وإِذَا تَنَازَعَا جِدَارَاً - فَصَاحِبُ الْيَدِ: صَاحِبُ الْوَجْهِ والْقُمُطِ والطَّاقَاتِ والْجُذُوعِ
يعني: إن ادعى كل من الجارين الجدار - فصاحب اليد منهما من كان إليه وجه الجدار والطاقات؛ أي غير النافذة، ومعاقد القمط، أي الخشب التي بين البنيان، أو كان له عليه جذوع دون صاحبه، فإن لم يكن لأحدهما شيء من ذلك أو كان لهما جميعاً - فهو لهما؛ لأنه بأيديهما، وكذلك راكب الدابة مع المتعلق بلجامها، الراكب أولى، وهذا إنما هو مع عدم البينة، وأما مع قيامها فيجب الاعتماد عليها لا على هذه الوجوه.
ابن القاسم: وإن كان عقد الجدار إليهما فهو بينهما؛ أي بعد أيمانهما، وكذلك إن كان منقطعاً عنهما، أو كانت لكل منهما كوى، وإن كان لأحدهما عشر خشاب وللآخر سبع - فهو على حاله، وليس لأحدهما أن يزيد.
سحنون: وإن كان لأحدهما خشبة وللآخر عشر - فهو بينهما نصفين، وقال غيره: هو لصاحب العشرة إلا موضع الواحدة.
وقالوا: إن كان لأحدهما خمس، وللآخر أربع - فهو بينهما نصفين.
أشهب: وإن كان عقده لأحدهما - وللآخر عليه جذوع - قضي به لذي العقد، ولصاحب الجذوع بموضعها.
سحنون: ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع، ومن ناحية الآخر من موضع - قسم بينهم على عدد العقود.
قال صاحب المعين: وإن كان لأحدهما عليه ربط فهو له، ولا يلتفت مع ذلك إلى وجه الحائط ولا لخشب الآخر.
وتَجْلِسُ الْبَاعَةُ فِي الأَفْنِيَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ، وقَضَى بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأَرْبَابِ الدُّورِ، يُرِيدُ بِالانْتِفَاعِ إِلا أَنْ تُحَازَ ....
أصبغ: إنما يباح الانتفاع بالأفنية ما لم يضيقوا الطريق، أو تمنع المارة أو يضر بالمسلمين.
والضمير في (بها) عائد على الأفنية، وفسر ابن حبيب ما روي عن عمر رضي الله عنه بنحو ما ذكره المصنف، وقاله من أبضى من أهل العلم، ويبين لك ما أشار إليه المصنف - من حمل كلام عمر على الأمر الخفيف - ما روي أيضاً عن عمر أنه مر بكير حداد في السوق فأمر بهدمه، وقال يضيقون على الناس.
فدل على أنه إنما أباح الانتفاع اليسير.
فَلَوْ حَازَ هُدِمَ مَا يَضُرُّ، وفِيمَا لا يَضُرُّ: قَوْلانِ
لا خلاف في هدم ما يضر بالناس، والمشهور هدم ما لا يضر أيضاً.
ابن راشد: وقال أصبغ: لا يهدم، ولكن يكون جرحة في حقه إن كان اقتطاعه ذلك بمعرفة.
وفي المجموعة: قال ربيعة: من بنى مسجداً في طائفة من داره فلا يزيد فيه من الطريق.
وقال مالك: إن كان لا يضر بالناس فلا بأس.
انظر إن كان هو على المشهور أو الشاذ.
والرَّوْشَنُ وشِبْهُهُ، والسَّابَاطُ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ جَائِزٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ
الروشن هو الجناح يخرجه الرجل على حائطه، والساباط أن يكون له حائطان مكتنفان بالطريق فيمد خشباً عليهما لينتفع بذلك.
ابن شعبان: يشترط في عدم منعه أن يرفع ذلك عن رءوس الركبان رفعاً بيناً.
فروع:
الأول: قال في المدونة: ومن رفع بنياناً رفعاً بيناً فجاوز به بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه، ومنع من الضرر، ومن رفع بنياناً فسد على جاره كواه وأظلم عليه أبواب غرفه وكواها، ومنعه الشمس أن تقع في حجرته لم يمنع.
ابن كنانة: إلا أن يرفع البنيان ليضر بالجار دون منفعة له فيمنع.
وروى ابن دينار عن ابن نافع أنه يمنع من ضرر منع الريح والضوء والشمس.
الثاني: اختلف في الأندر إذا أراد من له دار ملاصقة له أن يبني فيها ما يمنع الأندر من الريح أو نحوه، فقال ابن القاسم وابن نافع: يمنع.
ابن نافع: وإن احتاج إلى البنيان.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع.
الثالث: اختلف فيمن اتخذ كوى وأبواباً يشرف منها على دار جاره، فقال مالك وابن القاسم: يمنع.
ورواه ابن وهب وزاد: ولا يكلف أن يعلي بنيانه حتى لا يراه.
وفي المبسوط عن ابن مسلمة: لا يمنع.
ورواه ابن المعذل عن ابن الماجشون.
قال: ويقال له: استر على نفسك إن شئت.
والأول هو المعروف، ولهذا قال فيمن بنى مسجداً وجعل له سطحاً يطلع منها على دار رجل: يجبر بانيه على أن يستر على سطح المسجد، ويمنع الناس من الصلاة فيه حتى يتم الستر.
واختلف فيمن بنى غرفة وفتح فيها أبواباً أو كوى يطلع منها على قاعة غيره - وأراد صاحب القاعة منعه، وقال: هذا يضر بي إذا بنيت قاعتي داراً - على ثلاثة أقوال: قال مطرف: يمنعه قبل بناء القاعة أو بعده.
وقال ابن الماجشون: [556/ب] لا يمنع مطلقاً.
وقال ابن القاسم: يمنعه بعد أن يبني القاعة، ولا يمنعه قبله.
الرابع: من فتح باباً على دار غيره فلما قام عليه أراد أن يسده من خلفه، فقال سحنون: ليس له ذلك، وليسد الباب مخافة أن يشهد قوم أنهم يعرفون هذا الباب منذ سنين كثيرة.
وقال ابن الماجشون: ما يلزمه سده، وله أن يجعل أمامه ما يستره.
الخامس: من باع داراً وقد أحدث جاره بها مطلعاً أو مجرى ماء أو غير ذلك من الضرر، فقال مطرف وابن الماجشون: إن كان البائع لم يقم في ذلك حتى باعها فلا قيام للمشتري، ولو كان قد قام يخاصم فلم يتم له الحكم حتى باع - فللمشتري أن يقوم ويحل محله.
وفي أحكام ابن بطال: معناه أن الحكم قضي به وأعذر، وتعين التسجيل والإشهاد، ولو بقي شيء من المدافع والحجج - لم يجز؛ لأنه بيع ما فيه الخصومة، وهو أصل مختلف فيه.
السادس: قال مطرف: وإن كان لرجل شجر إلى جنب جدار آخر فيضر به، فإن كانت أقدم من الجدار - وكانت على حال ما هي عليه اليوم من انبساطها - لم تقطع، وإن حدثت لها أغصان بعد أن بني الجدار وأضر ذلك بالجدار - فليقطع منها ما أضر بالجدار مما حدث، وقال ابن الماجشون: يترك ما حدث وانتشر من الأغصان، وإن أضر ذلك بالجدار؛ لأنه قد علم أن هذا شأن الشجر، فقد حاز الثاني من حريمها قبل بناء الجدار، وقال أصبغ بقول مطرف وابن حبيب وعيسى بن دينار.
صاحب البيان: وهو أظهر.
ابن يونس: وقالوا أجمعون: إن كانت الشجرة محدثة بعد الجدار فإنه يقطع منها ما آذى الجدار من قليل وكثير.
انتهى.
ولا يقطع منها شيء إن ادعى الجار أنه يتطرق عليه منها، ولا حجة له أيضاً فيمن يطلع ليجنيها، وإن كان إذا طلع أشرف على دار جاره.
مطرف وابن الماجشون وغيرهما: وليؤذن جاره.
وأما لو رفعت الصومعة حتى صارت تكشف على من حولها ففي سماع أشهب: لم أر أن يمنعوا من رفعها.
ابن رشد: ولا يدخل في طاعة بمعصية.
السابع: سأل حبيب سحنوناً عن خربة لرجل فيها زبل لا يدرى من يلقيه فيها، فقام جار الخربة على ربها؛ لأن ذلك يضر به، وقال صاحبها: ليس ذلك من جنايتي وأنا لا أسكن ذلك، وثبت أن ذلك يضر بحائط جاره، وقال: أرى على صاحب الخربة نزع الزبل الذي أضر بجاره.
سحنون في موضع آخر من كتاب ابنه في الزبل يجتمع في خربة لقوم أو في فناء يضر بالناس: أن على جيران الموضع كنسه.
يريد الأقرب فالأقرب على الاجتهاد.
أبو محمد: لأن الغالب أنهم يلقونه فيها.
قال يحيى بن عمر في تراب لقوم في موضع فنقله السيل من موضعه إلى زقاق لقوم فسد عليهم مخرج بابهم، قال: يقال لصاحب التراب: خذ ترابك.
وإن أبى قيل للذين سد عليهم: اطرحوه إن شئتم.
ولا يجبر صاحب التراب على نقله إن أبى.
والطَّرِيقُ الْمُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ كَالْمِلْكِ لأًصْحَابِ دُورِهَا فَبِالإِذْنِ
يعني: أن ما قدمه في مسألة الروشن والساباط إنما هو في السكة النافذة، وأما غير النافذة، وهو مراده بقوله: (الْمُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ) فلا يجوز لأحد سكانها أن يحدث فيها روشناً أو غيره إلا بإذن الجميع.
ابن عبد السلام: وقال: كالملك لأرباب دورها، ولم يقل: ملكاً، إشارة إلى أنها ليست مملوكة لهم ملكاً تاماً؛ إذ لو كانت مملوحة لهم ملكاً تاماً لكان لهم أن يحجروه على الناس بغلق، وظاهر كلام بعضهم أنه ليس لهم ذلك، وبه حكم بعض قضاة بلدنا وهد على من فعله.
فرع: هل يحدث باباً في السكة إن كانت غير نافذة أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أن ذلك لا يجوز إلا بإذن جميع أهل الزقاق، وإليه ذهب ابن زرب قياساً على مسألة المدونة في الدارين تكون إحداهما في جوف الأخرى، وبه جرى العمل بقرطبة.
الثاني: أن له ذلك فيما لم يقابل باب جاره، ولا قطع عنه مرتفقاً، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن وهب في العتبية.
الثالث: أن له تحويل بابه على هذه الصفة إذا سد الباب الأول، وليس له أن يفتح باباً لم يكن قبل بحال، وهو دليل قول أشهب في العتبية.
ابن رشد: ويتحصل في فتح الرجل باباً أو حانوتاً في مقابلة جاره في السكة النافذة ثلاثة أقوال:
الأول: له ذلك جملة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقاله أشهب في العتبية.
والثاني: ليس له ذلك جملة إلا أن ينكب، وهو قول سحنون.
والثالث: له ذلك إذا كانت السكة واسعة، وهو قول ابن وهب في العتبية، والسكة الواسعة سبعة أذرع فأكثر؛ لما في المجموعة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف الناس في طرقهم فحدها سبعة أذرع».
الوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ شَرْعاً