التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجبصفحات 246-285
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفي الرد بالعيب: وإن ابتعت سلعة حاضرة بسلعة في بيتك أو بموضع قريب يجوز فيه النقد ووصفتها جاز ذلك.
وفي بيع الغرر: وإن استأجرت منه داراً بثبوت في بيتك ووصفته ثم اشتريته منه وهو بيدك بعين أو بثوبين من صفته أو بسكنى دار لك فجائز.
وفي آخر الجعل: لما ذكر بيع الزرع على أن الدرس على البائع، قال: وليس ذلك كحنطة في بيتك، تلك لابد فيها من صفة أو عيان.
وفي أكربة الدور: وإن أكريته داراً بعبد بعينه على أن تقبضه فمات بيد المكتري، فهو منك والكراء يلزمك كالبيع، وإن كان بثبوت بعينه في بيت المكتري وقد وصفه كان منه وانتقض الكراء.
فهذه المواضع تدل على أن الأشهر الجواز، لكن ذكر ابن شاس: أن الأصحاب نزلوا ما في المدونة من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة.
فإن كان بمشقة جاز على الأشهر أي: فإن كان إمكان رؤية الغائب بمشقة جاز بيعه على الصفة على الأشهر، فهذا كبيع الأعدال على البرنامج وكبيع الغائب على مسافة يوم، والأشهر مذهب المدونة والموطأ، ومقابله في مختصر ابن شعبان منعهما.
وفيها: ويجوز بيع الأعدال على البرنامج، بخلاف الساج المدرج وشبهه، فرق بينهما عمل الماضين وأجازهما، وذا مسافة يوم مدة ومنعها مدة ذكر مسألة المدونة استدلالاً على ما ادعاه من الأشهر.
والبَرنامِج بفتح الباء وكسر الميم، وهي لفظة فارسية استعملتها العرب، والمراد بها الدفتر المكتوب فيه صفة ما في العدل.

والساج المدرج: طيلسان مطوي.
والمراد بشبه الساج، الثوب المدرج في طيه ولم يكن رفيعاً كما في الساج.
والضمير في: (أَجَازَ) عائد على مالك، والضمير في: (هُمَا) عائد على الساج المدرج والبرنامج.
(وذَا) معطوف على مفعول أجاز، أي: وأجاز ذا مسافة يوم مرة، وهو قوله في الموازية، ومنع الجميع، وهو قوله في مختصر ابن شعبان.
وحاصل ما ذكره في البرنامج، والساج، وذا مسافة يوم، ثلاثة أقوال، يفرق في المشهور فيجوز في البرنامج، وما على مسافة يوم، ويمنع الساج وهو مذهب المدونة.
فرع: ولا يشترط في جواز البيع على الصفة أن يصفه غير البائع على ظاهر المذهب، وأخذه جماعة من المدونة.
ابن العطار: وبه العمل.
وفي الموازية والعتبية: اشترط ذلك لأن البائع لا يوثق بصفته، إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته.
وذكر المتيطي أن الشيوخ اختلفوا في تأويل المدونة على القولين، وجعل اللخمي وصاحب المقدمات ذلك شرطاً في جواز النقد.
اللخمي: ويشترط في البيع على الصفة أن يكون المشتري ممن يعرف ما وصف له.
ثم إن صحت الصفة فلا خيار أي: فإن اتفق المتبايعان، أو شهدت بينة عند اختلافهما أن المعقود عليه موافق للصفة التي وقع العقد عليها، لزم البيع ولا مقال لواحد منهما، ونبه به على خلاف أبي حنيفة، فإنه يرى الخيار للمشتري ولو وافقت الصفة.
والقول قول المشتري أي: عند تنازعه مع البائع، هل صفة المبيع الآن هي التي وقع عليها التعاقد أم لا؟ والفرق بينه وبين ما تقدم من أنه إذا انعقد على رؤية متقدمة وتنازعا، فالقول قول البائع على الأشهر أن البيع في مسألة الرؤية معلق على بقاء صفة المبيع والأصل بقاؤها، فمن

ادعى الانتقال فهو مدع وهو المشتري، بخلاف البيع على الصفة فإن الأصل عدمها وهو موافق لقول المشتري.
ويرجع في كونه عليها لأهل المعرفة أي: إذا اتفقا على أن البيع وقع [440/ب] على الصفة واختلفا في المبيع، هل هو عليها أم لا؟ نظر أهل المعرفة، فإن قالوا: إنه عليها لزمه، وإلا فلا.
وانظر هل يكتفي بواحد أو لابد من اثنين؟ وانظر إذا اختلف أهل المعرفة.
والأعمى يصح بيعه وشراؤه بالصفة، وقيل: إلا الأصلي ذكر الأعمى في بيع الغائب، لكونه لما كان لا يبصر وإنما يشتري على الصفة شابه شراؤه شراء الشيء الغائب، والظاهر أن الصحة في الأعمى أظهر منها في بيع الغائب على الصفة، لأن الأعمى أعذر، إذ لا يمكن في حقه إلا ذلك.
فإن قيل: يمكنه التوكيل، قيل: لا يمكنه ذلك في كثير من الصور.
وحاصل ما ذكره المصنف فيه: أنه إن تقدم منه إبصار صح بيعه وشراؤه اتفاقاً.
وإن لم يتقدم، فقال عبد الوهاب: يصح بيعه وشراؤه، ومنع ذلك أبو جعفر الأبهري.
هكذا نقل اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي معنى من لم يتقدم له إبصار من تقدم له إبصار في سن الصغر حتى لا يتخيل الألوان، قال: وينبغي أن يكون الخلاف في الصفات التي لا تدرك إلا بحاسة البصر، وأما ما يدرك بغير ذلك فلا مانع.
والأصلي: هو الأكمة.
والنقد في الغائب بغير شرط جائز أي: وبشرط لا يجوز، لأنه يؤدي إلى أن يكون تارة مبيعاً وتارة سلفاً، وهذه المسالة في منع النقد بشرط وجوازه بغيره.
المبيعُ على عهدة الثلاث، والأمة المتواضعةُ والمبيعُ على

الخيار، والأرض المبيعة على المزارعة، ومسائل الجعل.
وإذا اشترط في الأجير المعين والدابة المعينة أن تقبض منفعتها بعد شهر.
وإنما جاز النقد مع عدم الاشتراط، لضعف التهمة، وظاهر كلام المصنف- وهو ظاهر المدونة- على ما نص عليه عياض: أن نقد الثمن في الغائب بغير شرط جائز في كل شيء.
وذهب ابن محرز إلى أنه يجوز التطوع في المثلي من المكيل والموزون، لأن الغائب إن هلك أو وجد على غير الصفة وانحلت العقدة رد مثله فلم يكن على أحد ضرر، بخلاف السلع والرباع فإنها قد تتغير فيردها ناقصة فيضر ذلك بالبائع، أو تهلك فيغرم المشتري قيمتها، فكأن البائع يدفعها على أنه إن سلمت الصفقة كانت للمشتري وإن انحلت رد القيمة.
قال: ولو دفع العروض على أن البيع إن انحل رد مثلها جاز، ولو كان الثمن سكني دار لم يجز نقدها بشر ولا طوع.
وقال اللخمي: إنما يجوز النقد إذا كان الثمن مما يصح فرضه، لأن تعجيل الثمن بغير شرط فرض، فإن كان الثمن داراً أو جارية أو جزافاً فلا يصح تعجيله.
قال: وإن تطوع المشتري بالنقد في هذا لم يصح البيع ويرجع بمثل ما دفع لا بقيمته، لأنه قرض فاستوى فيه المكيل والموزون والعبيد والثياب، ولو عجل الثمن على أن يرجع بالقيمة إن لم يجد المبيع لم يجز، لأنه بيع على قيمة مجهولة.
وإن لم يشترطا في حين التعجيل الرجوع بالقيمة ولا المثل وكانا يظنان أن الحكم الرجوع بالقيمة، حُمل على ذلك ويرجع بالقيمة- كالبيع الفاسد- إذا كان الثمن عبداً أو ثوباً.
انتهى.
ابن راشد: وقوله: إذا تطوع المشتري بتعجيل ذلك فسد البيع، فيه نظر.
وكيف يفسد البيع بشيء وقع منفكاً عنه، وإنما ينبغي أن يفسد القرض خاصة، فتأمله.
فإن شرط في العقار وشبهه جاز وإن بعد خلافاً لأشهب يعني: وإن وقع البيع في العقار وشبهه، والمراد، بـ (وشبهه) الأشجار وعيون الماء، جاز شرط النقد ولو كان بعيد الغيبة.

الباجي: وهو المشهور لغلبة الأمن فيها.
ونقل الباجي عن أشهب ما نقله المصنف، من أنه منع اشتراط النقد مع البعد، وإنما يجوز اشتراط النقد على المذهب إذا لم يشترها بصفة صاحبها، كذا روى أشهب عن مالك.
ابن رشد: وهو تفسير لما في المدونة وغيرها.
والعقار بفتح العين، الجوهري: الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا بيع العقار جزافاً، وأما إن بيع مذارعة فلا يصح النقد فيها، قاله أشهب في العتبية.
وكذلك قال مالك: من اشترى داراً غائبة مذارعة لم يجز النقد فيها، قاله أشهب في العتبية.
وكذلك قال مالك: من اشترى داراً غائبة مذارعة لم يجز النقد، وكذلك الحائط على عدد النخل، قال مالك في العتبية: وضمانها من بائعها.
وفيما قرب من الحيوان قولان أي: وفي جواز شرط النقد فيه قولان، قال في المدونة: ومن باع عروضاً، أو حيواناً، أو رقيقاً، أو ثياباً بعينها خاصة حاضرة أو قريبة الغيبة مثل يوم أو يومين جاز ذلك، وجاز النقد فيه بشرط.
والقول بالمنع لابن عبد الحكم.
وفي قربه خمسة أيام، ويومان، ونصف يوم، وبريد وبريدان أي: وفي حد القريب.
وكان ينبغي أن يقول: يوم ونحوه، فإنه كذلك روي عن مالك في المدونة، والقول باليومين مذهب المدونة كما تقدم.
ونصف اليوم نقله ابن شاس ولم يعزه، ولعله راجع إلى البريد.
والقول بالبريدين لمالك أيضاً- والبريد اثنى عشر ميلا- ونقل اللخمي عن ابن وهب: أنه كره النقد في الطعام وإن كان على نصف يوم، قال: لأنه يسرق ويفسد بالمطر إلا أن يكون قريباً جداً.
وفيما قرب من غيرهما الجواز باتفاق أي: غير الحيوان والعقار.
واتفقا هنا على جواز اشتراط النقد دون الحيوان، لأن الأمن في العروض أقوى منه في الحيوان.

ابن راشد: وما ذكره من الاتفاق لا يصح، فقد قال ابن راشد: وأما النقد في السلعة الغائبة بالشرط فلا يجوز في بعيد الغيبة، واختلف قول مالك في قريب الغيبة.
وفي ضمان الغائب بعد العقد، ثالثها: من البائع إلا أن يشترطه.
ورابعها: إن كان عقاراً فمن المشتري .... [441/أ] احترز بـ (بعد العقد) من ضمانه قبله فهو من البائع اتفاقاً، حكاه صاحب البيان والمقدمات.
وظاهر كلامه أن الأول من الأربعة، الضمان من البائع ولو اشترطه على المشتري.
والثاني: عكسه.
والثالث: أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري.
والرابع: الفرق، ففي العقار من المشتري ولو اشترطه، وفي غيره من البائع ولو اشترطه على المشتري.
ابن عبد السلام: ولا وجود للأولين في المذهب أصلاً.
وتردد في الرابع، قال: والذي حكاه الناس أن مالكاً قال أولاً: إن الضمان من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، ثم رجع إلى العكس أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، وهو الذي في المدونة.
ثم هل القولان في الرباع، أو الرباع من المشتري اتفاقاً؟ طريقان، والثانية لابن حبيب.
وألحق بالعقار أيضاً ما قرب في أن ضمانه من المشتري باتفاق.
والصواب أن له قولاً في الرباع بأن ضمانها من البائع.
وقد يجاب بأن الأول، وهو أن الضمان من البائع مطلقاً قد أقامه اللخمي من العتبية، فقال: واختلف على القول بأن المصيبة من البائع هل يجوز أن يشترطها من المشتري؟ فأجازه في المدونة، وقال في العتبية: لا يجوز بيع الطعام على شرط إن أدركته الصفة، مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد ورآه بمنزلة من اشترى ما فيه عقد إجارة، لأن الإجارة تمنع من التصرف في الحاضر كمنع التصرف للغيبة.
وأما الثاني: على ظاهره من أنه من المشتري مطلقاً، فهو متعذر الوجود، لكن يمكن أن يقدر على أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، عكس الثالث.
وأما الرابع: فهو

لمالك في الموازية، ففيها وقال أيضاً: الديار والعقار من المشتري وما سوى ذلك من البائع، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام المصنف لا على ما زاده ابن عبد السلام فيه.
فرع: واختلف إذا لم يشترط أحدهما على الآخر الضمان ثم أراد أن يشترطه على الآخر بعد العقد، فقولان: بالجواز والمنع.
واستشكل اشتراط نقل الضمان من أحدهما إلى الآخر، فإنه ضمان بجعل، لأن له حصة من الثمن.
وأجيب: بأنه إنما اشترط كل واحد منهما على صاحبه ما يلزمه على قول، وحاصله: مراعاة الخلاف.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يكن في المبيع حق توفيه، وأما إن بيعت الدار مذارعة فالضمان من البائع بلا إشكال.
وعلى تضمين المشتري لو تنازعا، فقولان لتعارض أصلي السلامة وانتفاء الضمان أي: إذا فرعنا على تضمين المشتري فتنازعا في أن العقد صادفها باقية، أو هالكة، أو سالمة، أو معيبة، فقال ابن حبيب: ضمانها من المشتري.
وذكر اللخمي: أنه مثل قول ابن القاسم في كتاب محمد، بناء على أن الأصل السلامة إلى حين العقد.
وقال ابن القاسم في المدونة: ضمانها من البائع.
ولو قال المشتري: لا أعلم متى ماتت، فلا يمين على المشتري، بناء على أن الأصل انتفاء الضمان عن المشتري فلا ينتقل إلى ضمانه إلا بأمر محقق.
وهكذا كان شيخنا وغيره يمشون هذا المحل، وكذلك مشاه ابن راشد، وهو أولى مما قاله ابن عبد السلام.
ولو تنازعا في الثمن فطلب البائع تعجيله وطلب المشتري التأخير، فهل يكون القول قول البائع ويجبر له المشتري وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو لا وهو قول أبي عمران وابن محرز وابن القصار.

وقد نبه ابن القصار على الخلاف في ذلك، وذكر أن الصحيح من مذهب مالك فيما اختاره أبو عمران إلا أن يشترط ذلك في العقد.
واستشكل ابن عبد السلام- رحمه الله- على ما فهمه منشأ الخلاف المذكور، واعترض عليه أيضاً بناء على ما فهمه بما حاصله: أن هذا الخلاف الذي بين أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران إنما هو في العقار، وأما في غيره فلا يلزم نقد الثمن باتفاق.
وقال المصنف: وعلى تضمين المشتري لأنا لو بنيا على تضمين البائع لكان الضمان منه بلا إشكال.
فرع: ذكر اللخمي أن من اشترى غائباً فعليه أن يخرج لقبضه ولا يكون على البائع أن يأتي به.
ويحرم الفضل والنساء فيما يتحد جنسه من النقود، ومن المطعومات الربوية، فلابد من المماثلة والمناجزة .... لما قدم الكلام على أركان البيع أتبع ذلك بشروط وموانع ليست عامة في جميع المبيعات.
والفضل: الزيادة.
والنساء: ممدود مهموز التأخير، نقله الجوهري وغيره.
وحاصله: أنه إن اتحد الجنس من النقود أو المطعومات الربوية دخل ربا الفضل فلا يجوز شيء منها بأكثر منه، وربا النساء فلا يجوز شيء منها ولو بمثله نسيئة.
وقوله: (فلابد من المماثلة) أي: لينتفي ربا الفضل والمناجزة، لينتفي ربا النساء.
ويحرم النساء خاصة فيما يختلف من النقود ومن المطعومات كلها أي: ويحرم التأخير فقط فيما اختلف نوعه من النقود كالذهب والفضة، وفيما يختلف من المطعومات كلها، أي: لا يختص ربا التأخير بالربوي، بل لا يجوز طعام بطعام إلى أجل، سواء كانا ربويين أو لا.
ولابد من إثبات (من) في قوله: (ومن المطعومات) كما

فعله، لئلا يتوهم تحريم النساء بين النقود والمطعومات.
والأصل فيه ما في مسلم عن عبادة بن الصامت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضلة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف [441/ب] فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)).
النقود العلة غلبتها في الثمنية، وقيل: الثمنية وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره .... نحوه في الجواهر.
والمراد بالنقود: الذهب والفضة على أي صفة كانا، مسكوكين أو مصوغين أو لا.
واختلف في العلة، فقيل: الثمنية.
أي: مطلق الثمنية من غير تقييد بالغلبة.
أي: مطلق التعامل من غير اعتبار الغلبة، وعليه فيدخل الربا في الفلوس.
وقيل: الغلبة في الثمنية، أي: كونها أصول الأثمان غالباً فلا تدخل الفلوس، وإلى هذا أشار بقوله: (وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره) أي: للتوسط بين الدليلين، وجعل قول مالك فيها الكراهة.
وما ذكره المصنف هنا من أن العلة هل هي الثمنية، أو الغلبة فيها أولى من قول من قال: إن القول بعدم جريان الربا في الفلوس مبنى على أن الربا في الذهب والفضة غير معلل، بل معلق بما يسمى ذهبا وفضة، لأن المازري أنكره ونقل اتفاق العلماء على تعليل الحكم هنا، وإنما اختلفوا في العلة.
والمفارقة اختياراً تمنع المناجزة، وقيل: إلا القريبة المشهور الأول.
وقد قال مالك في المدونة في الذي يصرف ديناراً من صيرفي فيدخله تابوته ثم يخرج الدراهم: لا يعجبني.
وإذا قال هذا في التأخير اليسير فما بالك بغيره.
وقوله: (وقيل: إلا القربية) ليس هذا القول على إطلاقه، بل مقيد بما إذا كانت المفارقة القريبة بسبب يعود بإصلاح العقد، كما لو فارقه الحانوث أو الحانوتين لتقليب ما

أخذه أو وزنه، وهو مذهب الموازية والعتبية.
وحمله اللخمي على الخلاف كالمصنف.
وتأوله صاحب البيان على الوفاق، فقال: وقد قيل إن ما في العتبية مخالف لما في المدونة وليس هو عندي خلافاً، لأنهما في مسألة المدونة قاما بعد عقد التصارف وقبل التقابض من مجلس إلى مجلس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك.
ومسألة العتبية إنما قاما فيها بعد التقابض للضرورة.
وفي الغلبة قولان أي: وفي الفرقة الواقعة بين المتصارفين بسبب الغلبة من أحدهما أو من غيرهما قولان، أحدهما: أنها كالاختيار فيفسد.
والثاني: أنها لا تفسد.
الباجي: والظاهر من المذهب فساد البيع إذا غلب أحدهما على الفرقة.
والقول بعدم الفساد لمالك في العتبية والموازية، ففيهما: إذا اشترى قوم قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ فلم ينقدوا حتى فصلت القلادة وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، ثما أرادوا نقض البيع لتأخر النقد، ولم يرض بتأخيره، وإنما هو رجل مغلوب.
وتأول أبو بكر بن عبد الرحمن هذه الرواية على أن المذهب فيها يسير تابع للحجارة، وأما إن كانت الحجارة يسيرة والذهب كير فيفسخ البيع.
ابن يونس: وفيه نظر، لأنه لو كانت العلة ما ذكر لبينها مالك وابن القاسم، وإنما لم يبطله مالك، لأن البائع مغلوب- كما ذكر- واتهم المشتري على قصد البطلان فعوقب بنقيض قصده.
ابن عبد السلام: والنفس أميل إلى عدم الفساد.
وذكر اللخمي الخلاف في الغلبة، سواء غلبا معاً أو غلب أحدهما.
وجعل ابن شاس ذلك خلافاً مركباً، هل يصح إذا غلبا معاً أم لا؟ وعلى البطلان فيما إذا غلبا، فهل يبطل إذا غلب أحدهما، قولان.
قال: والصحيح في الصورتين ما اختار أبو بكر.

ولو وكل فقولان هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، أي: وكل على القبض وهو ظاهر، ولا إشكال في الجواز إذا وكله على العقد والقبض، كما لو تولاهما بنفسه.
أما إذا تولى في أحدهما ووكل في الآخر ولم يغب، وليس فيها إلا أن العاقد غير القابض، فذكر المصنف قولين، وظاهرهما الجواز والمنع.
وأضاف المازري إلى ابن القاسم أنه قال: لا خير فيه.
قال: وأمضاه أشهب إن وقع، وقال يفسخ إذا افترقنا قبل قبض الوكيل.
وقال ابن وهب: لا بأس به.
قال: وبعض الشيوخ ينسب لابن القاسم أن من شرط صحة الصرف أن يكون العاقد هو القابض، وغيره إنما يشترط في صحته حصول القبض على الفور فقط من غير اعتبار كون العاقد هو القابض.
ولو وكل في القبض وغاب، فالمشهور المنع يعني: ولو وكل أحدا لمتصارفين بعد انعقاد الصرف على قبض ما وجب له وغاب الموكل، فالمشهور المنع.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر الروايات ونص عليه أشهب.
وحمل اللخمي ما وقع في المذهب من المنع على الكراهة، وإن كان ظاهراً من جهة الدليل- لأن المناجزة المطلوبة قد حصلت ولم يقم دليل على اشتراط اتحاد العاقد والقابض- لكن ظاهر الروايات يأباه.
المازري: ولا خلاف في المذهب منصوص في النهي عن ذلك وفسخه إن وقع، لكن بعض أشياخي يحمل المنهي عن ذلك عن الكراهة، وعلى هذا فمقابل المشهور من كلام المصنف هو قول اللخمي.
والله أعلم.

وفي غيبة النقد، المشهور المنع يمنكن حمله على مسألة التسلف، ويرد هذا الوجه أن هذه المسألة ستأتي.
وحمله ابن عبد السلام على أن المجرور معطوف على المجرور في الكلام الأول، أي: ولو وكل في غيبة النقد، قال: ولكن ذكره للأولى مغن عن هذه، لأنه إذا امتنع الوكيل مع حضور النقد على المشهور فأحرى مع غيبته.
ابن عبد السلام: ولا يصح حملها على الوديعة، لأنه سيتكلم عليها بعد ذلك، وحمله بعضهم على أنه قاعدة لما بعدها من الفروع المشتملة على غيبة النقد.
ورد بأن الفروع التي بعده مختلفة في المشهور كما [422/ا] سيأتي.
والأقرب هنا ما قاله بعضهم من حمله هنا على ما إذا كان النقد غائباً عن موضع العقد غيبة قريبة كداره وحانوته، وفيهما قولان- كما ذكر- مشهور هما المنع.
ورد بأن مذهب المدونة في هذا الكراهية، ففيها: وأكره للصيرفي أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه ثم يخرج الدراهم، ولكن يدعه حتى يزن الدراهم فيأخذ ويعطي.
وقد يقال: البعد في الدار والحانوت أكثر من البعد في إدخال الصيرفي الدينار التابوت فلا يكون ما في المدونة مخالفا.
وفي المواعدة مشهورها المنع أي: في المواعدة على الصرف ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والكراهة.
ابن راشد: والمنع ظاهر المذهب.
ابن عبد السلام: وهو المشهور، لأن فيها: ولو قال له المبتاع اذهب بنا إلى السوق بدراهمك فإن كانت جياداً أخذتها منك كذا وكذا درهماً بدينار لم يجز، ولكن يسير معه على غير مواعدة.

ابن راشد: وهو عندي نص في المنع.
وكذا قال ابن بشير: الكراهة محمولة على المدونة وظاهرها المنع.
ونسب اللخمي الكراهة لمالك وابن القاسم، وصرح المازري بأنها المشهور من المذهب.
والجواز لابن نافع وابن عبد الحكم، والمنع لأصبغ.
أصبغ: ويفسخ إن وقع، وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ.
وقال في سماع يحيي: إن وقع لم يفسخ.
اللخمي: ورأى أصبغ أن الصرف فاسد، وقاسه على المواعدة في العدة، لأن كليهما مبايعة.
واستبعد ابن عبد السلام التحريم.
واستحسن اللخمي الجواز، وفرق بين هذا والمعتدة، بأن المعتدة إنما منعت مواعدتها خيفة أن تكون حاملاً حفظاً للأنساب.
وأجاز ابن شاس هنا التعريض، وهو صحيح، لأنه إذا جاز التعريض في النكاح فهو هنا أولى.
والتأخير كثيراً كالمفارقة يعني: أن طول المجلس بعد التعاقد وقبل التقابض مثل المفارقة، يعني: اختياراً بالأبدان في إفساد الصرف، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إلا هاء وهاء).
يعني: وفي الخيار، المشهور: المنع أي: المشهور منع عقد الصرف على الخيار، والشاذ الإجازة وهو لمالك في الموازية، لأن فيها: في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال أرجو أن يكون هذا خفيفا.
محمد وغيره: هذا من قول مالك.
الباجي: وتحتمل هذه الرواية أن يكون المراد بها المواعدة وتقرير الثمن دون عقد، ولذلك قال: إن رضيهما أهله رجع فاستوجبهما، فذكر أن الإيجاب لم يقع بعد وإنما كان ذلك على سبيل تقرير الثمن إن رضيهما أهله.
المازري: وهذه الرواية وإن كان فيها احتمال، لكن ما

نقله ابن شعبان من اختلاف قول قول مالك بالإجازة والمنع عليه يعول في نقل الخلاف في المذهب.
وصرح الباجي والمازري بالمشهورية كالمنصف، وبنى المازري الخلاف على الخلاف المعلوم في عقد الخيار هل هو منحل أو منبرم؟ وهكذا حكى ابن شاس هذا الخلاف، وقال في المقدمات: لا خلاف أن الصرف فاسد سواء كانا جميعاً بالخيار أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار.
والصرف في الذمة وصرف الدين الحال يصح خلافاً لأشهب قال شيخنا- رحمه الله-: إن جعلنا قوله: (والصرف في الذمة) ترجمة كما في بعض النسخ فلا إشكال، وإن أثبتنا الواو فصرف ما في الذمة تطارح ما في الذمتين، وهو أن يكون لواحد على الآخر دنانير وللآخر عليه دراهم فيتصارفان بما في ذمتهما، وصرف الدين الحال إذا كان من جهة واحدة فالمعروف من المذهب جوازه.
قال في الجواهر: وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال فيه.
ومقتضى كلام المصنف: أن أشهب- رحمه الله- يخالف في المسألتين، وبذلك صرح ابن راشد وهو ظاهر، لأنه إذا منع أشهب فيما إذا كان الدين من أحدهما فأحرى إذا كان من جهتهما.
وقد نقل في الإكمال عن مالك وأصحابه جواز المسالتين، أعني: إذا صرف ما في ذمتهما أو في ذمة أحدهما، وهكذا مشى ابن راشد وغيره هذا الموضع، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر.
وطول ابن عبد السلام ها هنا بما ليس فيه كبير فائدة للفقيه.
والمؤجل، المشهور: المنع أي: وصرف الدين غير الحال يمتنع على المشهور، بناء على أن المعجل لما في الذمة يعد مسلفاً، وإذا حل الأجل يقتضي من نفسه فلم يحصل التناجز، وعلى الشاذ بالبراءة يجوز الصرف هنا.

فإذا تسلفا أو أحدهما وطال بطل اتفاقاً، وإن لم يطل صح خلافاً لأشهب هذه المسألة يلقبونها بالصرف على الذمة.
قال في التهذيب: وإن اشتريت من رجل عشرين درهماً بدينار وأنتما في مجلس، ثم استقرضت أنت ديناراً من رجل إلى جانبك واستقرض هو الدراهم من رجل إلى جانبه، فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم، فلا خير فيه.
ولو كانت الدراهم معه واستقرضت أنت الدينار، فإن كان أمراً قريباً كحل الصرة ولا تبعث وراءه ولا تقوم لذلك جاز، ولم يجزه أشهب.
والحاصل منه: أنهما إن تسلفا، فاتفق ابن القاسم وأشهب على الفساد، لأن تسلفهما مظنة الطول فلا يجوز وإن لم يطل، لأن التعليل بالمظان لا يختلف الحكم فيه عند تخلف العلة كالقصر في الصلاة للمملوك.
ابن راشد: وإن تسلف أحدهما وطال فكذلك، وإن لم يطل فالخلاف.
وعلى هذا ففي كلام المصنف مناقشة، لإيهامه أن خلاف أشهب جار [422/ب] في تسلفهما معاً، إلا أن يجعل قوله: (وطال) قيد في تسلف أحدهما.
واختلف الشيوخ هل الخلاف في تسلف أحدهما مقيد بما إذا لم يعلم الذي عقد على ما عنده أن الآخر لم يعقد على ما ليس عنده، وأ/اإن علم ذلك فيتفق على البطلان أو الخلاف مطلقاً علم أو لم يعلم؟ على طريقين حكاهما المازري.
والمغضوب الغائب إن كان مصوغاً، فالمشهور: المنع وجه المشهور: أنه متعين فيقع الصرف من غير قبض في الحال.
ووجه الجواز: كونه في الذمة فأشبه الحاضر، هذا معنى كلام المصنف.
ابن عبد السلام، وقال غيره: إن علم وجود المغصوب حين التعاقد فالقولان، وهما جاريان على صرف الوديعة الغائبة عن موضع التعاقد، وإن لم يعلم وجوده حينئذ فلا تجوز

المصارفة عليه، لاحتمال أن كيون قد تلف فيلزم الغاصب القيمة والمصارفة بجنسها فيؤدي إلى التفاضل.
فإذا دهب فعلى خلاف صرف الدين، لأنه يضمن قيمته أو زنته أي: فإن ذهب هذا المصوغ وجب ضمانه على الغاصب، جازت المصارف عليه حينئذ على المشهور في جواز صرف ما في الذمة، ثم ينظر فيما يتعلق بذمة الغاصب هل قيمته أو مثله، والمشهور القيمة، بناء على أن الشيء إذا كان مثلياً ثم دخلت فيه صنعة، هل يصير من المقومات أو المثليات كالغزل؟ قال شيخنا- رحمه الله-: وصرفه على القولين مشكل، لأنا إذا قلنا بالقيمة، فقد يكون وزنه خمسة دنانير ويساوي الآن مائة وعشرين لصنعته وصرف الدينار عشرين، فيأخذ ستة عن خمسة وهو ربا فضل ونساء.
وإن قلنا: يأخذ مثله كسوار مثلاً، فإنه يأخذ عن ذهب فضة أو بالعكس وذلك صرف مستأخر.
ودليله: أنهم قالوا فيمن استهلك طعاماً فلا يأخذ عنه طعاماً من غير جنسه، إذ هو طعام بطعام إلى أجل فاعرفه.
فإن بقي على حال خيار أخذ العين أو التضمين، فعلى خلاف إحضار العين وخلاف صرف الدين .... أي: فإن لم تذهب عينه بالكلية، ولكنه تعيب عيباً يوجب لصاحبه الخيار في أخذه أو تضمينه الغاصب، وإن اختار أخذه فإن أحضره ثم صارفه عليه جاز اتفاقاً، وإن لم يحضره فالمشهور المنع، وإن اختار أخذ القيمة فهي دين له في ذمة الغاصب، فإن أراد مصارفته عليها جاز على المشهور.
وقال في الجواهر: والمشهور جار على أن من خير بين شيئين لا يعد منتقلاً، بل يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، وأما إن عددناه منتقلاً فلا يجوز صرف أحدهما.

فإن كان مسكوكاً، فالمشهور: الجواز هذا قسيم قوله: (مصوغاً) أي: وإن كان المغصوب مسكوكاً، فالمشهور جواز صرفه، وفي معناه ما لا يعرفه بعينه من المكسور والتبر.
قال الباجي: بناء على أن النقود لا تتعين أي: أن الباجي أجرى القولين في إجازة الصرف ومنعه على القولين في أن الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ فمن رأى عدم التعيين أجاز، لأنها حينئذ تتعلق بذمته وإبراؤه منها قبض.
وإن قلنا: تتعين امتنع كما في المصوغ.
ورده ابن بشير بأن المشهور: تتعين، وبالاتفاق في ذوي الشبهات أي: رد ابن بشير كلام الباجي بوجهين، أحدهما: أن الدراهم والدنانير في الصرف تتعين على المشهور فكيف ينبني المشهور على الشاذ.
والثاني: أنهم اتفقوا أنها تتعين بالنسبة إلى من كان ماله حراماً أو كان في ماله شبهة، فإذا أراد من هو من أهل الخير أخذ عين دنانيره ودراهمه من الغاصب الذي ماله حرام أو فيه شبهة مكن من ذلك اتفاقاً، ويكون وجه الرد على الباجي من هذا الوجه: أنه بنى المشهور على وجه اتفق على عدمه.
ونبه المصنف بالأدنى وهو ذو الشبهة، على الأعلى وهو من كان ماله حراماً.
وما حكاه المصنف عن ابن بشير تبع فيه ابن شاس وليس هو فيه تنبيهه، فلعلهما اطلعا على ذلك في غيره.
وانظر الاتفاق الذي حكاه المصنف مع قول ابن الجلاب: ومن غصب دراهم فوجدها ربها بعينها فأراد أخذها وأبى الغاصب أن يردها وأراد رد مثلها، فذلك للغاصب دون ربها، قاله ابن القاسم.
فائدة: الدراهم والدنانير تتعين في ذوي الشبهات على المشهور، نقله ابن عبد السلام وتتعين في باب الصرف على المشهور حرصاً على المناجزة، نقله ابن بشير.
وكذلك نقل

صاحب المقدمات، فقال: مذهب مالك وجمهور أصحابه في الصرف أنها إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنه تعين إما بالقبض أو المفارقة.
وحكى المازري الاتفاق على أنها تتعين بالمفارقة.
وقال ابن القصار: الظاهر من المذهب أنها لا تتعين.
المازري: وفي كونه الأظهر نظر، لأن في المدونة ما يدل على اختلاف قول ابن القاسم في هذا، ففي السلم: أنها لا تتعين، لأن فيه: إذا أسلمت إليه في طعام أو غيره ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها، فذلك له وإن كنت اشترطت استرجاعها بعينها.
وفي كتاب كراء الرواحل: من اكترى بدنانير معينة ولم يشترط النقد ولا كانت العادة النقد، فإن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف.
وقال أشهب: لا يفتقر إلى هذا الشرط، والحكم يوجب الخلف.
فهذا من ابن القاسم ذهاب إلى أنها تتعين، لأنه لم يلزم خلفها إذا ضاعت إلا بالاشتراط.
وبعض أشياخي يشير إلى أن المذهب على ثلاثة أقوال، التعيين، وعدمه، والثالث: يتعين في جانب [433/أ] المشتري دون البائع.
فالأوليان مبنيان على الخلاف في الوفاء باشتراط ما لايفيد، ورأى في الثالث أن المشتري إذا اشترط التعيين كان له غرض صحيح في اشتراط تعيينها، لأنه يمكن ألا يكون عنده سواها فيشترط تعيينها لئلا يكلف خلفها إن ضاعت، بخلاف البائع فإنه لا يظهر لاشتراطه فائدة.
انتهى.
وعلله بأن الأصل تعلقها بالذمة ولا تعرف بعينها لما رد ابن بشير توجيه الباجي ذكر هو توجيهاً حاصله: أنا وإن قلنا أنها تتعين، فهي مضمونة بوضع اليد عليها ولا تعرف بعينها، وإذا كانت لا تعرف شابهت الدين،

والمشهور جواز صرفه.
ولا يريد ابن بشير أن كل واحد منهما علة مستقلة، وإلا لزم جواز صرف المصوغ لتعلقه بالذمة بوضع اليد.
والرهن، والعارية، والمستأجر، والوديعة إن كان مصوغاً فكالمغضوب، وإن كان مسكوكاً، فالمشهور: المنع .... قوله: (فكالمغضوب) يعني: إما أن يبقى على حاله أو يتلف، أو يبقى على حال خيار كما في المغضوب، غير أن الوديعة لا ضمان فيها وكذلك المستأجر.
فمعنى (فكالمغضوب) أنه إذا كان حاضراً جاز، وإن كان غائباً فالمشهور المنع، وإن وجبت القيمة جاز على المشهور.
قوله: (وإن كان) أي: الغائب مسكوكاً، فالمشهور: المنع.
والفرق بين هذه المواضع والمغضوب، أنه في هذه غير متعلق بالذمة ولم يزل في ملك ربه، والمغضوب قد تعلق بذمة الغاصب بوضع يد العداء عليه، فلذلك تعاكس المشهور.
وظاهر قوله: (وإن كان مسكوكاً) يقتضي أن المسكوك تتصور فيه الإجارة والعارية.
وقد قال المصنف في الإجارة: المشهور منع إجارتها، وقيل: إن لازمها ربها صح.
وقال في العارية: لا تصح إعارة الدنانير والدراهم وأن إعارتها قرض.
ويجاب عنه: بأن هذا من باب صرف الكلام لما يصلح له وحذف ذلك للعلم به، ولما سيأتي، وشهرته عند طلبة العلم.
وكلامه في الجواهر أحسن من كلام المصنف، لأنه لا يرد عليه هذا، لأنه قال بعد ذكر مسائل: المسالة الرابعة صرف المرهون، فإن كان مصوغاً ففيه قولان، المنع حتى يحضر، والجواز نظراً إلى مكان التعلق بالذمة، وإن كان مسكوكاً فأجيز في رواية محمد ومنعه ابن القاسم.
والجواز لاحدى علتين، حصول المناجزرة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة فأشبه المغصوب، إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة على تلفه، وقولان إن قامت، والمنع نظراً إلى الحال وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.

الخامسة: صرف الوديعة، وفي الكتاب المنع منه، وروى أشهب الجواز في المسكوك منها.
واختلف في تعليله على طريقين، إحداهما: أنه مبني على أن يعقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله الباجي.
قاله الباجي: ويجب على هذا ألا يجوز في الحلي باتفاق.
والطريق الثاني: النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ، وقد ظهر تعليل بما قدمناه في المرهون.
فرعان: أحدهما: العارية وحكمها حكم الرهن، قاله الباجي.
قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
الثاني: المستأجر وحكمه حكم الوديعة.
انتهى كلامه في الجواهر.
والصرف على التصديق في الوزن والصفة ممتنع خلافاً لأشهب أي: إذا تصارفا وصدق أحدهما أو كل منهما الآخر في الوزن أو الصفة، فالمشهور المنع، وعلل بمراعاة الطوارئ، إذ يحتمل أن يوجد على غير تلك الصفة فيصير العقد مترقباً حله.
وما عزاه المصنف لأشهب تبع فيه اللخمي والمازري، وعزا صاحب البيان إليه المنع.
ووجه الجواز: أن النفوس مجبولة على حب المال، فلا يصدق المخبر إلا إذا كان من أهل الدين أو قامت قرينة فلا يتهم على تضييع حق الله تعالى.
ومن هذا تبادل الطعامين، فابن القاسم منعه على التصديق، وحكى عنه الإجازة في بدل الطعامين دون الصرف.
وعلى جواز التصديق في الصرف يجوز في تبادل الطعامين بل هو أولى، ومنعه ابن نافع في تبادل الطعامين فأحرى في الصرف.
فائدة: قال بعضهم: لا يصدق في الوزن والكيل في مسائل، المبادلة: فلا يصدق فيها في وزن ولا عدد لئلا يوجد نقص فيدخله التفاضل والتأخير.
والطعام الربوي بجنسه أيضاً.
والقرض:

لئلا يوجد نقص فيلتزمه المقترض عوضاً عن معروفه فيجر نفعاً.
والطعام المبيع إلى أجل: لئلا يلتزم النقص لأجل تأخيره، ورأس مال السلم، والمعجل قبل أجله، والصرف.
ونقص المقدار بالحضرة إن رضي به أو بإتمامه ناجزاً صح لما قدم الكلام على الافتراق أتبعه بما يطرأ على العقد من نقص أو استحقاق.
والباء للظرفية، والمجرور في محل حال، وتقدير كلامه: إن رضي الأخذ بالنقص أو رضي الدافع بإتمامه، فحذف رضي من الثاني لدلالة الأول عليه، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.
وقوله: (ناجزاً) من تمام الثانية، ويدل على محذوف مثله في الأول.
وإن لم يرض وكان غير معين أجبر الممتنع، وفي المعين قولان أي: وإن لم يرض الدافع بالإتمام ولا الأخذ بالنقص، فإن كان العقد وقع على دراهم أو دنانير غير معينة أجبر من امتنع منهما على إتمام ما دخلا عليه.
واختلف: هل يجبر الممتنع إن دخلا على معين.
ولعل سببهما الخلاف في الدراهم [433/ب] والدنانير هل تتعين بالتعيين أو لا؟ وإن كان بعد المفارقة أو الطول، فإن قام به انتقض على المنصوص كتأخير البعض، وإن لم يقم، فثالثها: إن كان قليلاً صح .... يعني: فإن وجد نقص المقدار بعد افتراقهما من المجلس أو بعد طوله، فإن أقام به وأخذ النقص بنقصه، فحكى الباجي والمازري: أنه لا خلاف في نقض الصرف.
وأجرى ابن شاس فيه قولاً بالصحة من الشاذ في تأخير البعض بل هنا أولى، لعدم الدخول عليه.
واعلم أن تأخير البعض له صور:

الأولى: أن يقع بشرط، ففي المقدمات: الاتفاق على بطلان الجميع.
وخرج ابن القصار قولاً بإمضاء المتناجز فيه من أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، وذكره اللخمي قولاً صريحاً.
الثانية: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخرا شيئاً، ففي المقدمات: ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، إن كان درهماً انتقض صرف دينار ما بينه وبين أن يكون الذي فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينار آخر ثم كذلك.
واختلف فيما وقعت فيه المناجزة، فمذهب ابن القاسم في المدونة بطلانه، وهو قول محمد، ولابن القاسم في الموازية قول بصحته.
وخص المازري، وابن شاسن وابن بشير هذا الخلاف بما إذا كان المؤخر أقل الصفقة، وأما إن كان أكثر الصفقة فينتقض بالاتفاق، إلا ما خرجه ابن القصار، وجعل ابن بشير النصف كالكثير في الاتفاق عليه.
وقال المازري: علم من المذهب قلة النصف في العروض، وأما الطعام فالنصف فيه عند ابن القاسم في حكم الكثير، وقال أشهب: الطعام كالعروض.
وظاهر ما قاله في المدونة: إن النصف في الدراهم والدنانير في حكم القليل، لقوله فيمن صرف مائة دينار بألفي درهم فلم يجد إلا خمسين: إن الصرف ينتقض، بخلاف ما لو وجد الخمسين زيوفاً، فإنه إنما ينتقض بقدرها، لكون الزيوف لا يفسد الصرف بوجودها.
انتهى.
الصورة الثالثة: أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان، أو غلط، أو سرقة من الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه، أو أحدهما، فيمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق.

ابن رشد: واختلف هل ينتقض فيما لم يحصل فيه التناجز إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه ديناراً بدراهم فيجد في الدراهم درهماً ناقصاً، فيقول: أنا أتجاوزه، أو لا ينتقض من الصرف شيء، على قولين، أحدهما: أن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار، إلا أن يزيد النقص عليه فينتقض ديناران.
والثاني: أن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان كالزائف إذا رضي به.
قوله: (وإن لم يقم) أي: فإن رضي الأخذ بالنقص ولم يقم به، فحكى المصنف تبعاً للمازري وابن شاس ثلاثة أقوال.
المازري: وهو روايات: الأولى: يفسخ جميع الصرف، لكون الفساد قد دخل بعضه فسرى إلى كله.
والرواية الثانية: أنه يمكن من ذلك ولا يفسخ ما تناجزا فيها، كما يمكن من الرضى بالزيوف.
والثالثة: تمكينه من ذلك إن كان النقص يسيراً، والمنع منه إن كان كثيراً.
ابن عبد السلام: وأكثرهم على أنه لا يفسخ.
خليل: والأقرب هو الثالث، لأنه الذي تسمح به النفوس، والمشهور: جواز الرضى مطلقاً، لكن بشرط أن يكون النقص في الوزن، وأما إن كان النقص في العدد فإنه لا يجوز الرضى على المشهور.
والقليل: ما تختلف به الموازين.
وقيل: دانق في دينار، ودرهم في مائة هذا فرع على القول الثالث، وجعل صاحب المقدمات اختلاف الموازين توفيقاً بين قولي ابن القاسم، فإنه روى اغتفار الدانق والدانقين مرة وعدم اغتفارهما مرة، وأنه رأى في الأولى: أن ذلك القدر مما تختلف به الموازين.
وفي الثانية: أنه مما لا تختلف به، وأنه لا خلاف في اغتفار ما تختلف به الموازين.

قال شيخنا- رحمه الله تعالى-: وليس المراد بالدانق في القول الثاني ما سيأتي وهو السدس، بل الدانق في اصطلاح الْحُسَّابِ: أن الدينار أربعة وعشرون قيراطاً وكل قيراط أربعة دوانق، فيكون الدانق جزءاً من ستة وتسعين جزءاً ليكون مناسباً للدرهم في مائة.
قيل: وتبع في قوله: (ودرهم في مائة) ابن شاس، والمنقول إنما هو الدرهم في الألف.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في الموازية: إن نقصت الألف درهم مثل الدرهم فهو خفيف.
والدانق بفتح النون وكسرها، الجوهري: وربما قالوا داناق.
ونقص الصفة إن كان كرصاص، فكالمقدار على الأظهر لما كان النقص قسمين، نقص مقار، ونقص صفة.
وتكلم على نقص المقدار اتبعه بالكلام على نقص الصفة.
وإدخاله ما كان كالرصاص في نقص الصفة فيه تجوز والعلاقة المشابهة، فإنه شابه الزائف في وجوده حساً، والقولان للمتأخرين، قاله ابن بشير.
وقوله: (كالمقدار) أي: إن رضي به أو بإتمامه ... إلخ.
التفصيل: ووجه الأظهر أن وجوده كعدمه.
ورأى مقابله أن هذا هنا مقبوض، وكونه لا قيمة له لا يضر كما في المشغوش.
وإن كان مغشوشاً فإن رضي به صح كالمعاير بمصر، وتسميه المغاربة النحاس، وفي المدونة الستوق.
الباجي، والمازري: ولا خلاف فيه، لأن القبض في المقدار المعقود عليه حصل، وإنما وقع النقص في صفته فله الرضى به كسائر العيوب.
وإن لم يرض وكان غير معين، فقولان: النقص، وجواز البدل.
وفي المعين طريقان: جواز البدل، والقولان ... [444/أ] أي: وإن لم يرض قابض المغشوش به، فإن كان الصرف بينهما على دراهم ودنانير غير معينة، كما لو قال: بعني عشرة دنانير بمائتي درهم، فقولان، أحدهما: النقض.

المازري: وهو المشهور.
والثاني: جواز البدل لابن وهب.
وحكى اللخمي هذين القولين فيما إذا وقع التعيين من جهة دون أخرى، ولم يحك في البطلان إذا لم يحصل التعيين خلافاً.
وبنى المازري وغيره الخلاف على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فلا يجوز لعدم المناجزة، أو نقض له الآن وابتداء مبايعة فيجوز.
وإن كان الصرف بينهما على شيء معين، كما لو قال: بعني هذا الدينار بهذه العشرين درهماً، فحكى المصنف طريقين، إحداهما للخمي، وأصلها لأبي بكر بن عبد الرحمن: أن المذهب كله على إجازة البدل، لأنهما لم يفترقا وفي ذمة أحدهما شيء، فلم يزل مقبوضاً إلى وقت البدل لأنهما لم يفترقا، بخلاف غير المعين فإنهما تفرقا وذمة أحدهما مشغولة.
والثانية، قال في الجواهر: هي لجل المتأخرين، وأصلها لابن الكاتب أن القولين في هذه كالتي قبلها، ولا فرق بين التعيين وعدمه، ولذلك أدخل المؤلف الألف واللام التي للعهد على القولين، وهذه الطريقة أشد، لتقدم الخلاف في الدنانير والدراهم، هل تتعين بالتعيين أم لا؟ ابن عبد السلام: ولم يتعرض المصنف في هذا الفصل للنقض، هل هو في القليل أو الكثير كما تعرض لذلك في الذي قبله، ومسائلهم تدل على تخصيص القليل.
وإذا قيل بالنقض للنقص مطلقاًن فخمسة: فقيل ينقض الجميع مطلقاً، وقيل: إن لم يسم لكل دينار.
وقيل: دينار.
وقيل: أو كسر إن كان النقص مقابله أو أقل.
وقيل: ما قابل النقص ... أي: وإذا انتقض الصرف لأجل النقص مطلقاًن أي: في المقدار، والصفة، والتعيين وعدمه، فخمسة أقوال- ولذلك أتى بالتاء-: الأول: ينتقض الجميع، وعزاه اللخمي لابن القاسم في العتبية، لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطل كلها.

والثاني: ينتقض الجميع إن لم يسم لكل دينار شيئاً، كما إذا قال: هذه العشرة دنانير بمائتي درهم.
وأما إن سمي، كقوله: كل دينار بعشرة، فإنما ينتقض في دينار إن لم يقابل الزائف أكثر منه، وهو للقاضي إسماعيل، وابن الجلاب، وعبد الوهاب.
وزعم الباجي: أن الخلاف يرتفع إذا سمى لكل دينار وأنه لا ينتقض إلا دينار، وإنما الخلاف إذا لم يسم.
ورد عليه المازري: بأن الروايات وقعت مطلقة وإنما فصل هذا التفصيل من تقدم ذكرهم.
والقول الثالث: إنما ينتقض دينار واحد سمي أو لا، المازري، وابن راشد، وابن عبد السلام وغيرهم، وهو المشهور.
والقول الرابع: أنه ينتقض صرف أصغر الدنانير.
والفرق بينه وبين الثالث، أنه على الثالث ينتقض صرف دينار كامل ولا ينتقض على الرابع إلا صرف أصغر الدنانير، وتبع في هذا ابن شاس، وابن بشير.
وفي نقلهم نظر، لأن المازري وغيره إنما ذكروا أربعة أقوال وجعلوا القول بنقض الدينار أو أقل منه قولاً واحداً، ونحوه لابن يونس.
المازري: وإذا تقرر أن المذهب المشهور اختصاص الفسخ بدينار، فإنه يقتصر في ذلك على أقل ما يوجد في الدنانير.
ونقله الباجي أيضاً عن ابن القاسم فقال، قال ابن القاسم: يرد منها أصغر قرض.
الخامس: على نقل المصنف ينتقض ما قابل النقص.
اللخمي، والمازري: وهذا بناء على القول بجواز أن يصرف بعض دينار.
وسبب الخلاف، هل المجموعة في مقابلة الأجزاء، أو الأجزاء في مقابلة الأجزاء، أو يفصل بين أن يسميا شيئاً أو لا، لأنهما إذا سميا لكل دينار شيئاً صارت كأنها عقود متفرقة.

تنبيه: جعل اللخيم محل هذا الخلاف إذا وقع الصرف على غير معين، وأما إن وقع على معين، فإن قابل الزائف دينار واحد أو وجد العيب بدينار واحد، ينتقض صرف دينار واحد بالاتفاق.
فرع: ولو كان في الصرف سكك مختلفة، فقال أصبغ: يختص الفسخ بالدينار الأعلى والأطيب.
وقال سحون بفسخ الجميع.
وشرط البدل: الجنسية، والتعجيل خلافاً لأشهب فيهما قرره ابن راشد على ظاهره.
وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: هذا الخلاف الذي ذكره لا يعرف في البدل، وكيف يكون في البدل ومذهب ابن القاسم وأشهب منعه، وإنما هو في الصلح عن القيام بالعيب، ولذلك قال ابن عبد السلام: إنما يعرف هذا الخلاف لابن القاسم وأشهب في مسألة الطوق المذكورة أول الصلح.
وقد ذكرها المصنف في الصلح، وسيأتي الكلام عليها.
خليل: ولعل المصنف بنى على أن لازم القول قول، فنسب لابن القاسم وأشهب ما ذكره.
وقد خرج اللخمي قولي ابن القاسم وأشهب من مسألة الطوق في هذه المسألة ونصه: وإن لم يرد، أي: الزائف، وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسالة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال، فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه إليه نقداً ولا يرده إلى أجل.
وأجازه أشهب نقداً وإلى أجل.
ومنعه سحنون إذا افترقا فيهما.

وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز وإن كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا لا نقداً ولا إلى أجل، والجواز أحسن.
وفي ابن يونس: إذا باع طوق ذهب بألف درهم، ثم وجد بالطوق عيباً فصالحه بائع الطوق على دنانير أو دراهم، فقال ابن القاسم: يجوز ذلك إن كانت الدراهم من نوع الدراهم [444/ب] التي قبض منه، وإن كانت من غير سكة ما قبض منه لم يجز، وكذلك لو صالحة على نقرة، وقال أشهب: لا باس بذلك كله.
والمزيد بعد الصرف كجزئه، وقيل: كالهبة أي: من صارف رجلاً ديناراً مثلاً بدراهم، ثم زاد أحدهما صاحبه زيادة لأجل الصرف، فإنه إذا فسخ الصرف لفساد في العقد، فإنه يرد جميع ما أخذ مع المزيد، وهذا معنى قوله: (كجزئه) وقيل: كالهبة، فلا يرد إلا المدفوع أولاً ولا يرد المزيد، ويحتمل أن يريد بقوله: (كجزئه) أنه اطلع على عيب في المزيد أن له القيام ونقض الجميع.
(وقيل: كالهبة) فلا قيام له إن اطلع فيه على عيب.
ورأينا أن نأتي بالمسألة من المدونة ثم نذكر ما يتعلق بها ونبين ما هو الأليق بكلامه، قال فيها: وإن صرفت من رجل ديناراً ثم لقيته بعد أيام، فقلت له: قد استرخصت مني الدينار فزدني فزادك دراهم نقداً أو إلى أجل، فجائز ولا ينتقض الصرف، وليس لك رد الزيادة لعيب فيها، وإن كان الدينار رديئاً فرددته أخذ منك الذي زادك مع دراهمه، لأنه للصرف زادك فترده برده.
وكذلك الهبة بعد البيع للبائع إن رد السلعة بعيب أخذها.
ولأشهب عن مالك في الموازية: أنه يبدل المزيد الزائف.
فحمله بعض الأشياخ على الخلاف، وبعضهم على الوفاق، ولهم في التأويل وجهان، أحدهما لابن القاسم وغيره: أن

ما في الموازية محمول على إيجاب الزيادة، لأنه قال فيها: لقيته، فقال: نقصتني من صرف الناس فزدني فزاده، أنه يفهم إذا زاده فقد ألحقه بصرف الناس وقد أوجب الزيادة.
والتأويل الثاني ذكره صاحب النكت عن بعض شيوخه: أن الخلاف مبني على تحقيق فرض المسألة، فإن قال له: أزيدك هذا الدرهم فوجده زائفاً فلا يرده، لأنه إنما رضي أن يهبه ذلك الدرهم على ما هو به فلا يلزم بغيره.
وإن قال: أزيدك درهماً فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهماً فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهما جيداً، وإليه ذهب اللخمي.
ورد المازري هذا التفصيل، لأن في المدونة ما يمنعه، لأنه قال فيها: فزاده درهماً نقداً أو إلى أجل، والذي إلى أجل هو في الذمة.
وقد نص على أنه ليس عليه بدله.
وفي كلام عبد الحق إشارة إلى الجواب، لأنه تأول قوله: إلى أجل.
على أنه قال له: أنا أزيدك، أو قال: تأتني عند أجل كذا وكذا، ثم عند الأجل أتاه فأعطاه درهماً فوجده زائفاً فليس عليه بدله، لأنه رضي بما دفعه غليه ولم يلزم غيره، بخلاف قوله: أزيدك درهماً.
فإنه يحمل على الجليد.
وقال القاضي إسماعيل: الزيادة كالجزء يبطل الصرف بتأخرها كما لو تأخر جزء من الصرف، ونص كلامه في المبسوط: إن كان الذي زاده بعد المصارفة إنما هو لإصلاح ما مضى ولمخالفة أن ينتقض ما بينهما، أو لمعنى من المعاني، فإن الزيادة تبطل الصرف.
واستدل بقول عبد الملك في رجلين اشتريا شاة من رجل، ثم إن البائع وضع لأحدهما شيئاً من الثمن، فإن كان ذلك شيئاً يشبه إصلاح ذلك البيع فهو بينه الشريكين، وإن كان لا يشبه إصلاح ما مضى، مثل أن يحط عنه أقله أو أكثره فإنما هي هبة وليست من البيع.
فإذا تقرر هذا فادعى بعض من تكلم على هذا المحل أن الحق هنا حمل كلام المصنف على الوجه الثاني، أي: هل ينتقض الصرف بتأخيرها؟ قال: وهو مذهب القاضي إسماعيل.
أو لا ينتقض؟ قال: وهو مذهب المدونة.

خليل: وفيه نظر، لأنه يلزم أن يكون المصنف قدم غير المشهور.
وقال ابن عبد السلام: إن قوله في المدونة يوافق القول الأول على الاحتمال الأول، أي: إذا رد، رد الزيادة.
قال: ويكون القول الثاني على الاحتمال الثاني من تمامه.
ولو استحق المسكوك بعد المفارقة أو الطول أو التعيين انتقض على المشهور، وإلا فالعكس .... أي: إذا اصطرفا بمسكوك من الجانبين أو من جانب فاستحق المسكوك بعد المفارقة، أو بعد أن طال المجلس ولم يفترقا، أو كان المسكوك المعقود عليه معيناً وإن لم يحصل طول ولا مفارقة، فإن الصرف ينتقض على المشهور، إذ لا يلزمه غير ما عين، وإن لم يعين فقد تعينت بالقبض أو المفارقة على ما نقله ابن رشد كما تقدم.
ورأى في الشاذ أنها لا تتعين، فيجبر على البذل في الثلاثة.
وقوله: (وإلا فالعكس) أي: فإن لم تكن مفارقة ولا طول ولا تعيين لم ينتقض.
قال بعض من تكلم على هذا الموضع: والمراد بالعكس عدم النقض فقط، لا باعتبار دخول الخلاف وانعكاس المشهور، لأنه إذا لم يكن طول ولا افتراق ولا تعيين أجبر على البدل إذا كان عنده غيرها اتفاقاً.
وكلام المصنف قريب من كلام صاحب الجواهر، وذكر أن المشهور مذهب المدونة، وعزا الشاذ لأشهب، وجعل هذا الخلاف إذا حصلت المفارقة أو الطول.
وقال ابن الكاتب: إنما اختلاف ابن القاسم وأشهب إذا حصل استحقاق بالحضرة، فعند ابن القاسم لا يلزمه الإتيان بمثلها سواء وقع الصرف على معين أم لا، وعند أشهب لا يلزمه ذلك إذا كانت الدراهم معينة، وأما إذا كانت غير معينة فينتقض.

وذكر ابن عبد السلام أن القرويين اختلفوا في محل القولين اللذين في المدونة، هل هو عند الاقتران أو الطول، أو عند عدم كل واحد منهما.
ولنذكر لفظه في المدونة ليتبين لك الفهمان، قال فيها: ومن اشترى إبريق فضة بدنانير أو دراهم، فاستحقت الدنانير أو الدراهم انتقض البيع لأنه صرف، ومن صرف دنانير بدراهم فاستحقت الدراهم [445/أ] انتفض الصرف.
وقال أشهب: لا ينتقض إلا أن تكون دراهم معينة يريه إياها، وإنا باعه بدراهم عنده أو من كيسه أو تابوته فعليه مثلها مكانه ما لم يفترقا.
ابن القاسم: ولو أنه إذا استحقت ساعة صارفه، قال: خذ مثلها مكانه قبل التفرق جاز، ولو طال أو تفرقا لم يجز.
فقوله في قول أشهب: مكانه ما لم يتفرقا.
دليل على أنه إنما يخالف إذا كان بالحضرة.
وقوله في المدونة في أول المسألة: ينتقض الصرف.
يحمل على ما إذا لم يكن بالحضرة.
تنبيهان: الأول: قيد ابن يونس قوله في المدونة: إنها إذا استحقت وقال له ساعة صارفه: خذ مثلها جاز بما إذا تراضيا، وكذلك قال ابن المواز.
وغمز أبو بكر بن عبد الرحمن ما قاله ابن المواز من اشتراط التراضي، قال: لأنه لو كان مراده أن الخلف إنما يجوز بالتراضي لم يكن لتقييد هذا الجواب بقوله: ما لم يفترقا معنى، لأنهما إذا افترقا وتراضيا على خلف الدراهم المستحقة صار ذلك مستأنفاً لا يمنع منه ما تقدم من عقد بطل باستحقاق الدراهم.
المازري: وهذا قد يعتذر عنه بأنه قيد بقوله: ما لم يفترقا، لأنهما إذا افترقا وتراضيا ببدل الدراهم المستحقة صار ذلك تتميماً للعقد المتقدم الذي كشف العيب أنهما لم يتناجزا فيه، وقد تتطرق التهمة لكون العاقدين أو أحدهما قصد إلى ذلك في أصل العقد.
التنبيه الثاني: ما تقدم في متن كلام المصنف والتعيين ثابت في كل النسخ التي رأيتها، وكذلك ثبت ذلك في نسخة ابن رشد وسقط من نسخة ابن عبد السلام.
والإثبات

موافق لكلام المازري وابن شاس، فإنهما أشارا إلى أنه إن حصل التعيين انتقض الصرف ولو مع الحضرة على المشهور، لأنهما نص على أن هذه المسألة تجري على الخلاف في تعيين الدراهم بالتعيين، وقد صرح اللخمي بذلك، أعني: بالنقض إذا كانت الدراهم معينة، سواء استحق بالحضرة أم لا، لكنه مخالف لما تقدم من أن ابن القاسم يجيز البدل في الدراهم مطلقاً، سواء كانت معينة أو لا، وإنما يأتي الإثبات على قول أشهب فتأمله.
ولو استحق المصوغ انتقض مطلقاً يعني: لو وقع العقد على مصوغ من الجهتين أو أحدهما فاستحق، انتقض الصرف سواء كان بحضرة العقد، أو الافتراق، أو الطول، وإليه أشار بقوله: مطلقاً، لأن المصوغ يراد لعينه.
ثم إن كان لم يخير المصطرف، فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي ... أتى بـ (ثم) للتراخي: أي: إذا عقد الصرف بمصوغ ثم انتقض بسبب الاستحقاق، فإن أراد المستحق إجازة العقد فلا يخلو المصطرف- وهو المشتري لهذا-: إما أن المستحق مخبر بأن المصوغ ليس ملكاً للدافع أو لا، فإن لم يخبره فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، أي: في المصوغ والمسكوك، قاله بعضهم وهو الظاهر.
وقال ابن عبد السلام: وهو عائد على الصورتين المفهومتين من السياق، وهما: كون الاستحقاق بحضرة الصرف أو بعد ذلك.
قال: ويحتمل أن يعود الضمير على صورتين منطوق بهما، وهما: كون الاستحقاق بعد الطول وقبل المفارقة، والثانية بعد المفارقة، ورجح هذا على الأول بأن عود الضمير على منطوق به أولى.

وقوله: (على المشهور).
أي: لأن خيار المستحق أدى إليه الحكم.
والشاذ لأشهب: يمنع كخيار الشرط.
ونظيرها ما إذا قال لوكيله: أبدل لي فولاً بقمح فأبدله بشعير، وكذلك فيما يطلب فيه التناجز.
وأطلق المصنف في المشهور، وهو مقيد بحضور المصوغ، نص عليه في التهذيب.
وناقض سحنون قول ابن القاسم هذا بحضور اشتراط الخلخالين، بقوله فيمن استودع قمحاً فباعه بطعام مخالف: إن للمستحق إجازة البيع، ولم يشترط حضور القمح.
والفرق أن المودع ضمن القمح بتعديه بالبيع فوجب في ذمته مثله فأخذ عنه تمراً، ذلك جائز، إذ لا معنى لاشتراط حضور ما بقي في الذمة، بخلاف الذي تولى الصرف في مسألة الخلخالين فإنه غير متعد فلم تتعلق بذمته، فأشبه صرفها صرف الوديعة، فلذلك اشترط الحضور.
وناقض اللخمي والمازري قول أشهب هنا بقوله: في العبد يتزوج حرة بغير إذن سيده ويدخل بها، ثم توجد هي تزني، أن رجمها موقوف على إجازة السيد النكاح، فإن أجازه كانت محصنة ورجمت، وإن لم يجزه لم ترجم وحدت حد البكر، وهو اعتراض ظاهر.
فلو أخبره، فهو كصرف الخيار أي: فلو أخبره دافع المصوغ أنه ليس له وأنه تولى الصرف فيه بغير إذن ربه، فهو كصرف الخيار الشرطي، وقد تقدم أن المشهور منعه.
والصرف والبيع ممتنع، خلافاً لأشهب إلا في اليسير أي: أنه لا يجوز أن يجتمع في العقد بيع وصرف إلا في اليسير، وجوزه أشهب في اليسير والكثير.
والاستثناء يحتمل أن يرجع إلى قوله: (ممتنع) ويحتمل أن يرجع إلى (خِلاف) أي: إلا في اليسير، فإن أشهب لا يخالف في ذلك.
ووجه المشهور بوجوه:

أحدهما: أن اجتماع البيع معه يؤدي إلى ترقب حله بوجود عيب في السلعة.
ثانيها: لأن الصفقة قد جمعت بين عقدين مختلفي الأحكام، لأن الصرف لا يجوز فيه التأخير والخيار بخلاف البيع.
ثالثها: لئلا يؤدي إلى صرف بنسيئة، من حيث أن السلعة قد تستحق فلا يعلم ما يصيب الصرف من الثمن إلا في ثاني حال.
سند: وليس هذا من باب النسيئة، [445/ب] وإنما هو من باب الجهالة.
ورأى أشهب أن العقد قد اشتمل على جائزتين فلا منع.
فإن وقع على المشهور، فقيل: هو كالعقود الفاسدة يفسخ ولو مع الفوات، وقيل: هو من البياعات المكروهة فيفسخ مع القيام لا مع الفوات.
ابن رشد: وهو المذهب.
فائدة: قال القذافي: لا يجتمع مع البيع يجمعها قولك: (جص مشنق) فالجيم: للجعالة.
والصاد: للصرف، والميم: للمساقاة.
والشين: للشركة.
والنون: للنكاح والقاف: للقراض، لتضاد أحكامها.
ونظمها بعضهم فقال: عقود منعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللفظ جص مشنق فجعل وصرف المساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقق

فإن كان الجميع ديناراً فيسير، وقيل: مع كون أحدهما ثلثا فأدنى، وقيل: مع كونه كالدرهم يعجز .... الأول: هو مذهب المدونة، ولا يشترط فيه أن يكون الصرف أو البيع تابعاً، بل كيفما كان فهو جائز، لأن الضرورة داعية إلى الوقوف في مثل هذا كثيراً.
والقول الثاني: عدم الجواز إلا بشرط التبعية، إما بأن يكون البيع تابعاً للصرف أو العكس، والتابع هو الثلث فأقل.

والقول الثالث: لا يجوز الصرف والبيع في دينار إلا أن يكون البيع يسيراً، مثل أن يصرف ديناراً بعشرة دراهم فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضاً بقدره لتحقق الضرورة، وهو قول عبد الوهاب.
ولابن القاسم في الموازية رابع: جواز كون الصرف في الدينار الواحد تابعاً الثلث فأقل، ومنع عكسه وهو كون البيع تابعاًز فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فاليسير أن يكون البيع بأقل من دينار، وقيل: أن يكون ثلثا فأدنى .... أي: فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فلابد أن يكون البيع في أقل من دينار، أي: لابد من اشتراك البيع والصرف في دينار، كما لو صارفه عشرة دنانير بمائة وتسعين ونصف إردب قمحاً والصرف بعشرين، وكلامه ظاهر التصور.
ونسب في الجواهر القول الذي صدر به المصنف لابن مناس، وذكر أن القول الثاني نقله ابن محرز عن بعض الأشياخ.
وأما إذا كان البيع أكثر لم يجز اتفاقاً، إلا في صرف أقل من دينار يعني: أن الخلاف المتقدم إنما هو إذا كان الصرف أكثر، وأما إذا كان البيع الأكثر، فالاتفاق على أنه لا يجوز إلا إذا كان الصرف في أقل من دينار كالقول الأول.
والمراد بالاتفاق: اتفاق القائلين بمنع اجتماع الصرف والبيع.
وأما على قول أشهب الذي يجيزهما مطلقاً، فلا.
ولا يقال ينتقض الاتفاق الذي حكاه المصنف بما حكاه بعضهم عن ابن حبيب من جواز دينار فأقل، لأن ابن يونس والمازري أنكراه.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الصرف أضيق من البيع، فإذا كان البيع تابعاً انسحب عليه حكم الصرف فكان أحوط، بخلاف العكس، واستشكل لأنهم يغلبون

حكم الصرف وإن كان قليلاً في وجوب تقديم السلعة على المعروف، خلافاً للسيوري في إبقاء كل من البيع والصرف على حكمهما على الانفراد، فأوجب تعجيل الصرف وأجاز تأخير السلعة.
وأما المستثنى اليسير، فروي أنه الدرهم، وروي الثلاثة، وروي قدر ثلث دينار، كسلعة بدينار إلا درهماً ... إن قلت: لم جوزا في مسألة الاستثناء ما لم يجوزوه في مسألة اجتماع البيع والصرف مع أنها راجعة إليها، إذ حاصل قوله: هذه السلعة بدينار إلا درهماً.
بعتك السلعة والدرهم بدينار، وهو بيع وصرف.
وإنما قلنا: إنهم أجازوا هنا ما لم يجيزوه هناك، لأنهم أجازوه هنا مع تأخير النقدين وتقدم السلعة.
فالجواب: أنه سؤال حسن، ولعلهم راعوا أن الاستثناء اصله أن يكون يسيراًن والضرورة تدعو إلى اليسير، والمتبايعان إنما بنيا كلامهما أولاً على البيع، فكان الصرف غير مقصود، بخلاف البيع والصرف، فإنهما لما أتيا أولاً بالصرف والبيع علم أنهما مقصودان.
وقوله: (فروي أنه الدرهم) مقتضاه: أنه لا يجوز في الدرهمين.
والذي في المدونة وغيرها: أن الدرهمين في حكم الدرهم.
ولم أر من اقتصر على الدرهم كما فعل المصنف، بل صرح المازري بالاتفاق على يسارة الدرهمين، والرواية بالثلاثة لابن عبد الحكم، والقول بأجازة الثلث للأبهري، هكذا نقله الباجي وابن شاس، ولم أر أحداً صرح بأنه رواية ابن راشد.
وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع البيع وفيه التأجيل على ما سيأتي إن شاء الله، وأما مع الانتقاد فيجوز أكثر من ذلك.

فإن كان نقداً فجائز، وفي تأجيل الجميع ممتنع أي: إذا كان الجميع السلعة والدينار والدرهم نقداً فجائز.
ابن راشد: بلا خلاف.
وإن تأجل الجميع فهو ممتنع، لأنه صرف مستأخر، ودين بدين إن كانت السلعة غير معينة، وبيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة.
وفي تأخير النقدين يجوز للتبعية يعني: فإن تقدمت السلعة وتأخر النقدان جازت المسألة، وعلل ذلك بالتبعية، أي: أن السلعة لما قدمت وتأخر الدينار علم أنهما غير مقصودين فلا يكون صرفاً مستأخراً.
وذكر ابن المواز الاتفاق فيه، لكن ذكر المازري وابن شاس أن ابن عبد الحكم خالفه، فمنع لكونه ديناً بدين وصرفاً مستأخراً.
قال في الجواهر، قال بعض المتأخرين: وقول ابن عبد الكم هو القياس، لاسيما إذا راعينا الاتباع في أنفسنا.
وفيها: ويقضي بما سميا، وقيل: بدراهم ويتقاصان [446/أ] يعني: إذا وقعت هذه المسألة على الوجه الجائز فاختلف فيما يقع فيه القضاء، فحكي عن المدونة أن البائع يعطي الدرهم والدرهمين أو يأخذ الدينار أو الدينارين، وليس ما نسبه للمدونة صريحاً فيها، بل هو ظاهرها عند الأكثرين.
وصرح المازري بمشهوريته.
ومنهم من فهمها على القول الثاني، وهو أن البائع إذا حل الأجل إنما يأخذ صرف دينار ينقص درهماً أو درهمين.
وتأجيل السلعة أو أحد النقدين ممتنع على المشهور يعني: لو تقدم النقدان وتأخرت السلعة، أو تقدمت السلعة وأحد النقدين وتأخر النقد من أحدهما، المشهور فيها المنع، وهو مذهب المدونة.
وقيل: المشهور فيما إذا تأجلت

السلعة مقيد في الموازية بما عدا التأخير اليسير، قال فيها: إلا أن يتأخر بمثل خياطته، أو حتى يبعث في أخذه وهو بعينه فلا بأس به.
والشاذ: الجواز فيهما.
ونقل في المدونة الشاذ في مسألة تأجيل السلعة عن مالك من رواية أشهب.
ونقل صاحب الجواهر وغيره الشاذ في مسألة التأخير في أحد النقدين عن مالك من رواية ابن عبد الحكم.
وقد يظهر ما رواه ابن عبد الحكيم ببادئ الرأي، لأنه إذا جاز تأخير النقدين معاً فلأن يجوز تأخير أحدهما أحرى.
والفرق للمشهور أن الاعتناء بالتقديم يدل على أنه المقصود عند المتباعين، فإذا تقدمت السلعة وتأخر النقدان دل تقديمها على أن البيع هو المقصود، بخلاف ما إذا تقدم أحدهما، فإنه يدل على أن الصرف مقصود ولم يحصل شرطه وهو المناجزة.
فإن استثنى دراهم من دنانير، فثالثها: يجوز في النقد.
مثال ذلك: لو باع مائة ثوب بمائة دينار ينقص كل دينار درهماً، فمن أجاز رأى أن نسبة درهم إلى مائة دينار كنسبة الدرهم إلى الدينار، ويحتمل أن يكون مبنياً على جواز الصرف والبيع مطلقاً.
ومن منع نظر إلى كثرة، ولا خفى عليك توجيه الثالث.
وتبع المصنف في حكاية هذه الأقوال ابن بشاس، وإطلاق الأقوال هكذا مشكل، ولاسيما الجواز مطلقاً والمنع مطلقاً.
والمقصود في الموازية: فيمن ابتاع مائة جلد كل جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم، وذلك كله نقله ابن عبد السلام أن هذا جائز، ثم تحاسبا بعد البيع فصارت أربعة عشر ديناراً، فلا خير في هذا البيع.
محمد: تحاسبا أو لم يتحاسبا لكثرة الدراهم في المؤخل.
مالك: ولو قطعوا صرف الدراهم قبل العقد ووعت الصفقة بدنانير معلومة جاز ذلك

نقداً ومؤجلاً، مثل أن يقول: إن وقع بيننا بيع بدراهم فبيعها كذا وكذا بدينار فهذا الجائز، وإلا لم يجز نقداً ولا إلى أجل، لأنه صرف وبيع إلا في دراهم يسيرة.
وقال مالك في التعبية: إذا كان ذلك قبل البيع.
وقد حققها في البيان تحقيقاً شافياً، فقال: إن وقع البيع بينهما على أن يتقاصا من الدنانير ما اجتمع من الدراهم المستثناة بسوم سمياه ولم يفضل من الدراهم شيء بعد المقاصة، مثل أن يبيع ستة عشر ثوباً كل ثوب بدينار إلا درهماً على أن يحسبا ستة عشر درهماً بدينار، جاز البيع نقداً أو إلى أجل، لأن البيع انعقد بخمسة عشر.
وكذلك أن فضل بعد المقاصة درهم أو درهمان، لأنه يجوز أن يبيع الرجل السلعة بدينار إلا درهماً وإلا درهمين على أن يتعجل السعلة ويتأخر النقدان، فإن فضل بعد المحاسبة دراهم كثيرة فيجوز البيع إن كان نقداً ولا يجوز إلى أجل.
وإن لم يقع بينهما على شرط المحاسبة، فيجوز إن كانت الدراهم المستثناة الدراهم والدرهمين نقداً أو إلى أجل، ويجوز إن كانت كثيرة دون صرف دينار إن كان نقداً، ولا يجوز إلى أجل.
وإن كانت أكثر من صرف دينار، فلا يجوز نقداً ولا إلى أجل غير مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك.
ولا تنفع المحاسبة بعد البيع إذا لم يقع البيع بينهما على ذلك.
فإن استثنى جزءاً جاز مطلقاً، وقيل: كالدراهم، بناء على أن جزء الدينار ذهب إلى القضاء أو ورق .... كما لو باع بدينار إلا سدساً أو خمساً ونحو ذلك، فالمشهور: أنه يجوز مطلقاً بالنقد والأجل، بناء على أن جزء الدينار ذهب فيقاصه.
والقول الثاني: لا يجوز في هذه الصورة إلا ما جاز في مسألة الدراهم، بناءً على أن جزء الدينار ورق، إذ لا يقضي القاضي عليه عند المناجزة إلا بالورق.

المماثلة، ولطلب تحققها منع بيع دينار ودرهم أو غيره بدينار ودرهم أو غيره لما فرغ من المناجزة أتبعها بالمماثلة، ولا شك في طلبها، ولأجل أنه لابد منها منع ما يوجب شكاً فيها، فلا يجوز أن يضاف إلى أحد النقدين جنس آخر كما مثل، خشية أن تكون الرغبة في أحد الدرهمين أكثر فيقابله من الجهة الأخرى أكثر من درهم، فيؤدي إلى التفاضل.
وقوله: (أو غيره) أي: ثوب أو غيره من الطعام ونحوه.
[446/ب].
فأما درهم بنصف فما دونه أو فلوس أو طعام، فجائز للضرورة، وبأكثر من نصف ممتنع.
وقيل: لا يجوز إلا في أقل من نصف.
وقيل: لا يجوز إلا في غير الفلوس.
وقيل: لا يجوز بحال وإن قل .. هذا مستثنى من القاعدة المذكورة، وعلل الجواز فيه بالضرورة.
ومعنى المسألة: أن يعطي الإنسان درهماً فيأخذ بنصفه فلوساً أو طعاماً ويرد عليه النصف الآخر فضة.
وذكر الشوشاي، وأبو الحسن وغيرهما لهذه المسالة ستة شروط: أولهما: أن يكون في الدرهم الواحد، لأن الضرورة غالباً إنما تدعو إليه، فلا يجوز في أكثر ولا في دينار، لقول مالك في كتاب محمد: فيمن اشترى بثلث دينار قمحاً فدفع ديناراً وأخذ قطعة ذهب منقوشة أكره ذلك، وعلله اللخمي باختلاف بيع الدينار وكسره، بخلاف الدرهم وكسره.
الثاني: أن يكون في بيع وما في معناه كالإجارة، احترز به من القرض، لأنه لا ضرورة تدعوهم في القرض.
الثالث: أن يكونا مسكوكين.
الرابع: أن يكونا المردود النصف فما دون، وأجاز أشهب ثلاثة أرباع.
الخامس: أن ينقد الجميع، وإن تأخر أحد العينين جرى على الخلاف في مسألة الدرهم والدرهمين إذا تأخر أحد العينين.

فصول الكتاب · 120 فصل · 620 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب · 620 صفحة
المقدمة
الأَوَانِي
الوضوءالاسْتِنْجَاءُالْغُسْلُالتَّيَمُّمُالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِالحيضالنِّفَاسِ؛النفاسالأَذَانُ
الإِقَامَةُ
صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
شروط الإمامة
صَلَاة الْخَوْفِصَلاةُ الْعِيدَيْنِصَلاةُ الْكُسُوفِصلاة الاستسقاءصَلاةُ التَّطَوُّعِالْوِتْرِ،الوتر
سجود التلاوة
الْخُلْطَةُ
زكاة الحرث
صدقة الفطر
الاعتكاف
َالْعُمَرَةُ
أفعال الحج
َسَنَنُ الإحرام
دِمَاءُ الْحَجِّالهديالهديالصيد
الذَّبَائِحُ
العقيقة
الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
الجزية
الجزية
السَّبْيُ
الصداق
الصداقَنِكَاحُ الشِّغَارِ:
نكاح التفويض
المتعةالوليمةالْقَسْمُ والنُّشُوزُ:
الطلاق
اللعان
العدد
النَّفَقَاتُ:
الحضانة
المراطلة
بيع الملامسةبيع المنابذةبيع الحصاةبيع وشرطبيع العربانبيع الكلببيع النجشبيع الحاضر للباديالبيع بعد نداء الجمعةتلقي السلع
بيوع الآجال
الخيارخيار النقيصة
خيار النقيصة
العرايا
السلم
القرضالمقاصة
الرهن
الضَّمَانُالتفليس
الحجر
الحجرالصلحالحوالة
الضمان
الوِكالَةَ،
الشركة
الوكالةالإقرارالاستلحاقالوديعةالعاريةالضَّمَانُ:
الغصب
الاسْتِحْقَاقُ:
الشفعة
الْقِسْمَةُ:
القراض
المزارعةالمساقاةالإجارةالمزارعة
الإجارة
الجعالةإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:الوقفبَيَانُ مُقْتَضَى الأَلْفَاظِالهبةاللقطة
اللقيط
موجبات الجراح
كِتَابُ الدِّيَاتِ
القسامةالبغيالردةالردةالزنى
الْقَذْفُ:
الحرابةالشُّرْبُ
العتق
التدبير
الكتابة
اُمَّهَاتُ الأَوْلادِ
الوصايا
الفرائض
الفرائض
جارٍ التحميل