فيهما رد عين رأس المال، فإن كان رأس المال عرضاً منع، ويجوز إذا كان عيناً.
ابن يونس: وإن كان مكيلاً أو موزوناً فهو كالعين على قول أشهب، وأما ابن القاسم فإنه نص في الموازية على أنه لا يجوز التولية على مثله.
اللخمي: وأجازه في المجموعة وهو أحسن، وإن كان المثل مما يختلف الأغراض فيه كالنحاس.
قوله: (والأجل) لا ينافي المساواة فيه إلا أن يكون العقد الثاني بإثر الأول، وإلا فالمعتبر بقية الأجل.
وقوله: (وغيرهما) أي: من الصفة والكيل والرهن.
وقوله: (سلما كان أو غيره) نبه به لئلا يتوهم اختصاص التساوي في الأجل بالسلم.
وظاهر قوله: (نزل الثاني منزلة الأول) أن عهدة المولي والمشرك على من كانت عهدة المشتري عليه.
ونقل المتيطي ذلك عن مالك.
ونقل في البيان قولاً ثانياً: إذا كانت الشركة والتولية في حضرة البيع، أنها على الذي أشركه أو أولاده، إلا أن يشترط أنها على البائع الأول.
وذكر في جواز اشتراطها على البائع الأول بعد الافتراق أو الطول ثلاثة أقوال: المشهور: المنع، إلا برضاه فيكون من باب الحمالة.
والثاني: الجواز.
والثالث: لأصبغ: بجواز اشتراطها على البائع وإن افترقا ما لم يطل.
وكذلك نقل أيضاً فيما اشترى شيئاً ثم باعه، هل يجوز له أن يشترط العهدة على البائع الأول طال أو لم يطل، أو لا يجوز فيهما، أو يجوز في الحضرة دون الطول؟ ثلاثة أقوال.

فإن لم يستويا فبيع كغيره أي: فإن لم يستو العقدان في جميع الشروط بطلت الرخصة ويصير بيعاً، إن قبض المشتري ما اشتراه فصحيح، وإن لم يقبض ففاسد، ونبه على هذا لئلا يتوهم أنه إذا انتفت الإقالة والتولية والشركة المرخص فيها فيبطل العقد.
وإذا أقلت من السلم تعجل الثمن يحتمل أيها المشتري أو أيها البائع عجل الثمن، أي: يجب تعجيل رأس المال لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين.
مالك: ولا يجوز له أن يفارقه ساعة ولا يفارقه حتى يقبض من الذي وليته أو أقلته، وكذلك الصرف.
اللخمي: والمعروف من المذهب أن الإقالة أوسع من الصرف، وأنه تجوز المفارقة في الإقالة ليأتي بالثمن من البيت أو ما قارب ذلك، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة، لأنه لا يجوز له تأخير الإقالة اليومين والثلاثة بشرط بغير خلاف، واختلف هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين؟ انتهى.
بخلاف تأخير رأس المال، فإنه يجوز تأخيره اليوم واليومين ولو بالشرط.
والفرق بينهما: أن اللازم في الأول فسخ دين في دين، وفي الثاني ابتداء الدين وهو أخف، فلذلك وسع فيه، وما ذكره المصنف هو المشهور.
اللخمي: واختلف في الإقالة إذا وقع التراخي فيها بغير عذر شرط على ثلاثة أقوال، منعه في المدونة.
وقال مالك في الموازية: بل يتبعه بالدينار ولا يرجع في الطعام.
قيل له: إن المشتري يقول له: إن الإقالة لا تصلح إلا بمناجزة فأنا أرجع في طعامي.
قال: ليس له ذلك.
وقال أشهب: إذا كانا من أهل العينة فسخت الإقالة، وإن لم يكونا كذلك ولا

عملاً عليها رأيت أن يلح عليه حتى يأخذ، وهو تفسير لقول مالك: إن كانت تهمة فسخت الإقالة، وإن قام دليل على عدم التهمة كان هو موضع الخلاف المتقدم.
ابن محرز: وأضيق الأبواب الصرف، ثم الإقالة في الطعام، ثم التولية فيه، ثم الإقالة في العروض، وفسخ الدين في الدين، ثم بيع الدين المستقر في الذمة.
وعند ابن المواز: في بيع الدين أنه لا بأس أن يؤخر ثمنه اليوم واليومين كرأس مال السلم، ثم تأخير رأس مال السلم.


المرابحة: والبيع مرابحة جائز معناه أن يخير البائع المشتري بما اشترى السلعة به ثم يزيده شيئاً، وهو يحتاج إلي صدق مبين وإلا أكل الحرام فيه بسرعة، لكثرة شروطه ونزوع النفوس فيه إلى الكذب.
ولهذا قال ابن عبد السلام: كان بعض من لقيناه يكره للعامة الإكثار من بيع المرابحة، لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان.
فلو قال بربح العشرة أحد عشر، فزيادة عشر الأصل مدلولها عرفا ما ذكره المصنف، وإلا فمدلولها لغة أن يربح لكل عشرة أحد عشر.
قوله: (بربح العشرة) يحتمل أن يقرأ بالإضافة، ويحتمل أن ينون ويرفع العشرة على أنه مبتدأ وخبره أحد عشر.
والجملة مفسرة [487/أ] لقوله: (بربح) فذكر هنا ألفاظاً اصطلح عليها التجار على كيفية بيع المرابحة.
وبوضعية العشرة أحد عشر فينقص جزء من أحد عشر من الأصل على الأصح أي: بتصيير الأحد عشر عشرةً، أي: بخسران درهم في كل عشرة، وهذا مما يبين لك عدم صحة هذا الكلام على مدلوله اللغوي، لأن إسقاط أحد عشر من عشرة غير معقول، والأصح أنه يقسم الثمن الذي اشترى به المشتري على أحد جزءاً، كمائة وعشرة مثلاً فينقص عنه جزء من أحد عشر، وهي العشرة الزائدة على المائة، ومقابله: يقسم على عشرة أحد عشر جزءاً ويحط جزءاً، وتبع المصنف في هذين القولين ابن شاس، وعبر عنهما ابن بشير بطريقين، وفي كلامه نظر، ولا ينبغي أن يعد هذا خلافاً، لأنه راجع إلى الأول بعد طول ولا فرق بينهما في المعنى، وإنما قلنا: إن مقابل الأصح ما ذكرنا، لأن بناء كتابه في الغالب على متابعة ابن شاس وابن بشير، ولم يذكرا غير ما ذكرناه.

وقد ذكر ابن محرز قولاً أن يكون مقابل الأصح، ونصه: فقال عن ابن اللباد قال لي أحمد بن داود: وإذا باع بوضعية العشرة خمسة، فإنه ينظر كم خمسة من خمسة عشر، فيأخذ الثلث فيوضع عنه من رأس المال ثلثه، وكذلك للعشرة عشرة تضاف العشرة إلى عشرة، ثم يقال: كم هي منها، وللعشرة أحد عشر، فيقال: كم أحد عشر من أحد وعشرين.
لكن قوله بعد هذا: (أو العشرة عشرون باتفاق) يرد هذا، لأنا إذا ضممنا عشرين إلى عشرة فنسبة العشرين من المجموع ثلثاها، فيحط عنه من كل عشرة ثلثاها، وتصور كلامه ظاهر.
فما له عين قائمة من أجرة طرز وصبغ وقصارة وخياطة بحسب ثمنه وربحه ألحق في المدونة بهذه الأربعة الكمْدَ، وزاد صاحب النكت وصاحب المقدمات الفتل، وزاد المتيطي التطرية.
وما يزيد في الثمن من حمولة وإنفاق يحسب ثمنه لا ربحه قوله: (من حمولة) قيده اللخمي بأن يكو ن في البلد المنقول إليه أغلى، وأما إن كان سعرهما سواء فلا يحسبه، ولو كان أرخص لم يبع حتى يبين، وإن أسقط الكراء.
واستحسن المازري كلامه إذا حمل البائع المبتاع إلى ذلك البلد وهو عالم أنه لا يربح فيه.
قوله: (وإنفاق) أي: على الرقيق ونحوه.
وقيده اللخمي بألا تكون له غلة، فإن كانت أقل حسب ما بقي، وإن كانت أكثر فله ولا يحسب.
المازري: وإن أنفق على سقي النخل وعلاجه أو العقار، فإن ساوت الغلة الإنفاق أو زادت فله البيع مرابحة، وإن قصرت الغلة عن النفقة التي بها حيي النخل حسب ما فضل من النفقة عن الغلة، فلا ربح كالنفقة على الرقيق.
ولا يؤثر في بيع المرابحة ما اغتله من لبن احتلبه.

فإن قلت: لا إشكال أن البائع لو بين الحمولة ونحوها واشترط على ذلك الربح أنه جائز، وإن لم يبين فهو غير جائز، فما صورة هذه المسألة؟ قيل: مفروضة فيما إذا قال البائع: هي علي بكذا رأس، مالها بكذا وصبغها بكذا وحمولتها بكذا، وباع بربح العشرة أحد عشر، فإنه حينئذٍ يحسب الربح كما ذكرنا أن له الربح ولا يحسب الحمولة ونحوها.
المازري: ويستعمل في ربح بيع المرابحة أحد أربعة ألفاظ: إما أن يقول: اشتريتها بمائة والربح كذا، أو أربح في كل عشرة كذا، أو يقول: رأس مالي فيها كذا، أو يقول: قامت عليَّ بكذا وهي بكذا.
فإن كان أنفق فيها نفقة مما يحسب له فإنه يُسقَط من هذه العبارتان الأوليان، وهما: اشتريتها بكذا، أو رأس مالي فيها كذا، لأن هاتين العبارتين عبارة عما دفع فيها للبائع، لكنه يقول: هي عليَّ بكذا، أو قامت عليَّ بكذا.
وأما إن كان تولى عملها بنفسه- كالصبغ وغيره- فإنه لا يجوز له أن يعين عن ذلك شيئاً من هذه العبارات، لأنه لم يخرج ثمن ذلك، وغاية ذلك أن يقِّوم عمله، والبيع على التقويم لا يجوز.
والله أعلم.
وإلا لم يحسب فيها كالطي، والشد، وكراء البيت أي: وإن لم يكن مما عين قائمة، ولا مما له تأثير في الثمن لم يحسب فيهما، أي: لا في الثمن ولا ربحه.
وقوله: (كالطي، والشد) هذا مقيد بما إذا لم يعلم المشتري أنه يحتاج في ذلك إلى نفقة، وأما إن علم أنه يحتاج إلى النفقة يحسب ثمنها كالحمل.
وقيد التونسي والباجي وابن رشد كراء البيت بما إذا أكراه لنفسه فيكون المتاع تبعاً، وأما إن أكراه للمتاع خاصة فيحسب ثمنه بغير ربح.
وكذلك نص عليه محمد.

وما أخذه السمسار فكالثمن على الأصح، وقيل: من الثاني، وقيل: من الثالث المراد بالسمسار هو الجلاس، لا الذي يتولى الشراء للمشتري كما تفعله سمسارة الإسكندرية، وليس مرادهم متولي البيع فإن أجرة هذا على البائع، وهي من الثمن بلا شك فيه.
وقوله: (فكالثمن) أي: يحسب، ويحسب ربحه، وهذا قول عبد الوهاب واختاره ابن محرز، لأنه مما لا يحصل ملك المشتري إلا به فيكون كالثمن.
والقول الثاني لأبي محمد وابن رشد، لأنه ليست له عين قائمة.
والقول الثالث هو مذهب المدونة والموطأ، ووجهه: أنه ليس له عين قائمة ولا يزيد في الثمن وكثير من الناس يتولى الشراء بنفسه، ولهذا [487/ب] قال محمد: إلا أن يكون المبتاع مما جرت العادة أنه لا يشترى مثله إلا بواسطة سمسار، فيحسب حينئذٍ أجرته في الثمن دون الربح.
ولابد من علم المشتري بجميعه قبل العقد هذا خاص بالقسمين الأولين، وأما الثالث فهو غير محسوب فلا حاجة إلى بيانه.
وما ذكره المصنف هو مذهب سحنون، وقيل: وهو قياس ابن القاسم.
سحنون: وإن لم يبين فيرد السلعة إن كانت قائمة إلا أن يرضى المشتري أخذها بذلك، فإن فاتت مضت بذلك ولم ترد إلى القيمة.
وقال محمد وابن حبيب: لا يلزمه البيان.
واختاره التونسي قياساً على ما إذا اشترى سلعتين وباعهما مرابحة.
عياض: وظاهر الموطأ كقول سحنون.
وقال اللخمي: يختلف إذا باع ولم يبين.
وأصل ابن القاسم أنها مسألة غش فلا يلزم المشتري وإن حط ذلك القدر.
وعلى مذهب سحنون هي مسألة كذب فإن حط ذلك القدر لزمه.

وفي المقدمات: إذا قال: قامت علي بكذا، أو أبيعها بربح العشرة أحد عشر، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد فاسد، لأن المشتري لا يدري كم رأس المال وكم أضيف إليه.
وقال في الموازية: أنه يعمل في ذلك على ما ذكرناه مما يحسب ويحسب ربحه، وما لا يحسب ولا يحسب ربحه.
وهو ظاهر قول سحنون في العتبية في نوازله.
وهو بعيد، والصواب ما قدمناه.
ونص ابن بشير على أن العقد لا يفسد بعدم التبيين.
فرع: قال في المدونة: وإن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك، وقد فات المبتاع بغير سوق أو بدن، حسب ذلك في الثمن ولم يحسب له ربح، وإن لم تفت رد البيع إلا أن يتراضيا على نحو ما يجوز.
وقوله: "إلا أن يتراضيا" جعل ذلك كاستئناف بيع.
واختلف الشيوخ بعد الفوات: هل هي مسألة غش أو كذب؟ فقيل: إنها مسألة غش، لأنه لم يكذب فيما ذكر من ثمنه ولكنه أبهم فيسقط عنه ما يجب إسقاطه، ورأس المال ما بقي فات أو لم يفت، ولا ينظر إلى القيمة.
وهو تأويل أبي عمران على الكتاب، وإليه نحا التونسي والباجي وابن محرز وأنكره ابن لبابة.
وقيل: هو من باب الكذب، لزيادته في الثمن ما لا يحسب فيه وحمله الربح على ما لا يحسب حمله عليه، فيقال للبائع: أسقط ما يجب إسقاطه من نفقة وربح، فإن فعل لزم المشتري ما بقي وربحه، وإن أبى فسخ إلا أن يحب المشتري التماسك، فإن فاتت فهي كالكذب.
وإن لم يضع البائع ما ذكرنا لزمت المبتاع بالقيمة ما لم تكن أكثر من جميع الثمن بغير طرح شيء فلا يزاد له، أو يكون أقل من الثمن الصحيح بعد طرح كل ما يجب طرحه فلا

ينقص، وهو قول سحنون في كتاب ابنه وقول ابن عبدوس، وفسر به بعضهم مذهب الكتاب، قالوا: وإنما لم يذكر في الكتاب القيمة، لأن ذلك عنده أقل مما بقي بعد الطرح.
وإليه مال أبو عمران وعبد الحق وابن لبابة.
ويجب ذكر ما لو علم المشتري به قلت رغبته هذا لا يختص ببيع المرابحة، وإنما يختص ببيع المرابحة بذكر الثمن وحاله من تعجيل وتأجيل، وما أشبه ذلك.
فيذكر التأجيل أي: يجب في المرابحة عليه أنه إذا اشترى إلى أجل أن يبيِّن ذلك للمشتري، لأن الأجل له حصة من الثمن، ويختلف الثمن أيضاً بقرب الأجل وبعده، فإن لم يبيِّن وباعها بالنقد فقال في المدونة: البيع مردود.
فقيل: أراد إذا اختار المشتري الرد.
وقيل: يفسخ وإن رضي المشتري بالنقد.
واستبعد لأنه حق لمخلوق.
وفي طول الزمان قولان أي: هل يجب بيانه أو لا؟ ومذهب المدونة وغيرها التبيين، قال فيها: إلا أن يطول الزمان أو تحول الأسواق فليبيِّن ذلك.
هذا نص التهذيب وفي العتبية نحوه.
والذي في أصل المدونة: أحب إليَّ أن يبين.
وعلل ذلك في المدونة بأن الناس أرغب في الطري من القديم، والقول بعدم البيان للخمي، قال: وهذا إذا لم يكن بان عليه، وأما إذا بان فإنه يبيِّن.
وما نقده عن الثمن: النقد إن كان عيناً وجب، وفي ذكر الأول قولان، فإن كان عرضاً ففي ذكر الثاني قولان، فإن كان طعاماً فقولان كالأول وكالثاني .... حاصله أنه إذا اشترى بنقد- أي: ذهب أو فضة- ثم نقد غير ما عقد عليه، فإذا باع مرابحة فله ثلاثة أقسام:

الأول: أن يشتريها بذهب وينقد عنه فضة أو بالعكس، فإذا باع مرابحة على ما عقد وجب عليه بيان ما نقد.
قاله اللخمي وغيره، ونص عليه في الواضحة.
المازري: وحكى ابن المواز عن أشهب جواز ذلك إذا لم يزده على صرف الناس.
وإن باع مرابحة على ما نقد ففي ذكر الثمن الذي عقد عليه قولان، والقول بوجوب التبيين في الواضحة، وهو ظاهر المدونة.
المازري: وهو ظاهر المذهب.
والقول بعدم الوجوب لمالك في الموازية.
والقولان خلاف في حال هل هو مما تكرهه النفوس أم لا؟ القسم الثاني: أن ينقد عن العين التي اشتراها عرضاً مقَّوماً.
اللخمي: ولا يبيع على ما نقد حتى يبيِّن، وإن باع على ما عقد فمذهب المدونة أنه يبيِّن ما نقده من العرض، لأن ما عقد عليه لم يستقر ثمناً.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب.
وقال ابن المواز: يجوز وإن لم يبيِّن.
القسم الثالث: أن ينقد عن العين طعاماً- يريد: أو مثلياً- وخصصه بالذكر [488/أ] إما على طريق التمثيل، وإما لأنه الواقع في المدونة.
اللخمي وعياض وغيرهما: وظاهر المدونة وجوب التبيين.
وفي الموازية: يجوز له أن يبيع على ما نقد وإن لم يبيِّن في الدنانير والدراهم والمكيل والموزون وسائر العروض، وتأوَّل فضل المدونة عليه.
وعلى هذا فقوله: كالأول وكالثاني تفسير للقولين، والقول بأنه كالأول هو مذهب المدونة كما تقدم.
وقوله: (وكالثاني) هو مذهب الموازية.
ولا يمكن أن يريد بقوله: (كالأول) أنه يجب ذكر الطعام، ويختلف في ذكر العين.
وبقوله: (وكالثاني) بيان للعين عليه.
ويختلف في بيان العرض، وإن كان ابن عبد السلام قال ذلك، لأن الحمل على ذلك يستلزم الطرق لا الأقوال، على أن النقل لا يساعده.

فإن كان الثمن عرضاً غير مثلي ففي جواز البيع مرابحة قولان، بخلاف المثلي أي: فلو اشترى سلعة بعرض غير مثلي فهل يجوز بيعها مرابحة؟ أجازه ابن القاسم ومنعه أشهب وسحنون، لأنه بيع ما ليس عندك، أي: لأن المشتري دخل على الحلول وكان كالسلم الحالِّ.
وحمل اللخمي قول ابن القاسم على ظاهره، وتأول النهي عن بيع ما ليس عندك على بيع معين في ملك غيره.
وإلى هذا أشار ابن يونس، لأنه قال: ليس هذا من باب بيع ما ليس عندك، لأنه لم يقصد ذلك، بدليل اتفاقهم في الشِّقص المبيع بشيء مما يكال أو يوزن أن للشفيع أن يأخذه بمثل ذلك وإن لم يكن عنده، والأخذ بالشفعة كبيع ثانٍ.
انتهى.
ورده عياض بأن الشفعة لا يقدر فيها إلا على ذلك، بخلاف هنا فإنهما قادران على البيع مساومة.
واستقرأ بعضهم من قول ابن القاسم في هذه المسألة جواز السلم الحال، وحمل القاضي قول ابن القاسم على أن العرض حاضر عند المشتري، فيتفق القولان على جواز بيعه مرابحة، لأن ذوات الأمثال توجد غالباً.
ونحوه لابن بشير، وهو وهم، لأن أشهب نص في المدونة على المنع في الجميع، بل لو لم ينص عليه لكان لازماً له، لأن السلم الحال ممتنع فيهما.
وقاله ابن راشد وابن عبد السلام.
ولو أتم بعض المبيع بالشراء من شريكه فالرواية كالأجنبي، وفيه نظر يعني: إذا اشترى جزءاً من سلعة ثم أتم بقتيها من شريكه الشراء فإن له بيع الجميع مرابحة من غير بيان.
كما أن للأجنبي إذا اشترى الجزء الباقي أن يبيع هو والمشتري الأول جميع السلعة من غير بيان.
وأشار بالنظر إلى الفرق بينهما، لأن من اشترى بقيتها قد يزيد فيه ليكمل له الملك والمشتري يكرهه.
فينبغي أن يقال بوجوب التبيين، بخلاف الأجنبي فإنه قد دخل ابتداء على الشركة، وذلك مما ينقص الثمن، وهذا لا يكرهه المشتري في بيع المرابحة.

وقد أشار ابن بشير إلى هذا النظر، وقيد اللخمي الجواز بأن الزيادة لصلاحية السلعة كذلك، أو بغلاء السوق، وأما إن كانت لدفع ضرر الشركة فيجب البيان.
ولو كان متعدداً مختلف الصفات فقومه وجب بيانه كما لو اشترى ثياباً أو غيرهما في صفقة واحدة، ثم جعل لكل سلعة من الثمن قسطاً، فلا يجوز أن يبيع إحداهما على ذلك إلا بعد التبيين، لأنه قد يخطئ في التوصيف وقد لا يخطئ، ولكن زاد لرغبته في الجملة أو في سلعة منها.
وإن كان متفق الصفات كثوبين مثلاً فثالثها: إن كانا عن سلم جاز أي: وإن اشترى متعدداً متفق الصفات كثوبين متفقين.
وحذف الصفة للعلم بها.
وقوله: (مثلاً) حشو، لأن الكاف يفيده.
والجواز لابن نافع، لأن اتفاق الصفات يبعد معه الخطأ في التقويم.
والمنع لسحنون، لأنه قد يرغب في الجملة والتفصيل، وهو مذهب المدونة.
(إن كانا عن سلم جاز) وإن كانا معينين لم يجز، لأنه قد يقصد أحدهما بخلاف السلم، لأنه إنما انعقد على الصفة، والفرق أنها مستوية، وقيد فيها الجواز في السلم بألا يكون تجاوز عنه في الصفة، أي: أخذ أدنى مما في الذمة.
وقيده اللخمي أيضاً بألا يكون أحدهما أجود مما وصف، فإن كان أجود وصف الزائد عليه وعلى ثوب المرابحة، لأن الزيادة كهبة لأجل البيع فيجب توصيفها.
واختلف إذا وجب عليه البيان ولم يبين: هل هي مسألة غش أو مسألة كذب؟ وأما في المثلي فجائز أي: وأما لو باع ما اشتراه من المثلي مرابحة فله ألا يبيِّن.
وهكذا نص عليه في المدونة.
وتعقبه المتأخرون بأن شراء الجملة يرغب فيه، فيكون ثمن بعضه منفرداً أقل منه بانضمامه إلى الجملة، ولاسيما على ما تقدم أن استحقاق الثلث مقتض لرد جميعه.

ولو أقال مشتريه منه وجب بيانه.
أي: ولو أقال المشتري من البيع فلا يجوز له أن يبيعه حتى يبيِّن، لأن ذلك مما تكرهه النفوس.
وقوله: (أقال) أي: على مثل الثمن الأول، لقوله بعد هذا: (فإن كل بزيادة .... إلخ).
والظاهر أن وجوب التبيين عام على قول من يرى أن الإقامة حل بيع أو ابتداء بيع، لما ذكرناه من كراهة النفوس.
فائدة: الإقالة عندنا بيع من البيوع إلا في ثلاث مسائل: الإقالة في المرابحة، والإقالة في الطعام، والإقالة في الشفعة.
فلو كانت بزيادة أو نقص فالمشهور الجواز [488/ب] أي: وإن كان التقايل على زيادة أو نقص فالمشهور- وهو مذهب المدونة- جواز بيعه على الثمن الذي تقايلاه من غير بيان، لأن الخلاف في الإقالة: هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؟ إنما هو إذا كانت على مثل الأول، وأما إن كانت بأزيد أو بأنقص فهو بيع حقيقة.
والشاذ لابن حبيب بالمنع ولو استقال بنقص.
واستشكل قوله: مع النقص، لأنه خير للمشتري.
وتأول اللخمي قوله بما يمنع هذا الإشكال، فقال: إنه إنما يمنع إذا استقال بنقص بشرط أن يكون الثمن الذي استردها به أكثر مما اشتراها به أو المثل، مثل أن يكون اشتراها أولاً بعشرة، ثم باعها بخمسة عشر، ثم أقال على اثني عشر، فيتهم على أن البيع صورة، ليتوصل إلى بيعها باثني عشر.

والأكثر على أن قول ابن حبيب خلاف.
وذهب فضل إلى أن المذهب قول ابن حبيب، وتأول مذهب المدونة على أنه اشتراها من غير من باعها منه.
فلو كان شراء ثانياً منه ففي جعله كالإقالة قولان المحققون من الشيوخ يرون أن لا فرق بين هذه والتي قبلها في المعنى، لأن شراءه ثانياً إن كان بمثل الثمن فهو إقالة، وإن كان بأقل أو بأكثر فالمشهور الجواز.
وإنما افترقنا في اللفظ فقط، ففي الأولى رجعت بلفظ الإقالة، والثانية بلفظ الشراء، والمعول عليه المعنى دون اللفظ.
ولو باعا مرابحة- والثمن مختلف- ففي قسم الثمن والربح قولان، أحدهما: كالانفراد والثاني: كالمساومة .... أي: ولو اشترى رجلان سلعة في عقدين بثمنين مختلفين، كما لو اشترى أحدهما نصفها بمائة والآخر نصفها بخمسين، ثم باعاها معاً صفقة واحدة بربح مائة، فاختلف المذهب في كيفية قسمهما الثمن والربح.
فقال ابن القاسم وهو المشهور: يقسمان ذلك أثلاثاً بينهما.
وإليه أشار بقوله: (كالانفراد) أي: كما لو باع كل واحد منهما نصفه منفرداً.
وقال أشهب: يقسم الثمن والربح نصفين.
كما لو باعا مساومة بمائتين وخمسين، لأن المشتري دخل على ذلك.
ابن عبد السلام: وكذلك يرجع عليهما في العيب والاستحقاق.
ومنشأ الخلاف: هل ينظر إلى الأثمان أو الحصص؟

ولو باعا بوضيعة فالمشهور كالانفراد ومنشأ الخلاف المشهور كالمشهور، والشاذ أجراه الأشياخ على قول أشهب.
ولا يجب بيان غلة الربع والحيوان خص الرَّبع والحيوان، لأنهما لا يتغيران بالاستعمال، بخلاف الثياب وشبهها.
والرَّبع يشمل الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، وهو مقيد بألا تكون ثمرة الشجرة مأبورة يوم العقد فيجب عليه بيانه.
وكذلك الصوف، قال في المدونة: لأنه إن كان يوم البيع تامّاً فقد صار له حصة من الثمن، وإن لم يكن تامّاً فلم يثبت إلا بعد مدة يتغير فيها.
وأما الأولاد ليست غلة فلا تندرج في كلامه، قال في المدونة: وإن توالدت الغنم لم تبع مرابحة حتى يبيَّن وإن باعها بأولادها.
إذا كذب في الثمن- والسلعة قائمة- فله ردها إلا أن يحط الكذب وربحه، وقيل: ولو حط لخبث مكسبه .... كما لو اشتراها بعشرة وقال: باثني عشر، وسواء كذب عمداً أو خطأً، قاله ابن حبيب وهو صريح الكذب.
وألحق به سحنون تقدير الكذب وهو ما له تأثير في زيادة الثمن، مثل: أن يشتري بثمن مؤجل فيبيع نقداً، أو يشتري ثوبين صفقة فيبيع أحدهما بما ينوبه.
وهو خلاف مذهب ابن القاسم، قاله ابن رشد.
قوله: (فله ردها) لا شك أن له أن يتمسك بها وله أن يردها، إلا أن يسقط البائع الكذب وربحه فلا مقال للمشتري حينئذٍ، لأن الخيار كان له بسبب الزيادة وقد سقطت.
هذا هو المشهور.
وقال عبد الملك: للمشتري الخيار ولو أسقط البائع، لأن البائع قد تبين خبث مكسبه.

وأشار المازري واللخمي إلى أنه وفاق، وحملا قول مالك على أن المشتري قام بالكذب وحده، ولو قام بخبث المكسب لكان ذلك له، كقول عبد الملك.
ابن عبد السلام: وفيه نظر، لأنه لو كان هذا يدل على خبث المكسب للزم أن يكون الخيار لمن اشترى منه غيرها مساومة.
ونقل ابن بشير عن المتأخرين أنه إن ظهر على كذب البائع من غير أن ينفصل منه فللمشتري الخيار لخبث المكسب، أي: لحرام المكسب، وإن أتى البائع منفصلاً من كذبه نادماً على ما صدر منه فكالمشهور.
فإن فاتت فالبائع مخير بين أخذ الصحيح وربحه أو قيمتها ما لم تزد على الكذب وربحه، وقيل: يتعين الصحيح وربحه .... أي: فإن فاتت السلعة المكذوب في ثمنها فالمشهور يخير البائع بين أن يأخذ الصحيح وربحه، وبين أن يرجع إلى القيمة بشرط ألا تزيد على الكذب وربحه، لأنه قد رضي بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، يريد: ما لم ينقص عن الثمن الصحيح وربحه.
المازري: وهذا على المشهور، وأما على قول عبد الملك فإن الواجب فيها مع الفوات تفصيل منه: وينظر إلى من يستحق قيمة هذه السلعة أو ثمنها، أو يمكن البائع من المطالبة بما باعه من مال حرام في يديه أم لا.
والقول بتعيين الصحيح وربحه لمالك في الموازية ورجع عنه.
وفي المسألة قول ثالث: إن على المبتاع قيمتها يوم قبضها، إلا أن يكون ذلك أكثر من الثمن بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، أو يكون [489/أ] أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
وفي الفوات بحوالة الأسواق قولان لما كان الحكم يختلف بقيامها وفواتها احتاج إلى بيان العيب، وذكر المختلف فيه وهو حوالة الأسواق، وسكت عما فوقه لاتفاقهم عليه.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل