الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 592-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ولنا فيه منع وإن سلم فالاعتبار بالضرر أولى بالاعتبار بمنفعة الجنس فإنه لو ذهب شمه أو قطعت أذناه معا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس * (مسالة) * (ولا يجزئ المريض المأيوس من برئه كمرض السل) لأن برأه يندر ولان يتمكن من العمل مع بقائه وإن كان المرض يرجى زواله كالحمى ونحوها لم يمنع الاجزاء في الكفارة ولا يجزئ النحيف العاجز عن العمل لأنه كالمريض المأيوس من برئه وإن كان يتمكن من العمل أجزأ * (مسألة) * (ولا يجزئ غائب) لا يعلم خبره لأنه مشكوك في حياته والأصل بقاء شغل الذمة فلا تبرأ بالشك وهو مشكوك في وجوده فيشك في اعتاقه فإن قيل الأصل حياته قلنا إن الموت قد علم أنه لابد منه وقد وجدت دلالة عليه وهو انقطاع اخباره فإن تبين بعد هذا كونه حيا صح اعتاقه وتبينا براءة ذمته من الكفارة وإلا فلا وإن لم ينقطع خبره أجزأ عتقه لأنه عتق صحيح: * (مسألة) * (ولا يجزئ مجنون مطبق لأنه لا يقدر على العمل)

* (مسألة) * (ولا يجزئ الأخرس)

وهو قول القاضي وبعض الشافعية قال شيخنا والأولى أنه متى فهمت اشارته وفهم اشارة غيره أنه يجزئ لأن الاشارة تقوم مقام الكلام في الافهام وأحكامه كلها تثبت اشارته فكذلك عتقه وكذلك الأخرس الذي تفهم إشارته، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وعن أحمد أنه لا يجزئ وبه قال

أصحاب الرأي لأن منفعة الجنس ذاهبة فأشبه زائل العقل ولأن الخرس نقص كبير يمنع كثيراً من الأحكام مثل القضا والشهادة وكثير من الناس لا تفهم اشارته فيتضرر بترك استعماله، والأول أولى إن شاء الله لما ذكرنا، وذهاب منفعة الجنس لا يمنع الإجزاء كذهاب الشم وذهاب الشم لا يمنع الاجزاء لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره ويجزئ مقطوع الاذنين وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك وزفر لا يجزئ ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل ضرراً بيناً فلم يمنع كنقص السمع بخلاف قطع اليدين ويجزئ مقطوع الأنف لذلك.

* (مسألة) * (ولا يجزئ عتق من علق عتقه بصفة عند وجودها)

فأما إن علق عتقه للكفارة وأعتقه عند وجود الصفة أجزأه لأنه أعتق عبده الذي يملكه عن كفارته ولا يجزئ عتق المدبر لأن عتقه مستحق في غير الكفارة فلم يجزئه كالذي استحق عليه الاطعام في النفقة فدفعه في الكفارة.

  • (مسألة) * (ولا يجزئ من يعتق عليه بالقرابة) وجملة ذلك أنه إذا اشترى من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه عتقه عن الكفارة عتق ولم يجزئه وبهذا قال مالك والشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي يجزئه استحسانا لأنه يجزئ عن كفارة البائع فأجزأ عن كفارة المشتري كغيره ولنا قوله تعالى (فتحرير رقبة) والتحرير فعل العتق ولم يحصل العتق ههنا بتحرير منه ولا

اعتاق فلم يكن ممتثلا للأمر ولأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم يجزئه كما لو ورثه ينوي به العتق عن كفارته أو كام الولد ويخالف المشتري البائع من وجهين (أحدهما) أن البائع يعتقه والمشتري لم يعتقه وإنما يعتق بإعتاق الشرع عن غير اختيار منه (الثاني) أن البائع لا يستحق عليه اعتاقه والمشتري بخلاف ذلك (فصل) إذا اشترى عبداً ينوي اعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا لا يمنع من الاجزاء في الكفارة وأخذ أرشه ثم أعتق العبد عن كفارته أجزأه وكان الأرش له لأن العتق إنما وقع على العبد المعيب دون الأرش فانه أعتقه قبل العلم بالعيب ثم ظهر على العيب فأخذ أرشه فهو له كما لو أخذ قبل اعتاقه وعنه أنه يصرف الأرش في الرقاب لأنه أعتقه معتقداً أنه سليم فكان بمنزلة العوض عن حق الله تعالى فكان الأرش مصروفا في حق الله تعالى كما لو باعه كان الأرش للمشتري فإن علم العيب ولم يأخذ أرشه حتى اعتقه كان الأرش للمعتق لأنه أعتقه معيباً عالما بعيبه فلم يلزمه أرش كما لو باعه لمن يعلم عيبه.

* (مسألة) * (ولا يجزئ من اشتراه بشرط العتق)

في ظاهر المذهب وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقد روي عن معقل بن يسار ما يدل عليه وذلك لأنه إذا اشتراه بشرط العتق فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط فكأنه أخذ عن العتق عوضا فلم يجزئه عن الكفارة.
قال أحمد إن كانت رقبة واجبة لم تجزئه لأنها ليست رقبة سليمة ولأن عتقها مستحق بسبب آخر وهو الشرط فلم يجزئه كما لو اشترى قريبه فنوى بشرائه

العتق عن الكفارة أو قال إن دخلت الدار فأنت حر ثم نوى عند دخوله أنه عن كفارته (فصل) ولو قال رجل له أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير ففعل لم يجزئه عن الكفارة لأن الرقبة لم تقع خالصة عن الكفارة، وذكر القاضي أن العتق كله يقع عن باذل العوض وله ولاؤه وهذا فيه نظر فإن المعتق لم يعتقه عن باذل العوض ولا رضي باعتاقه عنه وباذل العوض لم يطلب ذلك، والصحيح أن اعتاقه عن المعتق والولاء له فإن رد العشرة على باذلها ليكون العتق عن الكفارة لم يجز عنها لأن العتق إذا وقع على صفة لم ينتقل عنها وإن قصد العتق عن الكفارة وحدها وعزم على رد العشرة أو رد العشرة قبل العتق وأعتقه عن كفارته أجزأه

* (مسالة) * (ولا أم ولده في الصحيح عنه)

هذا ظاهر المذهب وبه قال الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنها تجزئ يروي ذلك عن الحسن وطاوس والنخعي وعثمان البتي لقول الله تعالى (فتحرير رقبة) ومعتقها قد حررها ولنا أن عتقها مستحق بسبب آخر فلم تجز عنه كما لو اشترى قريبه أو عبداً بشرط العتق فأعتقه وكما لو قال لعبده أنت حر إن دخلت الدار ونوى عتقه عن كفارته عند دخوله والآية مخصوصة بما ذكرنا فنقيس عليه ما اختلفنا فيه وولد أم الولد الذي ولدته بعد كونها أم ولد حكمه حكمها فيما ذكرناه لأن حكمه حكمها في العتق بموت سيدها * (مسألة) * ولا يجزئ مكاتب قد أدى من كتابته شيئاً في اختيار شيوخنا وعنه يجزئ وعنه لا يجزئ مكاتب بحال)

روي عن أحمد رحمه الله في المكاتب ثلاث روايات: (إحداهن) يجزئ مطلقا اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي ثور لأن المكاتب عبد يجوز بيعه فأجزأ عتقه كالمدبر ولأنه رقبة فيدخل في عموم مطلق قوله سبحانه (فتحرير رقبة) (والثانية) لا يجزئ مطلقاً وهو قول مالك والشافعي وأبو عبيد لأن عتقه مستحق بسبب آخر ولهذا لا يملك إبطال كتابته فأشبه أم الولد (والثالثة) إن كان أدى شيئاً من كتابته لم يجزئه ولا أجزأه وبه قال الليث والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي قال القاضي هو الصحيح لأنه إذا أدى شيئا فقد حصل العوض عن بعضه فلم يجز كما لو اعتق بعض رقبة وإذا لم يؤد فقد أعتق رقبة كاملة مؤمنة سالمة الخلق تامة الملك لم يحصل عن شئ منها عوض فأجزأ عتقها كالمدبر ولو أعتق عبدًا عن مال يأخذه من العبد لم يجز عن كفارته في قولهم جميعاً.
(فصل) ولا يجزئ اعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور يجزئ لأنه آدمي مملوك يصح اعتاق فصح عن الرقبة كالمولود ولنا أنه لم يثبت له أحكام الدنيا بعد فإنه لا يملك إلا بالإرث والوصية ولا يشترط لهما كونه آدميا لكونه يثبت له ذلك وهو نطفة أو علقة وليس بآدمي في تلك الحال (فصل) فإن أعتق غيره عنه عبدا بغير إذنه لم يقع عن المعتق عنه اذا كان حيا وولاؤه للمعتق ولا

يجزئ من كفارته وإن نوى ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه يجزئ إذا أعتق عن واجب على غيره بغير إذنه لأنه قضى عنه واجبا فصح كما لو قضى عنه دينا ولنا أنه عبادة من شرطها النية فلم يصح أداؤها عمن وجب عليه بغير أمره مع كونه من أهل الأمر كالحج ولأنه أحد خصال الكفارة فلم يصح عن المكفر بغير أمره كالصيام، وهكذا الخلاف فيمن كفر عنه بالاطعام، فأما الصيام فلا يجوز أن ينوب عنه أذنه ولا بغير اذنه لأنه عبادة بدنية فلا تدخلها النيابة فأما إن أعتق عنه بأمره نظرت فإن جعل له عوضاً صح العتق عن المعتق عنه وله ولاؤه وأجزأ عن كفارته بغير خلاف علمناه وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما لأنه حصل العتق عنه بماله فأشبه ما لو اشتراه ووكل البائع في إعتاقه عنه وإن لم يشترط عوضا ففيه روايتان.
(إحداهما) يقع العتق عن المعتق عنه ويجزئ عن كفارته وهو قول مالك والشافعي لأنه أعتق عنه بأمره فصح كما لو شرط عوضاً.
(والأخرى) لا يجزئ والولاء للمعتق وهو قول أبي حنيفة لأن العتق بعوض كالبيع وبغير عوض كالهبة ومن شرط الهبة القبض ولم يحصل فلم يقع عن الموهوب له، ويفارق البيع لأنه لا يشترط فيه القبض، فإن كان المعتق عنه ميتا وكان قد وصى بالعتق عنه صح لانه بأمره وإن لم يوص فأعتق عنه أجنبي لم يصح لأنه ليس بنائب عنه، وإن أعتق عنه وارثه فإن لم يكن عليه واجب لم يصح العتق عنه ووقع عن المعتق، وان كان عليه عتق واجب صح العتق عنه لأنه نائب عنه في ماله وأداء واجباته فإن كنت عليه كفارة يمين فأطعم عنه جاز، وإن أعتق عنه ففيه وجهان

(أحدهما) ليس له ذلك لأنه غير متعين فجرى مجرى التطوع (والثاني) يجزئ لان العتق يقع واجباً لأن الوجوب يتعين فيه بالفعل فأشبه المعين ولأنه أحد خصال كفارة اليمين فجاز أن يفعله عنه كالإطعام والكسوة، ولو قال من عليه الكفارة أطعم عن كفارتي أو اكس صح إذا فعل رواية واحدة سواء ضمن له عوضاً أو لا * (مسألة) * (ويجزئ الأعرج يسيرا) لأنه قليل الضرر بالعمل فإن كان فاحشاً كثيراً لم يجز لأنه يضر بالعمل فهو كقطع الرجل ويجزئ المجدع الأنف والاذن، وفي مجدع الاذنين خلاف ذكرناه، ويجزئ المجبوب والخصي ومن يخنق في الاحيان والاصم لأن هذا لا يضر بالعمل، وتجزئ الرتقاء والكبيرة التي تقدر على العمل لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه وتكميل أحكامه فحصل الاجزاء به كالسالم من العيوب.
(فصل) ويجزئ عتق الجاني وإن قتل قصاصاً والمرهون وعتق المفلس عبده إذا قلنا بصحة عتقه (فصل) ويجزي الأعور في قولهم جميعاً، وقال أبو بكر فيه قول آخر لا يجزئ لأنه نقص يمنع التضحية والاجزاء في الهدي فأشبه العمى، والصحيح ما ذكرناه فإن المقصود تمليك العبد المنافع وتكميل الأحكام والعور لا يمنع ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل أشبه قطع إحدى الاذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررا بينا ويمنع كثيراً من الصنائع ويذهب بمنفعة الجنس، ويفارق قطع إحدى اليدين أو الرجلين فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما وأما الاضحية

والهدي فإنه لا يمنع منهما مجرد العور وإنما يمنع انخساف العين لأنها عضو مستطاب ولان الاضحية يمنع فيها قطع الاذن والقرن والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل * (مسألة) * (ويجزئ عتق المدبر) وهذا قول طاوس والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وقال مالك والاوزاعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي: لا يجزئ لأن عتقه مستحق بسبب آخر فأشبه أم الولد ولأن بيعه عندهم غير جائز فهو كأم الولد ولنا قوله تعالى (فتحرير رقبة) وقد حرر رقبة ولأنه عبد كامل المنفعة لم يحصل عن شئ منه عوض فجاز عتقه كالقن ولأنه يجوز بيعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبراً، وقد ذكرنا ذلك، ولأن التدبير إما أن يكون وصية أو عتقاً بصفة وأيهما كان فلا يمنع التكفير باعتاقه قبل وجود الصفة والصفة ههنا الموت ولم توجد، ويجزئ المعلق عتقه بصفة قبل وجودها لأن ملكه فيه تام ويجوز بيعه

* (مسألة) * (ويجوز عتق ولد الزنا)

وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة وبه قال ابن المسيب والحسن وطاوس والشافعي واسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وروي عن عطاء والشعبى والنخعي والاوزاعي وحماد أنه لا يجزئ لأن أبا هريرة رضي الله عنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولد الزنا شر الثلاثة " قال أبو هريرة ولأن امتع بسوط في سبيل الله أحب إلي منه رواه أبو داود ولنا دخوله في مطلق قوله (فتحرير رقبة) ولأنه مملوك مسلم كامل العمل لم يعتق عن شئ ولا استحق عتقه بسبب آخر فاجزأ عتقه كولد الرشدة، فأما الأحاديث الواردة في ذمة فاختلف

أهل العلم في تفسيرها فقال الطحاوي ولد الزنا هو الملازم للزنا كما يقال ابن السبيل الملازم لها وولد الليل الذي لا يهاب السير فيه.
وقال الخطابي عن بعض أهل العلم قال هو الثلاثة أصلا وعنصراً ونسباً لأنه خلق من ماء الزنا وهو خبيث وأنكر قوم هذا التفسير وقالوا ليس عليه من وزر والدية شئ.
قال الله تعالى (ولا تزرر وازرة وزر أخرى) وقد جاء في بعض الأحاديث " هو شر الثلاثة إذا عمل عملهم " فإن صح ذلك اندفع الإشكال.
وفي الجملة هذا يرجع إلى أحكام الآخرة أما أحكام الدنيا فهو كغيره في صحة امامته وبيعه وعتقه وقبول شهادته فكذلك في اجزاء عتقه عن الكفارة لأنه من أحكام الدنيا

* (مسألة) * (ويجزئ الصغير)

وقال الخرقي لا يجزئ حتى يصلي ويصوم.
قال القاضي لا يجوز اعتاق من له دون سبع سنين لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد، ظاهر كلام الخرقي أن المعتبر العقل دون السن فمن صلى وصام ممن له عتق يعرف الصلاة والصيام ويتحقق من الإتيان به بنيته واركانه فانه يجزئ في الكفارة وان لم يبلغ السبع، وإن لم يوجد منه لم يجز في الكفارة وإن كان كبيراً وقال أبو بكر وغيره من اصحابنا يجوز اعتاق الطفل في الكفارة وهو قول الحسن وعطاء والزهري والشافعي وابن المنذر لأن المراد بالإيمان ههنا الاسلام بدليل اعناق الفاسق قال الثوري المسلمون مؤمنون كلهم عندنا في الأحكام وما ندري ما هم عند الله وبهذا تعلق حكم القتل بكل مسلم بقوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ) والصبي محكوم بإسلامه يرثه المسلمون ويرثهم ويدفن في مقابر المسلمين ويغسل ويصلى عليه وإن سبي

منفرداً عن أبويه أجزأ عنه عتقه لأنه محكوم بإسلامه وكذلك إن سبي مع أحد أبويه ولو كان أحد أبوي الطفل كافراً والآخر مسلما أجزأ اعتاقه لأنه محكوم بإسلامه قال القاضي في موضع يجزئ اعتاق الصغير في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإنها على روايتين وقال إبراهيم النخعي ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا من صام وصلى وما كان في القرآن رقبة ليست بمؤمنة فالصبي يجزئ ونحو هذا قول الحسن ووجه قول الخرقي إن الواجب رقبة مؤمنة والإيمان قول وعمل فما لم يحصل الصلاة والصيام لا يحصل العمل قال مجاهد وعطاء في قوله (فتحرير رقبة مؤمنة) قد صلت ونحو هذا قول الحسن وابراهيم وقال مكحول إذا ولد المولود فهو نسمة فإذا انقلب ظهراً لبطن فهو رقبة فإذا صلى فهو مؤمنة ولأن الطفل لا يصح منه عبادة لأنه لا نية له فلم يجز في الكفارة كالمجنون ولان الصبى نقص يستحق به النفقة على القرابة فأشبه الزمانة قال شيخنا والقول الآخر أقرب الى الصواب والصحة إن شاء الله لأن الايمان الاسلام وهو حاصل في حق الصبي الصغير ويدل على هذا أن معاوية بن الحكم السلمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت برأسها إلى السماء قال " من أنا؟ " فأشارت إلى رسول الله وإلى السماء أي أنت رسول الله قال " أعتقها فإنها مؤمنة " فحكم لها بالايمان بهذا القول

* (مسألة) * (ولو ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته ثم اشترى باقيه فأعتقه أجزأه)

لأنه أعتق رقبة كاملة في وقتين فأجزأ كما لو أطعم المساكين في وقتين إلا على رواية وجوب الاستسعاء والصحيح في المذهب خلافها

* (مسألة) * (فإن أعتقه عن كفارته وهو موسر فسرى إلى نصيب شريكه عتق)

ولم يجزئه عن كفارته في قول أبي بكر الخلال وصاحبه وحكاه عن أحمد وهو قول أبي حنيفة لأن عتق نصيب شريكه لم يحصل بإعتاقه إنما حصل بالسراية وهو غير فعله وانما هي من آثار فعله فأشبه ما لو اشترى من يعتق عليه ينوي به الكفارة يحقق هذا أنه لم يباشر بالاعتاق إلا نصيبه فسرى إلى غيره ولو خص نصيب غيره بالإعتاق لم يعتق منه شئ ولأنه إنما يملك اعتاق نصيبه لا نصيب غيره، وقال القاضي قال غيرهما من أصحابنا يجزئه إذا نوى إعتاق جميعه عن كفارته وهو مذهب الشافعي لأنه أعتق عبداً كامل الرق سليم الخلق غير مستحق العتق ناويا به الكفارة فأجزأ كما لو كان الجميع ملكه والأول أصح إن شاء الله تعالى ولا نسلم أنه أعتق العبد كله وإنما أعتق نصفه وعتق الباقي عليه فأشبه شراء قريبه ولأن إعتاق باقيه مستحق بالسراية فهو كالقريب فعلى هذا هل يجزئه عتق نصفه الذي هو نصيبه ويعتق نصفاً آخر وتكمل الكفارة؟ ينبني على ما إذا أعتق نصفي عبدين، وسنذكر ذلك فأما ان نوى عتق نصيبه عن الكفارة ولم ينو ذلك في نصيب شريكه لم يجزئه في نصيب شريكه، وفي نصيب نفسه ما سنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) فإن كان العبد كله له فأعتق جزءا منه معيناً أو مشاعاً عتق جميعه فإن نوى به الكفارة أجزأ عنه لأن اعتاقه بعض العبد اعتاق لجميعه وإن نوى اعتاق الجزء الذي باشره بالاعتاق عن الكفارة دون غيره وهل يحتسب له بما نوى به الكفارة؟ على وجهين

* (مسألة) * ولو أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصف عبد ونصف أمة أجزأ عنه)

ذكره الخرقي قال الشريف أبو جعفر هذا قول أكثرهم، وقال أبو بكر بن جعفر لا يجزئ لأن المقصود من العتق تكميل الاحكام ولا يحصل من اعتاق نصفين، واختلف أصحاب الشافعي على ثلاثة أوجه (أحدها) كقول الخرقي، (والثاني) كقول أبي بكر، (والثالث) إن كان نصف الرقيق حراً أجزأ لأنه يحصل تكميل الأحكام، وان كان رقيقا لم يجز لأنه لا يحصل، ووجه الأول أن الأشقاص كالاشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير وبدليل الزكاة فإذا كان له نصف ثمانين شاة مشاعا وجبت الزكاة كما لو ملك أربعين منفردة وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها قال شيخنا والأولى أنه لا يجزئ اعتاق نصفين إذا لم يكن الباقي منهما حراً لأن إطلاق الرقبة إنما ينصرف إلى إعتاق الكاملة ولا يحصل من الشخصين ما يحصل من الرقبة الكاملة في تكميل الآحكام وتخليص الآدمي من ضرر الرق ونقصه فلا يثبت به من الأحكام ما يثبت باعتاق رقبة كاملة، ويمتنع قياس الشخصين على الرقبة الكاملة ولهذا لو أمر انسانا بشراء رقبة أو بيعها أو بإهداء حيوان أو بالصدقة به لم يكن له أن يشقصه كذا ههنا (فصل) فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين إذا قدر على الصيام وهذا إجماع من أهل العلم لقول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) ولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر حراً كان أو عبداً ويستوي في ذلك الحر والعبد عند أهل العلم لا نعلم فيه خلافا، وأجمعوا على وجوب التتابع لأنه شرط في الصيام وقد تناوله نص القرآن والسنة ومعنى التتابع الموالاة بين صيام أيامها فلا يفطر فيها ولا يصوم عن غير الكفارة ولا تجب نية التتابع ويكفي فعله لأنه شرط

وشرائط العبادات لا تحتاج الى نية، وإنما تجب النية لأفعالها وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر أنها واجبة لكل ليلة لأن ضم العبادة إلى العبادة إذا كان شرطاً وجبت النية فيه كالجمع بين الصلاتين، والثالث تكفي نية التتابع في الليلة الاولى ولنا أنه تتابع واجب في العبادة فلم يفتقر إلى نية كالتتابع بين الركعات، ويفارق الجميع بين الصلاتين فإنه رخصة فافتقر إلى نية الترخص وما ذكروه ينتقض بالمتابعة بين الركعات * (مسألة) * (فإن تخلل صومها صوم شهر رمضان أو فطر واجب كفطر العيد أو الفطر لحيض أو نفاس لم ينقطع التتابع وبنى على ما مضى من صيامه) وجملة ذلك أنه إذا تخلل صوم الظهار زمان لا يصح صومه فيه عن الكفارة مثل أن يبتدئ الصوم من أول شعبان فيتخلله رمضان ويوم الفطر أو يبتدئ من ذي الحجة فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق فإن التتابع لا ينقطع بهذا وينبني على ما مضى من صيامه، وقال الشافعي ينقطع التتابع ويلزمه الاستئناف لأنه أفطر في أثناء الشهرين بما كان يمكنه التحرز منه فأشبه إذا أفطر لغير ذلك أو صام عن نذر أو كفارة أخرى ولنا أنه زمن منعه الشرع عن صومه في الكفارة فلم يقطع التتابع كالحيض والنفاس فإن قالوا الحيض والنفاس غير ممكن التحرز منه قلنا قد يمكن التحرز من النفاس بأن لا يبتدئ الصوم في حال الحمل، ومن الحيض إذا كان طهرها يزيد على الشهرين بأن تبتدئ الصوم عقيب طهرها من الحيضة ومع هذا لا ينقطع التتابع به، ولا يجوز للمأموم مفارقة إمامه لغير عذر ويجوز أن يدخل معه المسبوق مع

علمه بلزوم مفارقته قبل إتمامها، ويتخرج في أيام التشريق رواية أخرى أنه يصومها عن الكفارة ولا يفطر إلا يوم النحر وحده فعلى هذا إن أفطرها استأنف لأنها أيام أمكنه صيامها في الكفارة ففطرها يقطع التتابع كغيرها إذا ثبت هذا فإنه إن ابتدأ الصوم من أول شعبان أجزأه صوم شعبان عن شهر، وإن كان ناقصاً، وأما شوال فلا يجوز أن يبتدأ من أوله لأن أوله يوم الفطر وصومه حرام فيشرع فيه من اليوم الثاني ويتمم شهراً بالعدد ثلاثين، وإن بدأ من أول ذي الحجة إلى آخر المحرم قضى أربعة أيام وأجزأه لأنه بدأ من أولهما ولو ابتدئ صوم الشهرين من يوم الفطر لم يصح صوم يوم الفطر ويصح صوم بقية الشهر وصوم ذي القعدة ويحتسب له بذي القعدة، وإن كان ناقصاً لانه بدأه من أوله، وأما شوال فإن كان تاما صام يوما من ذي الحجة وإن كان ناقصاً صام يومين لأنه لم يبدأه من أوله وإن بدأ بالصيام من أول أيام التشريق وقلنا يصح صومها عن الفرض فإنه يحتسب له بالمحرم ويكمل صوم ذي الحجة بتمام ثلاثين يوما من صفر، وإن قلنا لا يصح عن الفرض صام مكانها من صفر (فصل) وإن أفطر لحيض أو نفاس فقد أجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعا إذا حاضت قبل اتمامه تقضي إذا طهرت وتبني وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس وفيه تغرير بالصوم لأنها ربما ماتت قبله، والنفاس كالحيض في أنه لا ينقطع التتابع في أحد الوجهين لأنه بمنزلته في أحكامه ولأن الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما وإنما ذلك الزمان كزمان الليل في حقهما (والثاني) أن النفاس يقطع التتابع لأنه فطر أمكن التحرز منه لا يتكرر في العام فقطع التتابع كالفطر لغير عذر ولا يصح قياسه على الحيض لأنه أندر منه ويمكن التحرز منه

* (مسألة) * (فإن أفطر لمرض مخوف أو جنون لم ينقطع التتابع)

روى ذلك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء والشعبي وطاوس ومجاهد ومالك واسحاق وأبو عبيد وابو ثور وابن المنذر والشافعي في القديم، وقال في الجديد ينقطع التتابع وهو قول سعيد بن جبير والحكم والثوري وأصحاب الرأي لأنه أفطر فعله فلزمه الاستئناف كما لو أفطر لسفر ولنا أنه أفطر بسبب لا صنع له فيه فلم يقطع التتابع كافطار المرأة للحيض وما ذكروه من الأصل ممنوع وإن أفطر لجنون أو إغماء لم ينقطع التتابع لأنه لا صنع له فيه فهو كالحيض * (مسألة) * (وكذلك فطر الحامل والمرضع لخوفهما على أنفسهما) لأنهما كالمريض

* (مسألة) * (فإن خافتا على ولديهما فأفطرتا ففيه وجهان)

(أحدهما) لا ينقطع التتابع اختاره أبو الخطاب لأنه فطر أبيح لهما بسبب لا يتعلق باختيارهما فلم ينقطع التتابع كما لو أفطرتا خوفا على أنفسهما (والثاني) ينقطع لأنه لأجل الخوف على غيرهما، ولذلك يلزمهما الفدية مع القضاء

  • (مسألة) * (وإن أفطر لغير عذر أو صام تطوعا أو قضاء أو نذراً أو عن كفارة أخرى لزمه الاستئناف) لأنه أخل بالتتابع المشروط ويقع صومه عما نواه لأن هذا الزمان ليس بمستحق معين للكفارة ولهذا يجوز صومها في غيره بخلاف شهر رمضان فإنه متعين لا يصلح لغيره وإذا كان عليه نذر صوم غير معين أخره إلى فراغه من الكفارة وإن كان متعينا أخر الكفارة عنه أو قدمها عليه إن أمكن وإن كان أياما من كل شهر كيوم الخميس وأيام البيض قدم الكفارة عليه وقضاه بعدها لأنه لو وفي بنذره

انقطع التتابع ولزمه الاستئناف فيفضى إلا أن لا يتمكن من التكفير والنذر يمكن قضاؤه فيكون هذا عذراً في تأخيره كالمرض

* (مسألة) * (وإن أفطر لعذر يبيح الفطر كالسفر والمرض غير المخوف فعلى وجهين)

إذا افطر لمرض غير مخوف يبيح الفطر ففيه وجهان ذكرهما أبو الخطاب (أحدهما) لا يقطع التتابع لأنه مرض أباح الفطر أشبه المخوف (والثاني) يقطع التتابع لأنه أفطر اختياراً فانقطع التتابع كما لو أفطر لغير عذر فإن السفر مبيح للفطر فكلام أحمد محتمل الأمرين وأظهرهما أنه لا ينقطع التتابع فإنه قال في رواية الأثرم كان السفر غير المرض ولا ينبغي أن يكون أوكد من رمضان فظاهر هذا أنه لا ينقطع التتابع وهذا قول الحسن ويحتمل أن ينقطع التتابع وهو قول مالك وأصحاب الرأي واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال فيه قولان كالمرض ومنهم من يقول يقطع التتابع وجهاً واحداً لأن السفر يحصل باختياره فقطع التتابع كما لو أفطر لغير عذر والصحيح الأول لأنه أفطر لعذر يبيح الفطر في رمضان فلم ينقطع التتابع كافطار المرأة للحيض وفارق الفطر لغير عذر فإنه لا يباح فإن أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو افطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب افطر ويتخرج في انقطاع التتابع وجهان (أحدهما) لا ينقطع لأنه فطر لعذر (والثاني) ينقطع التتابع لأنه بفعل أخطأ فيه فأشبه ما لو ظن أنه قد أتم الشهرين انقطع التتابع لأنه أفطر لجهله فقطع التتابع كما لو ظن أن الواجب شهر واحد وإن أكره على الأكل والشرب بان أوجر الطعام والشراب لم يفطر وإن أكل خوفاً فقال القاضي لا يفطر وفيه وجه آخر أنه يفطر فعلى ذلك هل يقطع التتابع؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يقطعه لأنه عذر مبيح للفطر أشبه المرض (والثاني) يقطعه وهو مذهب الشافعي لأنه أفطر بفعله لعذر نادر والأول أولى

(فصل) ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من أول شهر ومن ائنائه بغير خلاف نعلمه لأن الشهر اسم لما بين الهلالين والثلاثين يوما فأيهما صام فقد أدى الواجب فإن بدأ من أول شهر فصام شهرين بالأهلة أجزأه ذلك وإن كانا ناقصين إجماعا وبه قال الثوري وأهل العراق ومالك في أهل الحجاز والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم لأن الله تعالى قال (فصيام شهرين متتابعين) وهذان شهران متتابعان وان بداء من اثناء شهر فصام ستين يوما أجزأه بغير خلاف أيضاً.
قال إبن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا فأما إن صام شهراً بالهلال وشهراً بالعدد فصام خمسة عشر يوماً من المحرم وصفر جميعه وخمسة عشر من ربيع فإنه يجزئه سواء كان صفر تاماً أو ناقصاً لأن الأصل اعتبار الشهور بالاهلة لكن تركناه في الشهر الذي بدأ من وسطه لتعذره ففي الشهر الذي أمكن اعتباره وجب ان يعتبر وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ويتوجه أن لا يجزئه إلا شهران بالعدد لأنا لما ضممنا إلى الخمسة عشر من المحرم خمسة عشر من صفر فصار ذلك شهراً صار ابتداء صوم الشهر الثاني من اثناء شهر أيضاً وهذا قول الزهري (فصل) فإن نوى شهر رمضان عن الكفارة لم يجزئه عن رضمان ولا عن الكفارة وانقطع التتابع حاضرا كان أو مسافراً لأنه تخلل صوم الكفارة فطر غير مشروع وقال مجاهد وطاوس يجزئه عنهما وقال أبو حنيفة إن كان حاضراً أجزأه عن رمضان دون الكفارة لأن تعيين النية غير مشترط لرمضان وإن كان في سفر أجزأه عن الكفارة دون رمضان وقال صاحباء تجزئ عن الكفارة دون رمضان حضرا أو سفرا

ولنا أن رمضان متعين لصومه محرم صومه عن غيره فلم يجزئه عن غيره كيومي العيدين ولا يجزئ عن رمضان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الأعمال بالنيات وإنما لأمرئ ما نوى) وهذا ما نوى رمضان فلا يجزئه، ولا فرق بين الحضر والسفر لأن الزمان متعين وإنما جاز فطره في السفر رخصة فإذا تكلف وصام رجع إلى الأصل فإن سافر في رمضان المتخلل لصوم الكفارة وأفطر لم ينقطع التتابع لأنه زمن لا يستحق صومه عن الكفارة فلم ينقطع التتابع بفطره كالليل * (مسألة) * (وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع) وبهذا قال مالك والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي لأن الله تعالى قال (فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) فأمر بهما خاليين عن وطئ ولم يأت بهما على ما أمر فلم يجزئه كما لو وطئ نهارا ذاكراً ولأنه تحريم للوطئ لا يختص النهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف وروى عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بالوطئ ليلا وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر لانه وطئ لا يفسد الصوم فلا يوجب الاستئناف كوطئ غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق وهذا متحقق وإن وطئ ليلا - وارتكاب المنهي في الوطئ قبل اتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين أو لو وطئ ليلة أول الشهرين وأصبح صائماً والاتيان بالصيام قبل الثمانين لا سبيل إليه سواء بنى أو استأنف وإن وطئها أو وطئ غيرها في نهار الشهرين عامداً أفطر وانقطع التتابع

إجماعا إذا كان غير معذور وإن وطئها أو وطئ غيرها نهاراً ناسيا أفطر وانقطع التتابع في إحدى الروايتين لان الوطئ لا يعذر فيه بالنسيان وعن أحمد رواية أخرى لا يفطر ولا ينقطع التتابع وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر لأنه فعل المفطر ناسياً أشبه ما لو أكل ناسياً ولو أبيح له الفطر لعذر فوطئ غيرها نهارا لم ينقطع التتابع لان الوطئ لا أثر له في قطع التتابع وإن كان وطئها كان كوطئها ليلا هل يقطع التتابع على وجهين

* (مسألة) * (وإن وطئ غيرها ليلا لم ينقطع التتابع)

لأن ذلك غير محرم عليه ولا هو يخل باتباع الصوم فلم يقطع التتابع كالأكل وليس في هذا اختلاف نعلمه فإن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام وإلا لم ينقطع والله أعلم * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فإن لم يستطع لزمه إطعام ستين مسكيناً مسلما حرا صغيرا كان أو كبيرا إذا أكل الطعام) أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصيام إن فرضه إطعام ستين مسكيناً على ما أمر الله تعالى في كتابه وجاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه والزيادة فيه أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم قالت امرأته يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال " فيطعم ستين مسكيناً " ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال وهل اصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال " فاطعم " فنقله إلى الاطعام لما أخبره إن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام وقسنا على هذين ما يشبههما في معناهما ويجوز أن ينتقل إلى الإطعام إذا عجز عن الصيام للمرض وإن كان مرجو الزوال لدخوله في قوله تعالى (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) ولأنه لا يعلم إن له نهاية فأشبه الشبق، ولا يجوز أن ينتقل لأجل السفر

لأن السفر لا يعجزه عن الصيام وله نهاية ينتهي إليها وهو من أفعاله الاختيارية والواجب إطعام ستين مسكيناً لا يجزئه أقل من ذلك وقال أبو حنيفة لو أطعم مسكينا واحدا في ستين يوما أجزأه وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى (فصل) يشترط في المساكين ثلاثة شروط الاسلام والحرية وأن يكون قد أكل الطعام، والمساكين هم الذين تدفع إليهم الزكاة لحاجتهم المذكورون في أبواب الزكاة ويدخل في ذلك الفقراء لأنهم وإن كانوا في الزكاة صنفين فهم في غيرها صنف واحد لكونهم يأخذون لحاجتهم إلى ما يكفيهم أو ما تتم به كفايتهم (أحدها) اسلامهم فلا يجوز دفعها إلى كافر ذمياً كان أو حربيا وبذلك قال الحسن والنخعي والاوزاعي ومالك والشافعي واسحاق وأبو عبيد، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي يجوز دفعها إلى الذمي لدخوله في اسم المساكين فيدخل في عموم الآية ولأنه مسكين من أهل دار الاسلام فأجزأ الدفع إليه من الكفارة كالمسلم وروي نحوه عن الشعبي وخرجه أبو الخطاب وجهاً في المذهب بناء على جواز اعتاقه في الكفارة وقال الثوري يعطيهم إذا لم يجد غيرهم ولنا أنهم كفار فلم يجز اعطاؤهم كمساكين أهل الحرب والآية مخصوصة بهذا فنقيس عليه.
(الثاني) أن يكونوا أحراراً فلا يجوز دفعها إلى عبد ولا مكاتب ولا أم ولد ولا خلاف في أنه لا يجوز دفعها إلى عبد لأن نفقته واجبة على سيده، ولا إلى أم ولد لذلك وبهذا قال مالك والشافعي واختار الشريف أبو جعفر جواز دفعها إلى مكاتبه وغيره وقال أبو الخطاب يتخرج دفعها إليه بناء على جواز اعتاقه لأنه يأخذ من الزكاة حاجته فأشبه المسكين

ولنا أن الله تعالى عده صنفاً في الزكاة غير صنف المساكين ولا هو في معنى المساكين لأن حاجته من غير جنس حاجتهم فيدل على أنه ليس بمسكين والكفارة إنما هي للمساكين بدليل الآية ولأن المسكين يدفع إليه لتتم كفايته والمكاتب إنما يأخذ لفكاك رقبته، وأما كفايته فإنها حاصلة بكسبه وماله فإن لم يكن له كسب ولا مال عجزه سيده ورجع إليه فاستغنى بانفاقه عليه، ويفارق الزكاة فانها تصرف إلى الغني والكفارة بخلافها (الثالث) أن يكونوا أكلوا الطعام فإن كان طفلا لم يأكل الطعام لم يدفع إليه في ظاهر كلام الخرقي وهو قول القاضي وهو ظاهر قول مالك فإنه قال يجوز الدفع إلى الفطيم وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والثانية يجوز دفعها إلى الصغير الذي لم يطعم وبقبض له وليه وهذا الذي ذكره أبو الخطاب المذهب وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي قال أبو الخطاب وهو قول أكثر الفقهاء لأنه حر مسلم محتاج فأشبه الكبير ولانه أكله للكفارة ليس بشرط وهذا يصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته فأشبه الكبير ولنا قوله تعالى (فاطعام عشرة مساكين) وهذا يقتضي أكلهم له فإذا لم يعتبر حقيقة أكلهم وجب اعتبار إمكانه ومظنته ولا تتحق مظنته فيمن لا يأكل ولأنه لو كان المقصود دفع حاجته لجاز دفع القيمة

ولم يتعين الاطعام وهذا يفسد ما ذكروه فإذا اجتمعت هذه الأوصاف في واحد جاز الدفع إليه كبيراً كان أو صغيراً محجوراً عليه أو غير محجور عليه إلا أن من لا حجر عليه يقبض لنفسه أو يقبض له وكيله والمحجور عليه كالصغير والمجنون يقبض له وليه.

  • (مسألة) * (ولا يجوز دفعها إلى الكافر) وقد ذكرناه، ولا إلى من تلزمه مؤنته وقد ذكرنا ذلك في الزكاة وفي دفعها إلى الزوج وجهان بناء على دفع الزكاة إليه * (مسألة) * ويجوز دفع الكفارة إلى من ظاهره العقر فإن بان غنيا فهل يجزئه؟ فيه وجهان) بناء على الروايتين في الزكاة وإن بان كافراً أو عبداً لم يجزئه وجهاً واحداً * (مسألة) * (وإن رددها على مسكين واحد ستين يوما لم يجزئه إلا أن لا يجد غيره فيجزئه في ظاهر المذهب وعنه لا يجزئه وعنه يجزئه وإن وجد غيره) وجملة ذلك أن الواجب في كفارة الظهار إطعام ستين مسكيناً للآية لا يجزئه أقل من ذلك وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه أن يطعم مسكينا واحدا في ستين يوما، وروي ذلك عن أحمد حكاه القاضي أبو الحسين لأن هذا المسكين لم يستوف إلا قوت يومه من هذه الكفارة فجاز أن يعطى منها كاليوم الأول، وعن أحمد رواية ثالثة أن وجدهم لم يجزئه لأنه أمكنه امتثال الأمر بصورته ومعناه وإن لم يجد غيره أجزأه لتعذر المساكين ووجه الأولى قول الله تعالى (فإطعام ستين مسكينا) وهذا لم يطعم إلا واحدا فلم يمتثل الأمر لأنه لم يطعم ستين مسكينا فلم يجزئه كما لو دفعها اليه في يوم واحد ولأنه لو جاز الدفع إليه في أيام لجاز الدفع اليه في يوم واحد كالزكاة وصدقة الفطر، يحقق هذا أن الله تعالى أمر بعدد المساكين لا بعدد الأيام وقائل هذا يعتبر عدد الأيام دون عدد المساكين، والمعنى في اليوم الأول أنه لم يستوف حقه من هذه الكفارة وفي اليوم الثاني قد استوفى حقه وأخذ منها قوت يوم فلم يجز أن يدفع إليه في اليوم الثاني كما لو أوصى انسان بشئ لستين مسكينا

* (مسألة) * (وإن دفع إلى مسكين واحد في يوم من كفارتين أجزأه)

وهذا مذهب الشافعي وهو اختيار الخرقي لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب فأجزأ كما لو دفع إليه المدين في يومين وفيه رواية أخرى أنه لا يجزئه وهو قول أبي حنيفة لأنه استوفى قوت يوم من كفارة فلم يجز الدفع إليه ثانياً كما لو دفعها إليه من كفارة واحدة، فعلى هذه الرواية يجزئه عن احدى الكفارتين وهل لها الرجوع في الاخرى؟ ينظر فإن كان اعلمه أنها عن كفارتين فله الرجوع وإلا فلا ويتخرج أن لا يرجع بشئ على ما ذكرنا في الزكاة، والرواية الأولى أقيس وأصح فإن اعتبار عدد المساكين أولى من اعتبار عدد الأيام ولو دفع إليه ذلك في يوم أجزأه ولأنه لو كان الدافع اثنين أجزأ عنهما فكذلك إذا كان الدافع واحدا ولو دفع ستين مدا إلى ثلاثين مسكينا من كفارة واحدة أجزأه من ذلك ثلاثون ويطعم ثلاثين آخرين فإن دفع الستين من كفارتين خرج على الروايتين في المسألة قبلها وهي إذا أطعم مسكينا واحدا مدين من كفارتين في يوم واحد.

  • (مسألة) * (والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة وهو البر والشعير والتمر والزبيب سواء كان قوت بلده أو لم يكن) وما عداها فقال القاضي: لا يجزئ اخراجه سواء كان قوت بلده أو لم يكن لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأوصاف على ما جاء في الأحاديث التي نذكرها ولأنه الجنس المخرج في الفطرة فلم يجز غيره كما لو لم يكن قوت بلده * (مسألة) * (فإن كان قوت بلده غير ذلك كالذرة والدخن والأرز لم يجز اخراجه على قول القاضي وقال أبو الخطاب عندي أنه يجزئه الاخراج من جميع الحبوب التي هي قوت بلده لأن الله تعالى قال (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وهذا مما يطعمه أهله فوجب أن يجزئه بظاهر النص وهذا مذهب الشافعي فإن أخرجه عن قوت بلده أجود منه فقد زاد خيراً * (مسألة) * (وإخراج الحب أفضل عند أبي عبد الله) لأنه يخرج به من الخلاف وهي حالة كماله لانه يدخر فيها ويتهيأ لمنافعه كلها بخلاف غيره فإن أخرج دقيقا جاز لكن يزيد على المد قدرا يبلغ المد حبا أو يخرجه بالوزن لأن الحب يروع فيكون في مكيال الحب أكثر مما يكون في مكيال الدقيق قال الأثرم قيل لأبي عبد الله فيعطي البر والدقيق قال أما الذي جاء فالبر ولكن إن أعطاهم الدقيق بالوزن جاز وقال الشافعي لا يجزئ لأنه ليس بحال الكمال لاجل ما يقوت به من وجوه الانتفاع فأشبه الهريسة

ولنا قول الله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم والدقيق من أوسط ما يطعمه أهله ولأن الدقيق أجزاء الحنطة وقد كفاهم مؤنته وطحنه وهيأه وقربه من الأكل وفارق الهريسة فانها تفسد عن قرب ولا يمكن الانتفاع بها في غير الأكل في تلك الحال بخلاف مسئلتنا * (مسألة) * (وفي الخبز روايتان) (إحداهما) يجزئ اختارها الخرقي ونص عليه أحمد في رواية الأثرم فإنه قال قلت لأبي عبد الله رجل أخذ ثلاثة عشر رطلا وثلثا دقيقا وهو كفارة اليمين فخبزه للمساكين وقسم الخبز على عشرة مساكين أيجزئه ذلك؟ قال ذلك أعجب إلى والذي جاء فيه الحديث أن يطعمهم مد بر وهذا أن فعل فأرجو أن يجزئه قلت إنما قال الله (فاطعام عشرة مساكين) فهذا قد أطعمهم وأوفاهم المد قال أرجو أن يجزئه وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، ونقل الأثرم في موضع آخر أن أحمد سأله رجل عن الكفارة قال أطعمهم خبزاً وتمراً قال ليس فيه تمر قال فخبز قال لا ولكن برا أو دقيقا بالوزن رطل وثلث لكل مسكين فظاهر هذا أنه لا يجزئه وهو مذهب الشافعي لأنه خرج عن حالة الكمال والادخار فأشبه الهريسة، قال شيخنا والأول أحسن لأن الله تعالى قال (فاطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم وهذا من أوسط ما يطعم أهله وليس الادخار مقصودا في الكفارة فانها مقدرة بما يقوت المسكين في يومه فيدل ذلك على أن المقصود كفايته في يومه وهذا قد هيأه للأكل المعتاد للاقتيات وكفاهم مؤنته فأشبه ما لو نقى الحنطة وغسلها، فأما الهريسة والكبولا ونحوهما فلا يجزئ لأنهما خرجا عن الاقتيات المعتاد إلى حيز الادام، وأما السويق فيحتمل الا يجزئ لذلك ويحتمل أن يجزئ لأنه يقتات

في بعض البلدان ولأن السويق يجزئ في الفطرة فكذلك ههنا * (مسألة) * (ولا يجزئ من البر أقل من مد ولا من غيره أقل من مدين) وجملة ذلك أن قدر الاطعام في الكفارات مد من بر لكل مسكين أو نصف صاع تمر أو شعير وممن قال مد بر زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد ورواه عنهم الأثرم وعن عطاء وسليمان بن موسى وقال سليمان بن يسار أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة يطعم مدا من أي الأنواع كان، وبه قال عطاء والاوزاعي والشافعي لما روى أبو داود بإسناده عن أوس بن أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه يعني المظاهر خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ستين مسكيناً، وروى الأثرم باسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال " خذه وتصدق به " وإذا ثبت هذا في المجامع بالخبر ثبت في المظاهر قياساً عليه ولأنه اطعام واجب فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج كالفطرة، وقال مالك لكل مسكين مدان من جميع الانواع، وممن قال مدان من قمح مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي لأنها كفارة تشتمل على صيام واطعام فكان لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى، وقال الثوري وأصحاب الرأي من القمح مدان ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر " فأطعم وسقا من تمر " رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وروى الخلال بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " فليطعم ستين مسكيناً وسقاً 1 من تمر " وفي رواية أبي داود

والعرق ستون صاعا، وروى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس " فمن لم يجد فنصف صاع من بر " وروى الأثرم باسناده عن عمر رضي الله عنه قال: أطعم عني صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر ولانه اطعام للمساكين فكان صاعاً من التمر والشعير أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر ولنا ما روى الإمام أحمد ثنا إسماعيل ثنا أيوب عن أبي يزيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر " أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مدبر " وهذا نص ولأنه قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفاً فكان اجماعا وعلى أنه نصف صاع من التمر والشعير ما روى عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخويلة امرأة أوس ابن الصامت " اذهبي إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكينا " وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني سأعينه بعرق من تمر - قلت يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر - قال أحسنت اذهبي فأطعمي

بها عنه ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك " وروى أبو داود بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال العرق زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعا فالعرقان ثلاثون صاعا لكل مسكين نصف صاع ولأنها كفارة تشتمل على صيام واطعام فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير كفدية الأذى، وأما رواية أبي داود أن العرق ستون صاعا فقد ضعفها وقال غيرها أصح منها وفي الحديث ما يدل على الضعف لأن ذلك في سياق قوله " إني سأعينه بعرق - فقال امرأته إني سأعينه بعرق آخر - قال - فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً " فلو كان العرق ستين صاعا لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعا ولا قائل به، وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعا فقال تصدق به فيحتمل أنه اقتصر عليه إذا لم يجد سواه ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعا وليس ذلك مذهبا لأحد فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه وحديث أوس أخي عبادة مرسل يرويه عنه عطاء ولم يدركه على أنه حجة لنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عرقا وأعانته امرأته بعرق آخر فصارا جميعا ثلاثين صاعا كما فسر أبو سلمة بن عبد الرحمن وسائر الأحاديث يجمع بينها وبين اخبارنا بحملها على الجواز واخبارنا على الاجزاء، وقد عضد هذان ابن

عباس راوي بعضها ومذهبه أن المد من البر يجزئ وكذلك أبو هريرة وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الاجماع الذي نقله سليمان بن يسار * (مسألة) * (ولا يجزئ من الخبر أقل من رطلين بالعراقي إلا أن يعلم أنه مد) وجملة ذلك أنه إذا أعطى المسكين رطلي خبز بالعراقي أجزأه ذكره الخرقي وذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم خمس أواقي وسبع أوقية لأن ذلك لا يكون أقل من مد وقال القاضي المد يجئ منه رطلان لأن الغالب أن رطلين من الخبز لا يكون أقل من مد فأما ان علم أنه مد بحيث يأخذ مدا من حنطة فيطحنه ويخبزه أو رطلا وثلثاً من دقيق الحنطة فيصنعه خبزاً فيجزئه وهذا في البر فأما إن كان من الشعير فلا يجزيه الا ضعف ما قدرنا أو يخبز نصف صاع شعير كما قلنا في البر ويخرجه فيجزئه * (مسألة) * (فإن أخرج القيمة أو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه ويحتمل أن يجزئه لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة) نقلها الميموني والاثرم وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر وهو الظاهر من قول عمر بن الخطاب وابن عباس وأجازه الأوزاعي وأصحاب الرأي لأن المقصود دفع حاجة المسكين وهو يحصل بذلك

وخرج بعض أصحابنا من كلام أحمد رواية أخرى انه يجزئه وهو ما روى الأثرم أن رجلا سأل أحمد قال أعطيت في كفارة خمس دوانيق فقال لو استشرتني قبل أن تعطي لم أشر عليك ولكن أعط ما بقي من الأثمان على ما قلت لك وسكت عن الذي أعطى وهذا ليس برواية وإنما سكت عن الذي أعطى لأنه مختلف فيه فلم ير التضييق عليه فيه والمذهب الأول لظاهر قوله سبحانه (فإطعام ستين مسكينا) ومن أخرج القيمة لم يطعم وقد ذكرناه في الزكاة * (مسألة) * (وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه وعنه يجزئه) ظاهر المذهب في كيفية إطعام المساكين أن الواجب أن يملك كل انسان من المساكين القدر الواجب من الكفارة فلو غدى المساكين أو عشاهم لم يحزئه سواء كان ذلك بقدر الواجب أو أقل أو أكثر، ولو غدى كل واحد غداء لم يجزئه إلا أن يملكه إياه وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يجزئه إذا أطعمهم القدر الواجب لهم وهو قول النخعي وأبي حنيفة وأطعم أنس في فدية الصيام قال أحمد أطعم شيئاً كثيراً وضع الجفان، وذكر حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وذلك لقول الله تعالى (فإطعام ستين مسكينا) وهذا قد أطعمهم فينبغي أن يجزئه ولأنه أطعم

المساكين فأجزأه كما لو ملكهم ووجه الأولى أن المنقول عن الصحابة اعطاؤهم ففي قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة مد لكل فقير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب في فدية الأذى " أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين " ولأنه مال وجب للفقراء شرعا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة فإن قلنا يجزئ اشترط ان يغديهم ستين مدا فصاعدا ليكون قد أطعمهم قدر الواجب، وإن قلنا لا يجزئ أن يغديهم فقدم إليهم ستين مدا وقال هذا بينكم بالسوية فقبلوه أجزأ لأنه ملكهم التصرف فيه والامتناع قبل القسمة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو عبد الله بن حامد يجزئه وإن لم يقل بالسوية لأن قوله خذوها عن كفارتي يقتضي التسوية لأن ذلك حكمها وقال القاضي إن علم أنه وصل إلى كل واحد قدر حقه أجزأ وإن لم يعلم لم يجزئه لأن الأصل شغل ذمته ما لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه، ووجه الأول أنه دفع الحق إلى مستحقه مشاعاً فقبلوه فبرئ منه كديون غرمائه (فصل) ولا يجب التتابع في الاطعام نص عليه أحمد في رواية الأثرم وقيل له يكون عليه كفارة يمين فيطعم اليوم واحداً والآخر بعد أيام وآخر بعد حتى يستكمل عشرة فلم ير بذلك بأساً وذلك لأن

الله تعالى لم يشترط التتابع فيه ولو وطئ في أثناء الاطعام لم يلزمه اعادة ما مضى منه وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يستأنف لأنه وطئ في أثناء الكفارة فوجب الاستئناف كالصيام ولنا أنه وطئ في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع فلم يوجب الاستئناف كوطئ غير المظاهر منها أو كما لو وطئ في كفارة اليمين وبهذا فارق الصيام (فصل) ولا يجزئ الاخراج إلا بنية وكذلك الاعتاق والصيام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " ولان العتق يقع متبرعا به وعن كفارة أخرى أو نذر فلم ينصرف إلى هذه الكفارة إلا بنيته وصفتها إن ينوي العتق أو الاطعام أو الصيام عن الكفارة فإن زاد الواجبة فهو تأكيد وإلا أجزأت نية الكفارة وإن نوى وجوبها ولم ينو الكفارة لم تجزئه لأن الوجوب يتنوع عن كفارة ونذر

فوجب تمييزه وموضوع النية مع التكفير أو قبله بيسير وهذا الذي نص عليه الشافعي وقال به بعض أصحابه وقال بعضهم لا يجزئ حتى يستصحب النية وإن كانت الكفارة صياماً اشترطت نية الصيام عن الكفارة في كل ليلة لقوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " * (مسألة) * (فإن كانت عليه كفارة واحدة فنوى عن كفارتي أجزأه لأن النية تعينت لها وإن كان عليه كفارات من جنس واحد لم يجب تعيين سببها) وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً.
فعلى هذا لو كان مظاهراً من أربع نسائه فأعتق عبداً عن ظهاره أجزأه عن إحداهن وحلت له إحداهن غير معينة لأنه واجب من جنس واحد فأجزأته نية مطلقة كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان، وقياس المذهب أنه يقرع

بينهن فتخرج المحللة منهن بالقرعة، وهذا قول أبي ثور وقال الشافعي له أن يصرفها إلى أيتهن شاء فتحل، وهذا يفضي إلى أنه يتخير بين كون هذه المرأة محللة له أو محرمة عليه وإن كان الظهار من ثلاث نسوة فأعتق عبداً عن إحداهن ثم صام شهرين عن أخرى ثم مرض فأطعم ستين مسكينا عن أخرى أجزأه وله الجميع من غير قرعة ولا تعيين، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يقرع بينهن فمن تقع لها القرعة فالعتق لها ثم يقرع بين الباقيتين فمن تقع لها القرعة فالصيام لها والاطعام عن الثالثة لأن كل واحدة من هذه الخصال لو انفردت احتاجت إلى قرعة فكذلك إذا اجتمعت ولنا أن التكفير قد حصل عن الثلاث وزالت حرمة الظهار فلم يحتج إلى قرعه كما لو اعتق ثلاثة عن ظهارهن دفعة واحدة

  • (مسألة) * (وإن كانت من أجناس كظهار وقتل وجماع في رمضان ويمين فقال أبو الخطاب لا تفتقر إلى تعيين السبب.
    وبهذا قال الشافعي لأنها عبادة واجبة فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كان من جنس واحد)

وقال القاضي يحتمل أن يشترط تعيين سببها ولا يجزئ بنية مطلقة وحكاه بعض أصحاب الشافعي عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة لأنهما عبادتان من جنسين فوجب تعيين النية لهما كما لو وجب عليه صوم من قضاء ونذر فعلى هذا لو كانت عليه كفارة واحدة لا يعلم سببها أجزأته كفارة واحدة على الوجه الأول قاله أبو بكر وعلى الوجه الثاني ينبغي أن يلزمه كفارات بعدد الأسباب كل واحد عن سبب كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها فإنه يلزمه خمس صلوات، ولو علم أن عليه يوماً لا يعلم هل هو من قضاء أو من نذر لزمه صوم يومين فإن كان عليه صيام ثلاثة أيام لا يدري أهي من كفارة أو نذر أو قضاء لزمه صوم تسعة أيام كل ثلاثة عن واحدة من الجهات الثلاث (فصل) إذا كان على رجل كفارتان فاعتق عنهما عبدين لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) أن يقول اعتقت هذا عن هذه الكفارة وهذا عن هذه فيجزئه اجماعاً (الثاني) أن يقول اعتقت هذا عن احدى الكفارتين وهذا عن الاخرى من غير تعيين فإن كانا من جنس واحد ككفارتي ظهار أو قتل أجزأه وإن كانتا من جنسين ككفارة ظهار وكفارة قتل خرج على وجهين في اشتراط تعيين السبب فإن قلنا يشترط لم يجزئه واحد منهما وإن قلنا لا يشترط أجزأه عنهما (الثالث) أن يقول اعتقتهما عن الكفارتين فإن كانتا من جنس أجزأ عنهما ويقع كل واحد عن كفارة لأن عرف الشرع والاستعمال اعتاق الرقبة عن الكفارة فإذا أطلق ذلك وجب حمله عليه وإن

كانتا من جنسين خرج على الوجهين (الرابع) أن يعتق كل واحد منهما عنهما جميعاً فيكون معتقا عن كل واحدة من الكفارتين نصف العبدين فينبني على أصل آخر وهو إذا اعتق نصف رقبتين عن كفارة هل يجزئه اولا؟ فعلى قول الخرقي يجزئه لأن الأشقاص بمنزلة الأشخاص فيما لا يمنع منه العيب اليسير بدليل الزكاة فإن من ملك نصف ثمانين شاة كان كمن ملك أربعين ولا تلزم الأضحية فإنه يمنع منها العيب اليسير.
وقال أبو بكر وابن حامد ولا يجزئه وهو قول مالك وأبي حنيفة لأن ما أمر بصرفه إلى شخص في الكفارة لم يجز تفريقه على اثنين كالمد في الاطعام ولأصحاب الشافعي كهذين الوجهين، ولهم وجه ثالث وهو أنه إن كان باقيهما حراً أجزأ وإلا فلا لأنه متى كان باقيهما حراً حصل تكميل الأحكام والتصرف وخرجه القاضي وجها لنا أيضاً إلا أن للمعترض عليه أن يقول إن تكميل الأحكام ما حصل بعتق هذا وإنما حصل بانضمامه إلى عتق النصف الآخر فلم يجزئه فإذا قلنا لا يجزئ عتق النصفين لم يجز في هذه المسألة عن شئ من الكفارتين وإن قلنا يجزئ وكانت الكفارتان من جنس أجزأ العتق عنهما وإن كانتا من جنسين فقد قيل يخرج على الوجهين والصحيح أنه يجزئ وجهاً واحداً لأن عتق النصفين عنهما كعتق عبدين عنهما (فصل) ولا يجوز تقديم كفارة الظهار قبله لأن الحكم لا يجوز تقديمه على سببه فلو قال لعبده أنت حر الساعة إن تظاهرت عتق ولم يجزئه عن ظها إن تظاهر لأنه قدم الكفارة على سببها المختص لم يجز كما لو قدم كفارة القتل على الجرح، ولو قال لامرأته إن دخلت الدار فانت علي كظهر أمي

لم يجز التكفير قبل دخول الدار لأنه تقديم للكفارة قبل الظهار فإن أعتق عبداً عن ظهاره ثم دخلت الدار عتق العبد وصار مظاهراً ولم يجزئه لأن الظهار معلق على شرط ولو قال لعبده إن تظاهرت فأنت حر عن ظهاري ثم قال لامرأته أنت علي كظهر أمي عتق العبد لوجود الشرط وهل يجزئه وخرجه القاضي وجها لنا أيضاً إلا أن للمعترض عليه أن يقول إن تكميل الأحكام ما حصل بعتق هذا وإنما حصل بانضمامه إلى عتق النصف الآخر فلم يجزئه فإذا قلنا لا يجزئ عتق النصفين لم يجز في هذه المسألة عن شئ من الكفارتين وإن قلنا يجزئ وكانت الكفارتان من جنس أجزأ العتق عنهما وإن كانتا من جنسين فقد قيل يخرج على الوجهين والصحيح أنه يجزئ وجهاً واحداً لأن عتق النصفين عنهما كعتق عبدين عنهما (فصل) ولا يجوز تقديم كفارة الظهار قبله لأن الحكم لا يجوز تقديمه على سببه فلو قال لعبده أنت حر الساعة إن تظاهرت عتق ولم يجزئه عن ظها إن تظاهر لأنه قدم الكفارة على سببها المختص لم يجز كما لو قدم كفارة القتل على الجرح، ولو قال لامرأته إن دخلت الدار فانت علي كظهر أمي

لم يجز التكفير قبل دخول الدار لأنه تقديم للكفارة قبل الظهار فإن أعتق عبداً عن ظهاره ثم دخلت الدار عتق العبد وصار مظاهراً ولم يجزئه لأن الظهار معلق على شرط ولو قال لعبده إن تظاهرت فأنت حر عن ظهاري ثم قال لامرأته أنت علي كظهر أمي عتق العبد لوجود الشرط وهل يجزئه عن الكفارة فيه وجهان (أحدهما) يجئه لأنه عتق بعد الظها وقد نوى اعتاقه عن الكفارة (والثاني) لا يجزئه لأن عتقه مستحق بسبب آخر وهو الشرط ولان النية لم توجد عند عتق العبد والنية عند التعليق لا تجزئ لأنه تقديم لها على سببها والله سبحانه وتعالى أعلم آخر الباب ويتلوه باب اللعان إن شاء الله تعالى، تم تسويد كتابة ذلك الكتاب في اليوم السادس من العشر الثانية من الشهر السابع من السنة السادسة من العشر الخامسة من المائة الثالثة من الالف الثاني من الهجرة النبوية على مهاجرها افضل الصلاة والسلام بقلم الفقير إلى الله محمد بن حمد بن نصر الله بن فوزان بن نصر الله بن محمد بن عيسي بن حمد بن عيسي بن صقر بن مشعاب ان تجد عيبا فسد الخللا * جل من لا عيب فيه وعلا * (تم بحمد الله وعونه الجزء الثامن من كتابي المغني والشرح الكبير) * * (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء التاسع وأوله (كتاب اللعان) *

بسم الله الرحمن الرحيم (كتاب اللعان) قيل هو مشتق من اللعن لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً.
وقال القاضي سمي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذباً فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإبعاد، والأصل فيه قول الله تعالى (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) الايات وروى سهل ابن سعد أن عويمراً العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أنزل الله عزوجل فيك وفي صاحبتك فاذهب فائت بها " قال سهل فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا

قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها.
فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه.
وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس قال جاء هلال بن أمية - وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم - فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح ثم غدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثه واشتد عليه فنزلت (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم) الآيتين كلتيهما فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً " قال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي تبارك وتعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرسلوا إليها " فأرسلوا إليها فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال: والله لقد صدقت عليها: فقالت كذب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لاعنوا بينهما " فقيل لهلال اشهد فقال أشهد بالله فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت الخامسة قيل: يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال والله لا يعذبني الله عليها فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب

فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال " إن جاءت به أصيهب أريضخ أثيبج حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذي رميت به " فجاءت به جعداً أورق جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " قال عكرمة فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى لأب.
ولأن الزوج يبتلى بقذف امرأته لنفي العار والنسب الفاسد وتتعذر عليه البينة فجعل اللعان بينة له ولهذا لما نزلت آية اللعان قال النبي صلى الله عليه وسلم " أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً " (مسألة) (إذا قذف الرجل زوجته بالزنا فله إسقاط الحد عنه باللعان) وجملة ذلك أن الرجل إذا قذف زوجته المحصنة بالزنا وجب عليه الحد وحكم بفسقه ورد شهادته إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن، فإن لم يأت بأربعة شهداء وامتنع من اللعان لزمه ذلك كله وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجب اللعان دون الحد فإن أبى حبس حتى يلاعن لأن الله تعالى قال (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه) الآيات فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون) وهذا عام في الزوج وغيره وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية " البينة والاحد في ظهرك " وقوله له لما لاعن " عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة " ولأنه قاذف فلزمه الحد كما لو اكذب نفسه إذا لم يأت بالبينة المشروعة كالأجنبي (مسألة) (وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا ويشير إليها) ولا يحتاج مع الحضور والإشارة إلى تسمية ونسب كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن لم تكن حاضرة أسماها حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها حتى يكمل ذلك أربع مرات ثم يقول في الخامسة وإن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا.
ثم تقول هي أشهد بالله أن زوجي هذا من الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه إن كان حاضراً وإن كان غائباً أسمته ونسبته فإذا كملت أربع مرات تقول في الخامسة وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا لقول

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل