الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 373-412
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كالأخرس ويحتاج إلى أن يأتي بمعناهما الخاص بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي

(مسألة) (فإن قدر على تعلمها بالعربية لم يلزمه ذلك)

وفيه وجه ذكره أبو الخطاب أنه يلزمه لأن ما كانت العربية شرطاً فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة كالتكبير ولنا أن النكاح غير واجب فلم يجب تعلم أركانه بالعربية كالبيع بخلاف التكبير

(مسألة) (والقبول أن يقول قبلت هذا النكاح أو ما يقوم مقامه في حق من لا يحسن)

فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر أتى الذي يحسن العربية بها والآخر يأتي بلسانه فإن كان أحدهما لا يحسن لسان الآخر احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتي بها صاحبه لفظة الإنكاح بأن يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعاً (فصل) وأما الأخرس فإن فهمت إشارته صح نكاحه بها لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته كبيعه وطلاقه ولعانه وفي إشارة القادر على النطق وجهان ذكرهما في المجرد أولهما عدم الصحة للاستغناء عنها ان لم تفهم إشارته لم يصح منه كما لا يصح غيره من التصرفات القولية ولأن النكاح عقد

بين شخصين فلابد من فهم كل واحد منهما ما يصدر عن صاحبه ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه لم يصح حتى يفهم الشهود أيضاً لأن الشهادة شرط ولا يصح على ما لا يفهم قال أحمد لا يزوجه وليه يعني إذا كان بالغاً لأن الخرس لا يوجب الحجر كالصمم (مسألة) (فان اقتصر على قوله قبلت بأن يقول الولي زوجتك ابنتي فيقول قبلت صح وانعقد النكاح) وقال الشافعي في أحد قوليه لا ينعقد حتى يقول قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج لأنه كناية في النكاح يفتقر إلى النية والاضمار فلم ينعقد به كلفظ الهبة والبيع ولنا أن القبول صريح في الجواب فانعقد به كما ينعقد به البيع وسائر العقود وقولهم يفتقر إلى النية ممنوع فإنه جواب لا ينصرف إلا إلى الذكور وكذلك إن قال الخاطب للولي أزوجت؟ قال نعم وللمتزوج أقبلت؟ قال نعم صح.
ذكره الخرقي ويحتمل أن لا يصح لأن النكاح إنما يصح بلفظ الإنكاح والتزويج ولا نطق الولي بواحد منهما ولا نطق المتزوج بالقبول وقال الشافعي لا ينعقد حتى يقول معه زوجتك

بنتي ويقول الزوج قبلت هذا التزويج لأن هذين ركنا العقد فلا ينعقد بدونهما ولنا أن نعم جواب لقوله زوجتك وقبلت والسؤال مضمر في الجواب معاد فيه فيكون معنى نعم من الولي زوجته ابنتي ومعنى نعم من المتزوج قبلت هذا التزويج ولا احتمال فيه فيجب أن ينعقد به ولذلك لما قال الله تعالى (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قالوا نعم) كان إقراراً منهم بوجدان ذلك أنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقا، ولو قيل لرجل لي عليك الف درهم قال نعم كان إقراراً صريحاً لا يفتقر إلى نية ولا يرجع في ذلك إلى تفسيره وبمثله تقطع اليد في السرقة وهو حد يدرأ بالشبهات فوجب أن ينعقد به التزويج كما لو لفظ بذلك

(مسألة) (فإن تقدم القبول الإيجاب لم يصح)

سواء كان بلفظ الماضي مثل أن يقول تزوجت البنت فيقول زوجتك أو بلفظ الطلب كقوله زوجني ابنتك فيقول زوجتكها وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يصح فيهما جميعاً لأنه قد وجد الإيجاب والقبول فصح كما لو تقدم الإيجاب ولنا أن القبول إنما يكون للإيجاب فمتى وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه فلم يصح كما لو تقدم

بلفظ الاستفهام ولأنه لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصح فإذا تقدم كان أولى لصيغة الاستفهام ولأنه لو أتى بالصيغة المشروعة متقدمة فقال قبلت هذا النكاح فقال الولي زوجتك ابنتي لم يصح فلأن لا يصح إذا أتى بغيرها أولى فإن قالوا يصح كالبيع والخلع قلنا البيع لا يشترط فيه صيغة الإيجاب بل يصح بالمعاطاة ولا يتعين فيه لفظ بل يصح بأي لفظ كان إذا أدى المعنى ولا يلزم الخلع لأنه يصح تعليقه على الشروط ويحتمل أن يصح إذا تقدم بلفظ الطلب لأن في حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقامت طويلا فقال رجل يارسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " زوجتكها بما معك من القرآن " وهو حديث صحيح رواه البخاري ولم ينقل أنه قال قبلت ولا ما يؤدي معناه والظاهر أنه لو وجد منه لفظ لنقل وعلى قياس ذلك إذا تقدم بلفظ الماضي (فصل) إذا عقد النكاح هزلاً أو تلجئة صح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ثلاث هزلهن جد وجدهن جد الطلاق والنكاح والرجعة " رواه الترمذي، وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نكح لاعبا أو طلق لاعباً أو أعتق لاعباً جاز " وقال عمر أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق والعتاق والنكاح والنذر، وقال علي أربع لا لعب فيهن الطلاق والعتاق والنكاح والنذر

(مسألة) (وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ماداما في المجلس ولم يتشاغلا عنه بغيره)

لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل صحة القبض فيما يشترط القبض فيه وثبوت الخيار في عقود المعاوضات

(مسألة) (فإن تفرقا قبله بطل الإيجاب)

لأنه لا يوجد معناه فإن الإعراض قد وجد من جهته بالتفرق فلا يكون قبولا وكذلك إذا تشاغلا بما قطعه لأنه معرض عن العقد بالاشتغال عن قبوله، وعنه لا يبطل فإن أبا طالب نقل عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا له زوج فلانا قال قد زوجته على ألف فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقال قد قبلت هل يكون هذا نكاحا؟ قال نعم.
قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل التزويج في المجلس، وقال أبو بكر مسألة أبي طالب تتوجه على قولين، واختار أنه لابد من القبول في المجلس وهو الصحيح إن شاء الله تعالى (فصل) فإن أوجب النكاح ثم زال عقله بجنون أو إغماء بطل حكم الإيجاب ولم ينعقد

بالقبول بعده لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقداً فبطل بزوال العقل كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون وهذا مذهب الشافعي وإن نام لم يبطل حكم الإيجاب لأنه لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هذا (فصل) ولا يثبت الخيار في النكاح وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط ولا نعلم احدا خالف في هذا لأن الحاجة غير داعية إليه فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد روية وفكرة ومسألة كل واحد من الزوجين عن صاحبه والمعرفة بحاله بخلاف البيع الواقع في الأسواق من غير فكر ولا روية ولأن النكاح ليس بمعارضة محضا ولهذا لا يعتبر فيه العلم بالمعقود عليه برؤية ولا صفة ويصح من غير تسمية العوض ومع فساده ولأن ثبوت الخيار فيه يفضي الى فسخه بعد ابتذال المرأة وفي فسخه بعد العقد ضرر بالمرأة ولذلك أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق (فصل) قال رضي الله عنه (وشروطه خمسة (أحدها) تعيين لزوجين) لأن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما كالمشتري والمبيع فإن كانت المرأة حاضرة فقال زوجتك هذه صح فإن الإشارة تكفي في التعيين فإن زاد على ذلك بنتي هذه أو هذه فلانة كان تأكيداً (مسألة) (فإن قال زوجتك بنتي وله بنات لم يصح حتى يشير إليها أو يسميها أو يصفها بما تتميز به، وإن لم يكن له إلا ابنة واحدة صح) إذا كانت المعقود عليها غائبة فقال زوجتك ابنتي وليس له سواها جاز فإن سماها كان تأكيداً فإن كان له أكثر من بنت واحدة فقال زوجتك ابنتي لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به من اسم أو صفة فيقول زوجتك ابنتي الكبرى أو الوسطى أو الصغرى فإن سماها مع ذلك كان تأكيداً، وإن قال زوجتك ابنتي عائشة أو فاطمة صح فإن كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فقال زوجتك فاطمة لم يصح ولأن هذا الاسم مشترك بينها وبين سائر الفواطم حتى يقول مع ذلك بنتي، وقال بعض الشافعية يصح إذا نوياها جميعا، ولا يصح هذا لأن النكاح يعتبر فيه الشهادة على وجه يمكن أداؤها أداء يثبت به العقد وهذا متعذر في النية، ولذلك لو قال زوجتك بنتي وله بنات لم يصح حتى يميزها بلفظه ولو قال زوجتك فاطمة ابنة فلان احتاج أن يرفع في نسبها حتى يبلغ ما تتميز به عن النساء (فصل) فإن كانت له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة فقال زوجتك ابنتي عائشة وقبل الزوج ذلك وهما ينويان الصغرى لم يصح ذكره أبو حفص، وقال القاضي يصح في التي نوياها وهذا غير صحيح لوجهين (أحدهما) أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو

قال زوجتك عائشة فقط أو ما لو قال زوجتك ابنتي ولم يسمها وإذا لم يصح فيما إذا لم يسمها ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى أن لا يصح (الثاني) أنه لا يصح النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك فإن اسم أختها لا يميزها بل يصرف العقد عنها، وإن كان الولي يريد الكبرى والزوج يقصد الصغرى لم يصح كما إذا خطب امرأة وتزوج غيرها لأن القبول انصرف الى غير من وجد الإيجاب فيه ويحتمل أن يصح إذا لم يتقدم ذلك ما يصرف القبول إلى الصغرى من خطبة ونحوها فإن العقد بلفظه متناول للكبرى ولم يوجد ما يصرفه عنها فصح كما لو نوياها، ولو نوى الولي الصغرى والزوج الكبرى أو نوى الولي الكبرى ولم يدر الزوج أيتهما هي فعلى الأول لا يصح التزويج لعدم النية منهما في التي تناولها لفظهما وعلى الاحتمال الذي ذكرناه يصح في المعينة باللفظ لما ذكرنا (فصل) فإن كان له ابنة واحدة فقال الرجل زوجتك ابنتي وسماها بغير اسمها فقال القاضي يصح وهو قول أصحاب الشافعي لأن قوله بنتي آكد من التسمية لأنها لا مشاركة فيها والاسم مشترك ولو قال زوجتك هذه وأشار إليها وسماها بغير اسمها صح على هذا التعليل

(مسألة) (وإن قال إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها لم يصح

لأنه تعليق للنكاح على

شرط والنكاح لا يتعلق على شرط ولأن هذا مجرد وعد لا ينعقد به عقد وكذلك لو قال زوجتك حمل هذه المرأة لم يصح لأنها لم يثبت لها حكم البنات قبل الظهور في غير الإرث والوصية ولأنه لا يتحقق أن في البطن بنتاً فأشبه ما لو قال زوجتك من في هذه الدار وهما لا يعلمان ما فيها (فصل) فإن خطب امرأة فزوج بغيرها مثل أن يخطب الرجل امرأة بعينها فيجاب إلى ذلك ثم يوجب له النكاح في غيرها وهو يعتقد أنها التي خطبها فيقبل ولا ينعقد النكاح لأن القبول انصرف الى غير من وجد الإيجاب فيه فلم يصح كما لو ساومه بثوب وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري فلو علم الحال بعد ذلك فرضي لم يصح قال أحمد رجل خطب جارية فزوجوه أختها ثم علم بعد يفرق بينهما وبكون الصداق على وليها لأنه غره ويجهز إليه أختها التي خطبها بالصداق الأول فإن كانت تلك قد ولدت منه لحق به الولد قال شيخنا وقوله يجهز إليه أختها يعني والله أعلم بعقد جديد بعد انقضاء عدة هذه إن كان أصابها لأن العقد الذي عقده لم يصح في واحدة منهما لأن الإيجاب صدر في إحداهما أيهما كان جاز، وقال أحمد في رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها لها المهر بما أصاب منها ولأختها المهر قيل يلزمه مهران

قال نعم ويرجع على وليها، هذه مثل التي بها برص أو جذام علي بقول ليس عليه غرم، وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو بالتحريم اما إذا علمت أنها ليست زوجة وأنها محرمة عليه وأمكنته من نفسها فلا ينبغي أن يجب لها صداق لأنها زانية مطاوعة فأما إن جهل الحال فلها المهر ويرجع به على من غره وروي عن علي رضي الله عنه في رجلين تزوجا امرأتين فزفت كل امرأة الى زوج الأخرى لهما الصداق ويعتزل كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها وبه قال النخعي والشافعي وأصحاب الرأي (فصل) قال رضي الله عنه (الثاني رضا الزوجين فإن لم يرضيا أو أحدهما لم يصح) رضا الزوجين أو من يقوم مقامهما شرط في صحة العقد لأن العقد لهما فاعتبر تراضيهما به كالبيع فإن لم يرضيا أو أحدهما لم يصح العقد لفوات شرطه

(مسألة) (إلا الأب له تزويج أولاده الصغار والمجانين وبناته الأبكار بغير إذنهم)

وأما الغلام العاقل فلا نعلم من أهل العلم في أن لأبيه تزويجه كذلك قال إبن المنذر وهذا قول الحسن والزهري وقتادة ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق والشافعي وأصحاب الرأي ولما روي أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعاً رواه الأثرم وأما الغلام المعتوه فلأبيه تزويجه وقال

الشافعي لا يجوز لأنه يلزمه بالتزويج حقوق من المهر والنفقة مع عدم حاجته فلم يجزله كغيره من الأولياء ولنا أنه غير بالغ فملك الأب تزويجه كالعاقل ولأنه إذا جاز تزويج العاقل مع أن له عند احتياجه إلى التزويج رأيا ونظراً لنفسه فلأن يجوز تزويج من لا يتوقع فيه ذلك أولى، ووصي الأب يقوم مقامه في ذلك كوكيله إذا قلنا بصحة الوصية في النكاح وفيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى (فصل) وليس لغير الأب أو وصيه تزويج الغلام قبل بلوغه وقال القاضي في المجرد للحاكم تزويجه لأنه يلي ماله وقال الشافعي يملك ولي الصبي تزويجه ليألف حفظ فرجه عند بلوغه وليس بسديد فإن غير الأب لا يملك تزويج الجارية الصغيرة فالغلام أولى، وفارق لاب ووصيه فإن لهما تزويج الصغيرة وولاية الإجبار وسواء أذن الغلام في تزويجه أو لم يأذن لأنه لا آذن له (فصل) وللأب تزويج البالغ المعتوه في ظاهر كلام أحمد والخرقي مع ظهور إمارات الشهوة وعدمها، وقال القاضي إنما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه وهو مذهب الشافعي لأن في تزويجه مع عدم حاجته اضراراً به بإلزامه حقوقاً لا مصلحة له في إلزامها وقال أبو بكر

ليس للأب بحال لأنه رجل فلم يجز إجباره على النكاح كالعاقل وقال زفر إن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ لم يجز وإن كان مستداما جاز ولنا أنه غير مكلف فجاز لأبيه تزويجه كالصغير فإنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته في الحال وتوقع نظره فعند الحاجة أولى ولنا على التسوية بين الطارئ والمستدام أنه معنى يثبت الولاية فاستوى طارئه ومستدامه كالرق ولأنه جنون يثبت الولاية على ماله فأثبتها عليه في نكاحه كالمستدام، فأما اعتبار الحاجة فلابد منها فإنه لا يجوز لوليه تزويجه إلا إذا رأى مصلحة فيه غير أن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة بل قد تكون حاجه إلى الإيواء والحفظ وربما كان دواء له يترجى به شفاؤه فجاز التزويج له كقضاء الشهوة (فصل) ومن يجن في الأحيان لا يجوز تزويجه إلا بإذنه لأن ذلك ممكن ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت الولاية عليه كالعاقل ولو زال عقله ببرسام أو مرض مرجو الزوال فهو كالعاقل فإن ذلك لا يثبت الولاية على ماله فعلى نفسه أولى وإن لم يرج زواله فهو داخل فيما ذكرناه (فصل) وليس لغير الأب ووصيه تزويج المعتوه البالغ وبه قال مالك وقال أبو عبد الله بن حامد للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة للنساء بأن يتبعهن وهذا مذهب الشافعي لأن ذلك من مصالحه وليس

له حال ينتظر فيها إذنه وسنذكر ذلك في تزويج المجنون وينبغي أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطب أن في ذلك ذهاب علته لأنه من أعظم مصالحه (فصل) وإذا زوج الصغير والمجنون فإنه يقبل لهما النكاح ولا يأذن لهما في قبوله لأنهما ليسا من أهل التصرفات فإن كان الغلام ابن عشر وهو مميز فقياس المذهب جواز تفويض القبول إليه حتى يتولاه بنفسه كما يفوض أمر المبيع إليه وإن تزوج له الولي جاز كما يجوز أن يبتاع له وهذا على الرواية التي تقول بصحة بيعه ووقوع طلاقه فإن قلنا لا يصح ذلك منه فهذا أولى (فصل) وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يتزوج لهما بأكثر من مهر المثل لأنه معاوضة في حق الغير فلم تجز الزيادة فيها على عوض المثل كبيع ماله وهذا مذهب الشافعي وإذا قلنا إن للأب تزويج أمته بدون صداق مثلها فهذا مثله فإنه قد يرى المصلحة في ذلك فجاز له بذل المال فيه كما يجوز في مداواته بل الجواز هاهنا أولى فإن الغالب أن المرأة لا ترضى بتزويج المجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها فيتعذر الوصول بدون ذلك بخلاف المرأة وذكر القاضي في المجردان قياس المذهب أنه لا يتزوج

بأكثر من امرأة واحدة لعدم حاجته إلى زيادة عليها فيكون بذلا لماله فيما لا حاجة به إليه وذكر في الجامع أنه له تزويج ابنه الصغير بأربع لأنه قد يرى المصلحة فيه وليس له تزويجه معيبة عيباً يرد به النكاح فإن فيه ضرراً به وتفويت ماله فيما لا مصلحة له فيه فإن فعل خرج في صحة النكاح وجهان فإن قلنا يصح فهل للولي الفسخ في الحال؟ على وجهين يذكر توجيههما في تزويج الصغيرة بمعيب فإن لم يفسخ حتى بلغ الصبي أو عقل المجنون فلهما الفسخ وليس له تزويجه بأمة لأن إباحتها مشروطة بخوف العنت وهو معدوم في حق الصبي غير معلوم في حق المجنون (فصل) فأما الإناث فللأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف إذا وضعها في كفاءة قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء يجوز له ذلك مع كراهتها وامتناعاه وقد دل على جواز تزويج الصغيرة قول الله تعالى (واللائي ييئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) فجعل للائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من طلاق في نكاح أو فسخ فدل ذلك على تزويج وتطلق ولا إذن لها يعتبر وقالت عائشة تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة ست وبنابي وأنا ابنة تسع متفق عليه ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها وروى الأثرم أن قدامة ابن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست فقيل له ابنة الزبير فقال إن مت ورثتني وإن

عشت كانت امرأتي وزوج علي ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (فصل) وفي البكر البالغة العاقلة روايتان (إحداهما) له إجبارها على النكاح وهو مذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق (والثانية) ليس له ذلك اختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي والثوري وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن " فقالوا يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال " أن تسكت " متفق عليه وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها كالثيب والرجل ووجه الأولى ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها " رواه أبو داود فلما قسم النساء قسمين وأثبت الحق لأحدهما دل على نفيه عن الآخر وهو البكر فيكون وليها أحق منها بها ودل الحديث على أن الاستئمار ههنا والاستئذان في حديثهم مستحب غير واجب كما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمروا النساء في بناتهن " رواه أبو داود وحديث التي خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل ويحتمل

أنها التي زوجها أبوها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسه فتخييرها لذلك ولأنه مما لا يشترط في نكاح الكبيرة كالنطق، وعن أحمد لا يجوز تزويج ابنة تسع سنين بغير إذنها اختلفت الرواية عن أحمد في الجارية إذا بلغت تسع سنين فالمشهور عنه أنها كمن لم يبلغ تسعاً نص عليه في رواية الأثرم وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء قالوا حكم بنت تسع حكم بنت ثمان لأنها غير بالغة ولأن إذنها لا يعتبر في سائر التصرفات فكذلك في النكاح (والرواية الثانية) حكمها حكم البالغة نص عليه في رواية ابن منصور لمفهوم الآية ولدلالة الخبرين بعمومهما على أن اليتيمة تنكح بإذنها، وإن أبت فلا جواز عليها، وقد انتفى الإذن فيما دونها فيجب حمله على من بلغت تسعاً فعلى هذه الرواية يجوز لغير الأب تزويجها بإذنها وحكمها حكم البالغة في جواز إجبارها للأب فيه الروايتان، وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ورواه القاضي بإسناده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه والله أعلم في حكم المرأة ولأنها بلغت سناً يمكن فيه حيضها وتحدث لها حاجة إلى النكاح فيباح تزويجها كالبالغة إذا زوجت وقد خطب عمر أم كلثوم

بنت أبي بكر بعد موته إلى عائشة فأجابته وهي لدون عشر ولأنها إنما ولدت بعد موت أبيها وإنما كانت ولاية عمر عشر فكرهته الجارية فزوجها طلحة بن عبيد الله ولم ينكره منكر فدل ذلك على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها (مسألة) (وهل له تزويج الثيب الصغيرة؟ على وجهين) أما الثيب الكبيرة فلا يجوز للأب ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه قال له تزويجها وإن كرهت، والنخعي قال يزوج بنته إذا كانت في عياله فإن كانت بائنة في بيتها مع عيالها استأمرها قال اسماعيل بن إسحاق لا أعلم أحداً قال في الثيب بقول الحسن وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة الثابتة فإن الخنساء ابنة حذام الأنصارية روت أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه رواه البخاري وغيره.
قال ابن عبد البر هذا الحديث

مجمع على صحته والقول به ولا نعلم مخالفا له إلا الحسن وكانت الخنساء من أهل قباء تحت أنيس بن قتادة فقتل عنها يوم أحد فزوجها أبوها رجلا من بني عمرو بن عوف فكرهته فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها ونكحت أبا لبابة بن عبد المنذر، ووروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تنكح الأيم حتى تستأمر " متفق عليه وقال الأيم أحق بنفسها من وليها " وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس للولي مع الثيب أمر " رواهما النسائي وابو داود ولأنها رشيدة عالمة بالمقصود من النكاح مختبرة فلم يجز إجبارها عليه كالرجل (فصل) فأما الثيب الصغيرة ففيها وجهان (أحدهما) لا يجوز تزويجها وهو ظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وابن بطة والقاضي ومذهب الشافعي لعموم الأخبار ولأن الإجبار يختلف بالبكارة والثيوبة لا بالصغر والكبر كما اختلف في صفة الاذن ولأن في تأخيرها فائدة وهي أن تبلغ فتختار لنفسها ويعتبر إذنها بخلاف البكر (الوجه الثاني) أن لأبيها تزويجها ولا يستأمرها اختاره أبو بكر عبد العزيز وهو قول مالك وأبي حنيفة لأنها صغيرة فجاز إجبارها كالبكر والغلام يحقق ذلك أنها لا تزيد بالثيوبة على ما حصل للغلام بالذكورية.
ثم الغلام يجبر إذا كان صغيراً فكذلك هذه،

والأخبار محمولة على الكبيرة فإنه جعلها أحق من وليها، والصغيرة لا حق لها ويتخرج وجه ثالث وهو ان ابنة تسع يزوجها وليها بإذنها، ومن دون ذلك على ما ذكرنا من الخلاف لما ذكرناه في البكر والله أعلم (مسألة) (وللسيد تزويج إمائه الثيبات والابكار وعبيده الصغار بغير إذنهم) لا نعلم خلافاً في السيد إذا زوج أمته بغير إذنها أنه يصح ثيباً كانت أو بكراً صغيرة او كبيرة وذلك لأن منافعها مملوكة له والنكاح عقد على منفعة فأشبه عقد الإجارة ولذلك ملك الاستماع بها ولهذا فارقت العبد ولأنه ينتفع بذلك لما يحصل له من مهرها وولدها وتسقط عنه نفقتها وكسوتها بخلاف العبد والمدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد كالأمة في إجبارها على النكاح وقال مالك في آخر أمره ليس له تزويج أم ولده بغير إذنها وكرهه ربيعة وللشافعي قولان وقد ذكرنا ذلك فيما مضى ولنا أنها مملوكته يملك الاستماع بها واجازتها فملك تزويجها كالقن إذا ملك أخته من الرضاع أو مجوسية فله تزويجها وإن كانتا محرمتين عليه لأن منافعهما ملكه وإنما حرمتا عليه لعارض فأما التي بعضها حر فلا يملك إجبارها لأنه لا يملك إجبار المكاتبة لأنها بمنزلة الخارجة عن ملكه ولذلك لا يملك إجبارها ولا تلزمه نفقتها ولا يصل إليه مهرها (فصل) إذا اشترى عبده المأذون له وركبته ديون ملك سيده تزويجها وبيعها وإعتاقها نص عليه

أحمد وذكره أبو بكر وقال وللسيد وطؤها وقال الشافعي ليس له شئ من ذلك لما فيه من الإضرار بالغرماء وأصل الخلاف ينبني على دين المأذون له في التجارة فعندنا يلزم العبيد فلا يلحق الغرماء ضرر ويتصرف السيد في الأمة فإن الدين ما تعلق بها وعنده أن الدين تعلق بالعبد وبما في يده فيلحقهم الضرر والكلام على هذا مذكور في موضعه (فصل) وليس للسيد إكراه أمته على التزويج بمعيب عيباً يرد به في النكاح لأنه يؤثر في الاستمتاع وذلك حق لها ولذلك ملكت الفسخ بالجب والعنة والامتناع من الفيئة دون السيد وفارق بيعها لمعيب لأنه لا يراد للاستمتاع ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة عليه ولم تملك الفسخ لعيبه ولعنته ولا إيلائه فإن زوجها من معيب فهل يصح؟ على وجهين فإن قلنا يصح فلها الفسخ فإن كانت صغيرة فهل لها الفسخ في الحال أو ينتظر بلوغها؟ على وجهين ومذهب الشافعي هكذا في هذا الفصل كله (فصل) وللسيد تزويج عبده الصغير بغير إذنه في قول أكثر أهل العلم إلا أن بعض الشافعية قال فيه قولان وقال أبو الخطاب يحتمل أن لا يملك تزويجه ولنا أنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه إياه وتمام ولايته عليه أولى وكذلك الحكم في عبده الصغير المجنون

(مسألة) (ولا يملك إجبار عبده الكبير إذا كان عاقلا) وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة له ذلك لقول الله تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) ولأنه يملك رقبته فملك إجباره على النكاح كالأمة ولأنه يملك إجارته فأشبه الأمة ولنا أنه مكلف يملك الطلاق فلا يجبر على النكاح كالحر ولأن النكاح خالص حقه ونفعه له فأشبه الحر والأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه بدليل عطفه على الأيامى وإنما يزوجن عند الطلب ولأن مقتضى الأمر الوجوب وإنما يجب تزويجه عند طلبه وأما الأمة فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها بخلاف العبد، ويفارق النكاح الإجارة لأنها عقد على منافع بدنه وهو يملك استيفاءها ويحتمل مثل ذلك في الصغير أيضاً قياساً على الكبير ويقوى الاحتمال في حق المميز إذا قلنا بصحة طلاقه لأنه عاقل مميز يملك الطلاق أشبه البالغ (فصل) والمهر والنفقة على السيد سواء ضمنهما اولا وسواء باشر العقد بنفسه أو أذن لعبده فعقده مأذوناً له في التجارة أو محجوراً عليه نص عليه أحمد وعنه ما يدل على أن ذلك يتعلق بكسبه فإنه قال

نفقته من ضريبته وقيل إن كان بقيمة ضريبته أنفق عليها ولا يعطي المولى وإن لم يكن عنده ما ينفق سفرق بينهما وهذا قول الشافعي، وفائدة الخلاف أن من ألزم السيد المهر والنفقة أوجبهما عليه وإن لم يكن للعبد كسب وليس للمرأة الفسخ لعدم كسب العبد وللسيد استخدامه ومنعه الاكتساب ومن علقه بكسبه فلم يكن له كسب فللمرأة الفسخ وليس للسيد منعه من التكسب ولنا أنه حق تعلق بالعقد برضا سيده فتعلق بسيده وجاز بيعه فيه كما لو رهنه بدين، فعلى هذا لو باعه سيده أو أعتقه لم يسقط المهر عن السيد نص عليه، لأنه حق تعلق بذمته فلم يسقط ببيعه وعتقه كأرش جنايته فأما النفقة فإنها تتجدد فتكون في الزمن المستقبل على المشتري أو على العبد إذا عتق (فصل) ويجوز أن يتزوج السيد لعبده بإذنه وأن يأذن للعبد فيتزوج لنفسه لأنه مكلف يصح طلاقه فكان من أهل مباشرة العقد كالحر ويجوز أن يأذن له مطلقاً ومعيناً فإن عين له امرأة أو نساء بلد أو قبيلة أو حرة أو أمة فيتزوج غيرها لم يصح لأنه متصرف بالإذن فينفذ تصرفه فيما أذن له فيه كالوكيل، وإن أذن له مطلقاً فله أن يتزوج من شاء لكن إن تزوج امرأة من بلدة أخرى فلسيده منعه من الخروج إليها، وإن كانت في البلد فعلى سيده إرساله ليلا للاستمتاع وإن أحب سيده أن يسكنها في مسكن من داره فله ذلك إذا كان مسكن مثلها ولا يلزمه إرساله نهاراً لأنه يحتاج إلى استخدامه وليس

النهار محلا للاستمتاع غالباً ولسيده السفر به فإن حق امرأة العبد عليه لا يزيد على حق امرأة الحر والحر يملك السفر وإن كرهت امرأته كذا ههنا (فصل) وللسيد أن يعين له المهر وله أن يطلق فإن تزوج بما عينه أو دونه أو بمهر المثل عند الإطلاق أو دونه لزم المسمى وإن تزوج أكثر من ذلك لم تلزم الزيادة وهل يتعلق برقبة العبد أو ذمته يتبع بها بعد العتق؟ على روايتين على استدانة العبد المحجور عليه وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحجر (فصل) وإذا تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لسيده لم يؤثر ذلك في نكاحه وإن اشتراها لنفسه وقلنا أنه لا يملك بالتمليك انفسخ النكاح كما لو اشترى الحر امرأة وله وطؤها يملك اليمين بإذن سيده فإن كان بعضه حراً فاشتراها في ذمته أو بما يختص بملكه انفسخ نكاحه لأنه ملكها وحلت له بملك يمينه وإن ملك بعضها انفسخ نكاحه ولم تحل له لأنه لا يملك جميعها وإن اشتراها بعين مال مشتركة بينه وبين سيده بغير إذنه وقلنا إنه لا تفرق الصفقة لم يصح البيع والنكاح بحاله وإن قلنا بتفريقها صح في قدر ماله وانفسخ النكاح لملكه بعضها

(فصل) وليس لسائر الأولياء تزويج كبيرة إلا بإذنها إلا المجنونة لهم تزويجها إذا ظهر لهم منها الميل إلى الرجال وليس لسائر الأولياء غير الأب تزويج كبيرة بغير إذنها جداً كان أو غيره وبه قال مالك وأبو عبيد والثوري وابن أبي ليلى وهو قول الشافعي إلا في الجد فإنه جعله كالأب فإن ولايته ولاية إيلاد فملك الإجبار كالأب ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن " فقالوا يارسول الله فكيف إذنها؟ قال " أن تسكت " متفق عليه ولأن الجد قاصر عن الأب فلم يملك الإجبار كالعم ولأنه يدلي بغيره فأشبه سائر العصبات، وفارق الأب فإنه يدلي بغير واسطة ويسقط الجد ويحجب الأم عن ثلث المال إلى ثلث الباقي في زوج وأبوين أو امرأة وأبوين فأما المجنونة فلهم تزويجها إذا ظهر لهم منها الميل إلى الرجال ذكره أبو الخطاب وقال القاضي لا يزوجها إلا الحاكم لأنه الناظر لها في مالها دونهم فيجب أن يختص بالولاية ووجه الأول أن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم لو كانت عاقلة فكذلك إذا كانت مجنونة وقال الشافعي لا يجوز تزويجها إلا أن يقول أهل الطلب إن علتها تزول بذلك

ولنا أنها محتاجة إليه لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل النفقة والمهر فجاز تزويجها تحصيلا لهذه المصالح كغيرها (فصل) في تزويج المجنونة إن كانت ممن يجبر أو كانت عاقلة جاز تزويجها لمن يملك إجبارها لأنه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها فمع عدمه أولى، وإن كانت ممن لا يجبر فهي ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون وليها الأب أو وصيه كالبنت الكبيرة فهذه يجوز لوليها تزويجها ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي ولأنه جعل للأب تزويج المعتوه فالمرأة أولى وهذا قول الشافعي وابي حنيفة ومنع منه أبو بكر لأنها ولاية إجبار وليس على البنت ولاية إجبار والأول أصح فإن ولاية الإجبار إنما انتفت عن العاقلة بحصول المباشرة منها والخيرة وهذه بخلاف ذلك، وكذلك الحكم في البنت الصغيرة إذا قلنا بعدم الإجبار في حقها إذا كانت عاقلة (القسم الثاني) أن يكون وليها الحاكم وفيها وجهان أحدهما ليس له بحال لأن هذه ولاية إجبار فلا يثبت لغير الأب بحال عضلها والثاني له تزويجها إذا ظهر منها شهوة الرجال كبيرة كانت أو صغيرة وهو اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وقول أبي حنيفة لأن لها حاجة إليه لدفع

ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة والعفاف وصيانة العرض ولا سبيل إلى إذنها فأبيح تزويجها كالثيب مع أبيها وكذلك يبنغي أن يملك تزويجها إن قال أهل الطب علتها تزول بتزويجها لأن ذلك من أعظم مصالحها وقال الشافعي لا يملك تزويج صغيرة بحال ويملك تزويج الكبيرة إذا قال أهل الطب أن علتها تزول بتزويجها ولنا أن المعنى المبيح للتزويج وجد في حق الصغيرة فأبيح تزويجها كالكبيرة إذا أظهرت شهوة الرجال ففي تزويجها مصلحتها ودفع حاجتها، وتعرف شهوتها من كلامها من قرائن أحوالها كتتبعها الرجال وميلها إليهم وأشباه ذلك (القسم الثالث) من وليها غير الأب والحاكم فقال القاضي لا يزوجها إلا الحاكم فيكون حكمها حكم القسم الثاني على ما بينا وقال أبو الخطاب لهم تزويجها في الحال التي يملك الحاكم تزويج موليته فيها وهذا قول أبي حنيفة لأن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم فقدموا عليه في التزويج كما لو كانت عاقلة، ووجه قول القاضي أن الحاكم هو الناظر في مالها دونهم فكان ولياً دونهم كتزويج أمتها ولأن هذا دفع حاجة ظاهرة فكانت إلى الحاكم كدفع حاجة الجوع والعري فإن كان وصياً في مالها لم يملك تزويجها لأنه لا ولاية له والحكم في تزويجها حكم من وليها غير الأب والحاكم كما ذكرناه

(مسألة) (وليس لهم تزويج صغيرة بحال)

لما روي أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها " لا إذن لهؤلاء وعن أحمد أن لهم ذلك ولها الخيار إذا بلغت وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس وقتادة وابن شبرمة والاوزاعي وأبي حنيفة وقال هؤلاء عن أبي حنيفة إذا زوج الصغيرين غير الأب فلهما الخيار إذا بلغا لقول الله تعالى (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) مفهومه أنه إذا لم يخف فله تزويج اليتيمة، واليتيمة التي لم تبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لايتم بعد احتلام " قال عروة سألت عائشة عن قول الله تعالى (وإن خفتم الا تقسطوا في اليتامى) قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يعجبه مالها وجمالها يريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره نهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا فيهن ويبلغوا أعلى سنتهن في الصداق.
متفق عليه وروت عائشة أن جارية بكرا زوجها أبوها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث مرسل (والثالثة) لهم تزويجها إذا بلغت تسع سنين

لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها " رواه أبو داود وقد انتفى الإذن فيمن لم تبلغ تسع سنين فيجب حمله على من بلغت تسعاً.
(فصل) ويستحب للأب استئذان ابنته البكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ونهى عن الإنكاح بدونه، وأقل أحوال ذلك الاستحباب ولأن فيه تطييب قلبها وخروجاً من الخلاف وقالت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها تستأمر أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم تستأمر " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استأمروا النساء في أبضاعهن فإن البكر تستحيي فتسكت فهو إذنها " متفق عليهما وروي عن عطاء قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأمر بناته إذا انكحهن قال كان يجلس عند خدر المخطوبة فيقول " إن فلاناً يذكر فلانة " فإن حركت الخدر لم يزوجها وإن سكتت زوجها.
ويستحب استئدان المرأة في تزويج ابنتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمروا النساء في بناتهن " ولأنها تشاركه في النظر لبنتها وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها وفي استئذانها تطييب قلبها وإرضاؤها فيكون أولى

(مسألة) (وإذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات)

أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن إذنها الكلام للخبر وإن اللسان هو المعبر عما في القلب وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن غير أشياء يسيرة أقيم الصمت فيها مقامه لعارض، وأما البكر فاذنها صماتها في قول عامة أهل العلم منهم شريح والشعبي والنخعي والثوري والاوزاعي وابن شبرمة وابو حنيفة، ولا فرق بين كون الولي أبا أو غيره وقال أصحاب الشافعي في صمتها في حق غير الأب وجهان (أحدهما) لا يكون إذناً لأن الصمات عدم الاذن فلا يكون إذناً ولأنه محتمل للرضا وغيره فلا يكون إذناً كما في حق الثيب وإنما اكتفي به في حق الأب لأن رضاها غير معتبر، وهذا شذوذ عن أهل العلم وترك للسنة الصحيحة الصريحة يصان الشافعي عن إضافته إليه وجعله مذهباً له مع كونه من اتبع الناس لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرج منصف على هذا القول وقد تقدمت روايتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن " فقالوا يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال " أن تسكت " وفي رواية عن عائشة أنها قالت يارسول الله إن

البكر تستحي قال " رضاؤها صمتها " متفق عليه، وفي رواية " تستأمر اليتيمة في نفهسا فإن سكتت فهو إذنها " وهذا صريح في غير ذات الأب والأخبار في هذا كثيرة ولأن الحياء عقلة على لسانها يمنعها النطق بالاذن ولا تستحي من آبائها وامتناعها فإذا سكتت غلب على الظن أنه كرضاها فاكتفي به وما ذكروه يفضي إلى أن لا يكون صمتها إذناً في حق الأب أيضاً لأنهم جعلوا وجوده كعدمه فيكون إذا رداً على النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية وإطراحاً للأخبار الصريحة الجلية وخرقاً لإجماع الأمة (فصل) فإن اذنت بالنطق فهو وابلغ وأتم، وإن ضحكت أو بكت فهو بمنزلة سكوتها، وقال أبو يوسف ومحمد إن بكت فليس بإذن لأنه يدل على الكراهة وليس بصمت فيدخل في عموم الحديث.
ولنا ما روى أبو بكر باسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تستأمر

اليتيمة فإن بكت أو سكتت فهو رضاها وإن أبت فلا جواز عليها " ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان فكان إذنا منها كالصمات والضحك والبكاء يدل على فرط الحياء لا على الكراهة ولو كرهت لامتنعت فإنها لا تستحي من الامتناع والحديث يدل بصريحه على أن الصمت إذن وبمعناه على ما في معناه من الضحك والبكاء ولذلك أقمنا الضحك مقامه (مسألة) (ولا فرق بين الثيوبة بوطئ مباح أو محرم) وجملته أن الثيب المعتبر نطقها هي الموطوءة في القبل سواء كان الوطئ مباحاً أو محرماً وهذا مذهب الشافعي وقال مالك وابو حنيفة في المصابة بالفجور حكمها حكم البكر في إذنها وتزويجها لأن علة الاكتفاء بصمات البكر الحياء من الشئ ولا يزول إلا مباشرته وهذه لم تباشر الاذن في النكاح فبقي حياؤها منه بحاله.
ولنا قوله عليه السلام " البكر تعرب عن نفسها " ولأن قوله عليه السلام " لا تنكح الأيم حتى تستأمر

ولا تنكح البكر حتى تستأذن وإذنها أن تسكت " يدل على أنه لابد من نطق الثيب لانه قسم النساء قسمين فجعل السكوت إذناً لأحدهما فوجب أن يكون الآخر بخلافه وهذه ثيب فإن الثيب الموطوءة في القبل وهذه كذلك ولأنه لو وصى لثيب النساء دخلت في الوصية ولو وصى للأبكار لم تدخل ولو شرطها في التزويج أو الشراء فوجدها مصابة بالزنا ملك الفسخ، ولأنها موطوءة في القبل اشبهت الموطوءة بشبهة والتعليل بالحياء لا يصح فإنه أمر خفي لا يمكن اعتباره بنفسه وإنما يعتبر بمظنته وهي البكارة ثم هذا التعليل يفضي إلى ابطال منطوق الحديث فيكون باطلا في نفسه، ولا فرق بين المكرهة والمطاوعة، وعلى هذا ليس لأبيها إجبارها إذا كانت بالغة، وفي تزويجها إن كانت صغيرة وجهان قولهم إنها لم تباشر الإذن قلنا يبطل بالموطوءة بشبهة وبملك يمين والمزوجة وهي صغيرة.
(مسألة) (فأما زوال البكارة بأصبع أو وثبة فلا يغير صفة الاذن)

إذا ذهبت بكارتها بغير الوطئ كالوثبة أو شدة حيضة أو أصبع أو عود فحكمها حكم الإبكار ذكره ابن حامد لأنها لم يجر المقصود ولا وجد وطؤها في القبل فاشبهت من لم تزل عذرتها وكذلك لو وطئت في الدبر لأنها غير موطوءة في القبل.
(فصل) إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها قبل الدخول فالقول قولها في قول أكثر الفقهاء وقال زفر في الثيب كقول الجماعة وفي البكر القول قول الزوج لأن الأصل السكوت والكلام حادث والزوج يدعي الأصل والقول قوله.
ولنا أنها منكرة للاذن والقول قول المنكر ولأنه يدعي أنها استؤذنت وسمعت فصمتت والأصل عدم ذلك وهذا جواب عن قوله، وإن اختلفا بعد الدخول فقال القاضي قول الزوج لأن التمكين من الوطئ دليل على الإذن وصحة البكارة فكان الظاهر معه، وهل تستحلف المرأة إذا قلنا القول قولها؟ قال القاضي: قياس المذهب أنه لا يمين عليها كما لو ادعى زوجيتها فأنكرته وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف ومحمد تستحلف فإن نكلت فقال أبو يوسف ومحمد ثبت النكاح وقال الشافعي يستحلف الزوج ويثبت النكاح.

ولنا أنه اختلاف في زوجيته فلا يثبت بالنكول كما لو ادعى الزوج أصل التز ويج فأنكرته، فإن كانت المرأة ادعت أنها أذنت وأنكرته ورثة الزوج فالقول قولها لأنه اختلاف في أمر مختص بها صادر من جهتها فكان القول قولها فيه كما لو اختلفوا في نيتها فيما تعتبر فيه نيتها ولأنها تدعي صحة العقد وهم يدعون فساده فالظاهر معها (فصل) في المحجور عليه للسفه والكلام في نكاحه في ثلاثة أحوال: (أحدها) أن لوليه تزويجه إذا علم حاجته إلى النكاح لأنه نصب لمصالحه وهذا من مصالحه لأنه يصون به دينه وعرضه ونفسه.
فإنه ربما تعرض بترك التزويج للاثم بالزنا الموجب الحد وهتك العرض، وسواء علم بحاجته بقوله أو بغير قوله وسواء كانت حاجته إلى الاستمتاع أو إلى الخدمة فيزوجه امرأة لتحل له لأنه يحتاج إلى الخلوة بها وإن لم يكن به حاجة إليه لم يجز تزويجه لأنه يلزمه بالنكاح حقوق من المهر والنفقة والعشرة والمبيت والسكنى فيكون تضييعاً لماله ونفسه في غير فائدة فلم يجز كتبذير ماله وإذا أراد تزويجه استأذنه في تزويجه فإن زوجه بغير إذنه فقال أصحابنا يصح لأنه عقد معاوضة فملكه الولي في حق المولي عليه كالبيع ولأنه محجور عليه أشبه

الصغير والمجنون، ويحتمل أن لا يملك تزويجه بغير اذنه لأنه يملك الطلاق فلم يجبر على النكاح كالرشيد والعبد الكبير وذلك لأن إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرد اضرار فإنه يطلق فيلزمه الصداق مع فوات النكاح ولأنه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون له في أخرى فإذا أجبر على من يكرهها لم يحصل له المصلحة منها وفات عليه غرضه من الأخرى فيحصل مجرد ضرر مستغنى عنه وإنما جاز ذلك في حق المجنون والطفل لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما ولا يتعذر ذلك ههنا فوجب أن لا يفوت ذلك عليه كالرشيد (الحال الثاني) أن للولي أن يأذن له في التزويج في الحال التي للولي تزويجه فيها وهي حالة الحاجة لأنه من أهل النكاح فإنه عاقل مكلف وكذلك يملك الطلاق والخلع فجاز أن يفوض إليه ذلك وهو مخير بين أن يعين له امرأة أو يأذن له مطلقاً أو قال بعض الشافعية يحتاج إلى التعيين له لئلا يتزوج شريفة يكثر مهرها ونفقتها فيتضرر بذلك ولنا أنه أذن في النكاح فجاز من غير تعيين كالإذن للعبد وبهذا يبطل ما ذكروه، ولا يتزوج إلا بمهر المثل فإن زاد على مهر المثل بطلت الزيادة لأنها محاباة بماله وهو لا يملكها وإن نقص عن مهر المثل جاز لأنه تزوج من غير خسران (الحال الثالث) إذا تزوج بغير إذن فقال أبو بكر يصح النكاح

أومأ إليه أحمد قال القاضي يعني إذا كان محتاجاً فإن عدمت الحاجة لم يجز لأنه إتلاف لماله في غير فائدة وقال أصحاب الشافعي إن أمكنه استئذان وليه لم يصح إلا بإذنه لأنه محجور عليه فلم يصح منه التصرف بغير إذنه كالعبد وإن طلب منه النكاح فأبى أن يزوجه ففيه وجهان ولنا أنه إذا احتاج إلى النكاح فحقه متعين فيه فصح استيفاؤه بنفسه كما لو استوفى دينه الحال عند امتناع وليه من استيفائه، فأما ان تزوج من غير حاجة لم يصح وإن وطئ فعليه مهر المثل للزوجة لأنه أتلف بضعها بشبهة فلزم عوض ما أتلف كإتلاف مالها (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (الثالث الولي فلا نكاح إلا بولي) فإن زوجت المرأة نفسها أو غيرها لم يصح ولا تملك توكيل غير وليها فإن فعلت لم يصح روي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله العنبري واسحاق وأبو عبيد، وروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وأبي يوسف لا يجوز لها ذلك بغير إذن الولي فإن فعلت كان موقوفاً على إجازته وقال أبو حنيفة لها أن تزوج نفسها وغيرها وتوكل في الإنكاح لأن الله تعالى قال (ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) أضاف

النكاح إليهن ونهى عن منعهن ولأنه خالص حقها وهي من أهل المباشرة فصح منها كبيع أمتها ولأنها إذا ملكت بيع أمتها وهو تصرف في رتبتها وسائر منافعها ففي النكاح الذي هو عقد على بعض نفعها أولى.
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا نكاح إلا بولي " روته عائشة وأبو موسى وابن عباس قال المروذي سألت أحمد ويحيى عن حديث " لا نكاح إلا بولي " فقالا صحيح وروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن أصابها فله المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لاولي له " رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما فإن قيل فإن الزهري رواه وقد أنكره قال ابن جريح سألت الزهري عنه فلم يعرفه قلنا لم ينقل هذا عن ابن جريج غير ابن علية كذلك قال الامام أحمد ويحيى ولو لم يثبت هذا لم يكن فيه حجة لأنه قد نقله ثقاة عنه فلو نسيه الزهري لم يضره لأن النسيان لم يعصم منه إنسان قال النبي صلى الله عليه وسلم " نسي آدم فنسيت ذريته " ولأنها مولى عليها في النكاح فلا تليه كالصغيرة فأما

الآية فإن عضلها الامتناع من زواجها وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي وهذا يدل على أنها نزلت في شأن معقل بن يسار حين امتنع من التزويج فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها وأضافه إليها لأنها تحل له إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز لها تزويج

(مسألة) (وعن أحمد أن لها تزويج أمتها ومعتقتها)

وهذا يدل على أنه يصح اعتبارها في النكاح فيخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن وليها وغيرها بالوكالة وهو مذهب محمد بن الحسن وينبغي أن يكون قولا لابن سيرين ومن معه لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل " يدل بمفهومه على صحته بإذنه ولأنها إنما منعت الاستقلال بالنكاح لقصور عقلها فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة وهذا مأمون فيما إذا أذن فيه وليها والمذهب الأول لعموم قوله " لا نكاح إلا بولي " وهذا يقدم على دليل الخطاب والتخصيص ههنا خرج مخرج الغالب فإن الغالب أنها لا تزوج نفسها إلا بغير إذن وليها والعلة في منعها صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة

(فصل) فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم أو كان المتولي لعقده حاكماً لم يجز نقضه وكذلك سائر الانكحة الفاسدة وخرج القاضي وجها في هذا خاصة أنه ينقض وهو قول الاصطخري من أصحاب الشافعي لأنه خالف نصاً والأول أولى لأنها مسألة مختلف فيها ويسوغ فيها الإجتهاد فلم يجز نقض الحكم به كما لو حكم بالشفعة للجار وهذا النص متأول وفي صحته كلام وقد عارضته ظواهر

(مسألة) (وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها)

إنما قيد المرأة بالحرة لأن الأمة لا ولاية لأبيها عليها بغير خلاف علمناه وأولى الناس بتزويجها أبوها لأنه لا ولاية لأحد معه وبهذا قال الشافعي وهو المشهور عن أبي حنيفة وقال مالك والعنبري وأبو يوسف وإسحاق وابن المنذر الابن أولى وهي رواية عن أبي حنيفة لأنه أولى منه بالميراث وأقوى تعصيباً لأنه يسقط تعصيب جده ولنا أن الولد موهوب لأبيه قال الله تعالى (ووهبنا له يحيى) وقال زكريا (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) وقال إبراهيم (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس ولأن الأب

أكمل نظراً وأشد شفقة فوجب تقديمه في الولاية كتقديمه على الجد ولأن الأب يقوم على ولده في صغره وسفهه وجنونه فيليه في سائر ما تثبت الولاية عليه فيه بخلاف الابن ولذلك اختص بولاية المال وجاز له أن يشتري لها من ماله وله من مالها إذا كانت صغيرة بخلاف غيره ولأن الولاية احتكام وأحكام الأصل على فرعه أولى من العكس وفارق الميراث فإنه لا يعتبر له النظر ولهذا يرث الصبي والمجنون وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث بخلاف ما نحن فيه

(مسألة) (ثم أبوه وإن علا)

يعني أن الجد أبا الأب وإن علت درجته أحق بالولاية من الابن وسائر الأولياء وهو قول الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن الابن مقدم على الجد وهو قول مالك ومن وافقه لما تقدم وعن أحمد رواية ثالثة أن الأخ يقدم على الجد لأن الجد يدلي بأبوة الأب والأخ يدلي بالبنوة والبنوة مقدمة وعنه رواية رابعة أن الأخ والجد سواء لاستوائهما في الميراث بالتعصيب واستواؤهما في القرابة يوجب استواءهما في الولاية كالأخوين ولأنهما عصبتان لا يسقط أحدهما الآخر فاستويا

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل