.
ابن عبد السلام: والصواب لو قال على الجمهور موضع الإجماع، فقد حكي عن ابن المسيب، وابن شبرمة وغيرهما أنه فرض عين.
وحكي عن سحنون أنه سنة وليس بفرض.
انتهى.
وما حكاه عن ابن المسيب كذلك حكاه المازري.
والذي حكى اللخمي عن ابن شبرمة ليس بفرض.
والذي لسحنون في كتابه ابنه: كان الجهاد فرضاً في أول الإسلام وليس اليوم بفرض، إلا أن يرى الإمام أن يغزو طائفة فيجب أن يطيعوه، ويكون جهازهم من بيت المال.
وإذا تأملته تجده لا يدخل على السنية؛ لأن قوله: وليس اليوم بفرض.
يحتمل أن يريد بفرض عين وهو الظاهر؛ لأنه كان في أول الإسلام فرضاً على الأعيان.
المازري- بعد أن نقل عن سحنون كما ذكرنا-: وحكي عن سحنون أيضاً أنه قال: كان في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين وهو الآن مرغب فيه.
وأشار إلى أنه يمكن أن يؤول على من بعدت داره عن موضع الجهاد وقام به في بعض المواضع من يكفي.
وقد ذكر في المقدمات أنه قال: الآن فرض كفاية بإجماع كما قال المصنف.
والله أعلم.
وَقَدْ جَاهَدَ رَسُولُ اللِه صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ فِي الثَََّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ غَزْوَةَ بَدْرٍ، ثُمَّ أُحُدٍ، ثُمَّ ذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ بَنِي النَّضِيرِ، وَمُرَيْسِيعٍ وَفِيهَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَّةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، ثُمَّ خَيْبَرَ وَاعْتَمَرَ فِيهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ فَتْحِ مَكََّةَ وَفيهَا نَزَلَ عَلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، ثُمَّ تَبُوكَ وَهِيَ الأَخِيرَةُ، وَفِيهَا تَخَلََّفَ الثََّلاثَةُ وَجَمَاعَةٌ، وَفِيهَا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ [258/ أ]- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ فِي الْعَاشِرِ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ حَجِّهِ ...
تبع في هذا ابن بشير، ومقصدهما بذلك بيان مرتبة الجهاد في الدين؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه.
واعلم أن المصنف- رحمه الله تعالى- إذا عطف بثم فالمراد سنة ثانية، وإن عطف بالواو فهو مع ما قبله في سنة واحدة.
وقوله: (فِي الثَََّانِيَةِ) أي: في السنة الثانية.
وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ وَفِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الإِمَامُ مُطْلَقاً ...
يعني: أن الجهاد وإن كان فرضاً على الكفاية فهو يتعين في حالين: الأولى: أن ينزل العدو بقوم وفيهم قوة عليهم.
ابن راشد: ولا خلاف أعلمه فيما ذكره المصنف.
قال في الكافي: ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم الخروج.
قوله: (فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ) يريد: ما لم يخف من يليهم معرة العدو، فإن خافوا ذلك بأمارة ظاهرة فيلزموا مكانهم، قاله سحنون.
والحال الثانية: أن يعين الإمام طائفة فيتعين عليها.
قوله: (مُطْلَقاً) يحتمل تعينوا أم لا.
ويحتمل جاوره العدو أم لا.
ويحتمل كان من أهل الجهاد أم لا.
كالعبد والمرأة فإنهما حينئذ يلزمهما الخروج، نص عليه ابن شاس.
ويحتمل كان له مانع من أحد أبويه أو رب الدين أم لا.
ويحتمل أن يريد جميع ذلك.
فرع:
ويسقط وجوب الجهاد بالعجز الحسي وبالموانع الشرعية.
أما العجز الحسي: فكالصبا، والجنون، والأنوثة، والعمى، والعرج، والمرض، والفقر- أعني العجز عن السلاح، والركوب عند الحاجة إليه، ونفقة الذهاب والإياب- ولا يسقط بالخوف من المتلصصين؛ لأن قتالهم أهم.
أبو إسحاق: وقطعة الطريق أحق بالجهاد من الروم.
وأما الموانع الشرعية: فكالرق، ومنع صاحب الدين، ومنع الوالدين.
أما الرقيق فليس له جهاد دون أم سيده.
وليس لرب الدين المنع بالدين المؤجل ععن الجهاد ولا عن سائر الأسفار، فإن كان يحل في غيبته وكل من يقضيه، وإن كان حالاً ولا يقدر على قضائه فله السفر بغير إذن رب المال.
وللوالدين المنع ولا يبلغ الجد والجدة أن يلحقا بهما، وسفر العلم الذي هو فرض عين ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما.
ولهما المنع من ركوب البحار والبراري الخطرة للتجارة، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع.
والأب الكافر كالمسلم فيما عدا الجهاد من ذلك.
وقال سحنون: وكذلك لهما المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا الإسلام.
وَالْقُوَّةُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ ضِعْفَهُمْ فَمَا دُونَهُمْ عَدَداً.
وَقِيلَ: قُوَّةً وَجَلَداً
لما ذكر أن القوة شرط في تعيين الجهاد أخذ يفسرها، فذكر فيها قولين.
والقول باعتبار العدد لابن القاسم وجمهور الأصحاب.
ابن عبد السلام: وهو المعروف.
والقول باعتبار الجلد لابن الماجشون، ورواه عن مالك، واختاره ابن حبيب.
والأول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ([الأنفال: 66] الآية.
ولم تفرق الآية بين كافر وكافر.
وأيضاً فإن الإنسان قد يقاتل من لم يعاينه إلا حين القتال، فكيف يعلم منزلة من لم يخالط في الشجاعة.
اللخمي: ولا أراهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد.
يريد أن هذا الاتفاق مما يقوي القول الأول؛ لأنه إذا حمل اللفظ في هذه الصورة على الحقيقة وجب حمله في سائر الصور على ذلك.
ولا يقال
أن المصنف فسر القوة بالقوة في القول الثاني، لأنه لما قرن القوة الثانية بلفظ الجلد صار كأنه فسر القوة في الآية بالشدة والجلد.
والله أعلم.
تنبيه:
يستثنى على المشهور من اعتبار العدد ما إذا لم يؤمن أن يكثر الكفار.
الباجي: وأما إذا كان الكفار في بلادهم وحيث يخاف تكاثرهم فإن للعدد اليسير أن يولوا عن مثلهم؛ لأن فرارهم ليس من العدد اليسير.
فَيَحْرُمُ الْفِرَارُ إِلا مُتَحَرِّفاً أَوْ مُتَحَيِّزاً
الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إن حصلت القوة فيحرم الفرار.
وهو من الكبائر عند مالك وأصحابه.
ابن القاسم: ولا تجوز شهادة من فر من الزحف.
ولا يجوز الفرار وإن فر إمامهم؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ([الأنفال: 16].
ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، فإن بلغ اثني عشر ألفاً لم يحل الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة".
فإن أكثر أهل العلم خصصوا بهذا الحديث عموم الآية.
وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وهو قوله للعمري العابد إذ سأله: هل لي سعة في ترك مجاهدة من غيَّر الأحكام وتركها؟ إن كان معك اثنا عشر ألفاً مثلك فلا سعة لك في ذلك.
انتهى.
والمتحرف: هو أن يرى من نفسه الانهزام وليس هو مقصده حتى يتبعه العدو [258/ ب] فيرجع عليه، وهو من أحد مكائد الحرب.
والتحيز: هو الرجوع إلى الأمير أو جماعة بشرط القرب.
مالك: وأما إن بعد الأمير والجيش منه فلا يجوز ذلك.
قال صاحب النوادر: وفي الموازية لا يجوز لأحد الانحياز إلا عن خوف بين، وعن جيش مستطيع، أو ضعف من السلطان.
وأما عن أمن متناصف
وفي الغلبة مطمع فلا، ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم، ولهم سعة في أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة بأضعاف كثيرة وهم يجدون مصرفاً عنهم، فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا فأحب إلي أن ينصرفوا إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجدوا فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا، فمن احتسب نفسه على ذلك فهو الشهيد، ومن ثبت حتى قتل ولم يجد مصرفاً فإنه يرجى له فضل الشهادة كما قال عمر.
وروي عن مالك الكراهة لذلك.
انتهى.
واختلف قول مالك في إقدام الرجل على العدد الكثير والجيش الذي يوقن أنه يقتل بشرط أن يؤثر فيهم بالجواز والكراهة.
قال في البيان: والصحيح الجواز.
ابن عبد السلام: والظاهر من قوله أن ذلك إنما يسوغ بشرط أن يعلم ذلك الواحد من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية العدو وإن قتل، ويشترط أن يخلص النية لله تعالى لا لإظهار شجاعة، وإن كان كذلك حصل منه إرهاب العدو، وهما إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس بغير فائدة.
وَيَجِبُ مَعَ وُلاةِ الْجَوْرِ أَيْضاً عَلَى الأَشْهَرِ.
القولان في المدونة، والأشهر هو الذي رجع إليه مالك ارتكاباً لأخف المفسدتين، لأن الغزو معهم إعانة على جورهم، وترك الغزو معهم خذلان للإسلام.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون لا بأس به وإن لم يوفوا بعهد ولا يضعوا الخمس موضعه.
ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش إلا بإذن الإمام.
وسهل مالك لمن يجد فرصة من عدو قريب أن ينهضوا إليهم بغير إذن الإمام، ولم يجز ذلك السرية ويحرمهم ما غنموا.
سحنون: إلا أن تكون جماعة لا يخاف عليها فلا يحرمهم.
يريد: وقد أخطؤوا.
قيل: والخلاف في الجهاد مع ولاة الجور إنما هو إذا كان معهم من يقاتل، وإلا فيجب عليهم بالاتفاق.
فرع:
روى عيسى عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده، هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم وأما غيره فلا، فدعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما.
وَفِي وُجُوبِ الدَّعْوَةِ ثَلاثُ طُرُقٍ: الأُولَى: تَجِبُ فِيمَنْ بَعْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: ثَالِثُهَا الأُولَى.
وَالثَّالِثَةُ: رَابِعُهَا تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ الآمِنِ ...
تصور كلامه لا يخفى عليك.
وذكر ابن بشير الأقوال الأربعة، قال: واختلف الشيوخ في ضبط المذهب.
فذكر الطرق الثلاثة التي ذكرها المصنف.
ابن عبد السلام: إلا أن جعل هذا الخلاف في الوجوب لا تساعده الروايات إذا تأملت ألفاظها، وإنما يقولون: يدعى العدو إن بعدت داره أو على حالة ما، وهو محتمل للاستحباب، وربما صرحوا بذلك، والذي لم نشك فيه أنا إذا لم نعلم حال العدو وهل بلغته الدعوة أم لا كانت الدعوة مستحبة؛ لأن الغالب بلوغها إليه، وإن انضاف إلى ذلك رجاء الإجابة وجبت.
اللخمي: واتفق على وجوبها في حق من لم تبلغه.
وهي في حق من بلغته على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة.
والواجبة: إذا غلب على ظننا أنهم إذا دعوا أجابوا، وكان جيش الكفار لا طاقة لهم بالمسلمين.
والمستحبة: إذا شك هل يجيبوا أم لا.
والمباحة: إذا علم أنهم لا يجيبون.
والممنوعة: إذا كان بالمسلمين قلة ويخشى بالدعوة على المسلمين، ولا يشك في سقوطها إذا عاجلونا.
المازري: وفي المدونة: الأمر بدعاء السلامة غير قتالهم، وهو يحسن على القول بأن الدعوة يؤمر بها وإن كان عالماً؛ لأن السلابة مسلمون وهو عالمون بأنهم ظالمون.
تنبيه:
هذا الخلاف في الروم، وأما القبط، ففي المدونة: لا يقاتلون ولا يبيتون حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم.
ابن يونس: يريد أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفقهوا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة؛ لا كما قيل: إنما ذلك لأن مارية القبطية أم ولده صلى الله عليه وسلم، وأنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس، وإنما العلة فيهم أنه كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور فنقضوا ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لم يقاتلوا حتى يدعوا ويخبرون أنهم يردون إلى ما كانوا عليه، ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط.
فرع:
فإن قوتل من لم تبلغه الدعوة قبلها فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم، فمذهبنا أنه لا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة.
المازري: وهو مذهب [259/ أ] أبي حنيفة.
وقال الشافعي: فيه الدية، وحجتنا أن النهي عن قتالهم قبل الدعوة لا توجب مخالفته الدية؛ كقتل النساء والصبيان.
وحكى المازري عن بعض أصحابنا البغداديين: أنه لو ثبت لنا أن هذا المقتول متمسك بكتابه وآمن بنبيه حسبما اقتضاه كتابه، ولكنه لم يعلم ببعثته صلى الله عليه وسلم فقتل قبل الدعوة فإن فيه الدية.
وَهِيَ أَنْ يَدْعُوَا إِلَى الإِسْلامِ أَوْ الْجِزْيَةِ
ليس هو مخير كما هو ظاهر كلامه، بل يدعون أولاً إلى الإسلام فإن أبوا فإلى الجزية.
التونسي: وفي الواضحة: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، وكذلك الجزية جملة بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا فتبين لهم.
وذكر اللخمي وغيره: أن صفة الدعوة تختلف وكلها راجعة إلى أن
يدعى إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفر.
ونص اللخمي على أن الكافر إذا أقر بالألوهية والرسالة، ثم أنكر الإقرار بالصلاة، أو بالزكاة، أو بالصوم، أو بالحج كان على حكم المرتد، فإن رجع وإلا قتل.
وذكر المتيطيعن مالك وابن القاسم وغيرهما: أن إسلام الكافر لا يصح إلا بعد إقراره بفروع الشريعة، وأنه إذا أقر بالوحدانية والرسالة ثم رجع أنه يؤدب ويشدد عليه، وإن أبى لم يكن عليه شيء، قال: وبه أخذ ابن عبد الحكم، وبه القضاء والعمل.
وحكى ما ذكره اللخمي عن أصبغ قال: وإن اغتسل لإسلامه ولم يصل إلا أنه أحسن إسلامه ثم رجع عن إسلامه، فإنه يؤخذ بالصلاة فإن صلى وإلا قتل.
قال ابن القاسم: ولا يقتل حتى يصلي ولو ركعة واحدة.
ولا يُسْتَعَانُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَماً
لقوله جل ثناؤه: (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ([النساء: 89] ولما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لليهودي الذي اتبعه: "ارجع فلن أستعين بمشرك" واختلف إذا خرج الكفار من تلقاء أنفسهم، فظاهر ما في سماع يحيى أنهم لا يمنعون.
وقال أصبغ: يمنعون أشد المنع.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَماً) نحوه في المدونة.
وينبغي أن تقيد النواتية بما إذا كانوا تبعاً لغيرهم.
ابن حبيب: ويستعملون في رمي المجانيق وهدم الحصون.
قال: ولا بأس أن يقدم من سالمه من بحذاء عسكره وقربه ما لم يكونوا في داخل عسكره، وكره بعض أهل المدينة رميهم بالمجانيق قال في الجواهر: وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة، وبالمراهقين إن كانت فيهم قوة.
وَلا بَاسَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ جُعْلاً وهُمَا من دِيوَانٍ وَاحِدٍ، مَضَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ..
يعني: إذا عين بعثاً فأراد بعض من أمر بالخروج أن يجعل جعلاً، جاز بشرط أن يكونا من ديوان واحد.
مالك في المدونة: لأن عليهم سد الثغور، وربما خرج لهم العطاء، وربما لم يخرج.
قال فيها: ولا يعجبني أن يجعل لمن ليس معهم في ديوان ليغزو عنه، وقد كره مالك لمن في السبيل إجارة فرسه لمن يرابط عليه أو يغزو عليه، كمن بعسقلان وشبهها، فهو إذا أجر نفسه أشد كراهة.
وكان مالك- رحمه الله- أشار إلى أن الأصل منع هذه الإجارة؛ لكونها إجارة مجهولة، وإنما أجاز ذلك إذا كانا من ديوان واحد؛ لأن على كل واحد منهما ما على الآخر فليست إجارة حقيقة، وما ذكرناه من عدم الجواز إذا لم يكونا من ديوان واحد كذلك صرح به التونسي، قال هو وابن يونس وغيرهما: ولا يخرج أحد عن أحد إلا بإذن الإمام ولو كان الثاني أشجع؛ لأن الإمام قد يرى من سماه أولى.
التونسي: أما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة فأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال الإمام: إذا أخرج جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحداً، ولو قال: يخرج جملة بعث أهل الصيف، فأراد بعضهم أن يجعل لمن يخرج في الربيع لم يجز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيره إلا بإذنه، وينبغي إذا أتاه من يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك، وهذا جائز إلا لمن وقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج، فمكروه.
ولا يُسَافَرُ بِالنِّسَاءِ إِلَيهِمْ إِلا فِي جَيْشٍ كبيرٍ آمِنٍ، ولا يُسَافَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلْيَهَا بِحَالٍ ..
إنما لم يسافر بالنساء إليهم خشية أن ينال المرأة العدو، إلا في جيش كبير آمن؛ لأن الغالب حينئذ السلامة، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يسافر في الغزو ببعض
نسائه؛ وقالت الربيع بنت معوذ: كنا نغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ... الحديث.
والأمن مع النبي صلى الله عليه وسلم موجود ومفهوم.
وقوله: (إِلَيهِمْ) جواز السفر بهن في أرضنا كالثغور وليس على إطلاقه؛ بل قيد ذلك سحنون بالمواضع المأمونة الكبيرة [259/ ب] كالإسكندرية وتونس، وشك في صفاقس وسوسة ومثله لمالك.
مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون ولم يسافر بالمصحف إليهم بحال خوفاً من أن يناله العدو، والفرق بين المصحف والنساء، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به بخلاف المرأة فإنها تذكر نفسها؛ ولأن النهي في المصحف عام.
ففي الموطأ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وذلك مخافة أن يناله العدو.
وقال في الاستذكار: هكذا قال يحيى وأكثر الرواة.
وقال ابن وهب عن مالك في آخره: خشية أن يناله العدو.
ولم يجعله من قول مالك؛ وهو بلفظ مرفوع صحيح، وكذلك رواه جماعة.
ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى الملك أن يبعث إليه مصحفاً ليتبدره، فلا ينبغي لأنه نجس؛ هكذا نقل صاحب النوادر وابن يونس.
ونقل الباجي عنه عدم الجواز وهو مقتضى التعليل.
ابن الماجشون: ولا بأس أن يقرأ الرجل القرآن على الكفار ويحتج عليهم به.
وقال في الاستذكار: واختلفوا في تعليم الكفار القرآن، فأجازه أبو حنيفة.
وكذلك الفقه رجاء أن يرغبوا في الإسلام.
وقال مالك: لا يعلم القرآن ولا الكتاب، وكره رقية أهل الكتاب، واختلف فيها قول الشافعي.
وكره مالك وغيره أن يعطي الكافر درهماً فيه آية من القرآن؛ ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة، وإنما اختلفوا فيها إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى، ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى، وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان.
انتهى.
ابن عبد السلام- بعد أن ذكر قول مالك وأبي حنيفة-: وأجاز الجميع أن يقرأ عليهم القرآن، وأن يبعث إليهم بالكتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة.
وَإِذَا تَسَاوَتِ الأَحْوَالُ عِنْدَ الْمَغْلُوبِ فِي الْعَطَبِ، فَالْمَشْهُورُ: جَوَازُ الانْتِقَالِ وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ..
قال في المدونة: وإذا حرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من موت إلى موت، وهو أحد قولي ربيعة.
قال: وإن صبروا فهو أكرم.
ومقابل المشهور لابن القاسم في الموازية: أنه لا ينتقل واختاره ابن المواز؛ لأن في انتقاله سبباً لقتل نفسه، وبه قال ربيعة في أحد قوليه.
وقوله: (وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ) أي: فلو رجا النجاة في أحد تلك الأحوال وجب وهو ظاهر، وكذلك عبر ابن بشير بالوجوب.
وعبارة المتقدمين في هذه المسألة: فله ذلك.
وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم أيخرجون للقتال، أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً؟ قال: بل يخرجون إلى القتال أحب إلي.
ابن سحنون: فلو بلغ بهم الجوع حتى لا يقدروا على القتال، فإن طمعوا في الأسر مفاداة أو نجاة وقد عرف ذلك من العدو، فليخرجوا إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً وعطشاً.
التونسي: ولم يبح لهم الخروج، ولعل ذلك أروح لهم.
وقد اختلف في المركب من المسلمين يلقي الروم عليها النار، هل يثقل الرجل نفسه ليغرق؟ وكأنه اعترض عدم جواز الخروج؛ لأن القتل صبراً أهون من الصبر للجوع، وقد يجاب عن هذا بما قاله ابن عبد السلام.
الشافعي: إنه إذا كانت إحدى الطائفين في الحالتين يطول بقاؤه معها أكثر، تعين الانتقال إليها وهو ظاهر؛ لأن حفظ الحياة واجب ما أمكن.
وروى أبو الفرج عن مالك: لا حرج على من أظله العدو في البحر أن يلقي نفسه فيه.
اللخمي: وليس بالبين، ولا أرى يلقي بنفسه مع رجاء الأسر؛ لأنه قدم الموت على الحياة مع الأسر، واستشكار اللخمي ظاهر، وهذه الرواية مخالفة لما تقدم، إلا أن يأول أن العدو إذا أسروه لا يبقوه.
وَإِذَا اؤْتُمِن الأَسِيرُ طَائِعاً لَمْ تَجُزِ الْخِيَانَةُ، وإِلا جَازَت ويَمْلِكُهُ، وكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَيَاتِي بِمَالِ غَيْرِهِ، ولا يُخَمَّسُ
يدخل في قوله: (وإِلا جَازَت) صورتان: إذا لم يؤتمن، أو اؤتمن مكرهاً، وكذلك قال ابن بشير.
وفي اللخمي: لا يهرب ولو كان مكرهاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على من بأيديهم من الأسارى ويرون أن المسلمين لا يوفون بالعهد.
وتكلم الأصحاب هنا على ما إذا اؤتمن على نفسه أو مال، والظاهر أن المصنف إنما تكلم على المال؛ لأن ذلك المتبادر من لفظ الأمانة؛ ولقوله: (ويَمْلِكُهُ) فإن الملك لا يكون إلا في المال.
واختلف في النفس والمال.
فقال سحنون: عليه أن يؤدي أمانته في نفسه وماله.
وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ويقتلهم وإن ائتمنوه، فإن أحلفوه فلا حنث عليه؛ لأن أصل يمينه الإكراه.
ونقل ابن عبد السلام وغيره عن مالك: أنه يهرب بنفسه لا بماله، وكذلك نقهل في الكافي عن مالك، وقال: عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها، وإن أكره فلا كفارة عليه، قال: وهو الصحيح.
وفرق ابن المواز، فقال: إن كان ذلك بعهد ووعهد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدقة فلا يلزمه ولا حنث عليه فيه لأن مكره.
وقاله ابن القاسم وزاد: وللأسير أن يسرق من مال العدو [260/ أ] ولا يعاملهم بالربا.
وقال أشهب: إن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه؛ لأنه اؤتمن عليه.
ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة، أو زنىً، أو خيانة، أو ربا.
فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى به، أو خان، إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه، فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد عليه أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، وسواء زنى بحرة أو مملوكة.
وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته.
قوله: (ولا يُخَمَّسُ) راجع إلى المسألتين؛ لأن الحكم فيهما عدم التخميس، إذ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهذا هو المشهور.
وحكى في البيان عن ابن المواز: أن عليه الخمس إن كان أسر ببلد الحرب؛ لأنه لم يصل إلا بالإيجاف، بخلاف ما إذا أسر من بلاد المسلمين.
قال: وقوله بعيد على أنه إنما ساقه في كتابه على أنه تفسير للمذهب.
وَيجِبُ فِدَاءُ الْمُسْلِمِينَ
وهذا كقول مالك في العتيبة: يجب على المسلمين فداء أسراهم بما قدروا عليه، كما يجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم.
الباجي: والوجوب قول جمهور الأصحاب.
وسئل أشهب عن المفاداة بالخمر، فقال: لا يدخل في نافلة بمعصية، فسماه نافلة.
المازري: ولعل أشهب ما قصد ما يدل عليه حقيقة، وإنما عبر بالنافلة لأنه لما كان الفداء لا يمكن أن يكون إلا بالخمر سقط وجوبه وصار من جهة السقوط كالنافلة التي لا تجب.
صاحب البيان: ويبدأ بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال، فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم والأسير كأحدهم، فإن تعذر هذا وجب عليه أن يفدي نفسه من ماله.
وفي الاستذكار: تقديم الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه، ومقتضاه أنه قول مالك.
وقال اللخمي: أرى أن يبدأ بمال الأسير ثم بيت المال، فإن لم يكن أو لم يتوصل إليه
فمن الزكاة على المستحسن من القول، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين على قدر الأموال إذا كان لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدي بجميعها.
وَفِي الْمُفَادَاةِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ وآلَةِ الْحَرْبِ، ثَالِثُهَا: يُفَادَى بِآلَةِ الْحَرْبِ، ورَابِعُهَا: بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ دُونَهَا ....
المنع مطلقاً لابن القاسم، والجواز مطلقاً لسحنون، قال: ويبتاع لهم الخمر للفداء، هكذا نقل الباجي عنه.
ونقل اللخمي، وصاحب البيان، وابن يونس عنه أنه قال: ويأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم ليحاسبهم بذلك في الجزية.
والقول بجواز المفاداة بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير وما أشبههما لابن الماجشون وأشهب؛ لئلا يتذرع إلى ملك الخمر وإشاعتها في أسواق المسلمين، والرابع عكس الثالث.
ونسبه اللخمي وابن راشد لابن القاسم في الموازية؛ لأنهم يتقوون على المسلمين بآلة الحرب.
وسبب الخلاف تعارض مفسدتين؛ إحداهما: إعانة الكفار بآلة الحرب والخمر.
والثانية: بقاء المسلمين بأيديهم.
وينبغي على هذا أن تتبع المصلحة الراجحة.
وفِي الْمُفَادَاةِ بِأَسَارَى الْعَدُوِّ الْمُقَاتِلَةِ قَوْلانِ
القول بالجواز لأصبغ؛ لما في مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين مسلمين بمشرك.
وقيده اللخمي بما إذا لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين.
ابن عبد السلام: ولا شك أن منع المفاداة بآلات الحرب أنه يمنع المفاداة في هذا الفرع.
انتهى.
أما من لم يقاتل، فقال سحنون: لا بأس أن يفدوا بصغار أطفال المشركين إذا لم يسلموا، أو بالذمي إذا رضي الذمي وكانوا لا يسترقونه.
ولا يَرْجِعُ عَلَى الأَسِيرِ مُسْلِماً أَوْ ذِمِّيّاً وإِنْ كَانَ غَنِيّاً، إِلا مَنْ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ وفِيمَنْ يُرْجَى خَلاصُهُ
الباجي: الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يرجع على الأجنبي مطلقاً إلا أن يريد الصدقة، وعلى الأقارب الذين ليسوا من ذوي المحارم، ولا يرجع على أقاربه الذين يعتقون عليه.
ابن راشد: فجعل الرجوع على الأجنبي والقريب غير ذوي المحرم أصلاً، والمصنف جعل عدم الرجوع أصلاً إلا أن يقصد الرجوع، ويحتمل أن يكون ما قاله المصنف موافقاً للباجي بأن يريد إلا أن يقصد بضم الياء على البناء لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يرجع إلا على من يقصد الرجوع عليه في العادة وهو الأجنبي، ومن ليس بذي محرم من الأقارب، وحمله على هذا أولى؛ لمطابقة كلام الباجي.
انتهى.
وانظر قول الباجي الذي عليه جمهور أصحابنا، فإنه لم يذكر مقابل الجمهور.
وعلى الرجوع، فقال الباجي: يرجع بمثل ما اشتراه به إن كان مثلياً، أو بقيمته إن كان مقوماً.
ابن عبد السلام: وفي الرجوع بالقيمة هنا نظر؛ لأن الفادي كالمسلف للأسير، والسلف يقضي فيه بالمثل إن كان السلف مثلياً.
قوله: (وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ ...) إلخ.
هذا القول للخمي، استثنى صورتين:
الأولى: إذا أمكن الفداء بأقل مما فدى به فلا يلزمه إلا ذلك الأقل.
الثانية: أن يمكن الأسير التخلص من غير شيء فلا يلزمه شيء.
ويشترط في الصورتين [260/ ب] جميعاً عنده أن تكون قدرة الأسير على ما زعمه معلومة.
خليل: وينبغي أن يكون تقييداً، كما قالوا في الرجل يأتي بالبقر يحرث بها أرضه، فيغلط فيحرث أرض جاره ثم يطلب أجرة الحرث من جاره، فإن كان جاره يحرثها بنفسه وعبيده فلا شيء عليه، وإن كان إنما يحرثها بالأجرة فإنه يرجع عليه بها.
ولْيَتْبَعْ ذِمَّتَهُ إِنْ كَانَ فَقِيراً
يعني: إذا قلنا بالرجوع فلا يسقطع فقره بل تتبع ذمته.
ابن راشد: وكذلك إن علم أنه فقير وفداه فإنه يرجع عليه، وهو قول ابن القاسم.
وقال في المنفق على الصبي الفقير: لا يرجع عليه بما أنفق ورآه محتسباً.
والفرق أن الكبير قادر على التكسب بخلاف الصبي.
وقال بعض الأندلسيين: لا يرجع على الفقير.
وفِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ إِنْ كَانَ اشْتَرَى الْخَمْرَ لِذَلِكَ قَوْلانِ، بِخِلافِ الذِّمِّيِّ ....
لا إشكال أن الذمي يرجع بقيمة الخمر والخنزير ونحو ذلك، وأما المسلم فقال سحنون: لا يرجع بقيمة ذلك.
الباجي: ويحتمل على قوله بإجازة الفداء بالخمر والخنزير أن يرجع على الأسير بثمن ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يوجد القول بالرجوع إلا ما قاله الباجي وجعله محتملاً.
فرع:
سحنون: ومن فدى خمسين أسيراً ببلد الحرب وفيهم المليء والمعدم؛ فإن كان العدو قد عرف ذلك منهم قسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن جهل العدو ذلك منهم قسم عليهم بالسواء؛ وإن كان فيهم عبيد فهم سواء وساداتتهم بالخيار بين أن يفدوهم أو يسلموهم.
فَإِنْ كَانَ قَرِيباً لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلا رُجُوعَ إِلا أَنْ يَامُرَهُ مُلْتَزِماً عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ
قوله: (لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ) أي: هبة الثواب.
وسيأتي ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
ثم قسم المسألة على قسمين: تارة يكون عارفاً به، وتارة لا يكون عارفاً به.
وذكر في العارف ثلاثة أقوال- وتصورها من كلامه ظاهر-: الأول: عدم الرجوع مطلقاً.
والثاني: مقابله.
والثالث: التصنيف.
ومراد المصنف بالقريب: من كان ذا محرم، وأما ذو الرحم وليس بمحرم فلا خلاف أنه كالأجنبي ويتبعه مطلقاً، قاله في المقدمات، وليس من الأقوال الثلاثة ما هو منصوص إلا القول الأول بعدم الرجوع، وهو قول ابن حبيب وسحنون.
والقول بالرجوع مطلقاً خرجه بعضهم من قول المغيرة في المكاتب يؤدي عمن معه في الكتابة أنه يرجع عليه، كان ممن يعتق عليه أم لا، وهكذا قال ابن راشد: إنه لم يقف إلا على القول بعدم الرجوع، وزعم ابن عبد السلام أن الثالث هو المنصوص، وفيه نظر؛ فإني لم أره في شيء من الأمهات، ثم كلامه يقتضي أن القول بنفي الرجوع مطلقاً ليس بمنصوص، وقد نقله ابن يونس والباجي وغيرهما.
وفي الكافي عن مالك، وابن القاسم أن من فدى قريباً لا يعتق عليه كالخالات لا يرجع عليه، إلا أن يكون لم يعلم به حين الفداء، وأن من فدى من يعتق عليه فلا رجوع له عليه مطلقاً علم أو لم يعلم، ولا يقال هذا الثالث في كلام المصنف؛ لأن هذا القول فيه تفصيل بين العلم وعدمه، وكلام المصنف إنما هو مع العلم؛ لقوله بعد ذلك: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً) وفي المقدمات إن كان قريباً يعتق عليه، فقال ابن حبيب: لا يتبعه.
وقيل: لا يتبعه إذا علم.
وهو الذي يأتي على ما في المدونة واختلف إذا كان لا يعتق عليه، فقيل، إنه كالزوجة لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره.
وقيل: كالأجنبي يتبعهي في كل حال.
وقوله: (إِلا أَنْ يَامُرَهُ) ابن عبد السلام: هو استثناء من تمام القول الثالث ويتعدى بالمعنى إلى القول الأول؛ يعني: أنه يقول بإسقاط رجوع الفادي إذا لم يأمره الأسير، فإن أمره الأسير بذلك ملتزماً للأداء رجع عليه على الأصح، وسواء كان ممن يعتق عليه أو لا، وهذا الأصح، نقله الباجي وغيره عن سحنون، والقول بعدم الرجوع مطلقاً لم أقف عليه، وهكذا قال، وكأنه رأى الحكم لما اقتضى عنده عدم الرجوع وصار التزامه لذلك كالتزام المكره، فلا يلزم وفيه بعد.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ) هذا هو القسم الثاني،
وهو إذا فدى قريبه غير عالم بأنه قريب له بل فداه على أنه أجنبي فإنه يرجع عليه على الأصح، سواء كان ممن يعتق عليه أم لا، وهو الذي يأتي على ما في المدونة على ما في المقدمات.
وفرق ابن حبيب بين من يعتق عليه فلا يرجع عليه، وبين ما لا يعتق عليه فيرجع عليه، واقتصر عليه الباجي، وابن يونس.
فداء القريب لقريبه على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه لم يرجع عليه مطلقاً؛ كان ممن يعتق عليه أو لا، وإن فداه بأمره يرجع عليه مطلقاً، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه من الأقارب الذين لا يعتقون عليه وعلى الزوجين.
والزَّوْجَانِ كَالْقَرِيبَيْنِ فَلا رُجُوعَ عَلَى الْمَشْهُورِ
هذا يقتضي أن المشهور في الفرع السابق من الأقوال الثلاثة عدم الرجوع؛ لأنه إذا كان شبه القرابة مانعاً من الرجوع فالقرابة من باب الأولى، وهذا أحسن إذا ساعده النقل، والمنصوص [261/ أ] في الزوجين إذا اشترى أحدهما صاحبه وكان عارفاً به عدم الرجوع، فإن لم يكن عارفاً به اتبعه بذلك في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم وابن حبيب، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك؛ لكن أشار سحنون وغيره إلى تخريج قول بالرجوع من إحدى الروايتين بالقضاء بينهما بالعوض في الهبة، وعبد الحميد وغيره يقدحون في هذا التخريج بأن المسائل المبنية على العوائد لا تخرج عليها مسائل أخرى، إذ من الممكن أن تكون العادة جرت في أمر بصورة ولم تجر في نظيرها، ومن الممكن أن تسمح النفوس بالهدية دون الفداء، ولاسيما مع نزارة الهدية وكثرة الفداء.
وإِذَا جَعَلَ الأَسِيرُ لِفَادِيهِ جُعْلاً، فَالْمَنْصُوصُ: يَسْقُطُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَتَكَلََّفَ مَا لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ واخْتِيرَ ..
قال ابن بشير: ولو جعل الأسير لمن فداه جعلاً على فدائه، فنص الروايات أنه يسقط، وذلك ظاهر إذا لم يتكلف في ذلك مؤنة أو تكلفها وقد تعينت؛ فإن تكلف ما لا
يتعين عليه فينبغي أن يكون له من الأجر بحسب كلفته.
انتهى.
ونقل ابن عبد السلام مقابل المنصوص عن المتأخرين وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وإنما ظاهره على أن القول إذا تكلف يجب مجموع الجعل، وهو ظاهر ما علل به ابن راشد؛ لأنه قال: قاسه في القول الثاني على جواز الإجازة على الإمامة إذا انضم إليها خدمة المسجد، بجامع أن تكليف هذا ما لم يتعين عليه كتكليف الآخر خدمة المسجد، واختاره الأشياخ.
انتهى.
وفِي كَوْنِ الْفَادِي أَحَقَّ مِنَ الْغُرَمَاءِ قَوْلانِ، بِخِلافِ مَا يَكُونُ مَعَهُ
يعني: إن فدي الأسير بمال وكان عليه دين، فهل يكون الفداء مقدماً أم لا؟ أما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فالفادي مقدم؛ لأن ما دفعه في مقابلة رقبته وما في يده، وأما بالنسبة إلى ماله الذي ببلاد الإسلام، فقال سحنون وعبد الملك: هو أيضاً أولى به؛ لأن الفداء آكد بدليل أنه يفادي بغير إذنه وبأضعاف قيمته، وقال ابن المواز: هو أسوة الغرماء وهو أقيس؛ لأن الفداء تعلق بذمته كالدين، وناقض ابن يونس، وابن زرقون قول محمد في هذه المسالة بما له أيضاً في أم الولد، وذلك أن عبد الملك قال في أم الولد: أن يشتريها من العدو أولى بما في يد سيدها من الغرماء قال محمد: صواب جيد.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الأَسِيرُ والْفَادِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: اختلف في أصل الفداء وقدره، وظاهر كلام المصنف وفي جنسه؛ لكن لم أر المسألة في كتب الأصحاب إلا في أصل الفداء وفي قدره.
والأصح رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، وابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ: أن القول قول الأسير في إنكاره الفداء جملة وفي إنكاره بعضه إن أتى بما يشبه، سواء أخرجه من دار الحرب أم لا.
ابن حبيب: وقيل: إذا أقر الأسير أنه فداه واختلفا في قدر الفداء، صدق الفادي ويصير كالرهن في يديه، وهذا خلاف قول مالك.
وكذلك قال سحنون: القول قول الفادي إذا
كان الأسير بيده، هكذا نقل الباجي.
ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول قول الأسير، وإن كان في يديه فقولان.
انتهى.
وظاهر كلام المصنف: (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ) أن القول قوله ولو ادعى غير الأشبه، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
ابن يونس: يريد مع يمينه، واحتج ابن القاسم على ذلك بما قاله مالك: أنه لو أنكر الفداء أصلاً وقد خرجا من بلاد الحرب كان القول قول الأسير؛ لكن قال في البيان: إن القول قول الأسير، وإن ادعى ما لا يشبه ليس على أصولهم مراعاة دعوى الأشبه في التداعي؛ لاتفاقهما أنه فداه بذلك، بخلاف إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنه فداه فأنكر، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا في مبلغ الفدية أن يكون القول قول الأسير إن أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الفادي إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه حلفا جميعاً وكان للفادي ما يفدي به مثله من ذلك المكان، وكذلك إن نكلا جميعاً، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله.
انتهى.
واستشكل صاحب البيان قول من قال عن كون الأسير بيده: يرجح قول الفادي قال: لأنه لما كان لا يباع لم يكن كالرهن، وليس كونه بيده دليلاً على قلة الفدية أو كثرتها، وإنما كان ينتفع الفادي بكون الأسير في يده إذا اختلفا في أصل الفداء؛ لأن كونه في يده دليل على أنه فداه.
الْمُقَاتَلُ بِهِ، وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ بِكُلِّ نَوْعٍ، وبِالنَّارِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَاوخِيفَ مِنْهُمْ
المقَاتَل: هو من يجوز قتاله من الكفار، وإنما صدر كلامه بالآلة؛ لأن قتل المقاتل إنما يكون بها، وأيضاً ليبين ما يجوز به القتال وما لا يجوز؛ يعني: أن العدو يجوز قتاله بسائر أنواع الحرب من رمي المجانيق، وإرسال الماء عليهم، وقطع الماء عنهم، وبالنار إذا لم يمكن غيرها، ولا خلاف أنه إذا خيف منهم ولم يكن غير النار أنهم يقتلون بها.
ابن راشد: والخلاف الذي حكاه إنما هو إذا لم يخف منهم وقدرنا عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقاتلون [261/ ب] بها.
وقيل: يقاتلون بها، ونسبه ابن عبد السلام لمالك.
ومنشأ الخلاف ما في البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأوقدهما بالنار".
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله عز وجل".
وحمل الحديث في القول الآخر على ما إذا صاروا في حكمهم وأما إذا امتنعوا، فيجوز عملاً بعموم الآية.
قال صاحب البيان وابن زرقون: الخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، أما إن كان العدو في سفينة ونحن كذلك، فلا خلاف في جواز رميهم وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنهم إن لم يرموا بالنار رمونا بها.
وإِنْ خِيفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ مِنَ النَّارِ تُرِكُوا مَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ، ومِنَ الآلاتِ لَمْ يُتْرَكُوا، وفِيهَا: رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَجَانِيقِ ..
يعني: إذا خفنا على ذريتهم من النار لم يرموا بها إلا أن يخاف منهم، وأما إن خيف عليهم من الآلات فإنهم لا يتركون، واستدل على ذلك في المدونة برميه عليه الصلاة والسلام أهل الطائف بالمجانيق.
قوله: (ومِنَ الآلاتِ) عطف على النار، وحكى صاحب البيان وابن زرقون: إذا كانوا في الحصن ومعهم النساء والصبيان أربعة أقوال: أجاز أصبغ تحريقهم وتغريقهم ورميهم بالمجانيق.
وحكى فضل عن ابن القاسم أنه لا يفعل بهم شيء من ذلك.
وقال ابن حبيب: يغرقون ويرمون ولا يحرقون.
وفي المدونة: يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون.
قال: وإن كان في الحصن مع المقاتلة أسرى مسلمون فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا.
واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب.
وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك
وأصحابه المدنيين والمصريين.
انتهى.
وفي ابن يونس: لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق.
واختلف إذا كان فيهم ذرية مشركون، فقيل: إنهم كالمسلمين.
وقيل: بل يغرقون ونقطع عنهم المياه.
ولم يختلف في رمي حصونهم بالمجانيق، وإن كان فيهم المسلمون أو ذرية مشركون، واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية، فقيل: لا يرمون.
وقيل: يرمون.
وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا.
وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم، وقال: ما كان فيما مضى؛ ولأن ذلك قد يعاد إلينا.
ورَأَى اللََّخْمِيُّ أَنَّهُ لو خَافَتْ جَمَاعَةُ كَثِيرَةُ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ بِالنَّارِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، كَمَا انْفَرَدَ بِالْطََّرْحِ بِالْقُرْعَةِ مِنَ السُّفُنِ، وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ بِقوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ....
اللخمي: إذا كان العدو طالبين للمسلمين ولم يقدروا على حربهم إلا بالنار جاز قولاً واحداً، وسواء كان معهم نساؤهم وذراريهم أو لا، وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير من المسلمين أن يكون خفيفاً؛ لأن هذه ضرورة، ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها.
انتهى.
فأباح قتل المسلمين بالنار معهم إذا كان العدو طالبين وخاف المسلمون منهم، وإلى هذا أشار بقوله: (لو خَافَتْ جَمَاعَةُ) أي: من المسلمين منهم؛ أي: من الكفار.
قال: وهو مما انفرد به تبعاً لابن بشير وليس بظاهر، فقد تقدم من كلام ابن يونس الخلاف، وكذلك حكى ابن رشد وابن زرقون في السفينة فيها العدو ومعهم أسرى مسلمون عن ابن القاسم أنهم لا يرمون بالنار، قال: وأجازه أشهب.
فقول أشهب موافق لما قاله اللخمي، فإن قلت: يغتفر في السفينة ما لا يغتفر في غيرها.
قيل: لما فرض اللخمي المسألة فيما إذا كان العدو هم الطالبين لم يتأت هذا، وأما مسألة الطرح من السفن بالقرعة، فالظاهر أن اللخمي انفرد بها، وإنما لم يوافق عليها لأنه لا يلزم مما قاله ارتكاب مفسدة مخففة لأمر مظنون.
قوله: (وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ) لأن لفظ المدونة: وإن كان مسلم في حصن العدو أو مركبه لم أر أن يحرق أو يغرق؛ لقول الله عز وجل: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ([الفتح: 25].
وقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (أي: تميز المسلمون من الكفار.
أَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الإِسْلامِ احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ كَالشَّافِعِيِّ
الظاهر: أنه يريد بالقولين مذهب المدونة ومذهب اللخمي؛ لأنه لما استدل فيها بقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (علم أن مذهبه المنع.
وقوله: (كَالشَّافِعِيِّ) أي: كما أن في مذهب الشافعي القولين.
ابن بشير: وذكر الشافعي قولين إذا اتقى أهل الحرب بالمسلمين وكنا نخاف إن تركناهم من استئصال جمهور المسلمين.
انتهى.
ابن هارون: وإنما قال المصنف: (كَالشَّافِعِيِّ) إما لأنه لما ذكر انفراد اللخمي بالمسألة السابقة ذكر أن محل النظر ما صوره الشافعية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: (كَالشَّافِعِيِّ) قال: لأن الشافعي إنما يبيح الرمي مع القطع باستئصال المسلمين لا مع الخوف، وفيه نظر.
وقد سألت جماعة من قضاة الشافعية، فقال كل واحد: في مذهب الشافعي قولان؛ أحدهما- وهو الصحيح-: أنه إذا خيف على استئصال المسلمين جاز قتل الترس.
والثاني: أنه لا يجوز القتل إلا بأن [262/ أ] يقطع باستئصال الإسلام.
قالوا: وإنما صححنا الأول؛ لأن القطع غير ممكن.
ولم يذكر ابن شاس إذا خيف على استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين خلافاً، بل قال: يسقط اعتبار الترس.
وإِذَا أَسَرُوا عُجْماً أَوْ عُرْباً فَالإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ، أَوْ الاسْتِرْقَاقِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ، أَوِ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ ...
حاصله: أنه بالخيار بين القتل والإبقاء، فإن قتل فلا تفصيل، وإن أبقى خير في أربعة أوجه: الاسترقاق، وضرب الجزية، والمفاداة، والمن.
وقوله: (بِالنَّظَرِ) راجع إلى الخمسة؛ يعني: أن التخيير إنما هو بحسب المصلحة ومتى وجد فيها أحسن تعين.
ونص الباجي على أنه يجب على الإمام أن ينظر في ذلك بحسب الاجتهاد.
قال في الجواهر: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرآة حاملاً من مسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه؛ فالحمل سبي.
وأما المفاداة: فقد تقدم الكلام على جوازها بالأسرى، وأما بالمال فالمشهور جوازه خلافاً لسحنون.
وقال ابن حارث: الخلاف إنما هو في مفاداة الرجال بالمال ولا خلاف في مفاداة النساء به.
ابن يونس: وفي المختصر الصغير ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل، قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام فيرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم.
انتهى.
فإن أمسكه ليختبر ثمنه فله قتله، وإن أمسكه للبيع ثم بدا له، فقال ابن المواز: له قتله.
وقال أصبغ: ليس له وهو الظاهر.
اللخمي: وإن من عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده، إلا أن يكون قد اشترط عليه أن يبقى ليضرب عليه الجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادي به برضاه.
وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء.
وإن أبقاه للفداء لم ينتقل إلى الجزية ولا للرق إلا برضاه.
فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ، ويُقْتَلُ مَنْ لا يُؤْمِنُ، ولا يمنُ عَلَى ذِي النِّكَايَةِ
لما قال: أولاً بالنظر ذكر هنا بياناً للنظر ومفهوم قوله: (فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ) أنه يقتل الشجيع وهو كذلك.
قال في البيان: واختلف قول مالك إذا جهلت حالته في قوة النجدة هل يحمل عليها وهو ظاهر قول مالك في المدونة، ويقتل من الأسارى من لا يؤمن؟ الا ترى ما كان من أبي لؤلؤة؛ يعني: قاتل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وقال مرة: لا يقتل إلا أن تتبين منه الفروسية، ووقع هنا نسختين؛ إحداهما: ويُمَنٌّ كما ذكرنا.
والثانية: ولا يُمَنُّ، وهما على معنيين؛ فإن فسرنا صاحب النكاية بكونه ينكي المسلمين بقتاله فيأتي لا يمن، وإن فسرنا صاحب النكاية بأنه إذا قتله المسلمون حصلت لأجله نكاية، بأن يكون كبيراً في قومه وليس فيه كبير نجدة فيأتي ويمن.
والله أعلم.
والْمُرَاهِقُ الْمُقَاتِلُ كَالْبَالِغِ
ظاهره أنه مخير فيه بالخمسة المتقدمة.
وقال اللخمي: يخير الإمام في النساء والصبيان في المن، والفداء، والاسترقاق دون القتل والجزية، وإن رأى استبقاء من قارب البلوغ ليضرب عليه الجزية لم يمنع.
انتهى.
فلم يذكر فيه القتل، لكن في النوادر عن ابن القاسم من رواية يحيى بن يحيى أنه قال في المرأة والصبي لم يحتلم يقاتلان ثم يؤسران: إن قتلهما جائز بعد الأسر كما جاز قبل ذلك، وعن ابن حبيب كذلك إن قاتل بالسيف والرمح لا بالحجارة إلا أن يقتل فيقتل وإن أسر، إلا أن يرى الإمام استحياءه، وكذلك المرأة.
وعن ابن سحنون أنه قال لأبيه: بلغني أنك قلت: إن أسر الصبي أن الإمام فيه مخير في قتله وتكره، فأنكره وقال: لا يقتل إلا أن ينبت.
وذكروا خلافا فيمن أنبت ولم يحتلم، فقال ابن القاسم: لا يقتل.
وقال الأكثر: بل يقتل.
وهذا مبني على أن الإنبات هل هو علامة للبلوغ أو لا؟ وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
ولا يُقْتَلُ النِّسَاءُ ولا الصِّبْيَانُ، وفِي النِّسَاءِ الْمُقَاتِلاتِ، ثَالِثُهَا: إِنْ قَاتَلَتْ جَازَ.
ورَابِعُهَا: عِنْدَ قِتَالِهَا.
وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ
لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان.
وقال في الاستذكار: وأجمع العلماء على القول بذلك، والحكمة في ذلك- والله أعلم- أن الأصل عدم إتلاف النفوس، وإنما أبيح منه ما يقتضي دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا هو أهل القتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فيرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع، هذا مع ما في نفوس النساء والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكون عليه غالباً، فدفع عنهم القتل لعدم المقاتلة في الحال الحاضر ورجاءهدايتهم عند بقاءهم.
والقول بقتلها إذا قاتلت لابن القاسم في الموازية.
والقول بأنها لا تقتل في كتاب ابن سحنون لعموم النهي.
والثالث لابن حبيب قال: إذا قاتلت إلا أن يرى الإمام استحياءها.
والرابع: على ما ذكره المصنف يقتضي أن الخلاف [262/ ب] مطلق، والذي حكاه التونسي، واللخمي، والباجي، وابن بشير أنه لا يختلف في جواز القتل في حالة المقاتلة؛ لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى قتلنا مع قدرتنا على المدافعة، وإنما الخلاف إذا أسرن وقد تقدم منهن قتال.
وقوله: (وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ) قال ابن حبيب: لا يبيح ذلك قتلها، إلا أن تكون قتلت بما رمت به، ومثله روى ابن نافع عن مالك.
قال صاحب النوادر، والباجي، وقال سحنون: يرميهن المسلمون بالحجارة وإن قتلن في ذلك، وظاهره أنهن لا يقتلن بغير ذلك، وعلى هذا ففي كلام المصنف إجمال؛ لأن ظاهره على القول بأنها تقتل أنها تقتل بكل شيء، نعم ذكر ابن بشير القول على نحو ما ذكره المصنف وأما صياحها وحراستها واستعانتها فلا يوجب شيء من ذلك قتلها.
سحنون: ومن قتل من نهي عن صبي أو امرأة أو شيخ هرم، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله، وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته، يجعل الإمام ذلك في المغنم.
ويَلْحَقُ بِهِنَّ الزَّمْنَي والشَّيْخُ الْفَانِي ونَحْوُهُمْ مِمَّنْ لا رَاىَ لَهُ ولا مَعُونَةَ
يعني: ويلحق بالنساء من ذكر بشرط عدم الرأي ومراده بـ (نَحْوُهُمْ) الفلاحون والأجراء وأهل الصناعات، ولا شك في جواز قتلهم إن قاتلوا، وإن لم يقاتلوا فقال سحنون: يقتلون، قال: ولم يثبت حديث العسيف وهو الأجير، وكذلك قال في الأعمى.
والمقعد والمريض.
وقال ابن الماجشون، وابن وهب، وابن حبيب: لا يقتلون.
وذكره اللخمي عن مالك قال: وهو أحسن في أهل دينهم كالمستضعفين.
وفي الموطأ: أن أبا بكر- رضي الله عنه- قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميراً إلى الشام: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم قد حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حسبوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن.
وقوله: فحصوا عن أوساط رؤوسهم.
ابن حبيب: يعني الشمامسة.
وقال بعضهم: هم رهبان الكنائس.
وكذلِكَ الرَّاهِبِ فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ غَيْرِ الْمُخَالِطِ بِرَايٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
حاصله: إن اجتمع في الراهب الانقطاع عن أهل ملته حساً بأن كان في الصوامع أو في الأديار.
أو حكماً بأن لا يخالطهم برأي، فالمشهور أنه لا يقتل؛ لما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا بعث جيوشه قال: "لا تقتلوا أهل الصوامع".
ولوصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وروي عن مالك القتل ذكره في البيان، فإن لم ينقطع عن أهل ملته حساً بل كان في الكنائس قتل، قاله ابن حبيب وغيره.
قال في كتاب ابن سحنون: إذا وجد راهب قد نزل من صومعته وهو منهزم مع العدو فأخذ، فقال: إنما نزلت وهربت خوفاً منكم أنه لا يعرض له، وكذلك لا خفاء في قتله إذا أشار عليهم.
وفي كتاب ابن سحنون: إذا مروا براهب فلا يستخبرونه عن شيء من أمر عدوهم.
سحنون: ومن ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب سبيله سبيل الراهب، قيل: فكيف يعرفون أنه راهب؟ قال: لهم سيما يعرفون بها.
قال: وكذلك إذا وجد الراهب في دار أو غار فهو كأهل الصوامع.
ابن حبيب: ولم ينه عن قتل الرهبان لفضل ترهبهم، بل هو أبعد من الله من غيرهم؛ لشدة كفرهم، ولكن لتركهم أهل دينهم فكانوا كالنساء.
وقيل لمالك: ربما أسرى المسلمون سرية فيعلم بهم الراهب فيخافون أن يدل عليهم فنزلونه ليكون معهم، فإذا آمنوا أرسلوه.
قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته.
وعَلَى تَرْكِهِ يَكُونُ حُرّاً ويُتْرَكُ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ لا الْمَالِ الْكَثِيرِ عَلَى الأَشْهَرِ
الأشهر ومقابله لمالك، والأشهر مذهب المدونة، ففيها: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون جوعاً.
فقوله: ولا تؤخذ كلها فيه دليل على أنه يؤخذ منهم ما زاد على الكفاية.
وكذلك قال في العتبية: يترك لهم قدر ما يصلحهم.
وكذلك قال في الجلاب: ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكون فيها فضل عن كفايتهم فتؤخذ فضولها.
وفي التلقين: تترك لهم أموالهم، إلا أن تكون كثيرة فتؤخذ ويترك لهم اليسير.
وقال سحنون: يترك للراهب من ماله ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة.
ونقل في البيان عنه: أنه لا يترك للراهب والشيخ إلا ما يستر عورته ويعيش بها الأيام.
وقال اللخمي: قال مالك: ويترك له مثل البقرتين والغنيمات وما مثله يكفيه، والمبقلة والنخيلات، ويؤخ ذ ما بقي أو يحرق، ولكن تأول في البيان ما وقع لمالك في العتبية: أنه إنما يترك لهم ما يصلحهم، على ما إذا وجدنا عندهم أموالاً وادعو أنها لهم ولم نصدقهم.
قال: وأما لو صدقناهم لتركناها لهم وإن كثرت.
وأبقى غيره الرواية على ظاهرها: إنه يترك لهم ما كثر [263/ أ] ولو علم أن ذلك لهم.
وقول ابن عبد السلام: إن أكثر الروايات أنه يترك لهم الجميع، والتفصيل بين الكثير والقليل هو مذهب سحنون، ليس بظاهر لما ذكرناه.
وفِي الرَّاهِبَاتِ مِثْلُهُمْ قَوْلانِ
ألحقهن مالك في العتبية بالرجال، وقال: إنهن أحق بذلك.
وقال سحنون باسترقاقهن، لأن الترهب لما منع قتل الرجال تبعه منع الاسترقاق، ودم المرأة لم يمنع منه الترهب، وإنما هو ممنوع بالشرع فلم يكن هناك أصل يتبعه الاسترقاق.
ومَنْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَيْنَ الأَرْضَيْنِ وشُكَّ فِي أَنَّهُمْ حَرْبُ أَوْ سِلْمُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَمْرُ مُشْكِلٌ ...
قال: (وشُكَّ) لأنه إن قامت أمارة على أنه جاء للحرب أو السلم عمل عليها؛ وأما إن لم تعلم أمارة أو قامت ولكنها تعارضت، فقال مالك في المدونة: في العلج يلقاه المسلمون ببلد العدو وهو مقبل إلينا، فيقول: جئت أطلب الأمان، هذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه.
وقال في العتبية: لا يقبل منه.
ابن القاسم في العتبية: وإن أخذ ببلدنا فقال: جئت أطلب الفداء، قبل قوله إن أخذ بفور وصوله ولا يكون فيئاً، وإن لم يظهر عليه إلا بعد طول إقامة بين أظهرنا لم يقبل منه قوله ويسترق، وليس هو لمن وجده، ولا يقتل إلا أن يعلم أنه جاسوس فيقتل.
وقال ابن حبيب وعزاه لمالك: إن كانوا من بلد اعتادوا الاختلاف منه فيما ادعوه من الفداء، أو التجارة، أو الاستئمان قبل قولهم وردوا إلى مأمنهم، وإلا فهم فيء، وبه قال سحنون وعيسى؛ وهو قول ربيعة في المدونة.
وعن سحنون: أنه فيء إذا أخذ ببلدنا، سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول.
وفي كلام المصنف نظر من أوجه:
أولها: كونه أسقط من قول مالك: ورد إلى مأمنه.
وهو في نص المدونة كما ذكرنا، وقد ذكره اللخمي وابن يونس على أنه من كلام مالك.
ثانيها: أن قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) هذا مشكل يقتضي أن مالكاً قال ذلك فيما إذا وجد في أرض المسلمين أو بين الأرضي، وإنما نص مالك على من أخذ ببلد العدو، وألحق ابن
القاسم به الذي ينزل بساحتنا تاجراً قبل أن يعطى الأمان، صرح بذلك ابن يونس وغيره.
وقال ابن محرز: سمعت من يقول معنى قول مالك أنهم لقوه وقد انفصل من بلده ولم يدخل بلدنا، وأما لو وجوده في بلدهم أو بلدنا لم يقبل قوله، ولم يكن في ذلك إشكال، وعلى هذا فيكون قول ابن القاسم مخالفاً.
ثالثها: إن مفهوم كلام المصنف أن الذمي إذا أخذ ببلد العدو أنه لا يكون من محل الإشكال وليس كذلك كما ذكرنا.
ابن يونس: وتحصيلها أنه إن أخذ ببلد الحرب وهو مقبل إلينا وقال: جئت لأطلب الأمان، قيل: يقبل منه ويرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه.
وإن أخذ ببلد الإسلام، فقال: جئت للإسلام، فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه ورد إلى مأمنه، وإن أخذ لبعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه.
وقيل: ذلك سواءُ وهو فيء ويرى الإمام رأيه، ولا خلاف فيمن أتى تاجراً، فيقول: ظننت أنكم لا تعرضوا لمن أتى تاجراً أنه يقبل منه ويرد إلى مأمنه، ولا خلاف أيضاً أنه إذا لم يكن معهم تجارة وتبين كذبهم، أو تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو نزلوا للعطش بلا أمان أنهم فيء.
وعَلَى أَنَّهُمْ حَرْبٌ فَلا يَجُوزُ الْقَتْلُ عَلَى الأَشْهَرِ
في هذا الكلام نظر؛ لأنه كيف يحكم على أحد المحتملين المتساويين من غير ترجيح، وكأن المصنف- والله أعلم- قصد اختصار كلام ابن بشير؛ لأنه قال: إن علم أنهم أهل حرب حكم فيهم بحكم أهل الحرب، وإن علم أنهم مستأمنون حكم فيهم بحكم المستأمنين، وإن شك فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الأصل إراقة دمهم فمع الشك يرجع إلى الأصل.
والثاني: لا يستبيحهم إلا مع تيقن الإباحة، وإذا شككنا فإراقة الدم لا يقدم عليها مع الشك، قال: وكل ما في المذهب من الروايات فإلى هذا التقسيم يرجع، لكن إذا قلنا: إنهم فيء فهل يقتصر فيهم على الأسر وما ذكر معه دون القتل، أو يجوز قتلهم؟ قولان:
أحدهما: الاقتصار على الأسر لعظم أمر الدم.
والثاني: جوازه نظراً إلى الأصل في إراقة دمهم.
انتهى.
وهذان القولان الأخيران في كلام ابن بشير هما القولان في كلام المصنف، لكن ابن بشير إنما ذكر الخلاف بعد أن ذكر أولاً قولين، والمصنف لم يذكر في المسألة خلافاً ابتداء؛ فلذلك صار كلامه مشكلاً.
أَمَّا إِذَا حَصَلَ الظَّنُّ بأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهِ عَلَى الأَصَحِّ
كلامه يقتضي حصول الخلاف مع ظن الصدق وظن الكذب ولم أر ذلك، بل صرح اللخمي فيه بنفي الخلاف؛ لأنه قال: إن قام دليل على صدقه كان آمناً ولم يسترق، وإن قام دليل على كذبه لم يقبل قوله وكان رقيقاً.
وإن لم يقم دليل على أحدهما فهو موضع الخلاف، فإن قال: جئت رسولاً ومعه مكاتبة، أو جئت لفداء ومعه من يفديه، أو لقريب لي وله قرابة بذلك البلد كان دليلاً على صدقه.
وإن قال: جئت أطلب الأمان وقد خرج إليهم عسكر المسلمين فوجد على طريق جيش بلا سلاح كان أمره مشكلاً، وإن لم يكن مقبلاً إلينا ولا على طريقهم لم يصدق.
ونحوه لابن يونس، قال: لا خلاف فيمن أتى تاجراً، فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون [263/ ب] لمن أتاكم تاجراً أنه يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، ولا خلاف إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى الإمام فيهم رأيه من بيع، أو قتل، أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون.
انتهى.
وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام: أنهما لم يقفا على مقابل الأصح، زاد ابن عبد السلام: وما وجدت أحداً ممن تكلم على هذه المسألة ممن يعتبر قوله ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال وإذا انتفى القتل في محل الإشكال كان انتفاؤه مع أمارة صدق الرومي أولى، وكلام المصنف يدل على وجود الخلاف في ذلك.
انتهى وقد قدمنا من كلام ابن
بشير قولاً بالقتل في محل الإشكال، وكذلك ذكر المازري فيه قولين، ثم قال: وهذا الخلاف إذا ادعى أنه طالب للأمان، وأما إن لم يعتذر بعذر فظاهر المذهب أنه يستباح، وكذلك ظاهر المذهب تطرق التهمة إلى من حصل في بلادنا مغلوباً كمن ردته الريح إلينا بخلاف من لقيناه يمشي طائعاً إلينا.
التونسي: وإذا وجد في أسواق المسلمين ومدائنهم لم يقبل قوله؛ لأنه لو كان صادقاً لأخبر بذلك أول دخوله، ولو قال: فلان أعطاني الأمان فأنكر فلان لم يقبل قوله على فلان ورأى فيه الإمام رأيه.
وقال أصبغ: إذا أنكر فلان، فالإمام مخير إن شاء أمنه أو رده إلى مأمنه، ولم يعجب محمداً ما قال أصبغ، وقال: إن شاء رأى الإمام فيه رأيه.
وأَمَّا مَنْ نَزَلَ بَأَمَانٍ فَبَاعَ وَرَجَعَ فَرَدَّتْهُ الرِّيحُ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ
يعني: وأما لو نزل حربي بتجارة بأمان فباع واشترى ثم ذهب فردته الريح فهو على أمانه، وظاهر المدونة: أنهم على أمانهم سواء خرجوا من بلاد الإسلام أم لا، رمتهم الريح إلى بلد السلطان الذي أعطاهم الأمان أم لا.
ففيها: وإذا نزل تجار بأمان فباعوا وانصرفا فأبينما رمتهم الريح من بلد الإسلام فالأمان لهم ما داموا في تجرهم حتى يردوا بلادهم.
ولأصبغ: لهم الأمان إلا أن يفارقوا بلاد الإسلام.
وقال ابن المواز: لهم حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم.
وقال ابن الماجشون: الأمان مقصور على بلد السلطان الذي أمنهم، واختلف الشيوخ في هذا الخلاف، فرأى المازري أن هذا الخلاف كله راجع إلى شيء واحد، وهو ما قصده المؤمن بالتأمين هل قصده العموم أو لا؟ وعلى هذا فمتى تحقق قصد المؤمن العموم فالاتفاق على ذلك، ولعل المصنف ممن سلك هذه الطريقة لعدم تعرضه للخلاف مع شهرته، وحمل ابن يونس ذلك على الخلاف، فإنهقال: تحصيل الخلاف في هذه المسألة؛ قيل: لهم الأمان حتى يصلوا إلى بلادهم، وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم.
فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بريح غالبة أو مختارين، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء
ردهم، وقيل: بل هم حل.
وقيل: إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم، وإن كانوا مختارين فهم حل.
وإن هو وقع، إذا رجع لغير السلطان الذي أمنه، فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمان له، رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع خرج منه.
وأما إن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان آمناً فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه.
انتهى.
ابن رشد: وإذا غنم العدو في بلد المسلمين شيئاً من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون منهم قبل أن يصلوا به إلى بلادهم، فهل يقسم إذا لم يعرف صاحبه أم لا؟ وهل يأخذه صاحبه إن قسم بثمن أم لا؟ وأنه كان يختلف عندهم في ذلك، وهذه المسألة أصل لذلك.
ويَجُوزُ قَتْلُ الْعَيْنِ وإِنْ كَانَ مُسْتَامَناً
العين: هو الجاسوس، فيقتل ولو قدم بأمان، وهو مراده بقوله: (مُسْتَامَناً) سحنون: إلا أن يسلم فلا يقتل ويكون كأسير أسلم.
فرع: وكذلك الذمي يكون عندناً فيتبين أنه عين فلا عهد له.
سحنون: ويقتل.
اللخمي: يريد إلا أن يرى الإمام استرقاقه.
واختلف في المسلم يظهر أنه عين على خمسة أقوال: قال مالك في العتبية: ما سمعت فيه شيئاً ويتخير فيه الإمام.
وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب.
وقال ابن القاسم: لا يعرف لهذا توبة، وقاله سحنون.
وقال عبد الملك: إن كان معتاداً لذلك قتل، وإن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وأن مثله لا عورة عنده، وكان منه المرة وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل.
سحنون: وقال بعض أصحابنا يجلد جلداً منكلاً ويطال حبسه وينفي من موضع يقرب فيه من المشركين.
وإِذَا دَخَلَ بِلادَ الْحَرْبِ ولَمْ تُرْجَ قُطِعَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وحُرِّقَ وخُرِّبَ
يعني: إذا دخل المسلمون بلاد الحرب ولم ترج أن تصير للمسلمين، جاز قطع أشجارهم وتحريقها وتخريب بنائهم؛ لأن ذلك من التضييق عليهم وفيه إضعاف لأمرهم، وليس ذلك أكثر من إباحة قتلهم.
سحنون: وأصل نهي الصديق- رضي الله عنه- عن قطع الشجر وخراب العامر؛ إنما يكون ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين.
وفِي النَّحْلِ خَاصَّةً قَوْلانِ
النحل بالحاء المهملة، وهذا كالاستثناء من قوله: (حرق وخرب) يعني: أن هذا إنما هو في غير النحل.
واختلف في إتلاف النحل على قولين: [264/ أ] حكى الباجي روايتين فقال: روى ابن حبيب عنه: جواز ذلك فيه.
وروى غيره: أنه كرهه.
قال: وهذا إذا لم تدع إليه حاجة، وأما إن احتيج إلى ذلك ولم يمكن إلا بتحريقها أو تغريقها فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما في أجباحها، وكذلك قال التونسي.
وقاس من قال بالجواز ذلك على سائر أموالهم، ومن منع تمسك بنهي النبي صلى الله عليه وسلم والصديق عن ذلك كما تقدم.
وأشار المازري إلى أن محل الخلاف إنما هو إذا كانت كثيرة بحيث يكون لهم في ذلك نكاية، وأما إن كانت يسيرة بحيث لا نكاية للعدو في إتلافها فإنها تترك.
فَإِنْ رُجِيَتْ جَازَ إِنْ كَانَ إِنْكَاءً
هذا قسيم قوله أولاً: (ولم ترج) وحاصله: أنه لا يجوز مع الرجاء إلا بشرط حصول النكاية لهم بذلك.
وما عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ أُتْلِفَ مِمَّا لَهُمْ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ ....
يعني: أن للمسلمين إذا قدروا على مال الكفار وعجزوا عن حمله أو عن حمل بعض متاعهم فإنهم يتلفونه؛ لئلا ينتفع العدو به، وسواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف.
وروى ابن وهب أنه لا يتلف الحيوان لغير مأكلة؛ لعموم نهي الصديق وهذا في غير مراكبهم، وأما مراكبهم فلا خلاف في جواز قتلها وإتلافها بكل ما يجوز به قتل راكبيها.
قال المازري: وعلى المشهور فبماذا يتلف الحيوان؟ قال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب وتذبح ويجهز عليها.
وقال المدنيون: يجهز عليها، وكرهوا أن تعرقب وتذبح.
قال ابن حبيب: لأن الذبح مثله، والتعرقب تعذيب.
المازري: واختار بعض أصحابنا الذبح؛ لأنه أروح للحيوان.
واستشكل الباجي وغيره قول ابن حبيب: الذبح مثله؛ لأنه مباح فيما نهي عن التمثيل به، وإنما كره- والله أعلم- لأنه قد يكون فيها مثل الخيل ونحوها فيكون وسيلة إلى أكلها وتشكيكاً للعوام في إباحة الأكل، ونزل ابن بشير قول المصريين والمدنيين على أنه خلاف في حال، فإن أمكن أن يحتاج إليه المسلمون لم يتلف عليهم بالإجهاز، وإن لم يحتاجوا إليه أتلف.
قوله: (فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ) كذا قال جماعة.
الباجي، وابن بشير وغيرهما وهو ظاهر، وإن كان ابن القاسم قال: ما سمعت في الدواب أنها تحرق بعد عرقبتها.
فرع: وإذا عجزنا عن حمل النساء والصبيان والشيوخ، فإن كنا تركناهم في بلاد الحرب ثم جاء غيرنا فأخذهم فإنهم لمن أخذهم؛ لأنه لم يملكهم ملكاً تاماً، وأما إن تركناهم في حوز الإسلام فذلك كالإعتاق ولا سبيل لأحد عليهم، نقله ابن حبيب عمن يرضاه، واعترض ابن يونس قوله في الوجه الأول وأشار إلى أنه ينبغي أن يكونوا أحراراً كما في الوجه الثاني، وقال: كيف لم يملكهم ملكاً تاماً وهو له أن يطأ ويبيع ولو أعتق لم يكن له فيه رجوع، وقد قال محمد عن أشهب: فيمن اشترى شيئاً من السبي فعجز عن بعضه فتركه، فدخلت خيل أخرى فأخذته فهو لصاحبه الأول.
وقول محمد صواب ما لم يكن رقيقاً أعتقهم فتركهم على العتق.
ويَجُوزُ لأَمِيرِ الْجَيْشِ إِعْطَاءُ الأَمَانِ مُطْلَقاً ومُقَيَّداً قَبْلَ الْفَتْحِ وبَعْدَهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ .....
لأن الأمير قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقاً، أو مقيداً بزمان أو مكان أو صفة.
ابن بشير: ولا خلاف بين الأمة في ذلك، وإذا جاز هذا لأمير الجيش فلأن يجوز لأمير المسلمين أولى ووجب عليه اعتبار المصلحة؛ لأنه وكيل على المسلمين والوكيل إنما يتصرف على هذا الوجه ولا يجوز له اتباع هواه، فإن قلت: ينبغي أن يحمل قوله: (مُطْلَقاً) على ما عدا هذه الأمكنة؛ لأن المذهب اختلف في المستأمن بأمان سلطان إذا خرج إلى سلطان آخر هل يستبيحه هذا السلطان أم لا؟ قيل: إن بنينا على ما قاله المازري وغيره: من أنه لا خلاف في المسألة، كان ما ذكره المصنف من الإطلاق متفقاً عليه.
وإن بنينا على ما قاله ابن يونس: أن المشهور تعميم الأمان، خلافاً لابن الماجشون في قصره ذلك على بلد السلطان، يكون كلام المصنف جارياً على المشهور.
والله أعلم.
فرع: ليس لأحد الناس أن يعقد الأمان لأهل إقليم، وإن وقع فالإمام مخير في إمضائه، وإنما ذلك للسلطان، هكذا قال غير واحد.
وكَذَلِكَ كُلُّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ، أَوْ مُجَازٍ أَجَازَهُ الإِمَامُ قَبْلَ الْفَتْحِ.
وقِيلَ: إِنْ كَانَ صَوَاباً
تقدم أن الإقليم لا يعطي أهله الأمان إلا الأمير، فكلام المصنف ليس على إطلاقه، وكلامه مشتمل على خمسة شروط؛ لأن قوله: (حُرٍّ) يفهم منه الذكورية.
وقوله: (وكَذَلِكَ) أي: يجوز تأمينه وليس للإمام رده، وهو قول مالك وابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: الإمام مخير بين أن يمضيه أو يرده، وإلى حمل قول ابن الماجشون على الخلاف ذهب عبد الوهاب والباجي وغيرهما، وهو ظاهر كلام المصنف.
الباجي: ودليل قول مالك قوله صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمة المسلمين أدناهم".
وقال ابن يونس: [264/ ب] وأصحابنا يحملون قوله على أنه ليس بخلاف، خلاف ما تأوله عبد الوهاب.
انتهى.
وبعض من حمل كلام ابن الماجشون على الخلاف رأى أن ابن القاسم، وابن الماجشون لم يختلفا في أن الإمام مخير، وإنما اختلف في صفة التخيير، فابن القاسم يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده إلى مأمنه، وغيره يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده فيئاً.
تنبيه: نص ابن حبيب على أنه لا ينبغي التأمين لغير الإمام ابتداءً، وهو خلاف ظاهر كلام المصنف؛ لأن قوله: (وكذلك) يقتضي جواز ذلك ابتداءً، إذ لا خلاف في جوازه للإمام ابتداءً.
وظاهر المدونة ككلام المصنف، ففيها: ويجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان.
ويحتمل: يجوز إن وقع، وكذلك اختلف في كلام ابن حبيب هل هو موافق للمدونة أو مخالف.
وقوله: (قَبْلَ الْفَتْحِ) يريد ما لم يتعلق للمسلمين حق؛ فقد نص سحنون على أنه إذا أشرف المسلمون على أخذ الحصن وتيقن أخذه، فأمنهم رجل من المسلمين أن للإمام رد تأمينه.
وفِي أَمْنِهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ قَوْلانِ
ظاهر كلام المصنف أن الخلاف عام في حق من أمنه وفي حق غيره، وأنه عام في القتل والاسترقاق وليس كذلك، بل يجوز لمن أمنه قتله اتفاقاً، والخلاف إنما هو في القتل لا في الاسترقاق؛ لأنه صار مملوكاً.
والقول بسقوط القتل لابن القاسم، وابن المواز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم".
قال سحنون: لا يحل لمن أمنه قتله، وأما الإمام فإن شاء قتله فعل، وإن شاء أمضى أمانه وكان فيئاً.
وقوله: (وفِي أَمْنِهِمْ) يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل؛ أي: وفي أمن المسلمين للعدو.
ويحتمل أن يكون مضافاً للمفعول؛ أي: وفي أمن الكفار.
والمعنى سواء، والظاهر أن تقديره: وفي
إمضاء أمنهم؛ لأن ابن القاسم وغيره إنما تكلموا على ذلك بعد الوقوع، وكذلك نقل ابن بشير، ولفظه: وأما إذا وقع الفتح، فإن أمنه الأمير صح تأمينه، وإن أمنه غيره فهل يصح تأمينه فيكون مانعاً من القتل؟ قولان.
وفِي ثُبُوتِهِ مِنْهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلانِ
قال بعضهم: هذا الخلاف مبني على قول سحنون القائل بعدم إجازة التأمين بعد الفتح، فإذا ادعى أنه أمنه قبل الفتح فهل يقبل- لأن الأصل الصدق، وهذا قول ابن القاسم، وأصبغ- أم لا؟ ولابد في ذلك من شاهدين، وهو قول سحنون.
وهذا ظاهر؛ لأن من يجيز التأمين بعد الفتح لا يحسن بناء هذا الخلاف عليه، إذ لا يتهم حينئذ؛ لأنه إن صدقه الإمام في ذلك مضى، وإن لم يصدقه استأنف له الإمام حينئذٍ.
وقال ابن عبد السلام: عندي أن هذين القولين يأتيان على قول ابن القاسم أيضاً.
قال ابن القاسم في ذلك: وهذا الخلاف فيما عدا الإمام، وأما الإمام فيقبل منه بغير تفصيل.
وأَمَانُ الْمَرْأَةِ والْعَبْدِ والصَّبِيِّ إِنْ عَقَلَ الأَمَانُ مُعْتَبَرٌ عَلَى الأَشْهَرِ
الأشهر مذهب المدونة، وروى أبو الفرج عن مالك: لا أمان للثلاثة؛ وقال سحنون وابن حبيب: إما أن يوفى له بذلك أو يرد إلى مأمنه، وأما القتل فلا.
ابن عبد السلام: وانظر فيما حكاه أبو الفرج هل له أن يقتل من أمنوه إذا لم يجزه؟ وعن سحنون في العبد إذا أذن له سيده في القتل صح أمانه، وإلا فلا.
وقيل: إن قاتل العبد صح أمانه وإلا فلا.
الباجي: ولا خلاف في اعتبار العقل في لزوم الأمان وصحته.
ومعنى قوله: (عَقَلَ الأَمَانُ) أي: علم ثمرته وأنه يؤجر على الوفاء به وأن نقضه مذموم.
وتجاذب المشهور، ومقابله قوله صىلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه جائز؛ وإنما جاز بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم
له.
وقد يقال: عدم إمضاء أمانها أظهر، فإنه لو كان صحيحاً لما جهل ذلك علي – رضي الله تعالى عنه- فإنه أراد قتل من أجارته أم هانئ.
وتمسكوا للمشهور في العبد بقوله صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم".
وقال: من لم يعتبر تأمينه إن أول الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "تتكافأ دماؤهم" يخرجه.
بِخِلافِ الذِّمِّيِّ عَلَى الأَشْهَرِ
أي: فلا يعتبر أمانه على الأشهر، ومقابل الأشهر ذكره جماعة.
ففي المازري، والتبيهات: مشهور المذهب لا يجوز أمان المشرك.
وقال الباجي: الظاهر من المذهب اعتبار الإسلام.
والشاذ لا يرى أمانه لازماً مطلقاً، بل يجعل الإمام فيه مخيراً، قاله المازري، وابن عبد السلام وغيرهما.
اللخمي: واختلف بعد القول أن الأمان لهم إن قالوا: ظننا أن الذي أعطانا الأمان مسلم، فقال ابن القاسم مرة: لا يقبل عذرهم.
وقال مرة: ذلك لهم ويردون إلى مأمنهم.
وأرى إذا كان عالماً أنه نصراني وقال: ظننت أن جواره جائز أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك مشكل ولم يأت بما لا يشبه فلا يستباح بالشك.
وإن قال: علمت أن جوار النصراني غير لازم ولم أعلم أنه نصراني لم يصدق؛ لأنهم أهل دين واحد.
ولَوْ ظَنَّ الْحَرْبِيُّ الأَمَانَ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى الإِمَامُ النَّاسَ فَعَصوا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ إِلَى مَامَنِهِ .....
يعني: أن الحربي إذا توهم الأمان، أو نهى الإمام الناس عن التأمين، فأمنوا نسياناً أو عصياناً أو جهلاً، فأتى إلينا الحربي معتمداً [265/ أ] على ذلك فلا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يخير الإمام في إمضائه أو يرد.
ابن راشد: وقوله: (إلى مأمنه) صوابه أن يقول: رد إلى حيث كان قبل التأمين؛ إذ قد يكون بموضع هو فيه خائف فلا يصح أن يرد إلى حيث يأمن، بل إلى حيث كان قبل التأمين، وهذا هو المنقول.
فرع:
الباجي: والتأمين لازم بكل لسان فهمه المؤمن أم لا، إن أراد المؤمن التأمين، وحكم الإشارة حكم العبارة.
وفروع هذا الباب كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكره المصنف، وإن أحببت الوقوف عليها ففي النوادر.
وَيَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِجْمَاعاً، وفِي غَيْرِهِمْ مَشْهُورُهَا تُؤْخَذُ، وثَالِثُهَا: تُؤْخَذُ إِلا مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ، ورَابِعُهَا: إِلا مِنْ قُرَيْشِ ....
ينبغي أن يفهم الجواز على معنى الإذن في الإقدام لا بمعنى الإباحة، فإن الكتابي إذا بذل