الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 517-556
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(فصل) فإن أمكن المحصر الوصول من طريق أخرى لم يبح له التحلل ولزمه سلوكها بعد أو قرب، خشي الفوات أو لم يخشه، فإن كان محرماً بعمرة لم تفت، وإن كان بحج ففاته تحلل بعمرة وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى زال الحصر لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج ليتحلل بعمرة، ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج فيه روايتان (إحداهما) يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق (والثانية) لا يجب لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقاً أخرى وبهذا فارق المخطئ (فصل) وإذا كان العدو الذين حصروا الحاج مسلمين فأمكنه الانصراف كان أولى من قتالهم لأن في قتالهم المخاطرة بالنفس والمال وقتل مسلم فكان تركه أولى ويجوز قتالهم لأنهم تعدوا على المسلمين لمنعهم طريقهم فأشبهوا سائر قطاع الطريق، وإن كانوا مشركين لم يجب قتالهم لأنه إنما يجب بأحد أمرين إذا بدأوا بالقتال أو وقع النفير فاحتيج إلى مدد وليس ههنا واحد منهما، لكن إن غلب على ظن المسلمين الظفر استحب قتالهم لما فيه من الجهاد وحصول النصر وإتمام النسك، وإن كان

بالعكس فالأولى الانصراف لئلا يغرروا بالمسلمين، ومتى احتاجوا في القتال إلى لبس ما تجب في الفدية فلهم فعله وعليهم الفدية لأن لبسهم لأجل أنفسهم فأشبه مالو لبسوا للاستدفاء من برد، فإن أذن لهم العدو في العبور فلم يثقوا بهم فلهم الانصراف لأنهم خائفون على أنفسهم فكأنهم لم يؤمنوهم وإن وثقوا بأمانهم وكانوا معروفين بالوفاء لزمهم المضي على إحرامهم لأنه قد زال حصرهم، ان طلب العدو خفارة على تخلية الطريق وكان ممن لا يؤمن بأمانة لم يلزمهم بذلة لأن الخوف باق مع البذل، وإن كان موثوقاً بأمانة والخفارة كثيرة لم يجب بذله، بل يكره إن كان العدو كافراً لأن فيه صغاراً وتقوية للكافر، وإن كانت يسيرة فقياس المذهب وجوب بذلة كالزيادة في ثمن الماء للوضوء.
وقال بعض أصحابنا: لا يجب بذل خفارة بحال وله التحلل كما في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقاً آمناً من غير خفارة (مسألة) متى قدر المحصر على الهدي فليس له التحلل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه ويجزئه أدنى الهدي وهو شاة أو سبع بدنة لقوله تعالى (فما استيسر من الهدي) وله نحره في موضع حصره من حل أو حرم نص عليه أحمد وهو قول مالك

والشافعي إلا أن يكون قادراً على أطراف الحرم ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه نحره فيه لأن الحرم كله منحر وقد قدر عليه (والثاني) ينحره في موضعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه، وعن أحمد ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم ويواطئ رجلاً على نحره في وقت يتحلل فيه، يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق، وروي نحو ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي وعطاء (قال شيخنا) وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصا، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية وهي من الحل، قال البخاري قال مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه أمر أحداً أن يقضي شيئاً ولا أن يعودوا له، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه عند الشجرة التي كان تحتها بيعة الرضوان وهي من الحل باتفاق أهل السير وقد دل عليه قوله تعالى (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) ولأنه موضع حله فكان

موضع نحره كالحرم، فإن قيل فقد قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وقال (ثم محلها إلى البيت العتيق) ولأنه ذبح يتعلق بالإحرام فلم يجز في غير الحرم كدم الطيب واللبس، قلنا الآية في غير المحصر ولا يصح قياس المحصر عليه لأن تحلل المحصر في الحل وتحلل غيره في الحرم فكل واحد منهما ينحر في موضع تحلله، وقد قيل في قوله تعالى (حتى يبلغ الهدي محله) حتى يذبح وذبحه في حق المحصر في موضع حله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وما قاسوا عليه ممنوع (فصل) وإذا أحصر المعتمر فله التحلل ونحر هديه وقت حصره لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم قبل يوم النحر وإن كان مفرداً أو قارناً فكذلك في إحدى الروايتين لأنه أحد النسكين أشبه العمرة، ولأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى (والثانية) لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر نص عليه في رواية الاثرم وحنبل لأن للهدي محل زمان ومحل مكان، فإذا سقط محل المكان للعجز عنه بقي محل الزمان واجباً لإمكانه، وإذا لم يجز له نحر الهدي قبل يوم النحر لم

يجز له التحلل لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر فالمستحب له الإقامة على إحرامه رجاء زوال الحصر ومتى زال قبل تحلله فعليه المضي لإتمام نسكه بغير خلاف علمناه.
قال إبن المنذر قال كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من يئس أنى يصل إلى البيت فجاز له الحل فلم يحل حتى خلي سبيله أن عليه أن يقضي مناسكه وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمرة، فإن فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدي، وقد قيل إن عليه ههنا هديين: هدي للفوات وهدي للاحصار، ولم يذكر أحمد رحمه الله في رواية الأثرم هدياً ثانياً في حق من لم يتحلل إلا يوم النحر (مسألة) (فإن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحل) إذا عجز المحصر عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حل، وبه قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة لا يدل له لأنه لم يذكر في القرآن

ولنا أنه دم واجب للإحرام فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس وترك النص عليه لا يمنع قياسه على غيره ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام كبدل هدي التمتع، وليس له أن يتحلل الابعد الصيام كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره وهل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي والصيام؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشرط سواه (والثانية) عليه الحلق أو التقصير لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق يوم الحديبية وفعل في النسك دال على الوجوب ولعل هذا يبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو إطلاق من محظور وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى (فصل) ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا فيحصل الحل بشيئين: النحر الصوم مع النية على قولنا إن الحلاق ليس بنسك وإن قلنا هو نسك حصل بثلاثة أشياء الحلاق مع ما ذكرنا، فإن قيل فلم اعتبرتم النية ههنا ولم تعتبروها في غير المحصر قلنا لأن من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل منها باكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل اكمالها فافتقر إلى قصده ولأن الذبح قد يكون لغير الحل فلم يتخصص إلا بقصده بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى قصد (فصل) فإن نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم يحل وكان على إحرامه حتى ينجر الهدي أو

يصوم لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلم يحل قبلهما كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها وليس عليه في نية الحل فدية لأنها لم تؤثر في العبادة، فإن فعل شيئاً من محظورات الإحرام قبل ذلك فعليه فديته كما لو فعل القادر ذلك قبل أفعال الحج (مسألة) (وفي وجوب القضاء على المحصور روايتان) (إحداهما) لا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً فيفعله بالوجوب السابق هذا هو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي (والثانية) عليه القضاء روى ذلك عن مجاهد وعكرمة والشعبي، وبه قال أبو حنيفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج، ووجه الرواية الأولى أنه تطوع جاز التحلل

منه مع صلاح الوقت له فلم يجب قضاؤه كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن، فأما الخبر فأن الذين صدوا كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا نفراً يسيراً ولم ينقل الينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً بالقضاء، وأما تسميتها عمرة القضية فانما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها واتفقوا عليها ولو أرادوا غير ذلك لقالوا عمرة القضاء، وفارق الفوات فإنه مفرط بخلاف مسئلتنا (مسألة) (فإن صد عن عرفة دون البيت تحلل بعمرة ولا شئ عليه) إذا تمكن من الوصول إلى البيت وصد عن عرفة فله أن يفسخ نية الحج ويجعله عمرة ولا هدي عليه لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر فمع الحصر أولى، فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض حتى فاته الحج تحلل بطواف وسعي آخر لأن الاول لم يقصد به طواف العمرة ولا سعيها وليس عليه أن يجدد إحراماً،

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الزهري لابد أن يقف بعرفة، وقال محمد بن الحسن لا يكون محصراً بمكة، وروى عن أحمد رحمه الله لأنه إنما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه أن يحج من عامة فيصير متمتعاً وهذا ممنوع من الحج ولا يمكنه أن يصير متمتعاً فعلى هذا يقيم على إحرامه حتى يفوته الحج ثم يتحلل بعمرة، فإن فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر، وقال مالك يخرج إلى الحل ويفعل ما يفعل المعتمر، فإن أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لأنه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه، ولا يجوز في حج الفرض إلا أن ييأس من القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج كله (فصل) فإن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فله التحلل لأن الحصر يفسد التحلل من جميعه فأفاد التحلل من بعضه، وإن كان ما حصر عنه ليس من أركان الحج كالرمي وطواف الوداع

والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها فليس له التحلل لان صحة الحج لا تقف على ذلك ويكون عليه دم لتركه ذلك وحجة صحيح كما لو تركه من غير حصر، وإن حصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلل أيضاً لأن إحرامه إنما هو عن النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل عن الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته فلا يثبت بما ليس مثله، ومتى زال الحصر أتى بالطواف وتم حجه (مسألة) وإذا تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج لزمه ذلك إن كانت حجة الإسلام أو كانت واجبة في الجملة أو قلنا بوجوب القضاء لأن الحج يجب على الفور، فأما إن كانت تطوعاً ولم نقل بوجوب القضاء فلا شئ عليه كمن لم يحرم (فصل) فإن أحصر في حج فاسد فله التحلل لأنه إذا أبيح له في الحج الصحيح فالفاسد بطريق

الأولى، فإن حل ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد فيه الحج في غير هذه المسألة (مسألة) (ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل في إحدى الروايتين) اختارها الخرقي روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ومروان وبه قال مالك والشافعي واسحاق (والثانية) له التحلل بذلك، وروي نحوه عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " رواه النسائي ولأنه محصور فيدخل في عموم قوله (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) يحققه إن لفظ الاحصار إنما هو للمرض ونحوه يقال احصره المرض احصاراً فهو محصر، وحصره العدو فهو محصور فيكون اللفظ صريحاً

في محل النزاع وحصر العدو مقيس عليه ولأنه مصدود عن البيت أشبه من صده العدو ووجه الرواية الأولى أنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله ولا التخلص من الأذى الذي به بخلاف حصر العدو، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت إني أريد الحج وأنا شاكية فقال " حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني " فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط، وحديثهم متروك الظاهر فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالاً فإن حملوه على أنه يبيح له التحلل حملناه على ما إذا اشترط الحل على أن في حديثهم كلاما لأن ابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه فإذا قلنا يتحلل فحكمه حكم من حصره العدو على ما مضى وإن قلنا لا يتحلل فإنه يقيم على إحرامه ويبعث ما معه من الهدي ليذبح بالحرم وليس له نحره في مكانه لأنه لم يتحلل فإن فاته الحج تحلل بعمرة كغير المريض

(مسألة) (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شئ عليه) إذا شرط في وقت إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفذت أو نحوه أو قال إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فله التحلل متى وجد ذلك وليس عليه هدي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره فإن للشرط تأثيراً في العبادات بدليل أنه لو قال إن شفى مريضي صمت شهراً متتابعاً أو متفرقاً كان على شرطه وإنما لم يلزمه هدي ولا قضاء لأنه إذا شرط شرطاً كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج ثم ينظر في صيغة الشرط فإن قال إن مرضت فلي أن أحل أو إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستي فإذا حبس كان بالخيار بين الحل وبين البقاء على الإحرام، وإن قال إن مرضت فأنا حلال فمتى وجد الشرط حل بوجوده لأنه شرط صحيح فكان على ما شرط، وفي هذه المسألة اختلاف ذكرناه في باب الإحرام

(باب الهدي والأضاحي) الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى (فصل لربك وانحر) قال بعض أهل التفسير والمراد به الأضحية بعد صلاة العيد، وأما السنة فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما.
متفق عليه الأملح الذي فيه بياض وسواد وبياضه أكثر قاله الكسائي، وقال ابن الأعرابي هو النقي البياض قال الشاعر حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا * أملح لالدا ولا محبباً وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية، ويستحب لمن أتى مكة أن يهدي هديا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الهدي ويقيم بالمدينة

(مسألة) (والأفضل فيهما الإبل ثم البقر ثم الغنم والذكر والأنثى سواء) أفضل الهدايا والاضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم ثم شرك في بدنة ثم شرك في بقرة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال به مالك في الهدي وقال في الأضحية الأفضل الجذع ثم الضأن ثم البقرة ثم البدنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل ولو علم الله سبحانه خيراً منه لفدى به اسحاق.
ولنا ماروى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " الخ متفق عليه ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى

فكانت البذنة فيه أفضل كالهدي ولأنها أكثر ثمناً ولحماً وأنفع للفقراء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال " أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها " والابل أغلا ثمناً وأنفس من الغنم.
فأما التضحية بالكبش فلانه افضل أجناس الغنم وكذلك حصول الفداء به أفضل والشاة أفضل من شرك في بدنة لأن إراقة الدم مقصود في الاضحية والمنفرد يتقرب بإراقته كله (فصل) والذكر والأنثى سواء لأن الله تعالى قال (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وقال (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) ولم يقل ذكراً ولا أنثى وممن أجاز ذكران الإبل في الهدي ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومالك وعطاء والشافعي، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما رأيت أحداً فاعلاً ذلك: وإن أنحر أنثى أحب إلي، والأول أولى لما ذكرنا من النص، وقد

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه يجوز ذبح الذكر من سائر بهيمة الأنعام فكذلك من الإبل، ولأن القصد اللحم ولحم الذكر أوفر ولحم الأنثى أرطب فتساويا.
قال أحمد الخصي أحب إلينا من النعجة لأن لحمه أوفر وأطيب.
قال شيخنا والكبش في الأضحية أفضل النعم لأنها أضحية النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ابن أبي موسى والضأن أفضل من المعز لأنه أطيب لحماً، وقال القاضي جذع الضأن أفضل من ثنى المعز لذلك ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " نعم الأضحية الجذع من الضأن " حديث غريب قال شيخنا رحمه الله ويحتمل أن الثني من المعز أفضل من الجذع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن " رواه مسلم، وهذا يدل على فضل الثني على الجذع لكونه جعل الثني أصلاً والجذع بدلا لا ينتقل إليه إلا عند عدم الثني.

(فصل) ويسن استسمانها واستحسانها لقول الله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قال ابن عباس تعظيمها استسمانها واستعظامها واستحسانها ولأن ذلك أعظم لأجرها وأعظم لنفعها والأفضل في لون الغنم البياض لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين " رواه أحمد بمعناه وقال أبو هريرة " دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين " ولأنه لون أضحية النبي صلى الله عليه وسلم ثم ماكان أحسن لوناً فهو أفضل.
(مسألة) (ولا يجزي إلا الجذع من الضأن وهو ماله ستة أشهر والثني مما سواه) وهو قول مالك والليث والشافعي وابي عبيد وأصحاب الرأي، وقال ابن عمر والزهري: لا يجزئ

الجذع لأنه لا يجزئ من غير الضأن فلا يجزئ منه كالحمل وعن عطاء والاوزاعي أنهما قالا لا يجزئ الجذع في جميع الأجناس لما روى مجاشع بن سليم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الجذع يوفي بما يوفي به الثني " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة ولأنه يجزئ من بعض الأجناس فأجزأ من جميعها كالثني.
ولنا على أجزاء الجذع من الضأن حديث مجاشع وأبي هريرة، وعلى أن الجذعة من غيرها لاتجزئ قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن " وقال أبو بردة بن نيار رضي الله عنه عندي جذعة من المعز أحب إلي من شاتين فهل تجزي عني؟ قال " نعم ولا تجزي عن أحد بعدك " متفق عليه وحديثهم محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا قال ابراهيم الحربي إنما يجزئ الجذع من الضأن لانه ينزو فليقح فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا

(فصل) ولا يجزي في الأضحية غير بهيمة الأنعام وان كان أحد أبويه وحشياً وحكي عن الحسن ابن صالح أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة والظبي عن واحد وقال أصحاب الرأي يجزئ ولد البقرة الانسية إذا كان أبوه وحشياً وقال أبو ثور يجزئ إذا كان منسوباً إلى بهيمة الأنعام.
ولنا قوله سبحانه (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم وعلى أصحاب الرأي أنه متولد بين ما يجزئ وبين مالا يجزئ أشبه مالو كانت الأم وحشية.
والجذع من الضأن ماله ستة أشهر.
قال وكيع الجذع من الضأن أن يكون ابن سبعة أشهر أو ستة أشهر قال الخرقي

وسمعت أبي يقول سألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قالوا لا تزال الصوفة قائمة على ظهره مادام حملاً فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع وفيه قول أن الجذع من الضأن ماله ثمانية أشهر ذكره ابن أبي موسى (مسألة) (وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ماله سنتان ومن المعز ماله سنة) قال الأصمعي وأبو زياد الكلابي وأبو زيد الأنصاري إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيه فهو حينئذ ثني ويروى أنه يسمى ثنياً لأنه ألقى ثنيته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا إلا مسنة " ومسنة البقر التي لها سنتان على ما ذكرنا في الزكاة، وثني المعز ماله سنة، وقال ابن أبي موسى فيه قول أن ثني البقر مادخل في السنة الرابعة

والأول المشهور في المذهب.
(مسألة) (وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم) أما إجزاء الشاة عن واحد فلا نعلم فيه خلافاً، وقد روى أبو أيوب رضي الله عنه قال كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حديث صحيح، وتجزي البدنة والبقرة عن سبعة وهذا قول أكثر أهل العلم وري ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لاتجزئ نفس واحدة

عن سبعة ونحوه قول مالك إلا أن يذبح عنه وعن أهل بيته، قال احمد ما علمت أن احدا لا يرخص في ذلك إلا ابن عمر، وعن سعيد بن المسيب أن الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة وبه قال إسحاق لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عن عشرة من الغنم ببعير متفق عليه.
وعن ابن عباس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة رواه ابن ماجه.
ولنا ماروى جابر قال نحرنا بالحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
وقال أيضاً كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم.
وهذا أصح من حديثهم.
وأما حديث رافع فهو في القسمة لافي الأضحية.
إذا ثبت هذا فسواء كان المشتركون من أهل بيت أو لم يكونوا، متطوعين أو متفترضين أو كان بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم، وقال أبو حنيفة يجوز إذا كانوا كلهم متقربين ولا يجوز إذا لم يرد بعضهم القربة.

ولنا أن الجزء المجزئ لا ينقص بإرادة الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخر القران ولأن كل إنسان إنما يجزئ عنه نصيبه فلا يضره نية غيره في نصيبه ويجوز أن يقتسموا اللحم لأن القسمة إفراز حق وليست بيعاً ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه، بناء على أن القسمة بيع وبيع لحم الهدي والأضحية غير جائز.
ولنا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منها دليل على تجويز القسمة إذ به يتمكن من الأكل وكذلك الصدقة والهدية.
(فصل) ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بدنه أو بقرة يضحي بها نص عليه أحمد وقال مالك والليث والاوزاعي واسحاق.
وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة قال

صالح قلت لأبي يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قال نعم لا بأس قد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين قال (بسم الله هذا عن محمد وأهل بيته) وقرب الآخر وقال (اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي) وحكي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يضحي بالشاة فتجئ بنته فتقول عني؟ وعنك، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة لأن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد فإذا اشترك فيها اثنان لم تجز عنهما كالاجنبيين ولنا الحديث الذي ذكره أحمد وروى جابر قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العاليمن، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر " ثم ذبح رواه أبو داود، وقد ذكرنا حديث أبو أيوب في أول المسألة

(مسألة) (ولا يجزئ فيها العوراء البين عورها وهي التي انخسفت عينها، ولا العجفاء التي لا تنقى وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا العرجاء البين ظلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، ولا المريضة البين مرضها ولا العضباء وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها) أما العيوب الأربعة الأول فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنها تمنع الأجزاء في الهدي والأضحية لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ظلعها والعجفاء التي لاتنقى " رواه أبو داود والنسائي نص على الاضاحي والهدي في معناها ومعنى العوراء البين عورها التي قد انخسفت عينها والعين

عضو مستطاب فإن كان على عينها بياض ولم تذهب جازت التضحية بها لأن عورها ليس بين ولا ينقص ذلك لحمها، والعجفاء المهزولة، والتي لاتنقى هلا التي لامخ فيها في عظامها لهزالها والنقي المخ قال الشاعر: لا تنسكين عملاً ما أنقين * ما دام مخ في سلامي أو عين فهذه لا تجزئ لأنه لامخ فيها انما هي عظام مجتمعة، وأما العرجاء البين عرجها فهي التي بها عرج فاحش وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم فيسبقنها إلى الكلأ فيرعينه لا تدركهن فينقص لحمها فإن كان عرجاً يسيراً لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت.
وأما المريضة البين مرضها فقال الخرقي هي التي لا يرجى برؤها لأن ذلك ينقص قيمتها ولحمها نقصاً كثيراً وقال القاضي هي الجرباء لان الجرب إذا كثر يهزل ويفسد

اللحم، وهذا قول أصحاب الشافعي، قال شيخنا والذي في الحديث " المريضة البين مرضها " وهو الذي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده، وهذا أولى مما ذكره الخرقي والقاضي لانه تقييد للملطق وتخصيص للعموم بلا دليل والمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ والمعنى، وأما العضب فهو ذهاب اكثر من نصف القرن أو الأذن وذلك يمنع الأجزاء أيضاً، وبه قال النخعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي تجزئ مكسورة القرن، وروي نحو ذلك عن علي وعمار وابن المسيب والحسن وقال مالك إن كان قرنها يدمي لم تجزئ، وإلا أجزأت وعن أحمد لاتجزئ ما ذهب ثلث إذنها وهو قول أبي حنيفة، وقال عطاء ومالك إذا ذهبت الأذن كلها لم تجز وإن ذهب يسير جاز، واحتجوا بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجوز في الأضاحي يدل على أن غيرها يجزئ ولأن في حديث

البراء عن عبيد بن فيروز قال قلت: للبراء فإني أكره النقص من القرن والذنب قال: اكره لنفسك ما شئت ولا تضيق على الناس ولأن المقصود اللحم وهذا لا يؤثر فيه.
ولنا ماروي عن علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الأذن والقرن قال قتادة فسألت سعيد بن المسيب فقال نعم العضب النصف فأكثر من ذلك رواه النسائي وابن ماجة وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن رواه أبو داود والنسائي وهذا منطوق يقدم على المفهوم.
(فصل) ولا تجزئ العمياء لأن النهي عن العوراء تنبيه على العمياء ولا تجزئ وإن لم يكن عماها بيناً لأن العمى يمنع مشيها مع الغنم ومشاركتها في العلف ولا تجزئ ما قطع منها عضو كالألية والأطباء

لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تجوز العجفاء ولا الجداء، قال أحمد رحمه الله هي التي قد يبس ضرعها، ولأنه أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين (فصل) وتكره المعيبة الأذن بخرق أو شق أو قطع لأقل من النصف لما روى علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولاشرقاء ولا خرقاء قال زهير قلت: لأبي اسحاق ما المقابلة؟ قال تقطع طرف الأذن قلت: فما المدابرة؟ قال تقطع من مؤخر الأذن قلت: فما الخرقاء؟ قال شق الأذن قلت: فما الشرقاء؟ قال تشق أذنها للسمة رواه أبو داود، وقال القاضي الخرقاء التي قد انثقبت أذنها والشرقاء التي تشق أذنها ويبقى كالشتاخين وهذا نهي تنزيه ويحصل الأجزاء بها لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق ولا يكاد يوجد سالم

من هذا كله.
وذكر ابن أبي موسى في الإرشاد انها لاتجزئ لظاهر الحديث والجمهور على خلاف هذا للمشقة (مسألة) ﴿وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وقال ابن حامد لا تجزئ الجماء﴾ تجزئ الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن والصمعاء وهي الصغيرة الأذن والبتراء وهي التي لا ذنب لها سواء كان خلقه أو مقطوعاً ومن لا يرى بالبتراء بأساً ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد ابن جبير والنخعي وكره الليث أن يضحى بالبتراء ما فوق القبضة، وقال ابن حامد لا تجرئ الجماء لأن ذهاب اكثر من نصف القرن يمنع فذهاب جميعه أولى ولأن ما منع منه العور منع منه العمى فكذلك ما منع منه العضب يمنع منه كونه أجم.
ولنا أن هذا نقص لا ينقص اللحم ولم يخل بالقصود ولم يرد به نهي فوجب أن يجزئ، وفارق العضب فإنه قد نهى عنه وهو عيب فإنه ربما دمي وآلم الشاة فيكون كمرضها ويقبح منظرها بخلاف الأجم فإنه ليس بمرض ولاعيب وما كان كامل الخلقة فهو أفضل فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن

كحيل وقال خير الاضحية الكبس الاقرن.
(فصل) ويجزئ الخصي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين والوجأ رض الخصيتن وما قطعت خصيتاه أو سلتا في معناه، ولأن الخصي اذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويسمن قال الشعبي ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه، وبهذا قال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافاً (فصل: والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ويذبح البقر والغنم) السنة نحر الإبل كما ذكر وممن استحب ذلك مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر.
وقال عطاء يستحب وهي باركة وجوز الثوري وأصحاب الرأي كلا الأمرين ولنا ما روى زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته لينحرها فقال:

ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن ساباط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، وفي قول الله تعالى (فإذا وجبت جنوبها) دليل على أنها تنحر قائمة وقيل في تفسير قوله تعالى (واذكروا اسم الله عليها صواف) أي قياماً وكيفما نحر اجزأه قال احمد وينحر الابل معقولة على ثلاث قوائم فان خشي عليها أن تنفر اناخها، ويذبح البقر والغنم قال الله تعالى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ذبحهما بيده، فإن ذبح ما ينحر أو نحرما يذبح جاز وأبيح لأنه لم يتجاوز محل الذبح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أنهر الدم وذكر اسم عليه فكل " وقد روي عن أحمد أنه توقف في أكل البعير إذا ذبح والأول أولى لما ذكرنا.
(مسألة) (ويقول عند ذلك بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك) يستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة وإن يقول " بسم لله والله أكبر " قال إبن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح يقول: بسم الله والله أكبر.
وإن قال ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مما زاد على ذلك فحسن فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين ثم

قال حين وجههما (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) " بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك عن محمد وأمته " رواه أبو داود، فان اقتصر على التسمية أو وجه الذبيحة إلى غير القبلة ترك الأفضل وأجزأه هذا قول القاسم والنخعي والثوري والشافعي وابن المنذر، وكره ابن عمر وابن سيرين الأكل من الذبيحة إذا وجهت إلى غير القبلة، والصحيح أنه غير واجب لأنه لم يقم عليه دليل.
(فصل) إذا قال اللهم تقبل مني ومن فلان بعد قوله اللهم هذا منك ولك فحسن وهو قول الأكثرين، وقال أبو حنيفة يكره أن يذكر اسم غير الله لقول الله تعالى (وما أهل به لغير الله) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد صلى الله عليه وسلم " رواه مسلم وهذا نص لا يعرج على خلافه وليس عليه أن يقول عمن فان النية تجزئ بغير خلاف

(مسألة) (ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم، وإن ذبحها بيده كان أفضل، فان لم يفعل استحب أن يشهدها) يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها قربة فلا يليها غير أهل القربة، فإن استناب ذمياً في ذبحها أجزأت مع الكراهة وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وعن أحمد لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم وهو قول مالك، وممن كره ذلك علي وابن عباس وجابر رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وابن سيرين، قال جابر لا يذبح النسك إلا مسلم لأن في حديث ابن عباس الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر " ولأن الشحوم تحرم علينا مما يذبحونه على رواية فيكون ذلك بمنزلة إتلافه، وحكى ابن أبي موسى رواية ثالثة أنه إن كان بعيراً لم ينحر وإلا أجزأ في أصح الروايتين (ووجه الأولى) أنه من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم، ويجوز أن يتولى الكافر ماكان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر ولا نسلم تحريم الشحوم علينا بذبحهم والحديث محمول على الاستحباب والأولى أن يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف، وذبحها بيده أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين

أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمى ووضع رجله على صفاحهما ونحر البدنات الست بيده (1) التي ساقها في حجته ثلاثاً وستين بدنة بيده ولان فعله قربة وتولي القربة بنفسه أولى من الاستنابة فيها والاستنابة جائزة فإن النبي صلى الله عليه وسلم استناب من نحر ما بقي من بدنة (2) وهذا لا خلاف فيه، وإن لم يذبحها بيده استحب أن يحضر ذبحها لأن في حديث ابن عباس الطويل " واحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة " أحضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها " (مسألة) (ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق) الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء أوله وآخره وعموم وقته أو خصوصه، أما أوله فظاهر كلامه ههنا إذا دخل وقت صلاة العيد ومضى قدر الصلاة التامة فقد دخل وقت الذبح ولا يعتبر نفس الصلاة لافرق في هذا بين أهل الأمصار والقرى ممن يصلي العيد وغيرهم وهذا قول الخرقي إلا أنه

قال مقدار الصلاة والخطبة وهذا مذهب الشافعي وابن المنذر لأنها عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتعلق أولها به كالصيام، وظاهر كلام أحمد أنه من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الإمام وخطبته وعلى قياس قوله كل موضع يصلى فيه العيد روي نحو هذا عن الحسن والاوزاعي ومالك وأبي حنيفة واسحاق لما روى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " متفق عليه، وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة، فإن ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أجزأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق المنع على فعل الصلاة فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة فلا تكون شرطاً وهذا قول الثوري وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لموافقة ظاهر الحديث، فأما غير أهل الأمصار والقرى فأول الوقت في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد حل الصلاة في قول الخرقي، وظاهر ما ذكره شيخنا في كتاب المقنع أن أول الوقت في حقهم قدر الصلاة بعد حل الصلاة لانه لاصلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها، وقال

عطاء وقتها إذا طلعت الشمس، وقال أبو حنيفة أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني لأنه من يوم النحر فكان وقتاً لها كسائر اليوم ولنا أنها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد اشراق الشمس فلا يتقدم وقتها في حق غيرهم كصلاة العيد وما ذكروه يبطل بأهل المصر فإن لم يصل الإمام في المصر لم يجز الذبح حتى تزول الشمس عند من اعتبر نفس الصلاة لأنها حينئذ تسقط فكأنه قد صلى وسواء ترك الصلاة عمداً أو خطأ لعذر أو لغير عذر، فأما الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز في أول النهار لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن الوقت قد دخل في اليوم الأول وهذا من أثنائه فلم يعتبر فيه صلاة ولا غيرها، فإن صلى الإمام في المصلى واستخلف من صلى في المسجد فمتى صلى في أحد الموضعين جاز الذبح لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس ولا يستحب أن يذبح قبل الإمام فإن فعل أجزأه، وقال ابن أبي موسى لا تجزئه ويروى عن مالك والصحيح أنها تجزئ لما ذكرنا من الأحاديث

(فصل) والثاني في آخر وقت الذبح وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده وهذ قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم، قال أحمد أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنساً وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة، وروي عن علي رضي الله عنه آخره آخر أيام التشريق، وبه قال عطاء والحسن والشافعي لأنه روي عن جبير ابن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيام منى كلها منحر " ولأنها أيام تكبير وإفطار فكانت محلاً للنحر كالأوليين، وقال ابن سيرين لا يجوز إلا في يوم النحر خاصة لأنها وظيفة عيد فاختصت بيوم العيد كالصلاة واداء الفطرة يوم الفطر، وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد كقول ابن سيرين في أهل الأمصار وكقولنا في أهل منى، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار تجوز التضحية إلى هلال المحرم لما روى أبو أمامة سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: كان الرجل من المسلمين يشتري

أضحيته فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها.
رواه الإمام أحمد بإسناده وقال هذا حديث عجيب وقال أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه فلم تجز التضحية فيه كاليوم الذي بعده، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وقد روي عنه مثل مذهبنا وحديثهم إنما هو " ومنى كلها منحر " وليس فيه ذكر الأيام والتكبير أعم من الذبح، وكذلك الافطار بدليل أو يوم النحر (مسألة) (ولا يجزي في ليلتيهما في قول الخرقي وقال غيره يجزئ) اختلفت الرواية عن أحمد في الذبح في ليلتي يومي التشريق فعنه لا يجزئ نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية الأثرم وهو قول مالك لقول الله تعالى (ليذكروا اسم الله في أيام معدودات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح بالليل، ولأنه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود ولهذا قالوا يكره الذبح فيه، فعلى هذا إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب، وإن

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل