وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق ودخل بعد ذلك، فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق فينفذ نكاحها ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
والصواب أنه في الفوات متزوج في عدة، بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود، ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجاً في العدة ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.
فَإِنِ اتَّحَدَ زَمَانُ الْعَقْدَيْنِ أَوْ جُهِلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فُسِخَ بِطَلاقٍ، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُوقَفُ الطَّلاق، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلاقُ وإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُمَا وَقَعَ عَلَيْهِمَا ....
اعلم أني لم أر في كتب أصحابنا الفسخ بطلاق إلا فيما إذا جهل زمان العقدين وهو الذي نص عليه في المدونة، وما ذكره المصنف من أنه يفسخ بطلاق مع الاتحاد لم أره، وهو مشكل لاستحالة الشركة في الزوجة شرعاً، فلم تدخل في عصمة أحدهما، وقال ابن عبد السلام في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور أنه يفسخ النكاحان بطلاق، وهو ظاهر إذا جهل لأن أحد العقدين صحيح.
الثاني لسحنون: يفسخ النكاحان بغيرطلاق، وهو ظاهر إذا اتحد زمن العقدين.
والثالث قول ابن المواز: لا يعجل بالطلاق وتباح للأزواج؛ فإن أراد تزويجها وقع على كل واحد منهما طلقة لتحل للغير بيقين، وإن أراد أحدهما تزويجها لم يقع عليه شيء، ووقع على الآخر لأن المتزوج إن كان هو الأول في نفسالأمر فلم تزل في عصمته، وإن لم يكن هو الأول، فلم يتقدم له نكاح حتى يقع فيه طلاق، ولعله اعتمد في اتحاد العقدين على المصنف، فإن قلت فما الحكم لو لم يطلع في هذه المسألة إلا بعد دخول أحدهام قبل الفوات ولا إشكال فيه، ولوضوحه ترك المصنف التعرض
إليه لأنا إذا قلنا بالفوات بالدخول مع العلم بكونه ثانياً، فلأن يكون كذلك مع عدم العلم من باب أولى.
اللخمي: ويأتي على قول ابن عبد الحكم أن الداخل لا يكون أحق لأنه على شك.
فإن مَاتَتْ والأَحَقُّ مَجْهُولٌ فَفِي الإِرْثِ قَوْلانِ
الأحق من يقضي له بها لو علم به وهو الأول مطلقاً على قول ابن عبد الحكم وعلى المشهور [284/ ب] فهو إما الأول قبل الدخول، وإما الثاني بعد الدخول، فإن جهل بعينه وقد ماتت المرأة فقولان.
ابن بشير وابن شاس: للمتأخرين قولان وأكثرهم على السقوط؛ لأنه ميراث مع الشك.
والآخر لابن محرز، قال: القياس أن يكون الميراث بينهما والصداق عليهما لأن الميراث ثابت للزوج منهما، وهما يتنازعانه، فيدعي كل واحد منهما أنه الأول، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيقسم بينهما، وليس هو من باب الميراث بالشك وهو كمن مات عن أم وابنتها ولم تعلم الأولى منهما، وكمن طلق إحدى نسائه ثم مات، ولم تعلم المطلقة فإن الميراث بينهما نصفان، وإلى هذا أشار المصنف بقوله:
فَإِنْ ثَبَتَ الإِرْثُ ثَبتَ الصَّدَاقُ
مفهوم كلامه أنه إن لم يثبت الإرث ينتفي الصداق، وهو خلاف ما في الجواهر لأنه قال: ويثبت الصداق حيث يثبت الميراث، وأما حيث ينتفي فإنما يكون عليه ما زاد منه على قدر الميراث.
وفي اللباب: قال بعض المذاكرين: من كان صداقه قدر ميراثه فأقل فلا شيء عليه، ومن كان ميراثه أقل غرم ما زاد على ميراثه لإقراره بثبوت ذلك عليه.
ولم يصرح المصنف هل يجب مجموع كل واحد من الصداقين، فلا يستحق أحد الزوجين شيئاً من الميراث إلا
بعد دفعه جميع الصداق، لأنه مقر بوجوب ذلك عليه، أو نصفه؟ لأنه لو دفع كل واحد من الزوجين صداقاً كاملاً لأخذ كل واحد من الورثة ضعف حقه من الصداق.
ابن عبد السلام: والاحتمال الأول أقرب.
خليل: وقد يخرج هذان الاحتمالان على الخلاف فيما إذا ادعى المسيس وأنكرته الزوجة، هل لها أن تأخذ جميع الصداق لإقراره أو لا تأخذ إلا نصفه لإنكارها؟ فانظره.
وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ فَلا إِرْثَ ولا صَدَاقَ
لأن سببهما الزوجية، وهي لم تثبت.
وحكى ابن بشير الاتفاق على ذلك، وهذا ما لم يدع كل واحد منهما أنه الأول، وأما لو ادعيا ذلك وصدقت المرأة أحدهما، ففي ابن بشير: لا يثبت لها الإرث ويثبت لها الصداق لأنه أقر لها بمال.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أن لها الصداق ويختلف في الميراث، يريد لأن الصداق من الديون وهي تثبت بالإقرار، وأما الميراث فاختلف المذهب هل يثبت بالإقرار أم لا؟ وفيه نظر لأن الخلاف إنما هو في إقرار من لم يعلم له وارث.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ تَسَاقَطَتَا وَلا يُقْضَى بِالأَعْدَلِ بِخِلافِ الْبَيْعِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُقْضَي بِالأَعْدَلِ كَالْبَيْعِ ....
صورتها أن تقول هذه البينة: نشهد أن عقد هذا وقع في اليوم الفلاني ووقع عقد هذا بعده، وتعكس البينة الأخرى.
ومنشأ الخلاف هل زيادة العدالة تقوم مقام الشاهد الواحد، أو شاهدين؟ فالمشهور أنها تقوم مقام الشاهد الواحد، فلذلك يقضي بها في البيعدون النكاح.
ورأى سحنون أنها قائمة مقام شاهدين، فيقضي بها فيهما.
ويقول سحنون قال البرقي، واختاره عبد الحق.
وفي المسألة قول ثالث: أنه لا يقضي بالأعدل في البيع والنكاح.
وَلا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِ الْمَرأَةِ
يعني: لا عبرة بتصديق المرأة لأحدهما أنه الأول.
وعن أشهب: تصدق ما لم تدع الأرفع وأنكره أصبغ.
فائدة: وقع في المذهب مسائل كهذه يفيتها الدخول، ومسائل لا يفيتها الدخول.
فالأولى تسع: الأولى: هذه.
الثانية: امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل ثم يأتي زوجها بعد دخول الثاني فتفوت على المشهور.
الثالثة: الكافر يسلم على أكثر من أربع فيختار أربعاً ثم يجد الأربع أخوات أو محارم، فإنه يختار من البواقي ما لم يدخل على المشهور.
الرابعة: من أسلمت وزوجها كافر فتتزوج فينكشف أنه أسلم قبلها.
الخامسة: الرجعية يرتجعها زوجها في العدة وهي لا تعلم فتتزوج بعد انقضاء عدتها ثم يتبين أن زوجها كان ارتجعها قبل انقضاء العدة.
السادسة: المعتقة تحت العبد تختار نفسها وتتزوج، ثم يقوم زوجها ويثبت أنه عتق قبلها.
قال المصنف: فكزوجة المفقود.
السابعة: الأمة المتزوجة يطأها سيدها بعد انقضاء عدتها، وقد كان زوجها أشهد برجعتها ولم يعلم السيد.
الثامنة: امرأة الأسير يتنصر ويشك في تنصره هل طائعاً أو مكرهاً؟ فيفرق بينهما ثم تبين أنه كان مكرهاً.
التاسعة: إذا قال لها: إن غبت شهراً فأمرك بيدك، فغاب ثم طلقت نفسها وتزوجت ثم أثبت أنه قدم قبل الشهر، ابن عبد السلام: والمشهور أنها تفوت بالدخول.
وأما المسائل التي لا يفيتها الدخول فخمس، الأولى: إذا وكل رجلين على أن يزوجه كل واحد زوجة وكان له ثلاث زوجات.
الثانية: المنعي لها زوجها ثم تتزوج ويدخل بها زوجها الثاني، ثم يأتي الأول فإنها ترد إليه على المشهور.
الثالثة: الذي له زوجتان اسم كل واحدة منهما عمرة؛ فقال: عمرة طالق.
وادعى أنه لم يرد التي عنده وإنما يريد امرأة غائبة؛ ففرق [285/ أ] بينه وبين هذه ثم أثبت أن له امرأة أخرى تسمى عمرة.
فقال محمد: ترد
إليه ولو دخل بها الثاني.
الرابعة: التي تطلق لعدم النفقة ثم يكشف الغيب أنها أسقطتها عنه.
وفي معنى هذه الصورة إذا طلق على الغائب بعسر النفقة ثم قدم وأثبت أنه كان يبعث إليها النفقة، نص عليه أبو الحسن.
الخامسة: إذا تزوجت امرأة المفقود في أثناء العدة، أعني الأربعة أشهر وعشراً ففسخ ثم يتبين أن عدتها من المفقود قد انقضت قبل ذلك فإنها ترد إلى هذا الزوج وإن تزوجت ثالثاً فسخ نكاحه ولو بعد الدخول كالمنعي لها زوجها.
قاله أبو عمران وغيره.
وَإِذَا غَابَ الأَقْرَبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ
هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المصنف تكلم على غيبة الأقرب مطلقاً أباً كان أو غيره، ثم بين مقدار الغيبة في حق الأب، وهو الذي قاله ابن عبد السلام، ويحتمل أن يكون في غير الأب المجبر، وهو الذي قاله ابن راشد.
قوله: (غَيْبَةً بَعِيدَةً) مفهومه أنها لا تزوج في الغيبة القريبة وهو كذلك ويرسل إليه الحاكم، قاله مالك في الواضحة.
وفي سماع أشهب: كتب إلى ابن غانم في امرأة تطلب التزويج فتسأل هل لها ولي؟ فتذكر أن لها عماً أو أخاً على مسيرة الثلاث والأربع، وأنه في شأنه وضيعته، وتسأل أن يزوجها كفئاً.
إني أرى إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها وكفاءة من تدعو إليه أن تزوجها ولا تضرها غيبة وليها.
قيل: ففي هذه الرواية حد الغيبة.
وفي قوله: (إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها) بيان أنها غير مصدقة فيما تذكر من ذلك حتى تثبته، وكذلك قال في المتيطية أنها تثبت ذلك.
قوله: (زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ) نحوه في ابن شاس، وفيه نظر، وصوابه أن يقول: وقيل الأبعد، بغير أو لأن القائل يرى أن الولاية للولي فقط، هكذا نقل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما.
وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ مِثْلُ إِفْرِيقِيَّةَ لْغَيْرِ تِجَارَةٍ.
وَقِيلَ: مَا يُتَعَذََّرُ بِهِ الإِذْنُ.
وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ.
وَقِيلَ: لا يَصِحُّ مَعَ حَيَاتِهِ أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا.
وَقِيلَ: بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فُقِدَ ....
لغيبة أبي البكر ثلاثة أحوال: الأولى: أن يكون قريباً، قال في البيان: كعشرة أيام ونحوها.
فلا خلاف أنها لا تزوج في مغيبه وإن زوجت انفسخ النكاح زوجها الولي أو السلطان.
قاله في الواضحة، زاد في المتيطية عن ابن القاسم: يفسخ وإن ولدت أولاداً وإن أجازه الأب.
الحالة الثانية: أن تكون غيبة بعيدة كما قال في المدونة: مثل إفريقية والأندلس وطنجة لغير تجارة- قال في البيان: من مصر- فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أن الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك وإن كانت نفقته جارية عليها وإن لم يخف عليها ولا استوطن أبوها ذلك الموضع الذي هو فيه وهو ظاهر ما في العتبية.
وقد تأول على ما في المدونة من قوله فيها: وأما من خرج تاجراً وليس يريد المقام بذلك البلد فلا يهجم السلطان على ابنته، فإنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، وهو القول الثاني.
والقول الثالث: أنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، ويطول مقامه فيه العشرين سنة والثلاثين، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: أنها لا تزوج أبداً وإن طال مقامه فيه، وهو ظاهر قول مالك في الموازية وقول ابن وهب.
انتهى.
ففسر رحمه الله تعالى قول مالك: كإفريقية على أنها من مصر، واستبعده ابن عبد السلام، قال: لأن المسألة من كلام مالك في المدونة، ويحتمل أن يريد من المدينة.
واحترز بقوله: (لْغَيْرِ تِجَارَةٍ) مما لو خرج لتجارة فإنها لا تزوج؛ لأن الغالب فيها أن يرجع عاجلاً.
قال فضل في قول ابن حبيب: ولا أعلم هذا التحديد لغيره.
والقول بأنها لا تزوج مع حياته بحال لعبد الملك.
وهو مشكل لا سيما إن كانت محتاجة وخيف عليها.
قال في البيان: وهو مبني على قول ابن حبيب بجواز العضل.
وقوله: (وَقِيلَ: مَا يُتَعَذََّرُ بِهِ الإِذْنُ) أي: يكون بموضع لا ينفذ فيه كتاب حاكم الموضع الذي البنت فيه، ففي هذا يزوجها السلطان.
وهذا قول حكاه عبد الحق عن الإبياني.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ) ظاهره أنه قول في المسالة، وهو مقتضى كلام ابن يونس، لأنه قال: قال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه.
وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها على وجه في حياة الأب.
ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز.
ثم ذكر وجه كل قول.
وقال صاحب البيان وابن سعدون: لا اختلاف إذا قطع الأب عنها النفقة وخشي عليها الضياع أنها تزوج وإن كان ذلك قبل البلوغ.
وإنما اختلفوا فيمن يزوجها، فالمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان لأنه حكم على غائب.
وقال ابن وهب ومثله في الموازية: أن الولي يزوجها برضاها، والوجه في ذلك أن ولايته سقطت لتضييعه ومغيبه، فكان كالميت.
انتهى.
وانظر هذا الاتفاق الذي حكاه صاحب البيان فيما إذا قطع عنها النفقة مع قول عبد الملك: لا يجوز تزويجها مع حياة الأب وإن ضاعت واحتاجت وخيف عليها إلا أن يفسر الحاجة بالحاجة في غير النفقة.
والحالة الثالثة: أن يكون أسيراً أو مفقوداً، [285/ ب] فالمشهور أن الولي يزوجها وإن كانت نفقته جارية عليها ولم يخف عليها الضياع.
قال في المتيطية: وبهذا القول القضاء.
وقال عبد الملك: ليس لهم ذلك إلا بعد أربع سنين من يوم فقد.
وقال أصبغ: لا تزوج بحال.
وقوله: (فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا) هذا ظاهر ما في المتيطية؛ لأنه قال: قال بعض الموثقين: وإذا فرعنا على المشهور فينبغي أن يثبت الولي عند الحاكم طول غيبة الأب وانقطاع خبره والجهل بمكانه، وحينئذ يصح للولي إنكاحها.
ابن راشد: وفي الطراز: الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك.
فجعل ذلك للحاكم دون الولي، وهو الصواب، وأي فرق بين هذه والتي قبلها.
وفي البيان أنه اتفق في الأسير أن الحاكم يزوجها وإن كانت في نفقته وأمنت الضيعة عليها.
وأما إن كان الأب مسجوناً أو مجنوناً فليس هو كالغائب البعيد الغيبة وإن طال أمره؛ لأن خروجه وبرءه مرجو.
والمصنف رحمه الله تعالى يؤخذ من كلامه الثلاثة الأحوال، لأن قوله: (وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ) تصريح منه بالحالة الثانية، ويفهم منه أن أقل من ذلك لا يجوز تزويجها فيه، وهي الحالة الأولى.
قوله: (أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ) هي الحالة الثالثة والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْيِرِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَجَازَهُ كَالأَبِ، وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ عَلَى الأَصَحِّ وَلَوْ كَانَ شَرِيكاً بِخِلافِ بَيْعِهَا نَفْسَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ ....
اعلم أن للتعدي على الولي صورتين: إحداهما أن يتعدى الولي على أقرب منه.
والثانية أن يتعدى أجنبي على ولي.
ثم الولي المتعدي عليه إما مجبر أو لا.
صارت أربعة أقسام، وقد تكلم المصنف رحمه الله تعالى عليها كلهأ، يعني: إذا تعدى ولي على أب لم يجز النكاح ولو أجازه الأب.
ومثل الأب السيد في أنه لا يجوز نكاح غيره وإن أجازه السيد على الأصح.
وقيل: يجوز في الأمة لخفة الأمر فيها.
والأصح ومقابله روايتان.
وخرج اللخمي قولاً في الأولى بالإجازة إذا أجازه الأب من الأمة.
وليس بين لما قلناه من خفة الأمر في الأمة.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ شَرِيكاً) يعني أن غير السيد إذا زوج الأمة يفسخ النكاح، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون من زوجها له فيها ملك أم لا.
فرع:
إن بنينا على المشهور أنه لا بد من فسخه فإن فسخ قبل البناء سقط الصداق عن الزوج ورجع به إن استهلكته، أو بما نقص إن تجهزت به ولم يساوه الجهاز على الذي
زوجه إن غره ولم يعلمه أنه شريك، وإن فسخ بعده فإن أجازه الشريك فإنما له نصف المسمى وإن لم يجزه.
وفي معنى ذلك إن أجازه ولم يرض بالصداق، فالمشهور أن له الأكثر من نصف المسمى أو نصف صداق المثل، ويرجع الزوج بالزائد على الشريك الذي زوجها إن كان غره.
والشاذ لأشهب: إنما له نصف المسمى.
ابن المواز: ولا شيء للعاقد من الصداق إن غره إن قال هي حرة أو هي لي وحدي.
قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن رحمهما الله تعالى: وإذا رجع على الغارَّ بما دفع إليه ترك لها ربع دينار.
وقيل: لا يترك لها منه شيء.
وهذا إذا رضي الشريكان في الأمة بقسم المال وإن أبى أحدهما فعلى الزوج أن يكمل لها صداق المثل على المشهور ويكون بيدها، فإن اقتسماه رجع على الذي زوجه منهما بما استفضل في نصفه إن لم يكن غره، وبجميع الزيادة إن غره كما ذكرنا بخلاف بيعها فإنه يجوز إذا أجازه السيد لأنه بيع فضولي وهو يلزم عندنا بإجازة المالك كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والفرق بين النكاح والبيع أن الولاية مشترطة في النكاح لحق الله سبحانه وتعالى.
قوله: (نَفْسَهَا) يحتمل أن يقرأ بفتح السين وتكون هي البائعة، وبكسرها على البدل من الضمير المجرور وحينئذ يحتمل أن تكون هي البائعة أو غيرها.
وَفِيهَا: لَوْ زَوَّجَ ابْنُ أَوْ أَخٌ أَوْ جَدٌّ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ أَوْ أَمَتَهُ فَأَجَازَه جَازَ إِنْ كَانَ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِجَمْيعِ أُمُورِهِ ....
أتى بهذه المسألة لأنها كالمخالفة لما قبلها، إذ قد حصل فيها تزويج الأبعد مع وجود مجبر، وأمضاه في المدونة بإجازة الأب.
وقوله: (ابْنَتَهُ) أي بنت المجبر، وذكر فيها ثلاثة أولياء وسكت عما عداهم، وألحق ابن حبيب بهم سائر الأولياء إذا قاموا هذا المقام.
الأبهري وابن محرز: وكذلك الأجنبي لأنه إذا كانت العلة تفويض الأب فلا فرق.
وكلامه في المدونة يحتمل أن يكون مخالفاً لهما وأن يكون موافقاً لابن حبيب خاصة.
وفسر سحنون ما وقع في المدونة من الإجازة إذا أجازه الأب بأن معناه: إذا كان الأب غائباً.
حمديس: وإنما يجوز إذا أجازه الأب إذا كان قريباً ولم يطل.
وقال أبو عمران: لا يراعى في ذلك قرب ولا بعد وقد أجاز عبد الرحمن ذلك بعد أن قدم من الشام.
وانظر هل يجري فيها قول بأنه لا يجوز مطلقأً من النكاح الموقوف، وأما إن لم يجزه فإنه يفسخ وإن طال، وإن ولدت الأولاد.
واعترض فضل هذه المسألة بأن تفويض الأب لمن ذكر إما أن يدخل تحته نكاح الأبكار أو لا؟
فعلى الأول لا يحتاج إلى إجازة الأب إذ لم يتعد.
وعلى الثاني- وهو الصحيح- لا يجوز ولو أجازه كما في المسألة المتقدمة.
وإنما قلنا أن الثاني هو الصحيح لأن ابن أبي زيد رحمه الله تعالى نص على أن الوكيل المفوض لا ينكح البنت البكر ولا يطلق الزوجة ولا يبيع دار السكنى [286/ أ] ولا يبيع العبد لأن العرف اقتضى إخراج هذه الأربع.
وأجيب بأن المراد بالتفويض هنا التفويض العرفي لأن التفويض قسمان: تفويض نص عليه وحكمه ما تقدم، وتفويض عرفي وهذا حكمه؛ لأن الابن لما صار يتصرف والأب ساكت كان ذلك بمنزلة إطلاقه له التصرف في جميع الأشياء، وعلى هذا لا يحتاج إلى إجازته.
لكن لما كان العرف إخراج نكاح الأبكار تعارضا، فأجزناه إذا أجازه الأب لعلمنا أن الأب لم يخرج ذلك.
وفيه نظر؛ لأنه إذا كان المفوض بالنص ليس له أن يزوج فمن باب أولى أن يكون ذلك في المفوض له بالعرف إلا أن يقال أن المزوج هنا لقرابته لا يتهم ولأنه ولي في الجملة.
خليل: وينبغي أن تقيد إجازة الأب فيما إذا قال الأب: إنما أجزت النكاح لأني فوضت إليه جميع أموري، والنكاح من جملة ذلك.
وأما إن قال لم يخطر لي نكاح ابنتي ببالي في تفويضي إليه؛ فلا يجوز بإجازته، ونحوه للمتيطي.
وإذا أجاز الأب النكاح فلا بد من تضمين عقد الإجازة معرفة الشهود لتفويض الأب لولده لئلا يكون ذلك داعية إلى إجازة إنكاح من لا يجوز له العقد.
قال: ولو ادعى الزوج أن الابن أو الأخ إنما عقد النكاح بإذن الأب فعلى الزوج إثبات ذلك ويضرب له أجل ويوسع عليه فإن عجز حلف الأب على نفي دعواه، فإن حلف فسخ النكاح، وإن نكل ثبت النكاح.
واستدل المتيطي على وجوب اليمين بقول ابن القاسم في العتبية فيمن خطب امرأة فزوجها له وليها وأشهد له بذلك وأنكرت المرأة أن تكون علمت ورضيت أن الإشهاد إن كان بحيث يعلم أنها لا تعلم فلا يمين عليها وإن كان ظاهر.
بحيث يرى أنها عالمة فإنها تحلف ما وكلته ولا فوضت إليه، ولا شيء عليها، وإن لم تحلف لزمها النكاح.
وكذلك روى ابن القاسم في امرأة زوجها أخوها وأمها ثم ماتت الأم فطلب الزوج الدخول فقال الأخ: لا زوجة لك؛ لأن أختي لم تكن علمت.
وأنكرت الزوجة، قال: إن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت هي وأخوها وفرق بينهما.
وَتَزْوِيجُ السُّلْطَانِ مَعَهُ كَالأَبْعَدِ مَعَ الأَقْرَبِ لا كَالْمُسَاوِي عَلَى الأَشْهَرِ
الضمير المخفوض بمع عائد على الأقرب.
قوله: (كَالأَبْعَدِ) أي: فيأتي فيها من الخلاف ما يكره بعد هذا إذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب، ومقتضى كلامه أن مقابل الأشهر يجعل السلطان كالمساوي للأب، ولم أر هذا النقل.
وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام.
وكثيراً ما سألت عنه فلم أجد علماً به عند من سألته.
انتهى.
ويحتمل أن يريد بمقابل الأشهر أنه ليس كولي الأبعد، بل يفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده، ويكون قوله: (لا كَالْمُسَاوِي) متفقاً عليه، ويكون الأشهر أنه يمضي، ومقابله يفسخ على كل حال، وهذا الوجه وإن كان بعيداً من لفظه فهو أقرب من الأول.
على أني لم أر من قال: إن السلطان مع الأب كولي أبعد.
وقد قدمنا عن ابن حبيب أن السلطان إذا زوجها في غيبة الأب الغيبة القريبة أن النكاح مفسوخ، وأن ابن القاسم قال: يفسخ وإن ولدت الأولاد.
ورأيت في بعض التعاليق أنه اختلف في تقديم السلطان على أحد من ذوي النسب البعيد كابن العم تلتقي معه في جد بعيد، فذكر قولين.
والله تعالى أعلم.
فإن لَمْ يَكُنْ مُجْبِرُ فَفِيهَا: لَمْ يَرُدَّ، وَفِيهَا: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: لَهُ الرَّدُّ مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا.
وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ ....
المشهور هو الأول.
عياض: ومشهور المذهب منعه ابتداءً، وتأول بعضهم المدونة على الجواز ابتداءً، وهو يحتمل أن يكون مبنياً على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، ويحتمل أن يكون مبنياً على أن تقدمة الأقرب من باب الأوجب، ولكن أمضاه بعد الوقوع مراعاةً للخلاف أو للتطلع على العورات.
والقول بنظر السلطان حكاه سحنون عن بعض الرواة، وأشار إلى أنه مبني على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، وقال: النظر على هذا القول إنما هو إذا ادعى الأقرب أنها وضعت نفسها في دناءة ولو اعترف بأنها إنما تزوجت كفؤاً لم يفتقر فيه لنظر السلطان.
والقول بالفسخ ما لم يبن لابن الماجشون وابن حبيب، والقول بالفسخ ما لم يتطاول لمالك في الثمانية، واختصر فضل الواضحة عليه، وزاد في المتيطية قولاً خامساً بالفسخ مطلقاً للمغيرة.
وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على أن تقديم الأقرب من باب الأوجب، فمن قوي عنده الوجوب ولم يلتفت إلى غيره قال بالفسخ مطلقاً، ورأى القائل بالفسخ ما لم يدخل
أنه بالدخول يحصل التطلع على العورات، ورأى القائل الآخر أنه إنما يقوى الضرر بالتفرقة إذا طال الأمر بينهما وولدت الأولاد.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم قولاً آخر إن كان الأبعد كالأخ للأب مع أخ شقيق مضى وإن كان كابن عم مع أخ رد؛ وأخذه من المدونة.
وعلى الإمضاء فإن أثبت الأقرب أن الزوج غير كفء فله في ذلك مقال؛ فإن أثبت الأبعد الكفاءة ففي احكام ابن زياد أن شهادة من شهد بعدم الكفاءة أتم، وليس على الحاكم أن [286/ ب] يسأل الشهود من أين علموا عدم الكفاءة.
وقيل: يقضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كان الجرح أولى.
وقيل: يسقطان وينظر الحاكم في ذلك.
وفي أحكام ابن حذير عن جماعة من الشيوخ: إن بين الشهود الحال التي كان بها غير كفء كانت شهادتهم أولى، وإن شهدوا مجملاً كانت شهادة الآخرين أولى.
بعض الموثقين: الذيجرى به الحكم أنه إن كانت إحدى البينتين أعدل حكم بها.
وبه قال سعيد بن أحمد وابن زرب وغيرهما.
وقوله: (وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ) يعني أن الخلاف المتقدم إنما هو في ذات القدر؛ لأن النكاح قد انعقد بولي، وليس على القريب وصم في وليته الدنية؛ لأن كل واحد كوليها، والله أعلم.
وَفِيهَا: وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَته ثُمَّ أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهَا جَازَ وَإِنْ كَرِهَ وَلِيُّهَا
أي: من النسب، فيشمل الابن وغيره.
واقتصر في المدونة على الولد؛ لأنه إذا جاز مع الولد فمع غيره أولى.
وقوله (جَازَ) يحتمل الإقدام ويحتمل مضي النكاح، وهو الأقرب لأن سائر أولياء النسب مقدمون على المعتق.
وقد تقدم أن الأولياء إذا كانوا في درجة ليس لأحدهم أن يعقد ابتداءً إلا بموافقة من استوى معه، وإذا كان ذلك مع التساوي فمع القرب أولى.
وذكر المصنف هذه المسألة بإثر الأولى؛ لأنها من فروعها إذ هي من تزويج الأبعد مع وجود الأقرب.
ولقائل أن يقول: هذه المسألة أخف من التي قبلها؛ لأن هذه المعتقة من الدنيات ولسيدها له عليها بقية سلطنة الملك، وهو أولى الأكفاء لها، وعلى هذا فلا يمكن إجراء الخلاف المتقدم فيها، والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَجْنَبِيَّ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ فَكَذَلِكَ
لما تكلم على صورتي تعدي الولي على ولي أقرب منه تكلم على تعدي الأجنبي.
وقوله (فَكَذَلِكَ) أي لا يجوز ولو أجازه الأب، والأليق بطريقة المصنف ألا يذكر هذا؛ لأنه إ ذا لم يجز نكاح الأبعد مع وجود المجبر فلأن لا يجوز نكاح الأجنبي مع وجود المجبر من باب أولى، لكن قصد رحمه الله تعالى الكلام على جميع الأقسام.
وَلا مُتَكَلِّمَ لأَحَدٍ الوليين عَلَى الآخَرِ فِي الْمُعْتَقَةِ
إيراده لهذه المسألة هنا غير مناسب، وهي من فروع قوله: (وإذا كان الأولياء في درجة فإذا بادر أحدهم صح).
وما ذكره المصنف نص عليه في المدونة.
وقال جماعة: الصواب أن مجموع المعتقين منهما هو الولي لا أحدهما كالشريكين بخلاف الأخوين؛ لأن كلا من المعتقين إنما له نصف الولاء ولا يرث إلا النصف، وهو ظاهر.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِراً وَهِيَ ذَاتُ قَدْرٍ فَقَالَ مَالِكُ: مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ وَتَوقَفَ إِذَا أَجَازَهُ الْوَلِيُّ بِالْقُرْبِ.
وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ إِجَازَتُهُ ورَدُّهُ مَا لَمْ يَبْنِ بها.
وقَالَ أَيْضاً: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ وإِلا رَدَّ مَا لَمْ يطل بَعْدَ الْبِنَاءِ.
وقِيلَ: يَرُدُّ.
وقِيلَ: يَمْضِي.
وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا عُوقِبَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَالْمُنْكِحُ وَالشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا ..
يعني: أن الأجنبي إذا زوج مع ولي غير مجبر فإما أن تكون المرأة ذات قدر أو دنية، فذكر المصنف في ذات القدر خمسة أقوال: أحدها: أنه ماض مطلقاً، حكاه عبد الوهاب
عن مالك.
والثاني لسحنون: يفسخ أبداً.
اللخمي: يريد وإن تطاول بالأولاد.
وهذان القولان هما اللذان ذكرهما المصنف آخراً.
والثالث: الوقف إذا أجازه الولي بالقرب، وهو قول مالك.
قال في المتيطية: قال ابن سعدون: يعني توقف مالك في فسخه وفي إجازته.
وقال أبو عمران: إنما توقف في إجازته ولم يتوقف في فسخه، وإنه مفسوخ، ونحوه للباجي واللخمي.
انتهى.
والقول الرابع لابن القاسم أن الخيار للولي في فسخه وإمضائه ما لم يدخل.
والقول الخامس له أيضاً، وإليه أشار بقوله: (وقَالَ أَيْضاً: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ) ابن القاسم قاله في المدونة، وقاله مالك وزاد فيه قيداً آخر في المدونة وقال: ما لم تطل إقامته معها وتلد الأولاد.
واختلف الشيوخ في فهم هذا القول، فقال ابن التبان: إن كان قبل البناء بالقرب فللولي إجازته وفسخه وإن طال قبل البناء فليس إلا الفسخ وإن كان بقرب البناء فللولي أيضاً فسخه وإجازته، وإن طال بعد البناء فليس للولي فسخه وعليه اقتصر ابن يونس.
قال عبد الحق: وقال غير ابن التبان أنه يخير قبل البناء وإن طال على مذهب ابن القاسم.
واعلم أن المصنف لم ينقل كلام ابن القاسم على ما هو عليه في المدونة بل زاد فيه قوله: (وإِلا رَدَّ) هذه الزيادة إنما تأتي على فهم ابن التبان؛ لأن قوله يقتضي تحتم الفسخ مع الطول قبل البناء.
ولنذكر كلامه في المدونة ليتبين لك ذلك، قال فيها: قال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز سواء دخل الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان صواباً.
وقاله مالك.
وذكر في المدونة سادساً، فقال: وقال عنه ابن وهب أنه يفرق بينهما بطلقة دخل بها الزوج أم لا، إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
تنبيه: ما ذكره المصنف في القول الأول من قوله: (مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيِّ) [287/ أ] هو كذلك في المدونة، لكنه لم يذكر ذلك عند ذكره هذه الأقوال وإنما ذكره
لما تكلم على النكاح الذي يفسخ بطلاق والذي يفسخ بغير طلاق، وهو مشكل؛ لأن الفسخ لا يقال فيه أحب إلي، إلا أن يقال أنه توقف لتعارض الأدلة.
واستحب الفسخ خروجاً من الخلاف، وليستأنف عقد بولي لا خلاف فيه.
اللخمي: وجميع الخلاف الذي في هذه المسألة راجع إلى ثلاثة أقوال: هل تقدمة ولاية النسب على ولاية الإسلام من باب الأولى؟ أو هي حق له أو لله؟ فأمضاه مرة بناء على أنه أولى ومرة رآه حقاً له فخيره في الفسخ والإمضاء، ورأى مرة أن الحق لله ففسخه مطلقاً ووقف مرة لتعارض الأدلة عنده هل ذلك حق له أو لله سبحانه؟
وقوله: (وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا ... إلى آخره)، قال فيها: قيل لمالك: من زوج امرأة بغير إذن ولي بشهود أيضرب أحدهم؟ فقال: أدخل بها؟ قال: لا.
وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا، قال: لا عقوبة عليهم.
ابن القاسم: إلا أني رأيت فيها لو دخل بها لعوقبت المرأة والزوج والذي أنكح، ويؤدب الشهود أيضاً إن علموا.
ومعنى قوله: (وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا) أي: أنكروا أن يكونوا علموا أن هذا النكاح لا يجوز بدليل قوله: (وَيُؤَدَّبُ الشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا).
هكذا قال أبو الحسن في معنى المدونة، وجعل بعضهم فاعل أنكر عائداً على مالك؛ أي: وأنكر مالك أن يكون الشهود حضروا مثل هذا.
وقيد الباجي عدم عقوبتهم قبل البناء بما إذا كان النكاح مشهوراً.
وقوله: (عَلِمُوا) يضبط بالبناء للفاعل لا بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأنهم إذا علموا ولم يكن عندهم علم لا يعاقبون، وقد صرح في الجلاب بذلك.
اللخمي: وأرى ألا عقوبة على الزوجين إن كانا من أهل الاجتهاد، وذلك مذهبهما، أو كانا يريان تقليد من يرى ذلك أو كانا يجهلان أو يظنان أن ذلك جائز، وكذلك البينة ينظر إلى مذهبها أو من تقلد به.
وَالْمُعْتَبَرُ الأَقعَدُ خَاصَّةً
هذا كما قال في المدونة: وإذا استخلفت على نفسها رجلاً فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر، فلما علما أجازه الأقعد فلا قول هنا للأبعد بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد لأن ذلك نكاح عقده ولي، وهذا نكاح عقده غير ولي، فلا يكون فسخه إلا بيد الأقعد.
فَإِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً؛ فَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَخَفُّ
هذا قسيم قوله أولاً (وهي ذات قدر) يعني: وإن كانت دنية فقال مالك: هي أخف.
وظاهره فيما إذا زوج الأجنبي مع وجود الولي.
ومعنى أخف أنه يمضي، وهذا هو المشهور.
ففي التنبيهات: أما الولاية العامة وهي ولاية الإسلام فلا خلاف عندنا أن الخاصة من النسب أو الحكم مقدمة عليها وأنها مع عدمها ولاية صحيحة.
واختلف مع وجود الخاصة فهل تكون العامة ولاية يصح بها العقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: المشهور أنها غير ولاية في الشريفة دون الدنية، وهو مذهب ابن القاسم وروايته.
الثاني: أنها غير ولاية فيهما، وهي رواية أشهب وقول ابن حبيب.
والثالث: أنها ولاية فيهما، حكاه عبد الوهاب، وهو ظاهر رواية ابن وهب عن محمد.
والمسألة في المدونة مفروضة إذا لم يكن لها ولي، ففيها: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسالمة ولاسوداء والمسكينة أجنبياً فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه، أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك، وكذلك إن وكلت من أسلمت هي على يديه وذلك فيمن أخف منه في ذوات القدر، وأما إن أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى يكون لها من القدر والغنى والإباء في الإسلام وتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كأجنبي فيها.
وقوله (ولا ولي لها) ظاهره مثل رواية أشهب عن مالك أن الدنية وغيرها لا يزوجها إلا الولي أو السلطان.
الأبهري: وإليه رجع مالك.
وما ذكرناه من نص المدونة هو الذي اختصره المختصرون وليس في الأمهات: يعسر عليها تناوله، وإنما هو في الموازية وعليه اختصر أبو محمد، وأنكر ابن الماجشون هذه الرواية وقال: لا يجوز للدنية ولا غيرها أن يزوجها إلا الولي إلا أن تكون مثل المرأة الأعجمية الوغدة قد ساندت الرجل ذا المال والنعمة حتى صار لها كنفاً يأخذ لها القسم ويجري عليها النفع فإن له تزويجها إذا لم يكن لها ولي، وأما ذات النعمة والحال والنسب فلا.
ابن عبد السلام: وأما ما حكاه بعض الشافعية عن مالك أن للدنية أن تزوج نفسها فغلط بين لا شك فيه.
وَقَالَ فِي الْمَكْفُولَةِ الْمُرَبَّاةُ: وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً.
وَقِيلَ: كَذَاتِ الْقَدْرِ .....
يعني: أن الدنية قد يكون الأجنبي فيها كالولي بل أولى منه، لأن معنى قوله: (وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ) لا أحد أنظر لها منه.
عياض: يعني بعد بلوغها ورضاها.
قال في الواضحة: وذلك إذا مات أبوها وغاب أهلها، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة أنها غير ذات أب، وأنه من باب إنكاح الكافل والمربي لليتيمة، ولا يرون أن المكفولة يزوجها الحاضن في حياة أبيها، وذهب ابن العطار وابن زرب إلى أن للحاضن أن يزوجها في حياة الأب إذا كان غائباً ولا يكون [278/ ب] إنكاحهن إلا برضاهن، خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين، وتأول على المدونة أنه يكون بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه.
انتهى.
وظاهر المدونة أنه أحق من الأخ ونحوه، وبه قال ابن عيشون، فإنه قال: والكافل أحق من أخيها لأبيها وامها.
وفي البيان: المشهور المعلوم من المذهب أن الولي أحق بالنكاح من الحاضن إلا أن يكون الحاضن وصياً.
ابن عبد السلام: هل الكافل أحق من سائر الأولياء كان لها أب أم لا؟ أو إنما يكون أحق بها فيما عدا الأب؟ قولان، قال: واختلف في المرأة الكافلة هل تكون كالوصية فتقدم من يزوج أو لا؟ واقتصر ابن راشد وغيره على أن المرأة ليس لها أن توكل.
ابن راشد: وهي في ذلك بخلاف الرجل.
وذكر ابن راشد في موضع آخر أنه اختلف في الرجل الكافل هل له أن يوكل أم لا؟ وكذلك اختلف في الكافل إذا زوج المكفولة ثم يموت زوجها أو يطلقها هل تعود ولايته عليها؟ فقال ابن عتاب: تعود.
وقال ابن القطان: لا تعود.
وقال ابن الطلاع في وثائقه: إن كان خيراً فاضلاً عادت، وإلا لم تعد.
ابن عبد السلام: وقيل: إن عادت إلى كفالته عادت ولايته وإلا فلا.
فرعان:
الأول: ذكر بعض الموثقين أن حد الكفالة التي توجب للكافل عقد النكاح عشر سنين.
أبو الحسن: وعندي أنه لا حد لذلك إلا ما يرى أنه يوجب من الحنان والشفقة مثل ما للولي أو يقرب.
ونقل عن الشيخ أبي محمد صالح أن أقلها أربعة أعوام.
الثاني: اختلف في ولاية الكفالة هل هي عامة في الشريفة والدنية أو خاصة بالدنية؟ وهو ظاهر المدونة، لقوله: وأما كل امرأة لها بال وغنى وقدر فإن مالكا قال: لا يزوجها إلا وليها أو السلطان.
وقياس قول مالك في إجازة نكاح الكافل أنه يجوز بيعه له، لكن نص مالك في كتاب القسم على أنه لا يجوز بيعه له ولا قسمته عليه، وأجاز في كتاب القسم قسم ملتقط اللقيط عليه ومنع ذلك أصبغ.
قوله: (وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً) ابن عبد السلام: يعني أنه لا يحتاج في تزويجا لأجنبي من لا قدر لها أن يكون كافلاً.
فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِباً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْحَاكِمُ كَالْوَلِيِّ، ويَبْعَثُ إِلَيْهِ فِيمَا قَرُبَ، وَعَنْ مَالِكٍ: ينظر الْوَلِيُّ مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ ....
يعني: فإن زوج الأجنبي وكان الولي غائباً وهذه المسألة ذكرها في المدونة فيما إذا كان لها وليان ففيها: وإن غاب الأقرب وأراد الأبعد فسخه نظر السلطان، فإن كانت غيبة الأقرب قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل، وإن كانت غيبة بعيدة فنظر السلطان كنظر الغائب في الرد والإجازة وكان أولى من الولي الحاضر.
اللخمي: وإذا كتب الغائب في الغيبة القريبة وقف الزوج عن المرأة.
الباجي: وكتب مالك إلى ابن غانم أن السلطان لا ينظر فيه إلا أن يقوم الولي فيطلب الفسخ إلا فيما تطاول مع الأولاد، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف.
اللخمي: ولمالك في الموازية أن السلطان لا ينظر- قربت غيبة الولي أو بعدت- حتى يقدم الولي، فإن قدم وخاصم وكانت المرأة ممن لها العشيرة وأهل البيوت لم يجز ذلك إلا في شيء قد فات وتزوجها كفء.
وقال مالك أيضاً: للمرأة إذا كان الولي غائباً أن تأمر رجلاً يزوجها فيجوز ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة.
قيل له: ولا ترفع إلى السلطان.
قال: ليسكل امرأة تقدر أن ترفع إلى السلطان.
وَلا وِلايَةَ لِرَقِيقٍ عَلَى ابْنَتِهِ ولا غَيْرِهَا، وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ ولِمُوَكِّلِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ .....
للولي ثمانية شروط، ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما، فالستة أن يكون حراً، بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حلالاً، مسلماً، أعني: إذا كانت وليته مسلمة، لأن الكافر يجوز أن
يعقد نكاح وليته الكافرة لمسلم.
والاثنان المختلف فيهما: أن يكون رشيداً، عدلاً.
وتكلم المصنف عليها كلها.
ومراده بالرقيق: القن، ومن فيه عقد حرية، وإنما قال: (ولا غَيْرِهَا) ولم يقتصر على البنت؛ لأن ولاية البنت إجبار، فقد يتوهم أنه إنما منع من الإجبار، فإن تولى العقد فقال مالك: يفسخ- ولو ولدت الأولاد- بطلقة، ولو أذن له الولي أو كانت دنية.
ويتخرج فيها قول آخر أنه يفسخ بغير طلاق للغلبة على فسخه.
أصبغ: ولا ميراث في النكاح الذي تولى العبد عقده وإن فسخ بطلقة لضعف الاختلاف فيه.
قال فيها: ولا يقدم المكاتب من يزوج إماءه.
وقوله: (وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ) يعني أن الشروط إنما تعتبر من جهة ولي الزوجة.
وقوله: (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعود على قوله: (لِمُوَكِّلِهِ) وإنما جاز ذلك لأنه أمر خفيف ولا مضرة على السيد فيه، ويحتمل أن يرجع إليه وإلى موكله؛ لأن عقده أيضاً على نفسه صحيح، وإنما يتوقف أيضاً على إجازة السيد.
وَلا صَبِيٍّ، ولا مَعْتُوهٍ
لاشتراط البلوغ والعقل.
وَتَنْتَقِلُ إِلَى الأَبْعَدِ
أي: إذا كان الأقرب صبياً أو رقيقاً أو مجنوناً.
وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ولا امْرَأَةً غَيْرَهَا، بَلْ تلي عَلَى عَبْدِهَا وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْهِ .....
لاشتراط الذكورية.
وما ذكره من أنها تعقد على عبدها أو (وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْه) أي: تقبل لهما، هو قول ابن القاسم في العتبية والواضحة، وهو المشهور المعروف، [288/ أ] وحكى عبد الوهاب قولاً بأنها لا تقبل للذكر وكذا العبد في القولين.
وَتُوَكِّلُ الْمَالِكَةُ وَالْمُعَتِقَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
لا إشكال في هذا في المالكة والوصية، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وصية على أيتام، فكانت تختار الأزواج وتقدر الصداق، ثم تقول: اعقدوا فإن النساء لا يعقدن.
وما ذكره المصنف قرره ابن راشد ونص عليه ابن شاس وابن فتحون في وثائقه والمتيطي وابن بطال في أحكامه.
عياض: قوله- يعني في المدونة- في المرأة: إذا وكلت رجلاً يزوج وليتها جاز، فإن معناه عند أكثر أئمتنا: مولاة لها أو من تلي عليها بإيصاء.
ونقله ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين من الموثقين وغيرهم.
ابن عبد السلام: والصواب أن الولاية لأولياء المعتقة دون من تقدمه هي في حياتها ودون ابنها بعد موتها، وذلك بين من الموطأ وكلام المتقدمين، وقد عرضته على من يوثق به من أشياخي فوافق عليه.
انتهى.
وَيُوَكِّلُ الْعَبْدُ الْمُوصَى إِلَيْهِ
هكذا نقل الباجي عن مالك.
وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ بِلا وَلِيَّ فِي الْجَمِيعِ ولَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ والْوِلادَةِ بِطَلاقٍ عَن ابْن الْقَاسِمِ، وبِغَيْرِ طَلاقٍ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ...
يعني: أن النكاح إذا انعقد بين الزوجين من غير ولي ولا أجنبي، فلا بد من فسخه أجازه الولي أم لا، طال أو لم يطل، وسيأتي مأخذ القولين في فسخه هل بطلاق أم لا؟
وَالإِحْرَامُ مِنْ أَحَدِ الثَّلاثَةِ مَانِعٌ
(الثلاثة) هي الزوج والولي والزوجة.
وَالْمَشْهُورُ أَنََّ كفر الْجِزْيَةِ يَسْلُبُ مِنَ الْوَلِيِّ الْوِلايَةَ عَنِ الْمُسْلِمَةِ كَغَيْرِهِ
مقتضى كلامه أن المسلمة إذا كان لها ولي كافر فإن لم يكن من أهل الجزية كالمرتد، والحربي فلا ولاية له باتفاق، وإن كان من أهلها فالمشهور كذلك.
وقيل: له الولاية.
والمقطوع به من المذهب أن الكافر لا ولاية له على المسلمة أصلاً، وقد حكى ابن بشير على ذلك الاتفاق.
وفي قول المصنف (كفر الْجِزْيَةِ) نظر؛ لأن المشهور عندنا أن كل كافر تؤخذ منه الجزية إلا المرتد، فليس لنا كفر لا تؤخذ فيه الجزية.
ابن راشد: وأخبرني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن الشيخ أبي عبد الله الزواوي أنهم وجدوا في بجاية كتباً لبعض الأندلسيين وفيها أن الكافر من أهل الجزية تكون له الولية أو قال: له البنت المسلمة فإنها لا تزوج بغير أمره ورضاه.
قال: ورأيت بعد ذلك المسألة في أحكام ابن بطال، ونص كلامه: قال ابن حبيب وغيره: لا يجوز للنصراني إذا كانت له بنت مسلمة أو أخت كذلك أن يزوجها ولا يستخلف من يزوجها ولا يطلب في ذلك رضاه، وليس هو ولي في حال نصرانيته، فإن جهل وزوج ابنته المسلمة أو استخلف مسلماً زوجها فسخ النكاح أبداً قبل البناء وبعده.
وقال أصبغ: إنما لا يجوز للنصراني أن يزوج أخته المسلمة إذا كان من أهل الصلح، وأما من يصير ميراثه للمسلمين منهم إذا مات فهو يزوجها، وهذا مراد المصنف.
انتهى.
الباجي عن ابن القاسم: ولا يعتبر رضا الكافر في تزويج ابنته المسلمة.
وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ عَلَى الْمَشْهُورِ
مراده بالعكس أن يكون الولي مسلماً والمرأة كافرة، فلا ولاية لمسلم عليها على المشهور.
واختلفت طرق الشيوخ في نقل هذه المسألة، فمنهم من نقل مثل المصنف أن
المشهور سقوط الولاية، والشاذ ثبوتها.
ومنهم من حكى ثلاثة أقوال: هذين القولين، والفرق، فيزوجها من مسلم ولا يزوجها من كافر، وهو قول ابن وهب.
وقال ابن حبيب: يزوجها من نصراني إذا لم تكن من نساء أهل الجزية.
وحكى في البيان في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: إن كانت من أهل الصلح لم يكن له أن يزوجها، وإن لم تكن من أهل الصلح جاز، كان عليها جزية أو لا، وهو قول مالك في العتبية على ما فسره ابن القاسم.
الثاني: لا يجوز له أن يزوجها كانت من أهل الصلح أو لم تكن، كانت عليها جزية أو لم تكن، وهو قول ابن القاسم، لأنه قال لا يزوج المسلم النصرانية كانت بنته أو أخته أو مولاته.
والثالث: له أن يزوجها، كانت من أهل الصلح فيكونوا أولى بتزويجها منه إن شاحوه؛ لأنهم إنما صالحوا وبذلوا الجزية على أن يخلى بينهم وبين نسائهم، وهو قول ابن القاسم في سماع زونان.
وذهب ابن لبابة إلى أنه لا اختلاف في هذه المسألة، وأن أقوالهم ترجع إلى أنها إن كانت ممن عليه الجزية فلا يزوجها المسلم كانت من أهل الصلح أو لم تكن، وإن لم تكن عليها جزية فيزوجها.
ويحمل ما وقع في القول الثاني على المولاة التي أعتقها وهو نصراني، ويحمل ما في سماع زونان على أنها معتقة لمسلم.
إِلا الْمُسْلِمَ فِي أَمَتِهِ ومُعْتَقَتِهِ
قوله: (إِلا الْمُسْلِمَ فِي أَمَتِهِ ومُعْتَقَتِهِ) هو المشهور، وعن أبي مصعب لا يزوج أمته النصرانية، وخرجه اللخمي في المعتقة.
عياض: ولا يلزم إذ قد تكون علة أبي مصعب ألا يعقد نكاح أمته لنصراني بخلاف عقد نكاحه للمعتقة من مسلم.
اللخمي: والقياس في الأمة المنع.
فإن قيل: إنما جاز في الأمة لأنها ماله.
قيل: النكاح يفتقر إلى ولاية بدليل أنها لو كانت لعبد أو امرأة لم يجز لهما أن يعقدا.
والمشهور هنا [288/ ب] شبيه بالمشهور في سقوط الجزية عن معتق المسلم كما تقدم.
وَعَلَى السَّلْبِ يُزَوِّجُ الْكَافِرَةَ ولِيُّ كَافِرُ ثُمَّ أَسَاقِفَتُهُمْ لِكَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ
أي: وعلى المشهور من سلب ولاية المسلم عن وليته الكافرة يتولى العقد عليها وليها الكافر.
وما ذكره المصنف من أنه يعقد وليها الكافر لمسلم نص عليه في المدونة.
خليل: وانظر ما معنى العطف بقوله (ثُمَّ أَسَاقِفَتُهُمْ) وإن كان المصنف قد تبع ابن شاس ونحوه لأصبغ إذا أنا لا نتعرض لهم في أحكامهم إلا أن يكون عندهم أن الولي يقدم على الأساقفة، فعطف بـ (ثُمَّ) على ما هو الواقع عندهم.
قالوا: ولا يتولى السلطان ذلك إذا لم يكن لها ولي، ويجبر أهل دينها على ذلك إن دعت إلى كافر لأنه من التظالم، ولم يجبرهم على إنكاحها من مسلم.
فَإِنْ عَقَدَ لَهَا وَلِيُّهَا الْمُسْلِمُ لِكَافِرٍ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ
لأنا لم نتعرض لهم في الزنا إذا لم يعلنوه، فأحرى النكاح.
ابن القاسم: وقد ظلم المسلم نفسه لما أعان على ذلك.
فرع: وأما إن عقد لها على مسلم فإنه يفسخ.
وقال أصبغ: لا يفسخ.
وَاخْتُلِفَ فِي السَّفِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَعْقِدُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
وقَالَ أَشْهَب: يَعْقِدُ إِنْ كَانَ ذَا رَايٍ إِذَا لَمْ يُوَلََّ عَلَيْهِ.
وقَالَ ابْنُ وَهْبِ: يَعْقِدُ وَلِيُّهُ، فَإِنْ عَقَدَ فَلَهُ إِجَازَتُهُ ورَدُّهُ ....
حاصله أن ابن وهب رأى أن الحجر عليه يمنع من عقد النكاح.
واتفق ابن القاسم وأشهب على أن له الولاية، ثم اختلفا، فقال ابن القاسم في الموازية: لا يستقل بها ولكن
يعقد بإذن وليه.
زاد الباجي في قوله: إلا السفيه الضعيف فهو كالميت.
وقال أشهب في العتبية: يتولى العقد بشرطين: أن يكون ذا رأي، وأن يكون مهملاً لا وصي عليه ولا تحجير من جهة الحاكم.
ونقص المصنف من قول ابن القاسم ولا السفيه الضعيف، والمراد بالسفيه الضعيف هو الذي لا رأي له، ونقص أيضاً من قول ابن وهب أمرين: أحدهما أنه قال بإثر ما نقله المصنف عنه: ويستحب للولي أن يحضره ولا تضر غيبته.
وثانيهما أنه قال: وإن لم يكن له ولي فإنكاحه ماضٍ إن كان صواباً.
محمد: وقوله صواب، إلا قوله: فإن لم يكن له ولي جائز، وذلك سواء كان له ولي أم لا، ينظر فيه بالاجتهاد فيرد أو يجيز، وذكر ابن مغيث في وثائقه عن أشهب أن إنكاح السفيه لوليته جائز، وإن كان مولى عليه.
الباجي: ففرق ابن وهب بين المحجور عليه وغيره، وسوى محمد بينهما وقال: لا يرد إلا بوجه بين.
ابن زرقون: وقال أبو مصعب في المحجور عليه أن النكاح فاسد، يفسخ قبل البناء وبعده، وهو راجع للاختلاف في النكاح الموقوف.
وَالْمَشْهُورُ أَنََّ الْفِسْقَ لا يَسْلُبُ إِلا الْكَمَالَ
الباجي: مذهب مالك وأبي حنيفة أن الفسق لا ينافي الولاية.
وفي اللخمي: أجاز ابن القصار أن يكون فاسقاً.
وكرهه عبد الوهاب مع وجود عدل وإن عقد جاز، والشاذ حكاه ابن شاس ولم أره إلا أن ابن بشير قال: هل يصح أن يكون الفاسق ولياً أم لا؟ وذكر اللخمي القولين، والذي في المذهب الخلاف في كونها شرطاً في الكمال لا في الإجزاء، ولعل هذا الخلاف في شهادة لأن من الناس من لا يرضى لوليته إلا بما يعود لصلاحها لا نفقته وحميته، ومنهم من لا يلتفت إلى ذلك، والذي رأيته في اللخمي هو ما قدمته.
ابن عبد السلام: وبقي في تصوير المشهور أن سلب الكمال إن أريد به تقديم الأبعد العدل على الأقرب الفاسق فبعيد، وإن أريد رجحان العدل المساوي في القرابة على مساويه الفاسق فيها فقريب.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الزَّوْجِ الْعَبْدَ، والصَّبِيِّ والْمَرْأَةَ والنَّصْرَانِيَّ عَلَى الأَصَحِّ، بِخِلافِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ لا يُوَكِّلُ إِلا مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لَوْ كَانَ وَلِيّاً ....
يعني: يشترط في توكيل ولي الزوجة أن يصلح أن يكون ولياً، وأما الوكيل من جهة الزوج فلا يشترط فيه ذلك على الأصح.
وقيل: يشترط في وكيله ما يشترط في وليها.
وأنكر بعضهم وجوده في المذهب.
ابن شاس: ثم يقول الولي للوكيل بالقبول: زوجت من فلان.
ولا يقل زوجتك.
وليقل الوكيل: قبلت لفلان.
ولو قال قبلت لكفى إذا نوى بذلك موكله.
وَلابْنِ الْعَمِّ والْمُعْتَقِ والْحَاكِمِ ووَكِيلِهِمْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالإِذْنِ لَهُ مُعَيَّناً عَلَى الْمَشْهُورِ ....
لم يثبت في كل النسخ قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) وهي زيادة صحيحة، ثم هي يحتمل أن تعود إلى قوله (يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ) ويحتمل أن يعود إلى قوله (مُعَيَّناً).
وحكى اللخمي عن المغيرة منعه إلا أن يوكل غيره يزوجها منه.
وعلى المشهور ففي الجلاب: فينبغي للولي أن يشهد على رضاها احتياطاً من منازعتها، فإن لم يشهد على ذلك والمرأة مقرة بالنكاح فهو جائز، ولفظ ذلك أن يقول لها: قد تزوجتك على صداق كذا وكذا وترضى به.
وقد تقدم أن المشهور: ليس له أن يزوجها من نفسه إلا أن تأذن له معيناً، وأن في المذهب قولاً آخر: أن له ذلك وإن لم تعين.
والاحتمال الأول أقرب إلى هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة تقدمت.
فإن قيل: إنما أعادها ليؤخذ منه القول الشاذ.
قيل: لا شك أن الأول أكثر فائدة؛ لأنه يؤخذ منه حكم مسألة مستقلة.
ويقع في بعض النسخ ما نصه: بالإذن على المشهور معيناً، وحينئذ يتعين حمله على الوجه الثاني؛ لأن قوله: [289/أ] معيناً؛ من صلة المصدر وهو الإذن، فلو حملناه على الأول لزم الفصل بين المصدر وصلته بأجنبي، وهو غير جائز.
فروع:
الأول: الوصي يلحق بمن ذكر، لكن كره مالك لوصي الأب أن يزوج محجورته من نفسه أو من ولده.
قيل: ومقدم القاضي أشد في الكراهة، فإن فعل نظر السلطان فيه، فإن كان غبطة لها أمضاه.
محمد: ينظر فيه عند البناء، وروى ابن حبيب عن مالك أنه يكمل لها صداق المثل.
وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك ابتداءً، فإن فعل نظر في ذلك السلطان، كما قاله مالك في اشترائه مال محجوره.
وقال غير واحد: وإذا تزوج فلابد أن يضمن العقد معرفة السداد، ومعرفة الإيصاء والصداق؛ لأن الوصي يتهم في محاباة نفسه.
الثاني: إذا وكل الأب من يعقد نكاح ابنته البكر فهل على الوكيل أن يستأمرها أم لا؟ روايتان، والذي ذهب إليه عبد الملك والتونسي أنه لا يستأمرها ولا يسمع منها.
وفي وثائق ابن عفيف: ليس للوكيل تزويجها إلا بسامعين برضاها إلا أن يقول الأب في توكيله أنه وكيله وكالة تامة مفوضة أقامه بها مقام نفسه، وأنزله منزلته، فلا يحتاج إلى السماح حينئذ.
وظاهر الخلاف أنه في حضور الأب وغيبته، لأن ابن عات قال: إذا غاب الأب بعد التوكيل كان ذلك يعني دخول الخلاف أحرى.
الثالث: إذا كان الولي في غير بلد وليته، فأراد أن يوكل على عقد نكاحها، وطلب من القاضي الخطاب، فعلى القاضي أن يكلفه إثبات ولايته ومنزلته من المرأة، فإذا ثبت ذلك عنده فحينئذ يخاطبه.
الرابع: إذا طال أمد الوكالة ستة أشهر ونحوها لم يعقد حتى يجددها إلا أن ينص الموكل أنها بيده على الدوام.
وَالإِشْهَادُ شَرْطُ فِي جَوَازِ الدُّخُولِ لا فِي صِحِّةِ الْعَقْدِ
لما في المدونة من رواية ابن وهب أن حمزة بن عبد الله خطب إلى سالم بن عبد الله ابنته فزوجه إياها وليس معهما غيرهما.
قال فيها: وقد ذكر مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لرجل: "ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث.
فقال: بلى يا رسول الله.
فقال: قد أنكحتك إياها.
ولم يشهد".
قال ابن المواز: وقد فعل ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين زوج ابنته سودة من عروة.
أخبرنا به غير واحد، وما ذكرناه من لفظ المدونة آمنة، كذلك رواه جماع’.
عياض: والمعروف (أميمة)، بميمين.
وقد قيل في غير المدونة (أمامة)، وكذلك ذكره البغوي في هذا الخبر بعينه، والبخاري في تاريخه، وإذا لم يشترط الإشهاد في العقد فهو أفضل.
ابن عبد السلام: ويتخرج في المذهب قول آخر بعدم صحة النكاح الذي لم يشهد فيه من الخلاف في تفسير نكاح السر.
انتهى.
وفي التنبيهات: مشهور مذهبنا أن الإشهاد ليس بشرط في صحة العقد.
وفي كتاب القزويني عن مالك ما ظاهره أن الإشهاد شرط في العقد كقول المخالف.
اللخمي وابن يونس وابن رشد: ويستحب إعلان النكاح وإشهاره وإطعام الطعام عليه وروى الترمذي والنسائي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف".
وروي أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت".
فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَهُ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ.
وقِيلَ: وَيُحَدَّانِ إِذَا ثَبَتَ الْوَطْءُ مَا لَمْ يَكُنْ فَاشِياً.
وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَا لَمْ يَجْهَلا .....
ما ذكره من الفسخ بطلقة بائنة نص عليه مالك في الموازية، وهو واضح.
أما كونه بطلاق؛ فلأن عقده صحيح عندنا، وأما كونها بائناً فلأنه من الطلاق الحكمي.
وقاعدة المذهب أن كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة.
ودلت الواو في قوله (وقِيلَ: وَيُحَدَّانِ) على أن هذا القائل يضم إلى الفسخ بطلقة بائنة الحد إن ثبت الوطء بإقرار أو بينة، ما لم يكن فاشياً.
وأن ابن القاسم لا يعتبر الفشو في إسقاط الحد، وإنما يعتبر جهلهما بحكم الشهادة خاصة.
ومقتضى كلامه أن المذهب سقوط الحد عنه في كل صورة، وهذا شيء لا يقوله أحد، بل إن حصل الفشو والجهل فالاتفاق على سقوط الحد، وإن انتفيا فالاتفاق على ثبوته.
قاله ابن بشير وابن عبد السلام.
واختلف إذا وجد أحد الوصفين، والقول باعتبار الفشو في إسقاط الحد لابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب، والقول باعتبار الجهل لابن القاسم كما ذكر المصنف.
ابن الماجشون وأصبغ: والشاهد الواحد لهما بالنكاح أو باسم النكاح كالفشو في إسقاط الحد.
وَلا تُفِيدُ شَهَادَةُ الْوَلِيِّ لهما كَمَا لا تُفِيدُ عَلَى إِذْنِهِا
يعني أن الولي إذا شهد لهما بالتزويج لا تفيد شهادته شيئاً؛ لأنه يتهم على إرادة الستر على وليته، وكذلك أيضاً لا تعتبر شهادة الولي على أنها أذنت له؛ لأنه يتهم على تصحيح فعل نفسه.
وَنِكَاحُ السِّرِّ بَاطِلُ
لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن نكاح السر.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْمُتَوَاصَى بِكَتْمِهِ وإِنْ أَشْهَدَا فِيهِ، [289/ ب] فَيُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَإِنْ طَالَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وقِيلَ: هُوَ الَّذِي دَخَلَ ولَمْ يُشْهَدْ فِيهِ .....
المشهور مذهب المدونة أن نكاح السر هو المتواصى بكتمه ولو كانوا مائة شاهد.
وقال يحيى بن يحيى: لا يكون نكاح سر ما عقد بشاهدين، وإنما هو ما عقد بغير بينة، أو بشهادة امرأتين، أو رجل وامرأتين.
يريد: ودخل فيه من غير شهادة، وإنما يفسد على المشهور إذا أوصى بالكتمان قبل العقد.
ولو أمر الشهود بالكتمان بعد العقد فإنه صحيح ويؤمرون بإشهاره.
وأشهب: وهذا إذا لم تكن له نية، وإن نكح على نية الاستكتام بعد العقد فليفارق.
وقال أصبغ: لا أرى أن يفسخ إذا لم يكن إلا ضمير نفسه؛ لأنه لا بأس أن يتزوج ونيته أن يفارق.
واختلف هل الأمر بذلك على قول أشهب استحباب وهو مذهب ابن رشد؟ أو وجوب وهو مذهب التونسي؟
ابن حبيب: وإن اتفق الأولياء والزوج على الكتمان، ولم يعلموا الشهود فهو نكاح سر.
مالك في الواضحة: ولا فرق بين أن يسالوا الشهود أن يكتموا ذلك من امرأة أخرى، أو يكتموا ذلك في المنزل الذي نكح فيه، ويظهروه في غيره، أو يكتموا ثلاثة أيام ونحوها، وذلك كله نكاح سر.
وإذا فرعنا على المشهور فلو وقع، ففي البيان: المشهور: يفسخ بعد البناء، إلا أن يطول بعده فلا يفسخ.
وكذلك نقل ابن حبيب عن مالك وأصحابه، قال: وقيل أن النكاح صحيح يثبت قبل البناء وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح، وهو قول يحيى بن يحيى.
انتهى.
وهذا لا يحسن أن يكون مقابل المشهور في كلام المصنف، لأن يحيى يخالف في تفسير نكاح السر ابتداءً، والخلاف الذي حكاه المصنف إنما هو مبني على المشهور، وإنما مقابل.
المشهور في كلام المصنف على رأي اللخمي أنه يمضي بالعقد.
فإن قيل: هل يصح أن يكون الشاذ في كلام المصنف ما قاله ابن الجلاب أنه يعلن في ثاني حال ويصح؟ قيل لا، لقوله بعد ذلك: إذا لم يرد به نكاح السر.
وصاحب الكافي وإن لم يذكر هذه الزيادة فينبغي أن يقيد كلامه بها؛ لأنه كثيراً ما يأخذ من الجلاب.
وفي الاستلحاق عن بعض من أكد به أنه رأى لأصحاب مالك أن نكاح السر جائز، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
انتهى.
وهذا يحتمل أن يكون إشارة إلى قول يحيى، ولم أر من قال بالفسخ بعد البناء والقول كما قال المصنف، غير أنه وقع في المدونة والمبسوط لمالك أنه يفسخ وإن دخلا.
وفي سماع أشهب: يفرق بينهما وإن دخل بطلقة، ولها صداقها إن كان أصابها.
ولم يقل فيه (وَإِنْ طَالَ) كالمصنف.
ابن راشد: ولعل المصنف رأى هذه الرواية فحملها على الإطلاق.
خليل: ويؤخذ من كلام صاحب الاستلحاق أن ما وقع لمالك في سماع أشهب محمول على إطلاقه ونص أبو الحسن على أن ما حكاه ابن حبيب تفسير للمدونة، وكذلك أشار إليه المازري ونص على أن ما وقع في المبسوط يقيد أيضاً بعدم الطول بعد البناء.
وقد ظهر لك أن قوله (عَلَى الْمَشْهُور) راجع إلى قوله: (بَعْدَ الْبِنَاءِ) وأن مقابله للخمي، ولا يرد إلى قوله: (وَإِنْ طَالَ) وإن كان ابن عبد السلام زعم أنه الأولى، قال: وقد ذكر الخلاف كذلك غير واحد.
لأنه تبين لك أن المشهور لا يفسخ بعد البناء والطول، ولكن يبقى.
الشاهدان إن جهلا ذلك، وإن أتيا بمعرفة أنه لا يصح عوقبا.
وَرَجَعَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لا يُفْسَخُ نِكَاحُ الْخِيَارِ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَلِيِّ أَوْ لَهُمْ بِخِلافِ النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ .....
يعني: أن نكاح الخيار ممنوع؛ لأن الخلاف في الفسخ بعد البناء مستلزم للمنع قبله.
اللخمي: وعلى القول بإجازة الخيار في الصرف اليوم واليومين يجوز مثل ذلك هنا، والنكاح في هذا أوسع من الصرف؛ لأن النكاح غير منعقد حتى تمضي أيام الخيار.
وقال: ويجوز على خيار المجلس وبعد الافتراق فيما قرب، وهو في هذا أوسع من الصرف.
قال صاحب الاستلحاق: ومن شيوخنا من يقول: إن كان الخيار في المجلس، فلم يختلف أصحابنا في جوازه، وإن كان الخيار يفترقان عليه كالبيع، فلا يختلف أصحابنا في منعه.
ولابن القاسم في الموازية: إن شرط لها مشورة فلان الشيء القليل وهو حاضر بالبلد ويأتي من فوره جاز.
وأخذ ابن القاسم بالقول المرجوع إليه أنه إنما يفسخ قبل البناء، وكان أولاً يقول بالفسخ أيضاً بعده، وهو أظهر؛ لأن فساده في عقده.
قال في المدونة: ولها المسمى دون صداق المثل.
عياض: وفي الأسدية لها صداق المثل.
وقوله: (بِخِلافِ النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ) يعني فإنه يفسخ بعد البناء باتفاق، وهو نكاح المتعة بغير طلاق.
وقيل: بطلاق، ويعاقب الزوجان ولا يبلغ بهما الحد، والولد فيه لاحق، وهل لها المسمى بالدخول أو صداق المثل؟ قولان.
اللخمي: والأحسن المسمى لأن فساده في عقده.
فرعان:
الأول: قال مالك: [290/ أ] لا خير في نكاح النهارية؛ وهو أن يتزوج على أن لا تأتيه إلا نهاراً أو ليلاً.
ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل، فإن دخل ثبت ولها صداق المثل ويسقط الشرط.
قال في البيان: وهو الذي يأتي على مذهب المدونة، وبه قال أصبغ، وحكاه عن مالك وأصحابه.
وقال عيسى: يفسخ قبل الدخول وبعده.
واختلف: هل لها صداق مثلها أو المسمى؟ والقول بصداق المثل أظهر لما في الشرط من التأثير في الصداق، ومن أهل العلم من يجيز نكاح النهارية، وهو قول الحسن وعطاء، ومنهم من يكرهه، وهو قول الحكم وابن سيرين.
انتهى.
والفرق بينه وبين نكاح المتعة على قول ابن القاسم أنه دخل هنا على أن يكون النكاح بيده إلى أن يموت.
الثاني: أن يتزوج المسافر المرأة ليستمتع بها، ويفارقها إذا سافر، فإن شرطا ذلك فهو متعة، وإن لم يشترطاه ولكن فهمت المرأة ذلك، ففي جوازه ومنعه قولان لمالك ذكرهما اللخمي وغيره.
مالك: وإن تزوج لغربة أو ليقضي إربه ثم يفارق فلا بأس، وإن كان من النساء من لو علمت بذلك لم ترض.
وَفِي إِنْ لَمْ يَاتِ بِالصَّدَاقِ إِلَى أَجَلِ كَذَا قَوْلانِ: مِثْلُهُ، وجَائِزٌ
(مِثْلُهُ، وجَائِزٌ) تفسير للقولين، والضمير المضاف إليه مثل عائد على نكاح الخيار، ويتبين لك ذلك بكلامه في المدونة، ونص التهذيب: ومن نكح على أن له الخيار أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يوماً أو يومين لم يجز، وفسخ قبل البناء لأنهما لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا، فإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى.
وكذلك الجواب في من تزوج المرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا، وإلا فلا نكاح بينهما.
وقد كان مالك يقول فيها: إن النكاح يفسخ بعد البناء؛ لأن فساده في عقده.
ثم رجع؛ فقال: أرى أن يثبت بعد البناء؛ فقول المصنف: (مِثْلُهُ) هو تشبيه
بالمشهور والذي رجع إليه مالك؛ لأنه قد تقدم أن المصنف إذا قدم مشهوراً ثم شبه فإنما يشبه في المشهور، ويبعد أن يريد بمثله جريان القولين، إذ لا يقال إن القول الأول في المسألة قولان، وإنما يحسن ذلك في الطريقة.
ولمالك في الموازية في إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بيننا: أنه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل.
فجعل لها صداق المثل خلاف ما في المدونة.
قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا أتى الزوج بالصداق قبل الأجل المشروط، وإن لم يأت الزوج بالصداق حتى انقضى الأجل أو حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما قولاً واحداً.
وقول المصنف: (وجَائِزُ) لا يؤخذ منه هل يبطل الشرط أم لا؟ وقد حكى في البيان الأول عن أشهب، وذكر عنه أنه قال: عليه المسمى.
وحكى الثاني- أي أنه يجوز ويلزمه الشرط- عن سحنون، وقال: ومثله روى أشهب عن مالك.
وقد روي مثله عن ابن القاسم وأشهب وهو أظهر الأقوال.
وفهم اللخمي والأكثر المدونة على أن النكاح منعقد.
وحكى ابن عبد السلام عن بعضهم أنه فهمها على أن النكاح منحل، وإنما ينعقد عند إتيان الأجل، وليس بصحيح؛ لأنه لو لم ينعقد النكاح لم يقل مالك يفسخ؛ لأن فسخ غير المنعقد لا يصح؛ ولأنه لو كان كذلك لم يأت في المدونة بإثرها بمسألة تأجيل العقد؛ لأنها على هذا هي في المعنى.
فإن قيل: قد نص مالك فيمن اشترى سلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما على صحة البيع وبطلان الشرط، فلم لا يكون هنا كذلك؟ قيل: لأن الخيار ينافي عقد النكاح بخلاف البيع.
فرع:
إذا قال في عقد النكاح: إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فأمرها بيدها؛ فروى ابن القاسم عن مالك في الموازية يفسخ قبل البناء ويثبت بعده.
قال في البيان: وإذا ثبت بعده بطل الشرط وكان فيه المسمى.
وروى أشهب عن مالك أنه جائز والشرط لازم.
وقاله ابن القاسم وسحنون وأصبغ، وهو قول المدنيين.
قال في البيان: وهو أظهر.
ومثله روى أشهب عن مالك، وروى أيضاً مثله عن ابن القاسم.
وَكَذَلِكَ تَاجِيلُ الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِثْلَ أَنْ يَتَرَاضَى الثَّلاثَةُ عَلَى أَنَّهَا زُوِّجَتْ بَعْدَ شَهْرٍ ....
قوله (كَذَلِكَ) أي: مثل نكاح الخيار في المنع تأجيل العقد على المشهور.
و (الـ) في (الثَّلاثَةُ) للعهد، والمراد بالثلاثة الزوج والزوجة والولي.
وقلنا للعهد لتقدم ذكرهم في نكاح الخيار.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون المعهود هنا المعهود الذهني، وذلك لأنه علم أن النكاح لا يتم إلا بالثلاثة.
والمشهور مذهب المدونة؛ ففيها: ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا متزوجك.
فرضيت هي ووليها، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه.
واختلف في فهمها، ففهم الأكثرون أن المنع إنما هو لتوقيت الإباحة بزمان دون زمان، فكان كالمتعة، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، ونقله صاحب النكت عن غير واحد من القرويين.
وفهمها صاحب البيان على أنه ليس هناك عقد منبرم، وإنما هو عقد فيه خيار، والبطلان فيه إنما هو من معنى [290/ ب] المسألتين اللتين قبله، ويقوي ذلك ما وقع في أصل المدونة: فأنا أتزوجك.
والعقود إذا وقعت بصيغة المضارع لا يلزم بها حكم، وغايتها أن تكون وعداً، ولو كان العقد منبرماً لقال: قد تزوجتك.
وللأول أن يقول: لا فرق هنا بين الماضي والمضارع؛ لأنهما واقعان في جواب الشرط، والشرط وجوابه لا يكونان إلا مستقبلين في المعنى.
ابن راشد: ولم أقف على مقابل المشهور.
الزَّوْج
يشترط فيه شروط الصحة وشروط اللزوم، فشرط الصحة أن يكون مسلماً لامتناع استيلاء الكفار على المسلمين، وأن يكون خالياً من الموانع التي يأتي بيانها في باب الزوجة كالإحرام والمرض.
وأن يكون مميزاً، فلا ينعقد نكاح المجنون والصغير غير المميز.
وفي انعقاد نكاح السكران خلاف.
ثم هل الخلاف فيمن معه تمييز؟ وأما من لا تمييز معه فلا يلزمه بالاتفاق والخلاف فيمن لا ميز له، وأما من معه ميز فيلزمه طريقان، وألا يكون خنثي مشكلاً، فإن كان كذلك فالمنصوص أنه لا ينكح ولا ينكح.
ابن راشد: وقيل يطأ السراري.
ابن أخي هشام: فإن مات اشتريت له جارية تغسله.
واستحسنه أبو عمران.
وأما شروط اللزوم: فالرشد والبلوغ والحرية، فإن تزوجوا بغير إذن وليهم فله الرد، وكذلك أيضاً يشترط الطوع.
محمد: وأجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، ولا يجوز المقام عليه.
وفي قياس بعض مذهب مالك أنه يجوز للمكره إمضاؤه آمناً مطمئناً، وفي قياس بعض مذاهبهم أنه يجوز بحدثان ذلك وإلا لم يجز، وكذلك أولياء المرأة، وإنما للمكره أن يجبر على هذا القول على المسمى، وإن كان أكثر من صداق المثل؛ لأن بذلك رضيت، فإن لم يكن وطئ- يعني بإذنها- وكذلك يكون لولي المرأة إجازة نكاحها على ما رضي به وإن كان أقل من صداق مثلها.
وَيُزَوِّجُ الأَبُ والْوَصِيُّ والْحَاكِمُ الْمَجْنُونَ والصَّغِيرَ إِنِ احْتَاجَ
يعني: لمن له النظر على الصغير أن يزوجه، سواء كان له النظر بالأصالة وهو الأب، أو بنيابة وهو الوصي والحاكم.
عياض: ولا خلاف في جواز إنكاح الأب ابنه الصغير والمجنون، وقيد ذلك في كتاب الخلع، وذلك بما إذا كان فيه غبطة ورغبة كنكاحه من المرأة الموسرة.
وفي إجبار الوصي الصغير ثلاثة أقوال: ألحقه بالأب في المدونة، وكذلك وصي الوصي، وقال في الموازية: ليس في هذا نظر، ولا يعجبني.
وفرق المغيرة فقال: إن كانت المرأة ذات شرف أو ابنة عم فله الإجبار وإلا فلا.
عياض: وإليه يرجع ما في المدونة والموازية بدليل كلامه في كتاب الخلع.
خليل: وأجرى بعضهم هذه الثلاثة في الأب.
ابن راشد: ولم أر في الحاكم خلافاً، وينبغي أن يجوز له ذلك بلاخ خلاف، لأن الحاكم لا يفعل ذلك إلا بعد أن يثبت عنده أن في ذلك مصلحة.
عياض: ولا يزوج الصغير غير الأب والوصي على المشهور من المذهب، إلا ما وقع في كتاب يحيى بن إسحاق.
ولابن كنانة في أخٍ زوج أخاً له صغيراً يليه، وليس بوصي عليه أنه يمضي ويلزمه، وذكر عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول.
وأما المجنون فلمالك في مختصر ما ليس في المختصر: أعجب إليَّ ألا يزوج المغلوب على عقله، وما رأينا أحداً زوجه.
وقال اللخمي: إن خيف منه الفساد زوج لأن الحد وإن سقط عنه فلا يعان على الزنا.
وإليه أشار بقوله: (إِنِ احْتَاجَ).
وَفِي جَبْرِهِمْ السَّفِيهَ قَوْلانِ
القول بالجبر لابن القاسم في العتبية وابن حبيب، وأخذ من قوله في المدونة في النكاح الأول آخر مسألة من يزوج ابنه البالغ أنه لا يلزمه إذا كان الابن قد ملك أمره.
ونص الباجي على أنه المشهور، والقول بعدم الجبر هو منصوص عليه في كتاب إرخاء الستور، وهو قول عبد الملك وصححه صاحب النكت وغيره، وهو الصغير لأنه يلزمه الطلاق، فإذا أجبر على ما لا يجب طلق، ويلزمه نصف الصداق من غير منفعة حصلت له.
وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ فَقِيراً فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الأَبِ حَيّاً وَمَيِّتاً مُعَجَّلُهُ ومُؤَخَّرُهُ، ولا يَنْتَقِلُ إِنْ أَيْسَرَ.
وقِيلَ: إِلا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الابْنِ .....
لما ذكر تزوج الصغير ذكر على من يكون الصداق، وذكر أن الابن إذا كان فقيراً أن الصداق على الأب سواء اشترط على الأب أو على الابن، أو لم يشترط على واحد منهما وقيل: إن بين أنه على الابن فهو عليه.
واكتفى المصنف بذكر الخلاف مع الاشتراط على الابن لأنه إذا كان المشهرو أنه على الأب ولو اشترط على الابن فلأن يكون على الأب مع عدم الاشتراط، أو اشترط أن يكون عليه من باب أولى.
وما ذكره أنه المشهور هو نص قول ابن القاسم في الموازية، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه أطلق فيها كونه أنه على الأب، ووجهه بأنه لا مصلحة للابن في تعمير ذمته بالصداق مع فقره وعدم حاجته في الحال.
والشاذ لابن القاسم، وبه قال أصبغ وابن حبيب.
المتيطي: فهم جماعة المدونة عليه، وب جرى العمل عند الشيوخ، أما إن كانا معاً [291/ أ] عديمين فروى أصبغ: لا شيء منه على الأب.
الباجي: والذي يقتضيه المذهب أنه مع الإبهام على الأب لأنه يتولى العقد.
واحترم بقوله (فَقِيراً) من الغني، فإنه فيكون على الابن سواء اشترطه عليه أو لم يشترطه إلا أن يشترط أنه على الأب، فيكون عليه على المعروف.
وحكى بعض الموثقين أن الابن إذا كان له مال وحمل الأب الصداق عنه أن المرأة تخير إن شاءت أخذت به الحامل أو المحمول عنه، وكان هذا نحى به منحى الحوالة إذا كانت على غير أصل دين، فإنها تنقلب حمالة على المعروف.
وتخييره المرأة على هذا مبني على أحد قولي مالك أن لرب الدين أن يتبع الضامن أو المضمون عنه كما سيأتي.
وقوله: (الصَّغِيرَ) احترازاً من الكبير فإنه يكون على الابن، يريد: إذا كان رشيداً وأما السفيه فكالصغير نص عليه اللخمي وغيره، وما قلناه من أن الصداق على الرشيد
هو قول يحيى بن سعيد في المدونة على فهم أكثر الشيوخ؛ لأن فيها: قال يحيى بن سعيد: ومن زوج ابنه صغيراً أو كبيراً ليس له مال، فالصداق على الأب عاش أو مات.
فتأوله أكثرهم على الكبير السفيه، وكذلك نص عليه في الواضحة.
وقال ابن يونس: ذلك سواء في السفيه والرشيد؛ لأن الأب تولى العقد، كالوكيل يشتري سلعة فالثمن عليه إلا أن يقول: هو ينقدك دوني.
عياض وغيره: وهو ضعيف؛ لأن حكم الوكالة في النكاح مخالف لحكم الوكالة في البيع؛ لأن الوكيل إنما يلزمه دفع الثمن؛ لأنه يملك قبض العوض.
فرع:
ولو زوج الأب الرشيد فقال الابن: إنما ظننت أن يكون على الأب.
وقال الأب: إنما أردت أن يكون على الابن، فقال مالك: يفسخ النكاح ولا شيء على واحد منهما.
محمد: بعد أن يحلفا، ومن نكل منهما كان الصداق عليه.
ابن بشير: وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً لقول مالك، ويحتمل أن يكون خلافاً، ويجري على حكم أيمان التهم؛ لأن الزوجة ووليها لا يحققان الصداق على أحد منهما.
وقال اللخمي: أرى إن نكلا أن يثبت النكاح ويغرم كل واحد منهما نصف الصداق، وإن لم ينظر في ذلك حتى دخل الابن حلف الأب وبرئ، ثم إن كان صداق مثلها مثل المسمى أو أكثر غرمه الزوج بغير يمين، وإن كان المسمى أكثر حلف الزوج وغرم صداق المثل.
فروع:
الأول: لو كان الصغير موسراً بالبعض دون البعض، فقال الباجي: لم أر فيه نصاً، وعندي أنه يكون في ماله من المهر قدر ما هو مليء به، ويكون في الزائد حكم من لا مال له.