وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال أكثر الفقهاء لا قصاص في الانية وتجب ديتها لأن ما أمكن مباشرته بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية كما لو رمى سهماً الى شخص فمرق منه الى آخر ولنا أن ما وجب فيه القود بالجناية وجب بالسراية كالنفس ولأنه أحد نوعي القصاص فأشبه ما ذكرنا، وفارق ما ذكروه فإن ذلك فعل وليس بسراية ولأنه لو قصد ضرب رجل فأصاب آخر لم يجب القصاص ولو قصد قطع إبهامه فقطع سبابته وجب القصاص، ولو ضرب ابهامه فمرق الى سبابته وجب القصاص فيها فافترقا، ولأن الثانية تلفت بفعل أوجب القصاص فوجب القصاص فيها كما لو رمى أحدهما فمرق الى الأخرى
(مسألة) (وان شل ففيه ديته)
وبهذا قال الشافعي قالوا يجب الأرش في الثانية التي شلت والقصاص في الأولى، وقال
أبو حنيفة لا يجب القصاص فيها ويجب أرشهما جميعاً لأن الحكم السراية لا ينفرد عن الجناية بدليل ما لو سرت الى النفس فاذا لم يجب القصاص في إحداها لم يجب في الأخرى.
ولنا أنها جناية موجبة
للقصاص لو لم تسرفا وجبته إذا سرت كالتي تسري الى سقوط أخرى وكما قطع يد حبلى فسرى الى جنينها وبهذا يبطل ما ذكره، وارق الأصل لأن السراية مقتضية للقصاص كاقتضاء الفعل له فاستوى حكمهما وههنا بخلافه ولأن ما ذكره غير صحيح فإن القطع إذا سرى إلى النفس وجب القصاص في النفس وسقط في القطع فخالف حكم الجناية حكم السراية فسقط ما قاله.
إذا ثبت ذلك فإن الأرش يجب في ماله فلا تحمله العاقلة لأنه جناية عمد وإنما لم يجب القصاص فيه لعدم المماثلة في القطع فإذا قطع اصبعه فشلت أصابعه الباقية وكفه فعفا عن القصاص وجب له نصف الدية وإن اقتص من الأصبع فله في الأصابع الباقية أربعون من الإبل ويتبعها ما حاذاها من الكف وهو أربعة أخماسه فيدخل أرشه فيها ويبقى خمس الكف فيه وجهان (أحدهما) يتبعها في الارش فلا شئ له فيه (والثاني)
فيه الحكومة لأن ما يقابل الأربع يتبعها في الأرش لاستوائهما في الحكم وحكم التي اقتص منها مخالف لحكم الأرش فلم يتبعها (مسألة) (وسراية القود غير مضمونة فلو قطع اليد قصاصاً فسرى الى النفس فلا شئ على القاطع) وبهذا قال الحسن وإبن سيرين ومالك والشافعي واسحاق وأبو يوسف ومحمد وإبن المنذر وري ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وقال عطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحادث العكلي والشعبي والنخعي والزهري وأبو حنيفة: عليه الضمان قال أبو حنيفة عليه كمال الدية في ماله، وقال غيره هي على عاقلته لأنه فوت نفسه ولا يستحق إلا طرفه فلزمته ديته كما لو ضرب عنقه
ولأنها سراية قطع مضمون فكانت مضمونة كسراية الجناية والدليل على أنه مضمون أنه مضمون بالقطع الأول لأنه في مقابلته ولنا أن عمر وعلياً رضي الله عنهما قال من مات من حد أو قصاص لا دية له الحق قتله رواه سعيد بمعناه ولأنه قطع مستحق مقدر فلا تضمن سرايته كقطع السارق وفارق ما قاسوا عليه فإنه ليس ما فعله مستحقاً: إذا ثبت هذا فلا فرق بين سرايته الى النفس بأن يموت منها أو ألى ما دونها مثل أن يقطع أصبعاً فتسري الى كفه
(مسألة) (ولا يقتص في الطرف إلا بعد برئه)
في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء والحسن قال إبن المنذر كل من أحفظ عنه من أهل العلم يرى الانتظار بالجرح حتى يبرأ ويتخرج لنا أنه يجوز الاقتصاص قبل البرء وبناء على قولنا إنه إذا سرى إلى النفس يفعل به كما لو
فعل وهذا قول الشافعي قال ولو سأل القود ساعة قطعت أصبعه أقدته لما روى جابر أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فقال يا رسول الله أقدني قال " حتى تبرأ " فأني وعجل فاستقاد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فعييت رجل المستقيد وبرأت رجل المستقيد منه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ليس لك شئ إنك عجلت " رواه سعيد مرسلاً ولأن القصاص في الطرف لا يسقط بالسراية فوجب أن يملكه في الحال كما لو برأ ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد من الحرج حتى يبرأ المجروح رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الجرح لا يدرى أقتل هو أو لا فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه فقد رواه وفي سياقه فقال يا رسول الله عرجت فقال " قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك " ثم نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه وهذه زيادة يجب قبولها وهي متأخرة
عن الاقتصاص فتكون ناسخة له وفي نفس الحديث ما يدل على أن استقادته قبل البرء معصية لقوله " قد نهيتك فعصيتني " وما ذكروه ممنوع وهو مبنى الخلاف (مسألة) (فان فعل ذلك سقط حقه من سرايته فلو سرى إلى نفسه كان هدراً ولو سرى القصاص الى نفس الجاني كان هدراً أيضاً وقال الشافعي هي مضمونة لأنها سراية جناية فكانت مضمونة كما لو لم يقتص) ولنا الخبر المذكور ولأنه استعجل ما لم يكن له إستعجاله فبطل حقه كقاتل موروثه.
وبهذا فارق من لم يقتص فعلى هذا لو سرى القطعان جميعاً فمات الجاني والمستوفي فهما هدر.
وقال أبو حنيفة يجب ضمان كل واحد
منهما لأن سراية كل واحد منهما مضمونة ثم يتقاصان وقال الشافعي إن مات المجني عليه أولا ثم مات الجاني كان قصاصاً به لأنه مات من سراية القطع فقد مات بفعل المجني عليه وإن مات الجاني فكذلك في أحد الوجهين وفي الآخر يكون موت الجاني هدراً ولولي المجني عليه نصف الدية فلما إن
سرى أحد القطعين دون صاحبه فعندنا هو هدر لا ضمان فيه وعند أبي حنيفة يجب ضمان سرايته وعند الشافعي أن سرت الجناية فهي مضمونة وإن سرى الاستيفاء لم يجب ضمانه ومبنى ذلك على ما تقدم من الخلاف (فصل) وإن اندمل جرح الجناية فاقتص منه ثم انتقض فسرى فسرايته مضمونة وسراية الاستيفاء غير مضمونة لأنه إقتص بعد جواز القصاص فعلى هذا لو قطع يدي رجل فبرأ فاقتص ثم انتقض جرح المجني عليه فمات فلوليه الجاني لأنه مات من جنايته وقال ابن أبي موسى إذا جرحه فبرأ ثم انتقض فمات فلا قود فيه ولنا أن الجناية لو سرت إلى النفس قبل الاندمال وجب القصاص فكذلك بعده وان عفا الى الدية فلا شئ له لأنه استوفى بالقطع ما قيمته دية وهو يداه وإن سرى الاستيفاء لم يجب ايضاً شئ لأن القصاص قد سقط بموته والدية لا يمكن ايجابها لما ذكرنا وإن كان المقطوع بالجناية يدا قوليه بالخيار
بين القصاص في النفس وبين العفو الى نصف الدية ومتى سقط القصاص بموت الجاني أو غيره وجب نصف الدية في تركة الجاني أو ماله إن كان حياً (فصل) ولو قطع كتابي يد مسلم فبرأ واقتص ثم انتقض جرح المسلم ومات فلوليه قتل الكتابي والعفو الى أرش الجرح وفي قدره وجهان: (احدهما) نصف الدية لأنه قد استوفى بدل يده بالقصاص وبدلها نصف ديته فبقي له نصفها كما لو كان القاطع مسلماً (والثاني) له ثلاثة أرباعها لأن يد اليهودي تعدل نصف ديته وذلك ربع دية المسلم فقد استوفى ربع ديته وبقي له ثلاثة أرباعها وإن كان قطع يدي المسلم فاقتص منه ثم مات المسلم فعفا وليه الى مال انبنى على الوجهين وإن قلنا تعتبر قيمة يد اليهودي فله ههنا نصف الدية وإن قلنا الاعتبار بقيمة يد المسلم فلا شئ له ههنا لأنه قد استوفى بدل يديه وهما جميع ديته ولو كان القطع في يديه ورجليه فعفا الى
الدية لم يكن له شئ وجهان واحداً لأن دية لك دية المسلم ولو كان الجاني امرأة فالحكم على ما ذكرنا سواء لأن ديتها نصف دية الرجل (فصل) إذا قطع يد رجل من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق فمات بسرايتهما فللولي قتل القاطعين وليس له أن يقطع طرفيهما في أحد الوجهين وفي الآخر له قطع يد القاطع من الكوع فإن قطعها ثم عفا عنه فله نصف الدية، وأما الآخر فإن كانت يده مقطوعة من الكوع قطعها من
المرفق ثم عفا فله دية إلا قدر الحكومة في الذراع ولو كانت يد القاطع من المرفق صحيحة لم يجز قطعها رواية واحدة لأنه يأخذ صحيحة بمقطوعة وإن قطع أيديهما وهما صحيحان أو قطع رجلان يديه فقطع أيديهما ثم سرت الجناية فمات من قطعهما فليس لوليهما العفو إلى الدية لأنه قد استوفى ما قيمته دية وإن اختار قتلهما فله ذلك (كتاب الديات) الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) وأما السنة فروى أبو بكر بن محمد ابن عمر بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه " وفي النفس مائة من الإبل " رواه النسائي في سننه ومالك وفي موطئه قال ابن عبد البر وهو كتاب مشهور عند أهل السير ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد
لانه أشبه المتواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة تأتي في مواضعها من الباب إن شاء الله تعالى وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة (مسألة) (كل من أتلف إنساناً أو جزأ منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته وسواء كان مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً أو مهادناً لما ذكرنا من الآية وفيها (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله) وعبر عن الذمة بالميثاق وحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حين كتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى أهل اليمن ذكر فيه الديات وأجمع أهل العلم عن ذلك في الجملة
(مسألة) (فإن كان القتل عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالة)
أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا يقتضيه الأصل وهو أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية على الجاني قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يجني جان إلا على نفسه " وقال لبعض أصحابه حين رأى معه ولده " ابنك هذا؟ - قال نعم قال - أما إنه لا لا يجني عليك ولا تجني عليه " ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني فيجب أن يختص بضررها كما يختص بنفعها فإنه لو كسب كان كسبه لغيره وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والاكساب، وإنما خولف هذا الأصل في قتل الحر المعذور فيه لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع
وجوب الكفارة عليه وقيام عذره تخفيفاً عنه ورفقاً به والعامد لا عذر له فلا يستحق التخفيف ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ.
إذا ثبت هذا فإنها تجب حالة وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تجب في ثلاث سنين لانها دية آدمي فكانت مؤجلة كدية شبه العمد ولنا أن ما وجب بالعمد المحض كان حالاً كالقصاص وأرش اطراف العبد ولا يشبه شبه العمد لأن القاتل معذور لكونه لم يقصد القتل وإنما أفضى إليه من غير اختيار منه فأشبه الخطأ ولهذا تحمله العاقلة ولأن القصد التخفيف عن العاقلة الذين لم يصدر منهم جناية وحملوا أداء مال مواساة فلاق بحالهم التخفيف عنهم، وهذا موجود في الخطأ وشبه العمد على السواء، وأما العمد فإنما يحمله الجاني في غير حال العذر فوجب أن يكون ملحقاً ببدل سائر المتلفات ويتصور الخلاف معه فيما إذا قتل ابنه أو قتل
اجنبياً وتعذر استيفاء القصاص لعفو بعضهم أو غير ذلك (مسألة) (وإن كان شبه عمد أو خطأ او ما جرى مجراه فعلى عاقلته) دية شبه العمد على العاقلة في ظاهر المذهب وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال ابن سيرين والزهري وإبن شبرمة وقتادة وأبو ثور: هي على القاتل في ماله واختاره أبو بكر عبد العزيز لأنها موجب فعل قصده فلم تحمله العاقلته كالعمد المحض ولأنها
دية مغلظة فأشبهت دية العمد وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك لأن شبه العمد عنده من باب العمد ولنا ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه، ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصاً فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ، ويخالف العمد لأنه يغلظ من كل وجه لقصده الفعل وارادته القتل، وعمد الخطأ يغلظ من وجه وهو قصده الفعل ويخفف من وجه وهو كونه لم يرد القصاص فاقتضى تغليظها من وجه وهو الانسان وتخفيفها من وجه وهو حمل العاقلة لها وتأجيلها، ولا نعلم في أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة وأبو هاشم وعبيد الله بن عمر ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا الدية حالة لأنها بدل متلف ولم ينقل الينا ذلك عمن يعد خلافه خلافاً، وتخالف الدية سائر المتلفات لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم، وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعاً، وأما دية الخطأ فلا نعلم خلافاً في أنها على العاقلة، قال إبن المنذر أجمع على هذا كل من تحفظ عنه من أهل العم، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى
بدية الخطأ على العاقلة وأجمع أهل العلم على القول به ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية عمد الخطأ على العاقلة بما قد روينا من الحديث وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ والحكمة في ذلك إن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به فاقتضت الحكمة ايجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل وللاعانة تخفيفاً عنه إذا كان معذوراً في فعله (فصل) فأما الكفارة ففي مال القاتل لا يدخلها تحمل وقال أصحاب الشافعي تكون في بيت المال في أحد الوجهين لأنها تكثر فإيجابها عليه يجحف به ولنا أنه كفارة فاختصت بمن وجد منه سببها كسائر الكفارات وكما لو كانت صوماً ولأن الكفارة شرعت للتكفير عن الجاني ولا يكفر عنه بفعل غيره وتفارق الدية فإنها إنما شرعت لجبر المحل وذلك يحصل بها كيفما كان ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالدية على العاقلة لم يكفر عن العاقلة، وما ذكروه لا أصل له، ولا يصح قياسه على الدية لوجوه (أحدها) أن الدية لم تجب في بيت المال انما وجبت على العاقلة ولا يجوز أن يثبت حكم الفرع مخالفاً لحكم الأصل (الثاني) أن الدية كثيرة فإيجابها على القاتل بجحف به والكفارة بخلافها (الثالث) أن الدية وجبت مواساة للقاتل وجعل حظ القاتل من الواجب الكفارة فإيجابها على غيره قطع للمواساة ويوجب على الجاني أكثر مما وجب عليه وهذا لا يجوز
(فصل) ولا يلزم القاتل شئ من دية الخطأ وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة هو كواحد من العاقلة لأنها وجبت عليهم إعانة له فلا يزيدون عليه فيها ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه وهذا يقتضي أنه قضى عليهم جميعها ولأنه قاتل لم تلزمه الدية فلم يلزمه بعضها كما لو أمره الإمام بقتل رجل فقتله يعتقد أنه لحق فبان مظلوماً، ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله وذلك يعدل قسطه من الدية وأكثر منه فلا حاجة الى إيجاب شئ من الدية عليه (مسألة) (وإن القى انسانا على أفعى أو ألقاها عليه فقتلته أو طلب انسانا بسيف مجرد فهرب فوقع في شئ تلف به بصيراً أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه أو وضع حجراً أو صب ماء في طريقه أو بالت فيها دابته ويده عليها أو رمى فيها قشر بطيخ فتلف به إنسان وجبت عليه ديته) يجب الضمان بالسبب كما يجب بالمباشرة فإذا القى انسانا على أفعى أو ألقاها عليه فقتلته فعليه ضمانه لأنه تلف بعدوانه فأشبه ما لو جنى عليه (مسألة) (فإن طلب إنساناً بالسيف مشهوراً فهرب منه فتلف في هربه ضمنه) سواء سقط من شاهق أو انخسف به سقف أو خر في بئرا ولقيه سبع فافترسه أو غرق في ماء أو احترق بنار وسواء كان المطلوب صغيراً أو كبيراً أعمى أو بصيراً عاقلاً أو مجنوناً، وقال الشافعي لا يضمن البالغ العاقل
البصير إلا أن ينخسف به سقف فإن فيه وفي الصغير والمجنون والأعمى قولين لأنه هلك بفعل نفسه فلم يضمنه الطالب كما لو لم يطلبه ولنا أنه هلك بسبب عدوانه فضمنه كما لو حفر له بئراً أو نصب له سكيناً أو سم طعامه ووضعه وما ذكروه يبطل بهذه الأصول، وإن طلبه بشئ يخفيه به كالكلب ونحوه فهو كما لو طلبه بسيف مشهور لأنه في معناه.
(فصل) ولو شهر سيفاً في وجه انسان أو دلاه من شاهق فمات من روعته أو ذهب عقله فعليه ديته، فإن صاح بصبي أو مجنون صيحة شديدة فخر من سطح أو نحوه فمات أو ذهب عقله، أو تغفل عاقلاً فصاح به فأصابه ذلك فعليه ديته تحملها العاقلة فإن تعمد ذلك فهو شبه عمد وإلا فهو خطأ ووافق الشافعي في الصبي وله في البالغ قولان، ولنا أنه تسبب إلى إتلافه فضمنه كالصبي (فصل) وإن قدم انساناً الى هدف يرميه الناس فأصابه سهم من غير تعمد فضمانه على عاقله الذمي قدمه، لأن الرامي كالحافر والذي قدمه كالدافع فكان الضمان على عاقلته وإن عمد الرامي رميه فالضمان عليه لأنه باشر وذلك متسبب فأشبه الممسك والقاتل، وان لم يقدمه أحد فالضمان على الرامي وتحمله عاقلته وإن كان خطأ لأنه قتله.
(مسألة) (وإن حفر في فنائه بئراً لنفسه أو في طريق لغير مصلحة المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه أو وضع في ذلك حجراً أو صب فيه ماء، أو رمى قشر بطيخ فهلك به إنسان ضمنه)
لأنه تلف بعدوانه وروي عن شريح أنه ضمن رجلاً حفر بئراً فوقع فيها رجل فمات، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق (مسألة) (وإن بالت فيها دابته فزلق به حيوان فمات به فقال أصحابنا على صاحب الدابة الضمان إذا كان راكباً أو قائداً أو سائقاً) لأنه تلف حصل من جهة دابته التي يده عليها فأشبه ما لو جنت بيدها او فمها، وقياس المذهب أنه لا يضمن ما تلف بذلك لأنه لا يدله على ذلك ولا يمكن التحرز منه فهو كما لو أتلفت برجلها، ويفارق ما إذا تلفت بيدها أو فمها لأنه يمكنه حفظهما.
(مسألة) (وإن حفر بئر أو وضع آخر مجرا أو نصب سكيناً فعثر بالحجر فوقع في البئر أو على على السكين فالضمان على واضع الحجر وناصب السكين دون الحافر، لأن الحجر كالدافع له وإذا اجتمع الحافر والدافع فالضمان على الدافع وحده) وبهذا قال الشافعي ولو وضع رجل حجراً ثم حفر آخر عنده بئراً أو نصب سكيناً فعثر بالحجر فسقط عليهما فهلك احتمل أن يكون الحكم كذلك لما ذكرنا واحتمل أن يضمن الحافر وناصب السكين لأن
فعلهما متأخر عن فعله فأشبه ما لو كان زق فيه مائع وهو واقف فحل وكاء إنسان وأماله آخر فسال ما فيه كان الضمان على الآخر منهما، وإن وضع إنسان حجراً أو حديدة في ملكه وحفر فيه بئراً فدخل إنسان بغير إذنه فهلك به فلا ضمان على المالك لأنه لم يتعد وإنما الداخل هلك بعد وإن نفسه وإن وضع حجراً في ملكه ونصب أجنبي فيه سكيناً أو حفر بئراً بغير إذنه فعثر رجل بالحجر فوقع على السكين أو في البئر فالضمان على الحافر وناصب السكين لتعديهما إذا لم يتعلق الضمان بواضع الحجر لانتفاء عدوانه وإن اشترك جماعة في عدوان تلف به شئ فالضمان عليهم فلو وضع اثنان حجراً وواحد حجراً فعثر بهما انسان فهلك فالدية على عواقلهم أثلاثاً في قياس المذهب وهو قول أبي يوسف لأن السبب حصل من الثلاثة أثلاثاً فوجب الضمان عليهم سواء، وإن اختلفت أفعالهم كما لو جرحه واحد جرحين وجرحه اثنان جرحين فمات بها، وقال زفر على الاثنين النصف وعلى واضع الحجر وحده النصف لأن فعله مساو لفعلهما وإن حفر انسان بئراً ونصب آخر فيها سكيناً فوقع انسان في البئر على السكين فمات فقال ابن حامد الضمان على الحافر لأنه بمنزلة الدافع:، وهذا قياس المسائل التي قبلها ونص أحمد على أن الضمان عليهما قال أبو بكر لأنهما في معنى الممسك والقاتل الحافر كالممسك وناصب السكين كالقاتل فيخرج من هذا أن يجب الضمان على جميع المتسببين في المسائل السابقة (فصل) وان حفر بئراً في ملك نفسه أو في ملك غيره بإذنه فلا ضمان عليه لأنه غير متعد وكذلك
ان حفرها في موات أو وضع حجراً أو نصب شركاً أو شبكة أو منجلاً ليصيد بها لأنه لم يتعد بذلك وإن فعل شيئاً من ذلك في طريق ضيق فعليه ضمان ما تلف به لأنه متعد وسواء أذن له الامام أو لم يأذن لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما يضر بالمسلمين ولو فعل ذلك الإمام لضمن ما يتلف به فإن كان الطريق واسعاً فحفر في مكان منها يضر بالمسلمين ضمن وإن حفر في مكان لا يضر بالمسلمين وكان حفرها لنفسه ضمن ما تلف بها سواء حفرها بإذن الإمام أو بغير إذنه وقال أصحاب الشافعي إن حفرها بإذن الإمام لم يضمن لأن للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه بدليل أنه يجوز أن يأذن في القعود فيه ويقطعه لمن يبتاع فيه ولنا أنه تلف بحفر حفرة في حق مشترك بغير إذن أهله لغيره مصلحتهم فضمن كما لو لم يأذن الإمام ولا نسلم أن للإمام أن يأذن في هذا فإنما يأذن في القعود لأن ذلك لا يدوم ويمكن إزالته في الحال فأشبه القعود في المسجد ولأن القعود جائز من غير إذن الإمام فكذلك الحفر (فصل) وإن حفر بئراً في ملك مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه ضمن ما تلف به جميعه وهذا قياس مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة يضمن ما قابل نصيب شريكه فلو كان شريكان ضمن ثلثي التالف لأنه تعدي في نصيب شريكه وقال أبو يوسف عليه نصف الضمان لأنه تلف بجهتين فكان الضمان نصفين كما لو جرحه أحدهما جرحاً وجرحه الآخر جرحين
ولنا أنه متعد بالحفر فضمن الواقع فيها كما لو كان في ملك غيره والشركة أوجب تعدية لجميع الحفر فكان موجب الجميع الضمان ويبطل ما ذكره أبو يوسف بما لو حفره في طريق مشترك فإن له فيها حقاً ومع ذلك يضمن الجميع والحكم فيما إذا أذن له بعض الشركاء في الحفر دون بعض كالحكم فيما إذا حفر في ملك مشترك بينه وبين غيره لكونه لا يباح الحفر ولا التصرف حتى يأذن الجميع (فصل) وإن حفر إنسان في ملكه بئراً فوقع فيها انسان أو دابة فهلك به وكان الداخل دخل بغير إذنه فلا ضمان على الحافر لأنه لا عدوان منه وان دخل بإذنه والبئر ظاهرة مكشوفة والداخل بصير يبصرها فلا ضمان أيضاً لأن الواقع هو الذي أهلك نفسه فأشبه ما لو قدم إليه سكيناً فقتل بها نفسه فإن كان الداخل أعمى أو كانت في ظلمة لا يبصرها الداخل أو غطى رأسها فلم يعلم الداخل حتى وقع فيها ضمنه وبهذا قال شريح والشعبي والنخعي وحماد ومالك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقالوا في الآخر لا يضمنه لأنه هلك بفعل نفسه ولنا أنه تلف بسببه فضمنه كما لو قدم له طعاماً مسموماً فأكله وبهذا ينتقض ما ذكروه، وإن اختلفا فقال صاحب الدار ما أذنت لك في الدخول وادعى ولي الهالك أنه أذن له فالقول قول المالك لأنه منكر، وإن قال كانت مكشوفة وقال الآخر كانت مغطاة فالقول قول ولي الواقع لأن الظاهر معه
فإن الظاهر أنها كانت مكشوفة لم يسقط فيها ويحتمل أن القول قول المالك لأن الأصل براءة ذمته فلا تشتغل بالشك.
(مسألة) (وان غصب صغيرا فنهشة حية أو أصابته صاعقة ففيه الدية وإن مات بمرض فعلى وجهين) لأنه تلف في يده العادية (أحدهما) يضمنه كالعبد الصغير، (والثاني) لا يضمنه لأنه حر لا نثبت اليد عليه في الغصب أشبه الكبير (مسألة) (وان اصطدم نفسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر) روي هذا عن علي رضي الله ولا يجب القصاص سواء كان إصطدامها عمداً أو خطأ لأن الصدمة لا تقتل غالباً فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ ولا فرق بين البصيرين، والأعميين، والبصير والأعمى، فإن كان امرأتين حاملين فهما كالرجلين فإن أسقطت كل واحدة منهما جنبيا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها لانهما اشتركتا في قتله وعلى كل واحدة منهما عتق
ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها واثنتان لمشاركتها في الجنينين، فإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه وعلى كل واحدة منهما عتق رقبتين، وإن اصطدم راكب وماش فهو كما لو كانا ماشيين وإن اصطدم راكبان فماتا فهو كما لو كانا ماشيين (مسألة) (وإن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر)
وجملة ذلك أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانت الدابتان فرسين أو بغلين أو حمارين أو جملين أو كان أحدهما فرساً والآخر غيره مقبلين كانا أو مدبرين، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق، وقال مالك والشافعي على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر لأن التلف حصل بفعلهما فكان الضمان منقسماً عليهما كما لو جرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما ولنا أن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصتا وسقطتا وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها وإن نقصت فعليه نقصها فإن كل أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم
(مسألة) (إلا أن يكون أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته)
نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه فإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما
(مسألة) (إلا أن يكون في طريق ضيق قاعداً أو واقفاً فلا ضمان عليه فيه وعليه ضمان ما تلف به)
إذا كان الواقف متعدياً بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف
حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجراً في الطريق او جلس في طريق ضيق فعثر به إنسان (مسألة) (وإن أركب صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما) لأنه متعد بذلك وتلفهما بسبب جنايته (مسألة) (وإن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته) لا يخلو ذلك من حالين (أحدهما) أن يكون المقتول واحداً منهم (والثاني) أن يكون من غيرهم فإن كان من غيرهم فالدية على عواقلهم أثلاثاً لأن العاقلة تحمل الثلث فما زاد وسواء قصدوا رمي واحد بعينه أو قصدوا رمي جماعة أو لم يقصدوا ذلك لأنهم إن لم يقصدوا قتل آدمي معصوم فهو خطأ ديته دية الخطأ، وإن قصدوا رمي جماعة أو واحداً بعينه فهو شبه عمد لأن قصد الواحد بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه فيكون شبه عمد تحمله العاقلة في ثلاث سنين وعلى قول أبي بكر لا تحمل العاقلة شبه العمد فلا تحمله ههنا.
(الحال الثاني) أن يصيب واحداً منهم فعلى كل واحد كفارة ولا تسقط عمن أصابه الحجر لأنه شارك في قتل نفس مؤمنة والكفارة إنما تجب لحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في نفسه كوجوبها بالمشاركة في قتل غيره، وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه
(أحدهما) أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث دية المقتول لورثته لأن كل واحد منهم مشارك في قتل نفس مؤمنة خطأ فلزمته ديتها كالأجانب وهذا ينبني على أن جناية المرء على نفسه وأهله خطأ تتحمل عقلها عاقلته (الوجه الثاني) أن ما قابل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد لأنه شارك في إتلاف حقه فلم يضمن ما قابل فعله كما لو شارك في قتل بهيمته أو عبده، وهذا الذي ذكره القاضي في المجرد ولم يذكر غيره وهو مذهب الشافعي (الثالث) أن يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين.
قال أبو الخطاب هذا قياس المذهب بناء على مسألة المتصادمين قال شيخنا والذي ذكره القاضي أحسن وأصح في النظر، وقد روي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه في مسألة القارضة والقابضة والواقصة
قال الشعبي وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فارن فركبت إحداهن على عتق أخرى وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقضى بالدية أثلاثاً على عواقلهن وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها وهذا شبيهة بمسئلتنا ولأن المقتول شارك في القتل فلم تكمل الدية على شريكيه كما لو قتلوا واحداً من غيرهم فإن رجع الحجر فقتل اثنين من الرماة فعلى الوجه الأول تجب ديتهما على عواقلتهم أثلاثاً وعلى كل واحد منهم كفارتان، وعلى الوجه الثاني يجب على عاقلة الحي منهم لكل ميت ثلث ديته وعلى عاقلة كل واحد
من الميتين ثلث دية صاحبه ويلغى فعل نفسه وعلى الوجه الثالث على عاقلة الحي لكل واحد منهم نصف الدية وتجب على عاقلة كل واحد من الميتين نصف الدية لصاحبه (مسألة) (وإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالة في اموالهم في الصحيح من الذهب إلا على الوجه الذي اختاره أبو الخطاب فإنهم إذا كانوا اربعة فقتل الحجر أحدهم فإنه يجب على عاقلة كل واحد من الثلاثة الباقين ثلث الدية لأنهم يحملونها كلها فأما إن كانوا أكثر من أربعة أو كان المقتول من غيرهم وهم أربعة فإن الدية حالة في اموالهم لأن المقتول يلغى فعله في نفسه ويكون هدراً لأنه لا يجب عليه لنفسه شئ ويكون باقي الدية في أموال شركائه حالاً لأن التأجيل في الديات إنما يكون فيما تحمله النافية وهذا دون الثلث والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث، وذكر أبو بكر فيها رواية أخرى أن العاقلة تحملها لأن الجناية فعل واحد أوجب دية تزيد على الثلث والصحيح الأول لأن كل واحد منهم يختص بموجب فعله دون فعل شركائه وحمل العاقلة إنما شرع لتخفيف على الجاني فيما يشق ويثقل وما دون الثلث يسير على ما تذكره والذي يلزم كل واحد أقل من الثلث وقوله إنه لعل واحد قلنا بل هي أفعال فإن فعل واحد غير فعل الآخر وإنما موجب الجميع واحد فأشبه ما لو حرمه كل واحد جرحاً فماتت النفس بجميعها إذا ثبت هذا فالضمان معلق بمن مد الحبال ورمى الحجر دون من وضعه في الكفة وأمسك الخشب اعتباراً بالمباشر كمن وضع سهماً في قوس إنسان ورماه صاحب القوس فالضمان على الرمي دون الواضع
(مسألة) (وإن جنى إنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا شئ له وعنه على عاقلته ديته لورثته ودية طرفه لنفسه) أما إذا كانت الجناية عمداً فلا شئ له إجماعاً وإن كانت خطأ فكذلك في إحدى الروايتين قياساً على العمد ولما روي ان عامر بن الأكوع يوم خيبر رجع سيفه عليه فقتله ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها ولو كانت واجية لبينها النبي صلى الله عليه وسلم ولنقل ظاهراً (والرواية الثانية) أن ديته على عاقلته لورثته ودية طرفه لنفسه وهو ظاهر كلام الخرقي ذكره فيما اذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل احدهم لما روي أن رجلاً ساق حماراً فضربه بعصاً كانت معه فطارت منها شظية فاصابت عينه ففقأتها فجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديته على عاقلته وقال هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد لم يعرف له مخالف ولأنه قتل خطأ فكانت ديته على عاقلته كما لو قتل غيره والأول أصح في القياس، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لما ذكرنا من حديث عامر بن الأكوع حين رجع سيفه عليه يوم خيبر فمات ولأن وجوب الدية على العاقلة على خلاف الأصل مواساة للجاني وتخفيفاً عنه وليس ههنا على الجاني شئ يخفف عنه ولا يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه على غيره ويفارق هذا ما إذا كانت الجناية على غيره فإنه لو لم تحمله العاقلة لا * جحف به وجوب الدية لكثرتها وقال القاضي الرواية الثانية
أظهر عنه فعلى هذه الرواية أن كانت العاقلة هي الوارثة لم يجب شئ لأنه لا يجب للانسان شئ على نفسه فإن كان بعضهم وارثاً سقط عن الوارث ما يقابل ميراثه فإن كانت جنايته على نفسه شبه عمد فهو كالخطأ في أحد الوجهين وفي الآخر لا تحمله العاقلة بحال (مسألة) (وإن نزل رجل في بئر فخر عليه آخر فمات الاول من سقطه فعلى عاقلته ديته) وجملة ذلك أنه إذا نزل رجل في بئر فسقط عليه آخر فقتله فعليه ضمانة كما لو رمى عليه حجراً ثم ينظر فإن كان عمد رمي نفسه عليه وهو مما يقتل غالباً فعليه القصاص، وإن كان مما لا يقتل غالباً فهو شبه عمد، وإن وقع خطأ فالدية على عاقلته محققة، وإن مات الثاني بوقوعه على الأول فدمه هدر لأنه مات بفعله، وقد روى علي بن رباح اللخمي أن رجلاً كان يقود أعمى فوقعا في بئر خر البصير فوقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الاعمى بنشد في الموسم يا أيها الناس لقيت منكرا * هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا؟ * خرا معاً كلاهما تكسرا وهذا قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق قال شيخنا: ولو قال قاتل ليس على الأعمى ضمان البصير لأنه الذي قاده الى المكان الذي وقعا فيه وكان سبب وقوعه عليه ولذلك لو فعله قصداً لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمان الأعمى إلا أن يكون مجمعاً عليه فلا يجوز مخالفة الاجماع، ويحتمل أنه إنما لم يجب الضمان على القائد لوجهين
(أحدهما) أنه مأذون فيه من جهة الاعمى فلم يضمن ما تلف به كما لو حفر له بئراً في داره بإذنه فتلف بها (الثاني) أنه فعل مندوب اليه مأمور به فأشبه ما لو حفر بئراً في سابلة ينتفع بها المسلمون فإنه لا يضمن ما تلف، بها وإن مات الثاني فدمه هدر لأنه لا صنع لغيره في هلاكه (مسألة) (وإن وقع عليهما ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلة الثالث ديته) لأنه تلف من سقطته، وإن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما لأنه مات بوقوعهما عليه ودية الثاني على الثالث لأنه انفرد بالوقوع عليه فانفرد بديته، ودم الثالث هدر لأنه لا صنع لغيره في هلاكه هذا إذا كان الوقوع هو الذي قتله، فإن كان البئر عميقاً يموت الواقع بمجرد وقوعه لم يجب ضمان على أحد لأن كل واحد منهم مات بوقعته لا بفعل غيره، وإن احتمل الأمرين فكذلك لأن الأصل عدم الضمان.
(مسألة) (وإن كان الأول جذب الثاني وجذب الثاني الثالث فلا شئ على الثالث) لأنه لا فعل له ووجبت ديته على الثاني في أحد الوجهين لأنه هو جذبه وباشره بذلك والمباشرة تقطع حكم المتسبب كالحافر مع الدافع (والثاني) ديته على الأول والثاني نصفين لأن الأول جذب الثاني الجاذب للثالث فصار مشاركاً للثاني في إتلافه، ودية الثاني على عاقلة الأول في أحد الوجهين لأنه هلك
بجذبته، وإن هلك بسقوط الثالث عليه فقد هلك بجذبة الاول وجذبة نفسه للثالث فسقط فعل نفسه
كالمصطدمين وتجب ديته بكمالها على الأول ذكره القاضي (والوجه الثاني) يجب على الأول نصف ديته ويهدر نصفها في مقابلة فعل نفسه وهذا مذهب الشافعي، ويتخرج وجه ثالث وهو وجوب نصف ديته على عاقلته لورثته كما قلنا فيما اذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فقتل الحجر احدهم، وأما الأول إذا مات بوقوعهما عليه ففيه الأوجه الثلاثة لأنه مات من جذبته وجذبة الثاني للثالث فتجب ديته كلها على عاقلة الثاني ويلغى فعل نفسه على الوجه الأول وعلى الثاني يهدر نصف ديته المقابل لفعل نفسه ويجب نصفها على الثاني وعلى الثالث يجب نصفها على عاقلته لورثته (فصل) وإن جذب الثالث رابعاً فمات جميعهم بوقوع بعضهم على بعض فلا شئ على الرابع لأنه لم يفعل شيئاً في نفسه ولا غيره وفي ديته وجهان (أحدهما) إنها على عاقلة الثالث المباشر لجذبه (والثاني) على عاقلة الأول والثاني والثالث لأنه مات من جذب الثلاثة فكانت ديته على عواقلهم، وأما الأول فقد مات بجذبته وجذبة الثاني وجذبة الثالث ففيه ثلاثة أوجه (أحدهما) أنه يلغى فعل نفسه وتجب ديته على عاقلة الثاني والثالث نصفين (والثاني) يجب على عاقلتهما ثلثاها ويسقط ما قابل فعل نفسه (والثالث) يجب ثلثها على عاقلته لورثته وأما الجاذب فقد مات بالأفعال الثلاثة وفيه هذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الأول سواء، وأما الثالث ففيه مثل هذه الأوجه الثلاثة ووجهان آخران
(أحدهما) أن ديته بكمالها على الثاني لأنه المباشر لجذبه فسقط فعل غيره بفعله (والثاني) أن على عاقلته نصفها ويسقط النصف الثاني في مقابلة فعله في نفسه (فصل) وإن وقع بعضهم على بعض فماتوا نظرت فإن كان موتهم بغير وقوع بعضهم على بعض مثل أن يكون البئر عميقاً يموت الواقع فيه بنفس الوقوع أو كان فيه ما يغرق الواقع فيقتله أو أسد يأكلهم فليس على بعضهم ضمان بعض لعدم تاثير فعل بعضهم في هلاك بعض، وإن شككنا في ذلك لم يضمن بعضهم بعضاً لأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك، وإن كان موتهم بوقوع بعضهم على بعض فدم الرابع هدر لأن غيره لم يفعل فيه شيئا وإنما هلك بفعله وعليه دية الثالث لأنه قتله بوقوعه عليه ودية الثاني عليه وعلى الثالث نصفين ودية الأول على الثلاثة أثلاثاً (مسألة) (وإن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر وجذب الثاني، ثالثاً وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد فالقياس أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وعلى عاقلة الثاني دية الثالث وعلى عاقلة الثالث دية الرابع، وفيه وجه آخر أن دية الثالث على عاقلة الأول والثاني نصفين ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثا) الحكم في هذه المسألة أنه لا شئ على الرابع لأنه لم يفعل شيئاً وديته على عاقلة الثالث في أحد الوجهين وفي الثاني على عواقل الثلاثة أثلاثاً ودم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني، وأما دية الثالث فعلى الثاني
في أحد الوجهين وفي الآخر على الأول والثاني نصفين هذه تسمى مسألة الزبية وقد روى حنش الصنعاني أن قوماً من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانياً وجذب الثاني ثالثاً ثم جذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال للأول ربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة وللثاني ثلث الدية لأنه هلك فوق اثنان وللثالث نصف الدية لأنه هلك فوقه واحد وللرابع كمال الدية وقال فإني أجعل الدية على من حضر راس البئر فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هو كما قال رواه سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة وأبو الاحوص عن سماك بن حرب عن أنس بنحو هذا المعنى قال أبو الخطاب فذهب أحمد إلى ذلك توقيفا على خلاف القياس وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث لا يثبته أهل النقل وأنه ضعيف والقياس ما قلناه فلا ينتقل عنه إلى ما لا يدري ثبوته ولا معناه (مسألة) (ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس به مثل ضروره فمنعه حتى مات ضمنه نص عليه) وجملة ذلك ان من أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية أو مكان لا يقدر فيه على طعام وشراب فهلك بذلك او هلكت بهيمته فعليه ضمان ما تلف به لأنه سبب هلاكه وكذلك إن اضطر إلى طعام وشراب لغيره فطلبه منه فمنعه إياه مع غناه عنه في تلك الحال فمات بذلك ضمنه المطلوب منه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى بذلك ولأنه إذا اضطر فصار أحق به ممن هو في يده وله أخذه قهراً فإذا
منعه إياه تسبب الى هلاكه بمنعه ما يستحقه فلزمه ضمانة كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك وظاهر كلام أحمد أن الدية في ماله لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالباً وقال القاضي يكون على عاقلته لأن هذا لا يوجب القصاص فيكون شبه عمد وإن لم يطلبه منه لم يضمنه لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به إلى هلاكه، وخرج عليه أو الخصاب كل من أمكنه انجاء انسان من مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك أنه يجب عليه ضمانه قياساً على ما إذا طلب الطعام فمنعه إياه مع غناه عنه حتى هلك ولنا أن هذا لم يهلكه ولم يكن سبباً في هلاكه فلا يضمنه كما لو لم يعلم بحاله، وقياس هذا على المسألة التي ذكرها غير صحيح لأنه في الأولى منعه منعاً كان سبباً في هلاكه فيضمنه بفعله الذي تعدى به وههنا لم يفعل شيئاً يكون سبباً (مسألة) (وإن افزع إنسانا فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته وعنه لا شئ عليه) وجملة ذلك أنه إذا ضرب إنساناً حتى أحدث فإن عثمان رضي الله عنه قضى فيه بثلث الدية قال أحمد لا اعرف شيئا يدفعه وبه قال إسحاق وعنه لا شئ عليه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأن الدية انما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جمال وليس ههنا شئ من ذلك وهذا هو القياس وإنما ذهب من ذهب إلى إيجاب الثلث لقضية عثمان لأنه في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافهما فيكون إجماعاً ولأن قضاء الصحابي فيما يخالف القياس يدل على أنه توقيف وسواء كان الحديث ببول او غائط أو ريح قاله القاضي وكذلك الحكم فيما إذا افزعه حتى أحدث والأولى إن شاء الله التفريق بين الريح وغيرها إن كان قضاء عثمان في الغائط والبول لأن ذلك أفحش فلا يقاس عليه
(فصل) إذا أكره رجلاً على قتل إنسان فقتله فصار الأمر الى الدية فهي عليهما لأنهما كالشريكين ولو أكره رجل امرأة على الزنا فحملت وماتت من الولادة ضمنها لأنها ماتت بسبب فعله وتحمله العاقلة إلا أن لا يثبت ذلك إلا باعترافه فتكون الدية عليه لأن العاقلة لا تحمل اعترافا ولذلك إن شهد شاهدان على رجل بقتل عمد فقتل ثم رجعا عن الشهادة لزمهما الضمان كالشريكين في الفعل ويكون الضمان في مالهما لا تحمله العاقلة لانها الاعتراف وهذا ثبت باعترافهما (فصل) إذا قتل رجلاً وادعى أنه كان عبداً أو القى عليه حائطاً وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه فالقول قول الولي مع يمينه وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر القول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته وما ادعاه محتمل فلا يزول عن اليقين بالشك ولنا أن الأصل حياة المجني عليه وحريته فيجب الحكم ببقائه كما لو قتل مسلماً وادعى أنه ارتد قبل قتله وبهذا يبطل ما ذكره، وإن قطع عضو أو إدعى شلله أو قلع عيناً وادعى عماها وأنكر المجني عليه فالقول قوله لأن الأصل السلامة وهكذ لو قطع ساعداً وادعى أنه لم يكن عليه كف أو ساقاً وادعى أنه لم يكن لها قدم، وقال القاضي إن اتفقا على أنه كان بصيراً فالقول قول المجني عليه وإلا فالقول قول الجاني وهذا مذهب الشافعي لأن هذا مما يتعذر إقامة البينة عليه فإنه لا يخفى على اهله وجيرانه ومعامليه
وصفة أداء الشهادة عليه أنه كان يتبع الشخص بسره يتوقى ما يتوقاه البصير ويتجنب البئر واشباهه في طريقه ويعدل في العطفات * خف من يطلبه ولنا أن الأصل السلامة فكان القول قول من يدعيها كما لو اختلفا في إسلام المقتول في دار الإسلام وفي حياته، قولهم لا يتعذر إقامة البينة عليه قلنا وكذلك لا يتعذر إقامة البينة على ما يدعيه الجاني فإيجابها عليه أولى من إيجابها على من يشهد له الأصل، ثم البطل بسائر المواضع التي سلموها، فإن قالوا ههنا ما يثبت أن الأصل وجود البصر، قلنا الظاهر يقوم مقام الأصل ولهذا رجحنا قول من يدعي حريته وإسلامه (فصل) ومن إدب ولده امرأته في النشوز أو المعلم صبيه أو السلطان رعيته ولم يسرف فأفضى الى تلفه لم يضمنه لأنه أدب مأذون فيه شرعاً فلم يضمن ما تلف به كالحد والتعزير (مسألة) (ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله إذا أرسل السلطان الى امرأة ليحضرها فاجهضت جنينا أو ماتت فعلى عاقلته الدية) وجملة ذلك أن السلطان اذا بعث الى امرأة ليحضرها فأسقطت جنيناً فمات ضمنه لما روي أن عمر رضي الله عنه بعث الى امرأة مغيبة كان يدخل عليها فقالت يا ويلها ما لها ولعمر فبينا هي في الطريق إذ فزعت فضر بها الطلق فألقت ولداً فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بعضهم ان ليس عليك شئ إنما أنت وال ومؤدب وصمت علي فأقبل عليه عمر فقال ما تقول يا أبا
الحسن فقال إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأوا رأيهم وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك ان ديته عليك لأنك أفزعتها فألقته فقال عمر أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك، ولو فزعت المرأة فماتت وجبت ديتها أيضاً ووافق الشافعي في ضمان الجنين وقال لا تضمن المرأة لأن ذلك ليس بسبب لهلاكه في العادة ولنا أنها نفس هلكت بإرساله اليها فضمنها كجنينها أو نفس هلكت بسببه فعزمها كما لو ضربها فماتت.
قوله إنه ليس بسبب عادة قلنا إذا كانت حاملاً فهو سبب للإسقاط والإسقاط سبب للهلاك ثم لا يعتبر في الضمان كونه سببا معتاد فإن الضربة والضربتين بالسوط ليست سبباً للهلاك في العادة ومتى أفضت أليه وجب الضمان وإن استعدى إنسان على المرأة فألقت جنينها أو ماتت فزعاً فعلى عاقلة المستعدي الضمان إن كان ظالماً لها وإن كانت هي الظالمة فاحضرها عند الحاكم فينبغي أن لا يضمنها لأنها سبب إحضارها بظلمها فلا يضمنها غيرها ولأنه استوفى حقه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص ولكن يضمن جنينها لأنه تلف بفعله فأشبه ما لو اقتص منها
(مسألة) (وإن سلم ولده الى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه ويحتمل أن تضمنه العاقلة)
أما إذا سلم ولده الصغير الى السابح ليعلمه السباحة فغرق فالضمان على عاقلته السابح لأنه سلمه اليه
ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب الى التفريط في حفظه وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يضمنه لأنه فعل ما جرت العادة به لمصلحته فلم يضمن ما تلف به كما إذا ضرب العلم الصبي ضرباً معتاداً فتلف به فأما الكبير إذا غرق فليس على السابح شئ إذا لم يفرط لأن الكبير في يد نفسه لا ينسب التفريط في هلاكه إلى غيره
(مسألة) (وإن أمر إنساناً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه)
لأنه لم يجن ولم يتعد فأشبه ما لو أذن له ولم يأمره إلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين (أحدهما) لا يضمنه كغيره (والثاني) يضمنه لأنه يخاف منه إذا خالفه وهو مأمور بطاعته إلا أن يكون المأمور صغير إلا يميز فيضمنه لأنه تسبب إلى إتلافه (مسألة) (وإن وضع جرة على سطحه أو حائطه أو حجراً فرمته الريح على إنسان فقتله أو شئ أتلفه لم يضمنه) لأن ذلك بغير فعله ووضعه ذلك كان في ملكه، ويحتمل أن يضمن إذا وضعها متطرفة لأنه تسبب إلى إلقائها وتعدى بوضعا فأشبه ما لو بنى حائطاً مائلاً (مسألة) (وإن أخرج جناحاً إلى الطريق أو ميزابا فسقط على إنسان فأتلفه ضمنه) لأن إخراج الجناح الى الطريق غير جائز لأنه تصرف في غير ملكه إذا كان الطريق نافذاً أو غير نافذ ولم يأذن فيه أصحابه إذا سقط على شئ فأتلفه ضمنه لأنه تلف بعدوانه فضمنه كما لو وضع البناء على أرض الطريق وكذلك الحكم في الميزاب وفي ذلك اختلاف وتفصيل ذكرناه في الغصب والله أعلم
باب مقادير ديات النفس
دية الحر المسلم مائة من الإبل أو مائتا بقرة أو ألفا شاة ألف مثقال أو أثنا عشر ألف درهم فهذه الخمس أصول في الدية إذا أحضر من عليه الدية شيئاً منها لزم قبوله وجملة ذلك أنا إذا قلنا إن هذه الخمس أصول في الدية إذا أحضر من عليه الدية من القاتل أو العاقلة شيئاً منها لزم الولي أخذه ولم يكن له المطالبة بغيره سواء كان من أهل ذلك النوع أو لم يكن لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ واحد منها فكانت الخيرة الى من وجبت عليه كخصال الكفارة وشاتي الجيران في الزكاة مع الدراهم وكذلك الحكم في الحال إذا قلنا إنها أصل (فصل) ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن الإبل أصول في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل وقد دلت عليه الأحاديث الواردة منها حديث عمرو بن حزم وحديث عبد الله بن عمر وفي دية
خطأ العمد وحديث ابن مسعود في دية الخطأ وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
قال القاضي لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها، وهذا قول عمر وعطاء وطاوس والفقهاء السبعة، وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف، ومحمد بن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن " وإن في النفس
المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الورق ألف دينار " رواه النسائي وروى ابن عباس أن رجلا من بني عدي قبل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا، رواه أبو داود وابن ماجة وروى الشعبي أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار، وعن عمرو بن شيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيباً فقال: ألا أن الإبل قد غلت قال فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحال مائتي حلة رواه أبو داود (مسألة) (وفي الحلل روايتان) (إحداهما) ليست أصلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ألا إن في قيل عمد الخطأ قيل السوط والعصا مائة من الإبل.
(الثانية) أنها أصل لما ذكرنا من قول عمر حين قام خطيباً فجعل على أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داود وهذا كان بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً وكل حلة بردان
(مسألة) (وعن أحمد رحمه الله أن الإبل هي الأصل خاصة)
وهذا ظاهر كلام الخرقي وذكرها أبو الخطاب عن أحمد وهو قول طاوس والشافعي وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط مائة من الإبل " ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل ولأنه بدل متلف حقاً لآدمي فكان متعيناً كعوض الأموال وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الورق بدلاً
عن الإبل وإنما الخلاف في كونها أصلاً وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل ولو كانت أصولاً بنفسها لم يكن إيجابها تقويماً للإبل،
ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى.
وقد روي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو ثمانية آلاف درهم ولذلك قيل إن دية الذمي أربعة آلاف وديته نصف الدية فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف (فصل) إذا قلنا أن الأصول خمسة فإن قدرها ما ذكرنا في المسألة في أول الباب ولم يختلف القائلون بهذه الأصول في قدرها من الذهب ولا من سائرها إلا الورق فإن الثوري وأبا حنيفة قالوا: قدرها من الورق عشرة آلاف، وحكي ذلك عن ابن شبرمة لما روى الشعبي أن عمر جعل على أهل الورق عشرة آلاف ولأن الدينار معدول في الشرع بعشرة دراهم بدليل أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً ونصاب الفضة مائتا درهم وبما ذكرناه قال الحسن وعروة مالك والشافعي في قول وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس لما ذكرنا من حديث ابن عباس وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر ولأن الدينار معدول باثني عشر درهما بدليل أن عمر فرض الجزية على الغني أربعة دنانير أو ثمانية وأربعين درهماً وعلى المتوسط دينارين أو اربعه وعشرين درهما وعلى الفقير دينارين أو اثني عشر درهماً وهذا أولى مما ذكروه في نصاب الزكاة لأنه لا يلزم أن يكون نصاب أحدهما معدولاً بنصاب الآخر
كما أن السائمة من بهيمة الأنعام ليس نصاب شئ منها معدولاً بنصاب غيره قال ابن عبد البر: ليس في جعل الدية عشرة آلاف عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث مرسل ولا مسند وحديث الشعبي عن عمر يخالفه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده عنه (مسألة) (وإذا قلنا إن الإبل هي الأصل خاصة فعلى من عليه الدية تسليمها إلى مستحقها سليمة من العيوب وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها فللآخر منعه) لأن الحق متعين فيها فاستحقت كالمثل في المتلفات المتلفة، وإن اعوزت الإبل أو لم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل فله العدول ألى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم وهذا قول الشافعي في القديم وقال في الجديد تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت لحديث عمرو بن شعيب عن عمر في تقويم الإبل ولأن ما ضمن بنوع من المال وجبت قيمته عند تعذره كذوات الأمثال ولأن الإبل إذا أجزأت إذا قلت
قيمتها فينبغي أن تجب، وإن كثرت قيمتها كالدنانير إذا غلت أو رخصت وهكذا ينبغي أن يقول إذا غلت الإبل كلها فأما إن كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلا أن هذا لم يجدها لكونها في غير ولده فان عمر قوم الدية من الدراهم باثني عشر ألفاً ومن الذهب ألف دينار (مسألة) (فإن كان القتل عمدا أو شبه عمد وجبت أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون لبون بنت وخمس وعشرون حقة وخمس جذعة وعنه أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها) اختلفت الرواية عن احمد في مقدارها فروى جماعة عن أحمد أنها أرباع وكذلك ذكره الخرقي وهو قول الزهري وربيعة ومالك وسليمان بن يسار وأبي حنيفة وروي ذلك عن ابو مسعود رضي الله عنه، وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وبهذا قال عطاء ومحمد بن الحسن والشافعي وروي ذلك عن عمر وزيد وابي موسى ولغيرة رضي الله عنهم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من قتل مؤمنا متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فان شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة " وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل رواه الترمذي وقال هو حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها " رواه الإمام أحمد وأبو داود وعن عمرو بن شعيب أن رجلا يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فقتله فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة رواه مالك في الموطأ.
ووجه الأول ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعا خمسا وعشرين جذعة وخمساً وعشرين حقة وخمساً وعشرين بنت لبون وعشرين مخاض