بها في كل الأوقات فلذلك رخص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه وذكر القاضي بينها وبين الدين فرقاً آخر وهو أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها عند بعض أهل العلم ما لم يكن الحاكم فرضها لها فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى سقوطها والإضرار بها بخلاف الدين فإنه لا يسقط عند أحد بترك المطالبة فلا يؤدي ترك الأخذ إلى الإسقاط (مسألة) (فإن لم تقدر أجبره الحاكم وحبسه فإن صبر على الحبس ولم ينفق أخذ الحاكم النفقة من ماله فدفعها إلى المرأة فان لم يجد إلا عروضا أو عقار اباعه في ذلك) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة النفقة في ماله من الدنانير والدراهم ولا يبيع عرضاً لأن بيع مال الإنسان لا ينفذ إلا بإذنه أو إذن وليه ولا ولاية على الرشيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند " خذي ما يكفيك " ولم يفرق ولأن ذلك مال له فتؤخذ منه النفقة كالدراهم والدنانير وللحاكم ولاية عليه إذا امتنع بدليل ولايته على دراهمه ودنانيره وإن تعذرت النفقة في حال غيبته وله وكيل فحكم وكيله حكمه في المطالبة والأخذ من المال عند امتناعه وإن لم يكن له وكيل ولم تقدر المرأة على الأخذ أخذ لها الحاكم من ماله ويجوز بيع عقاره وعروضه في ذلك إذا لم يجد ما ينفق سواه وينفق على المرأة يوماً بيوم وبه قال الشافعي ويحيى بن آدم وقال أصحاب الرأي يفرض لها في كل شهر
ولنا أن هذا تعجيل للنفقة قبل وجوبها فلم يجز كما لو عجل لها أكثر من شهر (مسألة) (فإن غيب ماله وصبر على الحبس فلها الفسخ إذا لم يقدر الحاكم له على مال يأخذه أو لم يقدر على النفقة من مال الغائب في ظاهر قول الخرقي واختيار أبي الخطاب) واختار القاضي أنها لا تملك الفسخ وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن الفسخ في المعسر لعيب الإعسار ولم يوجد ههنا ولأن الموسر في مظنة الأخذ من ماله وإذا امتنع فربما لا يمتنع في غده بخلاف المعسر ولنا أن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقو أو هذا اجبار على الطلاق عند الامتناع من الإنفاق ولأن الإنفاق عليها من ماله متعذر فكان لها الخيار كحال الإعسار بل هذا أولى بالفسخ فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ضرراً أمكن إزالته بالفسخ فوجبت إزالته دفعاً للضرر ولأنه نوع تعذر يجوز الفسخ فلم يفترق الحال بين المعسر والموسر كأداء ثمن المبيع فإنه لا فرق في جواز لفسخ بين أن يكون المشتري معسراً وبين أن يهرب قبل أداء الثمن ولأن عيب الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإنفاق بدليل أنه لو اقترض ما ينفق عليها أو تبرع له إنسان بدفع ما ينفقه لم تملك الفسخ، وقولهم أنه يحتمل أن ينفق فيما بعد هذا قلنا وكذلك المعسر يحتمل أن يعينه الله تعالى وإن يقترض أو يعطى ما ينفقه فاستويا (مسألة) (وإن غاب زوجها ولم يترك لها نفقة فإن قدرت له على مال أخذت بقدر حاجتها
لحديث هند، وإن لم تقدر ولا قدرت على الاستدالة عليه فلها الفسخ إلا عند القاضي فيما إذا لم يثبت إعساره وهذا ظاهر مذهب الشافعي، لأن الفسخ ثبت لعيب الإعسار ولم يثبت الاعسار ههنا وقد دللنا على جواز الفسخ في المسألة التي قبلها، وهذه مثلها بل هي أولى لان الحاضر ربما إذا أطال عليه الحبس اتفق وهذا قد تكون غيبته بحيث لا يعلم خبره فيكون الضرر فيه أكثر (فصل) ومن وجب عليه نفقة زوجته وكان له عليها دين فأراد أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها فله ذلك إن كانت موسرة لأن من له عليه حق فله أن يقتضيه من أي أمواله وشاء وهذا من ماله وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته وهذا لا يفضل عنها ولأن الله تعالى أمر بإنظار المعسر بقوله سبحانه (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فيجب أنظارها بما عليها (فصل) إذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب ثم بان أنه قد مات قبل انفاقها حسب عليها ما أنفقته من ميراثها سواء أنفقته بنفسها أو بأمر الحاكم، وبه قال أبو العالية وابن سيرين والشافعي وابن المنذر ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لأنها أنفقت ما لا تستحق وإن فضل لها شئ أخذته وإن فضل عليها شئ وكان لها صداق أو دين على زوجها حسب منه وإن لم يكن لها شئ كان الفضل ديناً عليها والله أعلم.
(مسألة) (ولا يجوز الفسخ في ذلك كله إلا بحكم الحاكم) كل موضع وجب لها الفسخ لأجل النفقة لم يجز إلا بحكم حاكم لأنه فسخ مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة ولا يجوز له الفسخ إلا أن تطلب المرأة ذلك لأنه لحقها فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة له فيه، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال مالك هو تطليقة وهو أحق بها أن أيسر في عدتها لانه تفريق لامتاع، من الواجب عليه لما فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من العنة والطلاق ولنا أنها فرقة لعجزه عن الواجب عليه أشبهت فرقة العنة، فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق فطلق اقل من ثلاث فله الرجعة عليها مادامت في العدة فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها ولم يمكن الأخذ من ماله فطلبت المرأة الفسخ فللحاكم الفسخ لبقاء المقتضي له أشبه ما قبل الطلاق (باب نفقة الأقارب والمماليك) يجب على الإنسان نفقة والديه وولده بالمعروف إذا كانوا فقراء وله ما ينفق عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه وامرأته، والأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وقال سبحانه (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " متفق عليه، وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " رواه أبو داود، وأما الإجماع فحكاه ابن المنذر وقال أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين الذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم، ولأن ولد الانسان بعضه والده كما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله، إذا ثبت هذا فإن الأم تجب نفقتها ويجب عليها نفقة ولدها إذا لم يكن له أب، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك أنه لا نفقة لها ولا عليها لأنها ليست عصبة لولدها ولنا قوله سبحانه (وبالوالدين إحسانا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سأله من أبر؟ قال " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب " رواه أبو داود ولانها أحد الولدين فأشبهت الأب ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العفو فأشبهت الأب فان أعسر الاب وجبت النفقة على الأم ولم ترجع بها عليه إن أيسر، وقال أبو يوسف ومحمد ترجع عليه ولنا أن من وجب عليه الإنفاق بالقرابة لم يرجع به كالأب
(مسألة) (ويلزمه نفقة سائر آبائه وإن علوا وأولاده وإن سلفوا) وبذلك قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك لا تجب النقة عليهم ولا لهم لأن الجد ليس بأب حقيقي.
ولنا قوله سبحانه (وعلى الوارث مثل ذلك) ولا يدخل في مطلق اسم الولد والولد بدليل أن الله تعالى قال (يوصيكم الله في أولادكم الذكر مثل حظ الاثنين) فيدخل فيهم ولد البنين وقال (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) وقال (ملة أبيكم إبراهيم) ولأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة فأشبه الولد والوالدين القريبين (فصل) ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط (أحدهما) أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يكفيهم فلا نفقة لهم لأنها تجب على سبيل المواساة والموسر مستغن عن المواساة (الثاني) أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم فاضلاً
عن نفقة نفسه إما من ماله وإما من كسبه فأما من لا يفضل عنه شئ فلا يجب عليه شئ لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته " وفي لفظ " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " حديث صحيح وروى أبو هريرة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار قال " تصدق به على نفسك " قال عندي آخر قال " تصدق به على
ولدك " قال عندي آخر قال " تصدق به على زوجك " قال عندي آخر قال " تصدق به على خادمك " قال عندي آخر قال " أنت أبصر " رواه أبو داود ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالزكاة (والثالث) أن يكون المنفق وارثاً لقول الله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) ولأن بين المتوارثين قرابة يقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم فإن لم يكن وارثاً لعدم القرابة لم تجب عليه النفقة كذلك (فصل) ولا يشترط في نفقة الوالدين والمولودين نقص الخلقة ولا نقص الأحكام في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي لا يشترط ذلك في الوالدين وهل يشترط ذلك في الولد؟ فكلام أحمد يقتضي روايتين (إحداهما) تلزم نفقته لأنه فقير (والثانية) أنه إن كان يكتسب فينفق على نفسه لم تلزم نفقته وهذا القول يرجع إلى أن الذي لا يقدر على كسب ما يقوم به تلزم نفقته رواية واحدة سواء كان ناقص الأحكام كالصغير والمجنون أو ناقص الخلقة كالزمن، وإنما الروايتان فيمن لا حرفة له ممن يقدر على الكسب بيديه، وقال الشافعي يشترط نقصانه إما من طريق الحكم أو من طريق الخلقة وقال أبو حنيفة ينفق على الغلام حتى يبلغ فإذا بلغ صحيحاً انقطعت نفقته، ولا تسقط نفقة الجارية حتى
تزوج ونحوه قال مالك إلا أنه قال ينفق على النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن الأزواج ثم لا نفقة لهن وإن طلقن قبل البناء بهن فهن على نفقتهن ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ولم يستثن منهم صحيحاً ولا بالغاً ولأنه والد أو ولد فقير فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني كما لو كان زمناً، ووافق أبو حنيفة على وجوب نفقة الوالد وإن كان صحيحاً إذا لم يكن ذا كسب وللشافعي في ذلك قولان ولنا أنه والد محتاج فأشبه الزمن (مسألة) (وتلزمه نفقة كل من يرثه بفرض أو تعصيب ممن سواهم سواء ورثه الآخر لولا كعمته وعتيقه وحكي عنه ان لم يرثه الآخر فلا نفقة له) ظاهر المذهب أن النفقة تجب على كل وارث لورثته إذا اجتمعت الشروط التي تقدم ذكرها وهو الذي ذكره الخرقي، وبه قال الحسن ومجاهد والنخعي وقتادة والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وأبو ثور، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الصبي المرضع لا أب له نفقته وأجر رضاعه على الرجال دون النساء وكذلك روى عن أبيه عن أحمد النفقة على العصبات وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وذلك لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قضى على بني عم منفوس بنفقة احتج به أحمد قال إبن المنذر وروي عن عمر أنه حبس عصبة ينفقون على صبي الرجال دون النساء، ولأنها مواساة ومعونة تختص القرابة فاختصت بالعصبات كالعقل، وقال أصحاب الرأي تجب النفقة على كل ذي رحم محرم ولا تجب على غيرهم
لقول الله تعالى (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال مالك والشافعي وابن المنذر لا نفقة إلا على المولودين والوالدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عندي دينار قال " أنفقه على نفسك - قال عندي آخر قال - أنفقه على ولدك - قال عندي آخر قال - أنفقه على زوجك - قال عندي آخر قال - أنفقه على خادمك - قال عندي آخر قال - أنت أبصر " رواه أبو داود ولم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء ولأن الشرع إنما ورد بنفقة الوالدين والمولودين ومن سواهم لا يحلق بهم في الولادة وأحكامها فلا يصح قياسه عليهم ولنا قول الله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ثم قال (وعلى الوارث مثل ذلك) فأوجب على الأب نفقة الرضاع ثم عطف الوارث عليه وأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد وروي ان رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أبر؟ قال " أمك وأباك وأختك وأخاك " وفي لفظ " ومولاك الذي هو أدناك حقاً واجباً ورحماً موصولاً " رواه أبو داود وهذا نص لأن النبي صلى الله عليه وسلم
ألزمه الصلة والبر والنفقة من الصلة جعلها حقاً واجبا، وما احتج به أبو حنيفة حجة عليه فإن اللفظ عام في كل ذي رحم محرم فيكون حجة عليه فيمن عدا الرحم المحرم وقد اختصت بالوارث في الإرث فكذلك في الانفاق وأما خبر أصحاب الشافعي فقضية في عين يحتمل أنه لم يكن له غير من أمر بالإنفاق عليه ولهذا لم يذكر الوالد والاجداد وأولاد الأولاد، وقولهم لا يصح القياس قلنا إنما أثبتناه بالنص ثم أنهم قد ألحقوا أولاد الأولاد بالأولاد مع التفاوت ما قالوا.
إذا ثبت هذا فإنه يختص بالوارث بفرض أو تعصيب لعموم الآية ولا يتناول ذوي الأرحام على ما نذكره (فصل) فإن كان اثنان يرث أحدهما قريبة ولا يرثه الآخر كالرجل مع عمته أو ابته عمه وابنة أخيه والمرأة مع ابنة بنتها وابن بنتها فالنفقة على الوارث دون الموروث نص عليه أحمد في رواية
ابن زياد فقال يلزم الرجل نفقة بنت عمه ولا يلزمه نفقة بنت أخته، وذكر أصحابنا رواية أخرى لا تجب النفقة على الوارث ههنا لأنها قرابة ضغيفة لكونها لا يثبت التوارث من الجهتين لقول أحمد العمة والخالة لا نفقة لهما إلا أن القاضي قال: هذه الرواية محمولة على العمة من الأم فإنه لا يرثها لكونها ابن أخيها من أمها، وذكر الخرقي أن على الرجل نفقة معتقه لأنه وارث، ومعلوم أن المعتق لا يرث معتقه ولا يلزمه نفقته فعلى هذا يلزم الرجل نفقة عمته لأبويه أو لأبيه وابنة عمه وابنة أخيه كذلك ولا يلزمهن نفقته وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لقول سبحانه وتعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) وكل واحد من هؤلاء وارث (مسألة) (فأما ذوو الأرحام فلا نفقة عليهم رواية واحدة ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يخرج في وجوبها عليهم روايتان) أما ذوو الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب فإن كانوا من غير عمودي النسب فلا نفقة عليهم نص عليه أحمد فقال الخالة والعمة لا نفقة عليهما قال القاضي لا نفقة لهم رواية واحدة لأن قرابتهم ضعيفة وإنما يأخذون ماله عند عدم الوارث فهم كسائر المسلمين فإن المال يصرف إليهم إذا لم يكن للميت وارث وذلك الذي يأخذه بيت المال ولذلك يقدم الرد عليهم وقال أبو الخطاب يخرج في وجوبها عليهم رواية أخرى أن النفقة تلزمهم عند عدم العصبات
وذوي الفرض لأنهم وارثون في تلك الحال.
قال ابن أبي موسى هذا يتوجه على معنى قوله، والأول هو المنصوص عنه، وأما عمود النسب فذكر القاضي ما يدل على أنه يجب الإنفاق عليهم سواء كانوا من ذوي الأرحام كأبي الأم وابن البنت أو من غيرهم وسواء كانوا محجوبين أو وارثين وهذا مذهب الشافعي وذلك لأن قرابتهم قرابة جزئية وبعضيه تقتضي رد الشهادة وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل الولد، وإن سفل فأوجبت النفقة على كل حال كقرابة الأب الأدنى
(مسألة) (وإن كان للفقير وارث فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث لقوله سبحانه وعلى الوارث مثل ذلك فيجب أن يترتب في المقدار عليه) وجملة ذلك أن الصبي إذا لم يكن له أب فالنفقة على وارثه لما ذكرنا فإن كان له وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر فالنفقة عليهم على قدر ارثهم منه (مسألة) (فإذا كان له أم ولد فعلى الأم الثلث والباقي على الجد) لانهما يرثانه كذلك، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي النفقة كلها على الجد لأنه يتفرد بالتعصيب فأشبه الأب، وقد ذكرنا عن أحمد رواية أخرى أن النفقة على العصبات خاصة، ووجه الأول ما ذكرنا من الآية والأم وارثة فكان عليها بالنص ولأنه معنى يستحق بالنسب فلم يختص به العصبة دون الأم كالوراثة
(فصل) فإن اجتمع ابن وبنت فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، وقال أبو حنيفة النفقة عليهما سواء لاستوائهما في القرب، وإن كانت أم وابن فعلى الأم السدس والباقي، إن كانت بنت وابن ابن فالنفقة عليهما نصفين، وعند أبي حنيفة هي على البنت لأنها أقرب، وقال الشافعي في المسائل الثلاث: النفقة على الابن لأنه العصبة فإن كانت له أم وبنت فالنفقة عليهما أرباعاً كميراثهما منه وبه قال أبو حنيفة، وعند الشافعي النفقة على البنت لانهما تكون عصبة مع أخيها فإن كان له بنت وابن بنت فالنفقة على البنت، وقال أصحاب الشافعي النفقة على الابن في أحد الوجهين لأنه ذكر ولنا قول الله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) فرتب النفقة على الإرث فيجب أن تترتب في المقدار عليه وإيجابها على ابن البنت يخالف النص والمعنى فإنه ليس بعصبة ولا وارث فلا معنى لإيجابها عليه دون البنت الوارثة
(مسألة) (وان اجتمع جدة وأخ فعلى الجدة السدس والباقي على الأخ لأن ميراثهما منه كذلك وعلى هذا المعنى حساب النفقات) يعني أن ترتيب النفقات على ترتيب الميراث فكما أن للجدة السدس من الميراث فكذلك عليها سدس النفقة والباقي على الأخ لأن باقي الميراث له وعند من لا يرى النفقة على غير عمودي النسب يجعل النفقة كلها على الجدة وهذا أصل قد سبق الكلام فيه فان اجتمع بنت وأخت
أو بنت وأخ أو بنت وعصبة أو أخت وعصبة أو أخت وأم أو بنت وبنت ابن أو أخت لأبوين وأخت لأب أو ثلاث أخوات متفرقات فالنفقة بينهم على قدر الميراث في ذلك سواء كان في المسألة رد أو عول أو لم يكن، وعلى هذا تحسب ما آتاكك من المسائل.
فإن اجتمع أم أم وأم أب فهما سواء في النفقة لاستوائهما في الميراث (فصل) فإن اجتمع معها أبو أم فالنفقة على أم الأم لأنها الوارثة، وإن اجتمع أم أب وأبوان فعلى الأب السدس والباقي على الجد، وإن اجتمع جد وأخ فهما سواء، وإن اجتمعت أم وجد وأخ فالنفقة عليهم أثلاثاً وعند الشافعي النفقة على الجد في هذه المسائل كلها إلا المسألة الأولى فالنفقة عليهما بالسوية وقد مضى الكلام في هذا (فصل) فإن كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل فالنفقة عليه على قدر ميراثه فإن انكشف بعد ذلك حاله فبان أنه أنفق.
أكثر من الواجب عليه رجع بالزيادة على شريكه في الإنفاق، وإن بان أنه أنفق أقل رجع عليه فلو كان للرجل ابن وولد خنثى عليهما نفقته فأنفقا عليه ثم بان أن الخنثى ابن رجع عليه أخوه بالزيادة، وإن بان بنتاً رجعت على أخيها بفضل نفقتها لأن من له الفضل أدى ما لا
يجب عليه أداؤه معتقداً وجوبه فإذا تبين خلافه رجع بذلك كما لو ادى ما يعتقده ديناً فبان خلافه
(مسألة) (إلا أن يكون له أب فتكون النفقة عليه وحده)
لأن الله تعالى قال (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن - وقال - وعلى المولود رزقهن وكسوتهن) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فجعل النفقة عليه دونها ولا خلاف في هذا نعلمه إلا أن لأصحاب الشافعي فيما إذا اجتمع للفقير أب وابن موسران وجهين (أحدهما) أن النفقة على الأب وحده (والثاني) عليهما لأنهما سواء في القرب ولنا أن النفقة على الأب منصوص عليها فيجب اتباع النص وترك ما عداه
(مسألة) (ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما وهكذا ذكره القاضي وأبو الخطاب)
لأن الابن لا نفقة عليه لعسرته والأخ لا نفقة عليه لعدم إرثه ولأن قرابته ضعيفة لا تمنع شهادته له فإذا لم يكن وارثاً لم تجب عليه النفقة كذوي الرحم.
قال شيخنا ويتخرج في كل وارث لولا الحجب إذا كان من يحجبه معسراً وجهان (أحدهما) لا نفقة عليه لأنه غير وارث أشبه الأجنبي (والثاني) عليه النفقة لوجود القرابة المقتضية للإرث والإنفاق والمانع من الإرث لا يمنع من الإنفاق لأنه معسر لا يمكنه الإنفاق فوجوده بالنسبة إلى الإنفاق كعدمه (مسألة) (ومن له أم فقيرة وجدة موسرة فالنفقة عليها يعني على الجدة) وجملة ذلك أن الوارث القريب إذا كان معسراً وكان البعيد الموسر من عمودي النسب كهذه المسألة وجبت نفقته على الموسر ذكر القاضي في أب معسر وجد موسر أن النفقة على الجد، وقال في
أم معسرة وجدة موسرة النفقة على الجدة وقد قال أحمد لا تدفع الزكاة إلى ولد ابنته لقول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن " إن ابني هذا سيد " فسماه ابنه وهو ابن بنته وإذا منع من دفع الزكاة إليهم لقرابتهم يجب أن تلزمه نفقتهم مع حاجتهم وهذا مذهب الشافعي (فصل) فإن كان له قرابتان موسران وأحدهما محجوب عن ميراثه بفقير فقد ذكرنا أن المحجوب إذا كان من عمودي النسب فالظاهر أن الحجب لا يسقط النفة عنه في المسألة قبل هذا الفصل، وإن كان من غيرهما فلا نفقة عليه في الظاهر فعلى هذا إذا كان له أبوان وجد والأب معسر فالأب كالمعدم فيكون على الأم ثلث النفقة والباقي على الجد، وإن كان معهم زوجة فكذلك، وإن قلنا لا نفقة على المحجوب فليس على الأم ههنا الاربع النفقة ولا شئ على الجد، وإن كان أبوان وأخوان وجد والأب معسر فلا شئ على الاخوين لأنهما محجوبان وليسا من عمودي النسب ويكون على الأم الثلث والباقي على الجد كما لو لم يكن أحد غيرهما ويحتمل أن لا يجب على الأم إلا السدس لأنه لو كان الأب معدوماً لم يرث إلا السدس، وإن قلنا أن كل محجوب لا نفقة عليه فعلى الأم السدس حسب ولا شئ على غيرها وإن لم يكن في المسألة جد فالنفقة كلها على الأم على القول الأول وعلى الثاني ليس عليها إلا السدس وإن قلنا أن على المحجوب بالعسر النفقة وإن كان من غير عمودي النسب فعلى الأم السدس والباقي على الجد والأخوين أثلاثاً كما يرثون إذا كان الأب معدوماً فإن كان بعض من
عليه النفقة غائباً وله مال حاضر أنفق الحاكم منه حصته وإن لم يوجد له مال حاضر فأمكن الحاكم الاقتراض عليه اقترض فإذا قدم فعليه وفاؤه (مسألة) (ومن كان صحيحاً مكلفاً لا حرفة له سوى الوالدين فهل تجب نفقة؟ على روايتين) (إحداهما) تجب إذا كان فقيراً عاجزاً عن الكسب لعموم قول النبي صلى لله عليه وسلم لهند " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " ولم يستثن بالغاً ولا صحيحاً ولأنه ولد فقير فاستحق النفقة على والده الغني كالزمن (والثانية) لا يجب وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الولد الذكر فأما الجارية فقال أبو حنيفة لا تسقط نفقتها حتى تتزوج ونحوه قول مالك لأنه في مظنة الكسب يقدر عليه غائبا أشبه الغني والأول أولى (مسألة) (ومن لم يفضل عنده لا نفقة شخص واحد بدأ بالأقرب فالأقرب فإن كان له أبوان ان جعله بينهما) إذا لم يفضل عن الرجل إلا نفقة شخص واحد وله امرأة فالنفقة لها دون الأقارب لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان له فضل فعلى عياله فإن كان له فضل فعلى قرابته " ولأن نفقة القريب مواساة ونفقة المرأة تجب على سبيل المعارضة فقدمت على مجرد المواساة وكذلك وجبت مع يساره وإعساره بخلاف نفقة القريب ثم بعدها نفقة الرقيق لأنها تجب مع اليسار والإعسار فقدمت على مجرد المواساة ثم من بعد ذلك الأقرب فالأقرب (مسألة) (فإن كان له أبوان فهو بينهما)
هذا أحد الوجوه لتساويهما في القرب (والثاني تقدم الأم لأنها أحق بالبر ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية وزيادة الشفقة وهي أضعف وأعجز (والثالث) يقدم الاب لفضيلته وانفرده بالولاية على ولده واستحقاق الأخذ من ماله واضافة النبي صلى الله عليه وسلم الولد وماله إليه بقوله " أنت ومالك لأبيك " والأول أولى (مسألة) (وإن كان معهما ابن فقال القاضي إن كان الابن صغيراً أو مجنوناً قدم) لأن نفقة وجبت بالنص مع أنه عاجز عن الكسب والكبير في مظنة الكسب وإن كان الابن كبيراً والأب زمن فهو أحق لانه لأن حرمته آكد وحاجته أشد ويحتمل تقديم لابن لان نفقته وجبت بالنص وإن كانا صحيحين فقيرين ففيه ثلاثا أوجه (أحدها) التسوية لتساويهما في القرب (والثاني) تقديم الابن لوجوب نفقته بالنص (والثالث) تقديم الوالد لتأكد حرمته (مسألة) (وإن كان له أب وجد أو ابن وابن ابن فالأب والابن أحق) وقال أصحاب الشافعي يستوي الأب والجد في أحد الوجهين وكذلك الابن وابنه لتساويهم في الولادة والتعصيب ولنا ان الابن والأب أقرب وأحق بميراثه فكانا أحق الاب مع الأخ (فصل) وإن اجتمع ابن وجد أو أب ابن ابن احتمل وجهين (أحدهما) تقديم الابن والأب
لانهما أقرب فانما يليانه بنبر واسطة ولا يسقط إرثهما بحال والجد وابن الابن بخلافهما ويحتمل التسوية بينهما لأنهما سواء في الإرث والتعصيب والولادة والأول أولى فإن اجتمع جد وابن ابن فهما سواء لتساويهما في القرب والإرث والولادة والتعصيب ويحتمل تقديم الابن لأن نفقة ثبتت بالنص ولأنه يسقط تعصيب الجد ويحتمل تقدم الجد لتأكد حرمته بالأبوة وإن اجتمع جد وأخ احتمل التسوية بينهما لتساويهما في استحقاق الميراث والصحيح تقديم الجد لأن له مزية الولادة والأبوة ولأن ابن ابنه يرثه ميراث ابن والأخ ميراث أخ وميراث الابن آكد فالنفقة الواجبة به تكون آكد وإن كان مكان الأخ ابن أخ أو عم فالجد أحق بكل حال لأنه يقدم عليهما في الميراث
(مسألة) (ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين)
وقبل في عمودي النسب روايتان ذكرهما القاضي (إحداهما) تجب مع اختلاف الدين وهو مذهب الشافعي لأنها نفقة مع اتفاق الدين فتجب مع اختلافه كنفقة لزوجة والمملوك ولأنه يعتق عليه فيجب عليه لانفاق عليه كما لو انفق دينهما ولنا أنها مواساة على سبيل البر والصلة فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب ولانهما لا يتوارثان فلم يجب لأحدهما على الآخر نفقة القرابة كما لو كان أحدهما رقيقاً ويفارق نفقة الزوجات لأنها عوض يجب مع الإعسار فلم ينافها اختلاف الدين كالصداق والأجرة وكذلك يجب
مع الرق فبهما أو في أحدهما وكذلك النفقة المماليك ولأن هذه النفقة صلة ومواساة فلا تجب مع اختلاف الدين كأداء زكاته إليه ونقله عنه وارثه منه (مسألة) (وإن ترك الإنفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه) لأن نفقة القريب وجبت لدفع الحاجة وإحياء النفس وتزجية الحال وقد حصل له ذلك في الماضي بدونها فإن كان الحاكم قد فرضها فينبغي أن تلزمه لأنها تأكدت بفرض الحاكم فلزمته كنفقة الزوجة (فصل) ويلزم الرجل إعفاف أبيه إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ولهم في إعفاف الأب الصحيح وجه أنه لا يجب، وقال أبو حنيفة لا يلزم الرجل إعفاف أبيه سواء وجبت نفقته أو لم تجب لأن ذلك من املاذ فلم تجب للأب كالحلوى، ولانه أحد الأبوين فلم يجب ذلك له كالأم ولنا أن ذلك مما تدعو حاجته إليه ويستضر بفقده فلزم ابنه له كالنفقة ولا يشبه الحلوى فإنه لا يستضر بفقدها وإنما يشبه الطعام والأدم، وأما الأم فإن إعفافها إنما هو بتزويجها إذا طلبت ذلك وخطبها كفء لها ونحن نقول بوجوبه عليه وهم يوافقوننا في ذلك إذا ثبت ذلك.
فإنه يجب إعفاف من وجبت نفقته من الآباء والأجداد فإن اجتمع جدان ولم يكن إلا إعفاف أحدهما قدم الأقرب إلا
أن يكون أحدهما من جهة الأب والآخر من جهة الأم فيقدم الذي من جهة الأب وإن بعد لأنه عصبة والشرع قد اعتبر جهته في التوريث والتعصيب فكذلك في الانفاق والاستحقاق
(فصل) واذا وجب عليه إعفاف أبيه فهو مخير إن شاء زوجه وان شاء ملكه أمة أو دفع إليه ما يتزوج به حرة أو يشتري به أمة وليس للأب التخيير عليه إلا أن الأب إذا عين امرأة وعين الابن أخرى وصداقهما واحد قدم تعيين الأب لأن النكاح له والمؤنة واحد فقدم قوله كما لو عينت البنت كفؤا ولاب غيره قدم تعينها فإن اختلفا في الصداق لم يلزم الابن الأكثر لأنه إنما يلزمه أقل ما يحصل به الكفاية وليس له أن يزوجه قبيحة ولا يملكه إياها ولا كبيرة لا استمتاع فيها ولان يزوجه أمة لأن فيه ضرراً بإرقاق ولده والنقص في استمتاعه فإن رضي الأب بذلك لم يجز لأن الضرر يلحق بغيره وهو الولد وكذلك لم يكن للموسر أن يتزوج أمة، ومتى أيسر الأب لم يكن للولد استرجاع ما دفعه إليه ولا عرض ما زوجه به لأنه دفعه إليه في حال وجوبه عليه فلم يملك استرجاعه كالزكاة فإن زوجه أو ملكه أمة فطلق لزوجة أو أعتق الأمة لم يكن عليه أن يزوجه أو يملكه ثانياً لأنه فوت ذلك على نفسه فإن ماتتا فعليه إعفافه ثانياً لأنه لا صنع له في ذلك، وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجاً إلى الأعفاف ذكره أصحابنا وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم لا يجب ذلك.
ولنا أنه من عمودي نسبه فلزمه نفقته فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه كأبيه، قال القاضي وكذلك يجئ في كل من لزمته نفقته من أخ وعم وغيرهم، لأن أحمد نص في العبد يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع عليه.
(مسألة) (ومن لزمته نفقة رجل فهل يلزمه نفقة امرأته؟ على روايتين) كل من لزمه إعفاف رجل لزمته نفقة امرأته.
لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بذلك، وقد روي عن أحمد أنه لا يلزم الأب نفقة زوجة الأبن وهذا محمول على أن الابن كان يجد نفقتها.
(فصل) والواجب في نفقة القريب قدر الكفاية من الخبز والأدم والكسوة بقدر العادة كما
ذكرنا في الزوجة لأنها وجبت للحاجة فتقدرت بما تندفع به الحاجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفارة فإن احتاج إلى خادم فعليه إخدامه كقولنا في الزوجة لأن ذلك من تمام الكفاية (فصل) ويجب على المعتق نفقة عتيقه على قولنا إن النفقة تجب على الوارث على ما قررناه والمعتق وارث عتيقه فوجبت عليه نفقته إذا كان فقيراً ولمولاه يسار ينفق عليه منه وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لا تجب عليه نفقته بناء على أصولهم المذكورة ولنا قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ومولاك الذي يلي ذاك، حقاً واجباً ورحماً موصولاً " ولأنه يرثه بالتعصيب فكانت عليه نفقته كالأب، ويشترط في وجوب الإنفاق عليه الشروط المذكورة في غيره
(فصل) فإن مات مولاه فالنفقة على الوارث من عصباته على ما ذكرناه في الولاء ويجب على السيد نفقة أولاد عتيقه إذا كان له عليهم ولاء لأنه عصبتهم ووارثهم وعليه نفقة أولاد معتقيه إذا كان أبوهم عبداً كذلك فإن أعتق أبوهم فاتجر الولاء إلى معتقه صار ولاؤهم لمعتق أبيهم ونفقتهم عليه إذا كملت الشروط وليس على العتيق نفقة معتقه وإن كان فقيراً لأنه لا يرثه، فإن كان واحد منهما مولى الآخر فعلى كل واحد منهما نفقة الآخر لأنه يرثه (فصل) وليس على العبد نفقة ولده حرة كانت الزوجة أو أمة لأن الحرة ولدها أحرار وليس على العبد نفقة أقاربه الأحرار لأن نفقتهم تجب على سبيل المواساة وليس هو من أهلها وإن كانت زوجته مملوكة فولدها عبيد لسيدها لأنهم يتبعونها فتكون نفقتهم على مالكهم (فصل) ونفقة أولاد المكاتب الأحرار وأقاربه لا تجب عليه لأنها تجب على سبيل المواساة وليس هو من أهلها وكذلك لا تجب عليه الزكاة في ماله فإن كانت زوجته حرة فنفقة أولادها عليها لأنهم يتبعونها في الحرية، وإن كان لهم أقارب أحرار كجد وأخ حر مع الأم أنفق كل واحد منهم بحسب ميراثه والمكتب كالمعمدوم بالنسبة إلى النفقة، فأما ولد المكاتب من أمته فنفقتهم عليه لأن ولده من أمته تابع له يعتق بعتقه فجرى مجرى نفسه في النفقة فكما أنه ينفق على نفسه فكذلك على ولده الذي هذا حاله وهذا الولد ليس له من ينفق عليه سوى أبيه فإن أمه أمة للمكاتب وليس له من الأحرار أقارب
فيتعين على المكاتب الانفاق عليه كأنه ولأنه لا ضرر على السيد في إنفاق المكاتب على ولده من أمته لأنه إذا أدى وعتق فقد في مال الكتابة وليس للسيد أكثر منه وان عجز ورق عاد إليه المكاتب وولده الذي أنفق عليه فكأنه إنما أنفق على عبده وتصير نفقته عليه كنفقته على سائر رقيقه (فصل) فأما ولد المكاتب إذا كان من زوجته المكاتبة فإنهم يتبعونها في الكتابة ويكون حكمهم حكمها إن رقت رقوا وإن عتقت بالأداء.
عتقوا فتكون نفقتهم عليها مما في يديها في حكم نفسها ونفقتها على نفسها مما في يدها فكذلك نفقة ولدها، وأما زوجها المكاتب فليس عليه نفقتهم لأنهم عبيد لسيد المكاتبة فإن أراد المكاتب التبرع بالنفقة على ولده من أمة أو مكاتبة لغير سيده أو حرة فليس له ذلك لأن فيه تغريراً بمال سيده، وإن كان من أمة لسيده جاز لأنه مملوك لسيده فهو ينفق عليه من المال الذي تعلق به حق سيده وإن كان من مكاتبة لسيده احتمل الجواز لأنه في الحال بمنزلة أمه وأمه مملوكة لسيدها واحتمل أن لا يجوز لأن فيه تغريراً ويحتمل أن يعجز هو وتؤدي المكاتبة فيعتق لدها فيحصل الإنفاق عليه من مال سيده ويصير حراً (فصل) ويجب نفقة ظئر الصبي على من تلزمه نفقته، لأن نفقة ظئر الصغير كنفقة الكبير ويختص وجوب النفقة بالأب وحده كالكبير (مسألة) (وليس له منع المرأة من رضاع ولدها إذا طلبت ذلك)
إذا طلبت الأم رضاع ولدها بأجر مثلها فهي أحق به سواء كانت في حال الزوجية أو بعدها وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أو لم يجد، وقال أصحاب الشافعي إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من رضاعة لأنه يفوت حق الاستمتاع بها في بعض الأحيان، وإن استأجرها على رضاعه لم يجر لان النافع حق له فلا يجوز أن يستأجر ما هو أو بعضه حق له، وان ارضعت الولد فهل لها أجر المثل؟ على وجهين وإن كانت مطلقة فطلبت أجر المثل فأراد انتزاعه منها ليسلمه إلى من يرضعه بأجر المثل أو أكثر لم يكن له ذلك، وإن وجد متبرعة أو مرضعة بدون أجر المثل فله انتزاعه منها في ظاهر المذهب لأنه لا يلزمه التزام المؤنة مع دفع حاجة الولد بدونها، وقال أبو حنيفة إن طلبت الأجرة لم يلزم الأب بذلها ولا يسقط حقها من الحضانة وتأتي المرضعة ترضعه عندها لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز الإخلال بأحدهما ولنا قوله سبحانه (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فقدمهن على غيرهن وهذا خبر يراد به الأمر وهو عام في كل والده وقوله فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) ولنا على جواز الاستئجار أنه عقد اجارة يجوز مع غير الزوج إذا أذن فيه فجاز مع الزوج كإجارة نفسها للخياطة، وقولهم إن المنافع مملوكة له لا يصح لأنه لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها ولم يجز إجارة نفسها لغيره بإذنه ولكانت الأجرة له وإنما امتنع إجارة نفسها لأجنبي بغير إذنه لما فيه من تفويت الاستمتاع في بعض الزمان ولهذا جازت بإذنه وإذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي، أما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا
طلبت أجر المثل على المتبرعة فما ذكرنا من الآيتين، ولان الام حتى وأشفق ولبنها أمرأ من لبن غيرها فكانت أحق به من غيرها كما لو طلبت الأجنبية رضاعه.
بأجر مثلها ولأن في رضاع غيرها تفويتاً لحق الأم من الحضانة وإضراراً بالولد ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب، وقول أبي حنيفة يفضي الى تفويت حق الولد من لبن أمه وتفويت الأم في إرضاعه لبنها فلم يجز ذلك كما لو تبرعت برضاعه.
فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها ووجد الأب من يرضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها لأنها أسقطت حقها باشتطاطها وطلبها ما ليس لها فدخلت في قوله تعالى (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) وإن لم يجد مرضعة إلا بتلك الأجرة فالأم أحق لأنهما تساوتا في الآجر فقدمت الأم كما لو طلبت كل واحدة منهما أجر مثلها (فصل) وإن طلبت المزوجة بأجنبي إرضاع ولدها بأجر مثلها بإذن زوجها ثبت حقها وكانت
أحق به من غيرها لأن الأم إنما منعت من الإرضاع لحق الزوج فإذا أذن فيه زال المانع فصارت كغير ذات الزوج وإن منعها الزوج سقط حقها لتعذر وصولها إليه (فصل) وإن أرضعت المرأة ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه لقول الله
تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ولأنها تستحق عليه قدر كفايتها فإذا زادت حاجتها زادت كفايتها (مسألة) (وإن امتنعت من رضاعه لم تجب إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه) ليس للزوج إجبار أم الولد على ارضاعه دنية كانت أو شريفة وسواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة قال شيخنا ولا نعلم في عدم إجبارها على ذلك إذا كانت مفارقة خلافاً وكذلك إن كانت مع الزوج عندنا، وبه يقول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح له إجبارها على ذلك وهو قول أبي ثور ورواية عن مالك لقول الله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) والمشهور عن مالك أنها إن كان شريفة لم تجر عادة مثلها بالرضاع لولدها لم تجبر عليه وإن كانت ممن ترضع في العادة أجبرت عليه ولنا قول الله تعالى (وإن تعاسرهم فسترضع له أخرى) وإذا اختلفا فقد تعاسراً ولأن الإجبار على الرضاع إما أن يكون لحق الولد أو لحق الزوج أو لهما لا يجوز أن يكون لحق الزوج فإنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به، ولا يجوز أن يكون لحق الولد لأنه لو كان له للزمها بعد الفرقة ولأنه مما يلزم الوالد لولده فلزم الأب على الخصوص كالنفقة أو كما بعد الفرقة، ولا يجوز أن يكون لهما لأن مالا مناسبة فيه لا يثبت الحكم بانضمام بعضه إلى بعض
ولأنه لو كان لهما لثبت الحكم به بعد الفرقة والآية محمولة على حالة الإنفاق وعدم التعاسر فأما إن اضطر الولد إليها بأن لا توجد مرضعة سواها أو لا يقبل الولد الارتضاع من غيرها وجب عليها التمكين من إرضاعه لأنها حال ضرورة وحفظ لنفس ولدها كما لو لم يكن أحد غيرها (مسألة) (ولا يجب عليه أجرة الظئر لما زاد على الحولين لقول الله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)
(مسألة) (وإن تزوجت المرأة فلزوجها منعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها)
وجملة ذلك أن للزوج منع امرأته من رضاع ولدها من غيره ومن رضاع ولد غيرها إلا أن يضطر إليها لأن عقد النكاح يقتضي تمليك الزوج الاستمتاع في كل الزمان من كل الجهات سوى أوقات الصلوات والرضاع يفوت عليه الاستمتاع في بعض الأوقات فكان له منعها كالخروج من منزله فأما إن اضطر إليه بأن لا توجد من ترضعه غيرها أو لا يقبل الارتضاع من غيرها وجب التمكين من إرضاعه لأنها حال ضرورة وحفظ لنفس ولدها فقدم على حق الزوج كتقديم المضطر على المالك إذا لم يكن بالمالك مثل ضرورته.
(فصل) فإن أرادت إرضاع ولدها فكلام الخرقي يحتمل وجهين:
(أحدهما) له منعها لعموم لفظه في هذه المسألة وهو قول الشافعي لأنه يخل بالاستمتاع منها فأشبه ولد غيرها (والثاني) ليس له منعها فإنه قال ألا إن تشاء الأم أن ترضعه بأجر مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة وذلك لقول الله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) وهو خبر يراد به الأمر وهو عام في كل والده، وقال أصحاب الشافعي يحمل على المطلقات ولا يصح ذلك لأنه جعل لهن رزقهن وكسوتهن وهم لا يجيزون جعل ذلك أجر الرضاع ولا غيره وقولنا في الوجه الأول أنه يخل باستمتاعه.
قلنا: ولكن لإيفاء حق عليه وليس ذلك ممتنعاً كما أن قضاء دينه بدفع ما له فيه واجب لا سيما إذا تعلق به حق الولد مع كونه مع أمه وحق الأم في الجميع بينهما وبين ولدها، وهذا الوجه ظاهر كلام ابن أبي موسى والأول ظاهر كلام القاضي أبي يعلى.
(فصل) فإن أجرت المرأة نفسها للرضاع ثم تزوجت صح النكاح ولم يملك الزوج فسخ الإجارة ولا منعها من الرضاع حتى تمضي المدة لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه أشبه ما لو اشترى
أمة مستأجرة، وإن نام الصبي أو اشتغل بغيرها فللزوج الاستمتاع وليس لولي الصبي منعه وبهذا قال الشافعي وقال مالك ليس له وطؤها إلا برضى الولي لأن ذلك ينقص اللبن ولنا أن وطئ الزوج مستحق بالعقد فلا يسقط بأمر مشكوك فيه كما لو أذن فيه الولي، ولأنه
يجوز له الوطئ مع إذن الولي فجاز مع عدمه لأنه ليس للولي الاذن فيما يضر بالصبي ويسقط حقه (فصل) فإن أجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع بإذن زوجها جاز ولزم العقد لأن الحق لهما لا يخرج عنهما.
وإن اجرتها بغير إذنه لم يصح لتضمنه تفويت حق زوجها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والآخر يصح لأنه يتأول محلاً غير محل النكاح لكن للزوج فسخه لأنه يفوت به الاستمتاع ويختل.
ولنا أنه عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق فلم يصح كإجارة المستأجر (فصل) قال الشيخ رحمه الله وعلى السيد الإنفاق على رقيقه قدر كفايتهم وكسوتهم بالمعروف نفقة المملوكين على ملاكهم ثابتة بالسنة والإجماع أما السنة فروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فأعينوهم عليه " متفق عليه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " رواه الشافعي في مسنده.
وأجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده، ولانه لابد له من نفقة ومنافعه لسيده وهو أخص الناس به فوجبت نفقته عليه كبهيمته (فصل) والواجب من ذلك قدر كفايته من غالب قوت البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه وأدم مثله بالمعروف لحديث أبي هريرة، والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه لقوله " فليطعمه
مما يأكل فجمعنا بين الخبرين فحملنا خبر أبي هريرة على الإجزاء وحديث أبي ذر على الاستحباب والسيد مخير بين أن يجعل نفقته من كسبه إن كان له كسب وأن ينفق عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يجعله برسم نفقة خدمته وينفق عليه من ماله لأن الكل ماله فإن جعل نفقته في كسبه وكانت وفق الكسب صرفها إليه وإن فضل من الكسب شئ فهو لسيده وإن أعوز فعليه تمامه، وأما الكسوة فبالمعروف من غالب الكسوة لأمثال العبد في ذلك البلد الذي هو به والمستحب أن يلبسه من لباسه لحديث أبي ذر، ويستحب أن يستوي بين عبيده الذكور في الكسوة والإطعام وبين إمائه إن كن للخدمة أو للاستمتاع وإن كان فيهن من هو للخدمة ومن هو للاستمتاع فلا بأس بزيادة من هي للاستمتاع في الكسوة لانه للعرف ولان غرضه تجميل من يستمتع بها بخلاف الخادمة (مسألة) (وعليه تزويجهم إذا طلبوا ذلك) وهذا أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يجبر عليه لأن فيه ضرراً عليه وليس مما تقوم به البنية فلم يلزمه كإطعام الحلواء ولنا قول الله تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) والأمر يقتضي الوجوب ولا يجب إلا عند الطلب وروى عكرمة عن ابن عباس قال من كانت له جارية فلم يزوجها ولم يصبها أو عبد فلم يزوجه فما صنعا من شئ كان على السيد ولولا وجوب إعفافهما لما لحق السيد
الإثم بفعلهما ولأنه مكلف محجور عليه دعي إلى تزويجه فلزمت إجابته كالمحجور عليه للسفه ولأن النكاح مما تدعوا الحاجة إليه غالباً ويتضرر بفواته فأجبر عليه كالنفقة ولأنه يخاف من ترك إعفافه الوقوع في المحظور بخلاف الحلواء.
إذا ثبت هذا فالسيد مخير بين تزويجه أو تملكيه أمة يتسراها وله أن يزوجه أمة لان النكاح الأمة مباح للعبد من غير شرط ولا يجب عليه تزويجه إلا عند طلبه لأن هذا مما يختلف الناس فيه وفي الحاجة إليه ولا نعلم حاجته إلا بطلبه ولا يجوز تزويجه إلا باختياره إذا كان عبداً كبيراً وإذا كان للعبد زوجة فعلى سيده تمكينه من الاستمتاع بها ليلاً لأن إذنه في النكاح إذن في الاستمتاع المعتاد والعادة جارية بذلك ليلاً وعليه نفقة زوجته على ما قدمناه
(مسألة) (إلا الأمة إذا كان يستمتع بها)
وجملته أن السيد مخير في الأمة بين تزويجها إذا طلبت ذلك وبين الاستمتاع بها فيغنيها باستمتاعه عن غيره لأن المقصود قضاء الحاجة وإزالة ضرر الشهوة وذلك يحصل بأحدهما فلم يتعين الآخر (مسألة) (ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون) وهو ما يشق عليه ويقرب من العجز عنه لحديث أبي ذر ولأن ذلك يضر به ويؤذيه وهو ممنوع من ذلك (مسألة) (ويريحهم وقت القيلولة والنوم وأوقات الصلوات)
لأن العادة جارية بذلك ولأن عليهم في ترك ذلك ضرراً ولا يحل الإضرار بهم (مسألة) (ويداويهم إذا مرضوا) إذا مرض المملوك أو زمن أو عمى أو انقطع كسبه فعلى سيده القيام به والإنفاق عليه لأن نفقته تجب بالملك ولهذا تجب مع الصغر والملك باق مع المرض والعمى والزمانة فتجب نفقته معهما لعموم النصوص المذكورة (مسألة) (وإذا ولي أحدهم طعامه أطعمه معه فإن أبى أطعمه منه) لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اذا كفى احدكم خادمه حره ودخانه فليدعه وليجاسه معه فإن أبى فليروغ له اللقمة واللقمتين " رواه البخاري ومعنى ترويغ اللقمة غمسها في المرق والدسم وترويتها بذلك ودفعها إليه ولأنه يشتهيه لحضوره فيه وتوليه إياه وقد قال الله تعالى (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) ولأن نفس الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب
(مسألة) (ولا يسترضع الأمة لغير ولدها إلا أن يكون فيها فضل عن ريه)
لأن فيه إضراراً بولدها لنقصه في كفايته وصرف اللبن المخلوق له إلى غيره مع حاجته اليه فلم يجز كما لو أراد أن ينقص الكبير عن كفايته ومؤنته فإن كان فيها فضل عن ري ولدها جاز لأنه
ملكه وقد استغنى عنه الولد فكان له استبقاؤه كالفاضل من كسبه أو كما لو مات ولدها وبقي لبنها
(مسألة) (ولا يجبر العبد على المخارجة وإن اتفقا عليها جاز)
معنى المخارجة أن يضرب عليه خراجاً معلوماً يؤديه إلى سيده وما فضل للعبد لأن ذلك عقد بينهما فلا يجبر عليه كالكتابة، وإن طلب العبد ذلك وأباه السيد لم يجبر عليه لما ذكرنا فإن اتفقا على ذلك جاز لما روى أن أبا طيبة حجم النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أجره وأمر مواليه أن يخلفوا عنه من خراجه وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجاً فروي أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم وجاء أبو لؤلؤة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله أن يسأل المغيرة بن شعبة يخفف عنه من خراجه، ثم ينظر فإن كان ذا كسب فجعل عليه بقدر ما يفضل عن كسبه عن نفقته وخراجه شئ جاز فإن لهما به نفعاً فإن العبد يحرص على الكسب وربما فضل معه شئ يزيده في النفقة ويتسع به، وإن وضع عليه أكثر من كسبه بعد نفقته لم يجز وكذلك إن كلف من لا كسب له المخارجة لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب سرق ولا تكلفوا المرأة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها ولأنه متى كلف غير ذي الكسب خراجاً كلفه ما يغلبه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تكلفوهم ما يغلبهم وربما حمله ذلك على أن يأتي به من غير وجهه فلم يكن للسيد أخذه
(مسألة) (ومتى امتنع السيد من الواجب عليه وطلب العبد البيع لزمه بيعه)
وجملة ذلك أن السيد إذا امتنع مما يجب للعبد عليه من نفقة أو كسوة أو تزويج فطلب العبد البيع أجبر سيده عليه سواء كان امتناع السيد من ذلك لعجزه عنه أو مع قدرته عليه لأن بقاء ملكه عليه مع الإخلال بسد خلاته إضرار به وإزالة الضرر واجبة فوجب إزالته وكذلك أبحنا للمرأة فسخ النكاح عند عجز زوجها عن الإنفاق عليها وقد روي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه أنه قال " عبدك يقول أطعمني وإلا فبعني وامرأتك تقول أطعمني أو طلقني وهذا يدل بمفهومه على أن السيد متى وفى بحقوق عبده وطلب العبد لم يجبر السيد عليه، وقد روي أبو داود عن أحمد أنه قبل له استباعت المملوكة وهو يكسوها مما يكتسي ويطعمها مما يأكل؟ قال لاتباع وإن أكثرت من ذلك إلا أن تحتاج إلى زوج
فتقول زوجني، وقال عطاء واسحاق في العبد يحسن إليه سيده وهو يستبيع لا يبعه لأن الملك للسيد واعتق له فلا يجبر على إزالتة من غير ضرر بالعبد كما لا يجبر على طلاق زوجته مع القيام بما يجب لها ولا على بيع بهيمته مع الإنفاق عليها.
(مسألة) (وله تأديب رقيقه بما يؤدب به ولده وامرأته) له تأديب عبده وأمته إذا اذنبا بالتوبيخ والضرب الخفيف كما يؤدب ولده وامرأته في النشوز وليس له ضربه على غير ذنب ولا أن يضربه ضرباً مبرحاً وإن أذنب ولا لطمه في وجهه، وقد روي
عن ابن مقرن المزني قال قد رأيتني سابع سبعة ما لنا إلا خادم واحد فلطمها أحدنا فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باعتاقها وروي عن أبي مسعود قال كنت أضرب غلاماً لي وإذا رجل من خلفي يقول اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول " اعلم أبا مسعود الله أقدر عليك منك على هذا الغلام " (مسألة) (وللعبد التسري بإذن سيده ولو ملكه سيده جارية لم يكن له التسري بها إلا بإذنه) هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة وهو قول ابن عمر وابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، ومالك والاوزاعي وأبي ثور، وكره ذلك ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي، وللشافعي فيه قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده او لا، وقال القاضي يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان على الروايتين في ثبوت الملك بتمليك سيده واحتج من منع ذلك بأن العبد لا يملك المال ولا يجوز الوطئ إلا في نكاح أو تمليك يمين لقول الله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) ولنا قول ابن عمر وابن عباس ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً، وروى الأثرم عن ابن عمر بإسناده أنه كان لا يرى بأساً أن يتسرى العبد ونحوه عن ابن عباس، ولأن العبد يملك في النكاح فملك التسري كالحر، وقولهم أن العبد لا يملك المال ممنوع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من باع عبداً وله مال " فجعل المال له ولأنه آدمي فيملك المال كالحر وذلك لأنه بآدميته يتمهد لأهلية الملك إذ كان الله
تعالى خلق الأموال للآدميين ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكليف وأداء العبادات، قال الله تعالى (خلق لكم ما في الأرض جميعا) والعبد داخل في العموم ومن أهل التكاليف والعبادات فيكون أهلاً للملك وكذلك ملك في النكاح، وإذا ثبت الملك للجنين مع كونه نطفة لا حياة فيها باعتبار مآ له إلى الآدمية فالعبد الذي هو آدمي ملكف أولى ولا يجوز له التسري إلا بإذن سيده ولو ملكه سيده جارية لم يكن له وطؤها حتى يأذن له فيه لأن ملكه ناقص ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ قد فلم يكن له التصرف فيه إلا بإذن سيده فإن أذن له فقال تسراها أو أذنت لك في وطئها أو ما دل عليه أبيح له، وما ولد له من التسري فحكمه حكم ملكه لأن الجارية مملوكة له فكذلك ولدها وإن تسرى بغير إذن سيده فالولد ملك لسيده (فصل) وإذا أذن له السيد في أكثر من واحدة فله التسري بما شاء نص عليه أحمد لا زمن جاز له التسري جاز له بغير حصر كالحر وإن أذن له وأطلق فله التسري واحدة وكذلك إذا أذن له في في التزويج ولم يجز أن يتزوج أكثر من واحدة وبهذا قال أصحاب الرأي، وقال أبو ثور إذا أذن له في التزويج فعقد على اثنتين في عقد جاز ولنا أن الإذن الطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقيناً وما زاد مشكوك فيه فيبقى على الأصل
كما لو أذن له في طلاق امرأته لم يكن له أن يطلق أكثر من طلقة ولأن الزائد عن الواحدة يحتمل أن يكون غير مراد فيبقى على أصل التحريم كما لو شك في أصل الإذن (فصل) نقل محمد بن ماهان عن أحمد لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى وكذلك نقل عنه إبراهيم بن هانئ ويعقوب بن بختان ولم
أو عنه خلاف هذا فظاهره أنه إذا تسرى بإذن السيد لم يملك السيد الرجوع لأنه يملك به البضع فلم يملك سيده فسخه قياساً على النكاح، وقال القاضي يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسرياً
مجازاً ويكون للسيد الرجوع فيما ملك عبده وظاهر كلام أحمد خلاف هذا وذلك لأنه ملكه بضعاً أبيح له وطؤه فلم يملك رجوعه فيه كما لو زوجه
(فصل) وعليه إطعام بهائمه وسقيها والقيام بها والإنفاق عليها وما تحتاج إليه من علفها وسقيها لو