الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 200-239
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تعجيل مال يجوز تعجيله قبل وجوبه فلم يكن التأخير أفضل كتعجيل الزكاة وكفارة القتل وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء والتبرع بما لم يجب عليه، والخلاف المخالف لا يوجب تفضيل المجمع عليه كترك الجمع بين الصلاتين.
(فصل) فإن كان الحنث في اليمين محظوراً فجعل الزكاة قبله ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه لأنه عجل الكفارة قبل سببها فأجزأته كما لو كان الحنث مباحا (والثاني) لا يجزئه لأن التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية والحديث لم يتناول المعصية فإنه قال " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها " ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا * (مسألة) * (ومن كرر أيمانا قبل التكفير فكفارة واحدة وعنه لكل يمين كفارة) وإذا كرر أيمانا قبل التكفير مثل أن قال والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً فحنث فليس عليه إلا كفارة واحدة، وكذلك إن حلف بأيمان كقوله والله وعهد الله وميثاقه وقدرته وكلامه وكبريائه على شئ واحد روي نحو هذا عن ابن عمر وبه قال الحسن وعروة واسحاق، وروي أيضاً عن عطاء وعكرمة والنخعي وحماد والاوزاعي، وقال أبو عبيد فيمن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته ثم حنث فعليه ثلاث كفارات، وقال أصحاب الرأي عليه لكل يمين كفارة إلا أن ينوي التأكيد أو التفهيم ونحوه عن الثوري وأبي ثور، وعن أحمد مثل ذلك وعن الشافعي قولان كالمذهبين، وعن عمرو بن دينار إن كان في مجلس واحد كقولنا وإن كان في مجالس كقولهم، واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت فتكرر في الكفارات كالقتل لآدمي أو صيد حربي ولأن اليمين الثانية مثل الأولى فتقتضي ما تقتضيه ولنا أنه حنث واحد أوجب جنساً واحداً من الكفارات فلم يجب به أكثر من كفارة كما

لو قصد التأكيد، قولهم أنها أسباب تكررت ممنوع فإن السبب الحنث وهو واحد سلمنا فينتقض بما إذا كرر الوطئ في رمضان في أيام وبالحدود إذا تكررت أسبابها، ولا يصح القياس على الصيد الحرمي لأن الكفارة بدل ولذلك تزداد بكبر الصيد وتقدر بقدره فهي كدية القتل ولا على كفارة قتل الآدمي لأنها أجريت مجرى البدل أيضاً لحق الله تعالى لأنه لما أتلف آدمياً عابداً لله تعالى ناسب أن يوجد عبداً يقوم مقامه في العبادة فلما عجز عن الإيجاد لزمه إعتاق رقبة لأن العتق إيجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها إلى فراغ البال للعبادة بالحرية التي حصلت بالإعتاق ثم الفرق ظاهر لأن السبب ههنا تكرر بكماله وشروطه وفي محل النزاع لم يوجد ذلك لأن الحنث، إما أن يكون هو السبب أو جزءاً منه أو شرطاً له بدليل توقف الحكم على وجوده وأياما كان فلم يتكرر فلم يجز وإن صح القياس فقياس كفارة اليمين على مثلها أولى من قياسها على القتل لبعد ما بينهما * (مسألة) * (والظاهر فيما إذا كرر الأيمان أنها إن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة وإن كانت على أفعال فعلية لكل يمين كفارة) ولأنها إذا كانت على فعل واحد كان سببها واحداً فالظاهر أنه أراد التوكيد لذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والله لأغزون قريشا " قالها ثلاثاً وإن كانت على أفعال فعلية لكل يمين كفارة وهو ظاهر كلام الخرقي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم وقال أبو بكر تجزئه كفارة واحدة رواها ابن منصور عن أحمد قال القاضي هي الصحيحة وقال أبو بكر ما نقله المروذي عن أحمد قول لأبي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه وهو قول إسحاق لأنها كفارات من

جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد وإن اختلفت محالها بأن سرق من جماعة أو زنى بنساء ولنا أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تكفر إحداهما بكفارة الأخرى كما لو كفر عن إحداهما قبل الحنث في الأخرى وكالأيمان المختلفة الكفارة وبهذا فارق الأيمان على شئ واحد فإنه متى حنث في إحداهما كان حانثاً في الأخرى فلما كان الحنث واحداً كانت الكفارة واحدة وههنا تعذر الحنث فتعذرت الكفارات، وفارق الحدود فإنها وجبت للزجر وتندرئ بالشبهات بخلاف مسئلتنا ولأن الحدود عقوبة بدنية والموالاة بينها ربما أفضى إلى التلف فاجتزئ بإحداها وههنا إخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام فلا يلزم الضرر الكبير بالموالاة فيه ولا يخشى منه التلف (فصل) إذا حلف يميناً واحدة على أجناس مختلفة فقال والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فكفارة واحدة لا نعلم فيه خلافا لأن اليمين واحدة والحنث واحد فإنه يحنث بفعل واحد من المحلوف عليه وتنحل يمينه، وإن حلف أيماناً على أجناس فقال والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في واحدة منها فعليه كفارة، فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى لا نعلم في هذا خلافاً لأن الحنث في الثاني تجب به الكفارة بعد أن كفر عن الأولى فأشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر ثم وطئ مرة أخرى فإن حنث في الجميع قبل التكفير ففيه روايتان ذكرناهما في المسألة قبل هذا الفصل * (مسألة) * (وإن كانت الأيمان مختلفة الكفارة كالظهار واليمين بالله فلكل يمين كفارتها مثل أن يحلف بالله تعالى وبالظهار وبعتق عبده فإذا وجبت فعليه كفارة يمين وكفارة ظهار ويعتق العبد)

لأن تداخل الأحكام إنما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس فأما الكفارات فمن أجناس وأسبابها مختلفة فلم تتداخل كحد الزنا والسرقة والقذف والشرب

* (مسألة) * (وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه ومن بعضه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار)

لا خلاف في أن العبد يجزئه الصيام في الكفارة ولأن ذلك فرض المعسر من الأحرار وهو أحسن حالاً من العبد فإنه لم يملك في الجملة ولأن العبد داخل في قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) (فصل) فإن إذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لأنه ليس يملك لما أذن له فيه وهل يجزئه بإذن السيد؟ فيه روايتان [إحداهما] لا يجزئه وهو ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه إلا الصيام [والثانية] يجزئه لأن المنع لحق السيد وقد أذن أشبه ما لو أذن له أن يتصدق بالمال وقد ذكرنا ذلك في الظهار والاختلاف فيه، وذكر القاضي أن أصل هذين عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك فإن قلنا يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لأنه مالك لما يكفر به وإن قلنا لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لأنه لا يملك شيئاً يكفره، وكذلك إن قلنا إنه يملك ولم يأذن له سيده في التكفير بالمال ففرضه الصيام وإن ملك لأنه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال أصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقاً سواء قلنا يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له أن يطعم،

وهل له أن يعتق؟ على روايتين [إحداهما] ليس له ذلك لأن العتق يقتضي الولاء والولاية والإرث وليس ذلك للعبد وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي على القول الذي يجيز له التكفير بالمال أو الثانية له التكفير بالعتق لأن من صح تكفيره بالمال صح تكفيره بالعتق كالحرية ولأنه يملك العبد فصح تكفيره بإعتاقه كالحر، وقولهم أن العتق يقتضي الولاء والولاية ممنوع إذا عتق في الكفارة على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الأحكام لا يمنع ثبوت المقتضي فإن الحكم يتخلف لتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه، ولأن تخلف بعض الأحكام مع وجود المقتضي أنما يكون لمانع ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها وهذا السبب المقتضي لهذه الأحكام ولا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت إعتاق العبد لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر ويفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ففيه قولان [أحدهما] يجزئه لانه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عنه كغيره [والآخر] لا يجزئه لأن الأذن له في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على أن سيده إذا أذن له في إعتاق نفسه عن كفارته جاز ومتى أطلق الأذن في الإعتاق فليس له أن يعتق إلا أقل قبة تجزئ عن الواجب وليس له إعتاق نفسه إذا كان مما يجزئ وهذا من أبي بكر يقتضي أن لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لأنه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالإطعام أو الإعتاق أجزأه لأنه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لأنه لا يملكها ولأن التمليك لا يكون إلا في معين فلا يصح أن يأذن فيه مطلقاً

(فصل) إذا أعتق العبد عبداً عن كفارته بإذن سيده وقلنا أن الإعتاق في الكفارة يثبت به الولاء، لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي اعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الولاء لمن أعتق " ويرث به لأنه ليس من اهل الميراث وانتفاء الإرث لا يمنع ثبوت الولاء كما لو اختلف ديناهما أو قتل المعتق عتيقه فإنه لا يرثه مع ثبوت الولاية عليه فإن عتق المعتق ورث بالولاء لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منها ذكر هذا طلحة العاقولي، ومقتضى هذا ان سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده كما لا يرث ولد عبده وإن أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لأنه مولى مولاه كما أنه لو أعتق العبد وله ولد عليه الولاء لمولى أمه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه * (مسألة) * (وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام سواء كان الحنث والحلف بإذنه أو بغير إذنه وسواء أضربه الصيام أو لم يضربه) وقال الشافعي إن حنث بغير إذنه والصوم يضربه فله منعه لأن السيد لم يأذن له فيما ألزم نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله كما لو احرم بالحج بغير إذنه ولنا أنه صوم واجب لحق الله تعالى فلم يكن لسيده منعه كصيام رمضان وقضائه، ويفارق الحج لأن ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة، فأما صوم التطوع فإن كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لأنه يفوت حقه وليس بواجب عليه وإن كان لا يضر به لم يكن لسيده منعه منه لأنه يعبد ربه بما لا مضره فيه فأشبه ذكر الله تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته، وللزوج منع زوجته منه في كل حال لأنه يفوت حقه من الاستمتاع ويمنعه منه

(فصل) ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار، متى ملك لجزئه الحر ما يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الأمور الثلاثة وظاهر كلام الشافعي أن له التكفير بالإطعام والكسوة دون الإعتاق لأنه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال لا يجزئه إلا الصيام لأنه منقوص بالرق أشبه القن ولنا قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) وهذا واجد ولأنه يملك ملكاً تاماً فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم إن امتناع بعض أحكامه لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقه الكافر [فصل] والكفارة في حق الحر والعبد والمسلم والكافر سواء لأن الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لأنه عبادة وليس هو من أهلها ولا بالإعتاق لأن من شرطه الأيمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم إلا أن يتفق إسلامه في يديه أو يرث مسلماً فيعتقه فيصح إعتاقه وإن لم يتفق ذلك فتكفيره بالإطعام أو الكسوة فإذا كفر ثم أسلم لم تلزمه إعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من إعتاق أو إطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي أنه لا يجزئه الصيام لأنه إنما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه [فصل] إذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئاً فقال له آخر يميني في يمينك لم يلزمه شئ لأن يمين

الأول ليست ظرفاً ليمين الثاني، وإن نوى أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك لم يلزمه حكمها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية لأن تعليق الكفارة بها لحرمة اللفظ باسم الله المحترم أو صفة من صفاته ولا يوجد ذلك بالكناية.
فأما إن حلف بطلاق فقال آخر يميني في يمينك ينوي أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك انعقدت يمينه نص عليه أحمد وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلاً فقال رجل وأنا على مثل يمينك فقال عليه مثل الذي حلف لأن الكناية تدخل في الطلاق، وكذلك يمين العتق وإن لم ينو شيئاً لم تنعقد يمينه لأن الكناية لا تقبل بغير نية وليس قوله هذا بصريح وإن كان المقول له لم يحلف بعد وإنما أراد أنه يلزم الآخر يميناً يحلف بها فحلف المقول لم تنعقد يمين القائل وإن كان في الطلاق والعتاق لانه لابد أن يكون هناك ما يكنى عنه وليس ههنا ما يكنى عنه (فصل) وإذا قال حلفت ولم يكن حلف فقال أحمد هي كذبة وليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله فإن كذب في الخبر به لم يلزمه حكمه كما لو قال ما صليت وقد صلى، ولو قال علي يمين فهي كالتي قبلها وإن نوى القسم فقال أبو الخطاب هي يمين وهو قول أصحاب الرأي وقال الشافعي ليس بيمين لأنه لم يأت باسم الله المعظم ولا صفته فلم يكن يميناً كما لو قال حلفت وهذا أصح إن شاء الله تعالى فإن هذه ليست صيغة اليمين والقسم وإنما هي صيغة الخبر فلا يكون بها حالفاً وإن قدر ثبوت حكمها لزمه أقل ما تناوله الاسم وهو يمين ما وليست كل يمين موجبة للكفارة فلا يلزمه شئ، ووجه الأول أنه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين فتكون يميناً كالصريح [فصل] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإبرار المقسم أو القسم رواه البخاري وهذا والله

أعلم على سبيل الندب لا سبيل الإيجاب بدليل أن أبا بكر رضي الله عنه قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقسم يا أبا بكر " ولم يخبره ويحتمل أن يجب ابراره إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من إبرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه، وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " قال العباس أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في يده فقال " أبررت قسم عمي ولا هجرة " فأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه [فصل] وتستحب إجابة من حلف بالله لما روى ابن عمر قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله: أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته الا الله عزوجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو كتابي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم " رواهما النسائي

  • (باب جامع الأيمان) * * (مسألة) * (ويرجع في الأيمان إلى النية فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) الأيمان مبنية على نية الحالف فإذا نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفاً له، فالموافق للظاهر أن ينوي باللفظ موضوعه الأصلي مثل أن ينوي باللفظ العام العموم وبالمطلق الإطلاق وبسائر الألفاظ ما يتبادر إلى الافهام منها.
    والحالف يتنوع أنواعاً (أحدها) أن ينوي بالعام الخاص مثل أن يحلف لا يأكل لحماً ولا فاكهة يريد لحماً بعينه وفاكهة بعينها (ومنها) أن يحلف على فعل شئ أو تركه مطلقاً وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه مثل أن يحلف لا يتغدى ويريد اليوم أولا أكلت يعني الساعة (ومنها) أن ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه كما ذكرنا في المعاريض في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله (ومنها) أن يريد بالخاص العام مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش يعني قطع كل ماله فيه منه أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد حفاءها بترك اجتماعه بها في جميع الدور أو حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها به فتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه منها مما لها فيه منة عليه وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه لأن الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين واليمين لفظة فلو أحنثناه على ما سواه لاحنثناه على ما نوى لا على ما حلف ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها ولنا أنه نوى بكلامه ما يحتمل ويسوغ في اللغة التعبير عنه فتنصرف يمينه إليه كالمعاريض،

وبيان احتمال اللفظ له أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام قال الله تعالى (ما يملكون من قطمير - ولا يظلمون فتيلا - وإذا لا يؤتون الناس نقيرا) والقطمير لفافة النواة والفتيل ما في شقها والنقير النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفى كل شئ، وقال الحطيئة يهيج بني العجلان: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * ولم يرد الحبة بعينها إنما أراد لا يظلمونهم شيئاً وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى (الذين قال لهم الناس) أراد رجلاً واحداً (إن الناس قد جمعوا لكم) يعني أبا سفيان وقال (تدمر كل شئ بأمر ربها) ولم تدمر السماء والأرض ولا مساكنهم، وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه إذا نواه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنما لأمرئ ما نوى " ولأن كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره.
قولهم أن الحنث مخالفة ما عقد اليمين عليه قلنا وهذا كذلك فإن اليمين إنما انعقدت على ما نواه ولفظه مصروف إليه وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله (فصل) ومن شرائط انصراف اللفظ إلى ما نواه احتمال اللفظ له فإن نوى ما لا يحتمله اللفظ مثل أن يحلف لا يأكل خبزاً يعني به لا يدخل بيتاً فإن يمينه لا تنصرف إلى المنوي لأنها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين * (مسألة) * [فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها] إذا عدمت البينة نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالتها على النية فإذا حلف ليقضينه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب لا يقتضيه وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد

وأبو ثور وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله لأنه يترك ما حلف عليه مختارف فحنث كما لو قضاه بعده ولنا أن مقضتى اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضى قبل خروج الغد وزاده خيراً ولأن مبنى الأيمان على هذا ونية هذا بيمينه تعجيل القضاء قبل خروجه فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به، فإن لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين فإن كان يقتضي التعجيل فهو كما لو نواه لأن السبب يدل على النية، وإن لم ينو ذلك ولا كان السبب يقتضيه فظاهر كلام الخرقي أنه لا يبر إلا بقضائه قبله وقال القاضي يبر على كل حال لأن اليمين للحنث على الفعل فمتى عجله فقد أتى بالمقصود فيه فيبر كما لو نوى ذلك، والأول أصح إن شاء الله تعالى لأنه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظا ولم تصرفها عنه نية ولا سبب فحنث كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجباً ويحتمل أن ما قاله القاضي في القضاء خاصة لأن عرف هذه اليمين في القضاء التعجيل فتنصرف اليمين المطلقة إليه.
[فصل] فأما غير قضاء الحق كأكل شئ أو شربه أو بيع شئ أو شرائه أو ضرب عبده أو نحوه فمتى عين وقتأً ولم ينو ما يقتضي تعجيله ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر إلا بفعله في وقته، وذكر القاضي أنه يبر بتعجيله عن وقته وحكي ذلك عن بعض أصحاب أبي حنيفة.
ولنا أنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته من غير نية تصرف يمينه ولا سبب فيحنث كالصيام، ولو فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبعضه في وقته لم يبر لأن اليمين في الإثبات لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه، فترك بعضه في وقته كترك جميعه إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضي ذلك سببها.

  • (مسألة) * (وإن حلف أن لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه باكثر لم يحنث أن باعه بأقل حنث) لأن قصده أن لا يبيعه بأقل منها فحنث إذا باعه بالأقل ولا يحنث إذا باعه بأكثر لأن قرينة الحال تدل على ذلك والعرف فهو كما لو حلف ليقضينه حقه غذا فقضاه اليوم، ومقتضى مذهب الشافعي أنه يحنث إذا باعه بأكثر لمخالفته اللفظ * (مسألة) * (ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشرة فباعه بها أو بأقل حنث وإن باعه بأكثر لم يحنث) وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل لأنه لم تتناوله يمينه ولنا أن العرف في هذا أن لا يبيعه بها ولا بأقل منها بدليل أنه لو وكل في بيعه إنساناً وأمره أن لا يبيعه بعشرة لم يكن له بيعه بأقل منها، وإن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة والحكم يثبت بالتنبيه كثبوته باللفظ، وإن حلف لا أشتريه بعشرة فاشتراه بأقل لم يحنث وإن اشتراه بها أو بأكثر منها حنث لما ذكرنا، ومقتضى مذهب الشافعي أن لا يحنث إذا اشتراه بأكثر منها لأن يمينه لم تتناوله لفظاً ولنا أنها تناولته عرفا وتنبيهاً فكان حانثاً كما لو حلف أن ماله علي حبة فإنه يحنث إذا كان عليه أكثر منها، قيل لاحمد رجل حلف لا ينقص هذا الثوب من كذا قال قد أخذته ولكن هب لي كذا؟ قال هذا حيلة، قيل له فإن قال البائع أبيعك بكذا وأهب لفلان شيئاً آخر؟ قال هذا كله ليس بشئ وكرهه.
  • (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره)

لأن قصده يتعلق باليوم فاختص الحنث بالدخول فيه دون غيره * (مسألة) * (وإن دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إذا قصده لما ذكرنا)

* (مسألة) * (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع منته حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة) لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه كقول الله تعالى (ولا يظلمون فتيلا) يريد لا يظلمون شيئاً وقال الشاعر: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * * (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يقصد قطع منتها فباعه واشترى بثمنه ثوبا فلبسه حنث وكذلك إن انتفع بثمنه) هذه المسألة أصل فرع قد تقدم ذكره في أول الباب وهو أن الأسباب معتبرة في الأيمان بتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس لأنه نوع انتفاع به تلحق المنة به، فإن لم يقصد قطع المنة ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث الا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة، فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظاً ونية وسبباً (فصل) فإن فعل شيئاً لها فيه منة عليه سوى الانتفاع بالثوب وبعوضه مثل أن سكن دارها أو أكل طعاماً أو لبس ثوبها لها غير الثوب المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به فلم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به

(فصل) وإن امتنت امرأته عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه قطعاً لمنتها فاشتراه غيرها ثم كساه إياه أو اشتراه الحالف ولبسه على وجه لا منه لها فيه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لمخالفته يمينه لفظاً ولأن لفظ الشارع إذا كان أعم من السبب وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في اليمين ولأنه لو خاصمتة امرأة له فقال نسائي طوالق طلقن كلهن وإن كان سبب الطلاق واحدة كذا ههنا (والثاني) لا يحنث لأن السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار كالمنوي أو كما لو خصصه بقرينة لفظيه: * (مسألة) * (فإن حلف لا يأوي معها في دار يرد جفاءها ولم يكن للدار سبب يهيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث) وهذه المسألة أيضاً من فروع اعتبار النية وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك الأوي معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه وكأنه حلف لا يأوي معها فإذا أوى معها في غيرها حنث لمخالفته ما حلف على تركه وصار هذا بمنزلة سؤال الإعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعت أهلي نهار رمضان فقال " أعتق رقبة " لما كان ذكره أهله لا أثر له في إيجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع سواء كان للأهل أو لغيره، وإن كان للدار أثر في يمينه مثل أن يكره سكناها أو خوصم من أجلها أو امتن عليه بها لم يحنث إذا أوى معها في غيرها لأنه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها فلم يخالف ما حلف عليه

وإن عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الأوي معها في تلك الدار بعينها لأنه لم يجب اتباع لفظه إذا لم يكن سبب ولا نية تصرف اللفظ عن مقتضاه أو تقتضي زيادة عليه ومعنى الأوي الدخول فمن حلف لا يأوي معها فدخل معها الدار حنث قليلاً كان لبثهما أو كثيراً قال الله تعالى مخبراً عن فتى موسى (إذ أوينا إلى الصخرة) قال أحمدكم كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله يقال أويت أنا واويت غيري قال الله تعالى (إذ أوى الفتية إلى الكهف) وقال تعالى (وآويناهما إلى ربوة) (فصل) وإن برها بهدية أو غيرها أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت لم يحنث سواء كان للدار سبب في يمينه أو لم يكن لأنه قصد جفاءها بهذا النوع فلم يحنث بغيره فإن حلف أن لا يأوي معها في دار لسبب فزال السبب الموجب ليمينه مثل أن كان السبب امتنانها بها عليه فملك الدار أو صارت لغيرها فأوى معها فيها فهل يحنث؟ على وجهين مضى ذكرهما وتعليلهما (فصل) وإن حلف لا يدخل عليها بيتاً فدخل عليها فيما ليس ببيت فحكمه حكم المسألة التي قبلها إن قصد جفاءها ولم يكن للبيت سبب هيج يمينه حنث وإلا فلا وإن دخل على جماعة هي فيهم يقصد الدخول عليها معهم حنث وكذلك إن لم يقصد شيئاً، وإن استثناها بقلبه ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث كما لو حلف أن لا يسلم عليها فسلم على جماعة هي فيهم يقصد بقلبه السلام على غيرها فإنه لا يحنث (والثاني) يحنث لأن الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد وقد وجد في حق الكل على السواء وهي منهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءها، وفارق السلام فإنه قول يصح تخصيصه بالقصد ولهذا يصح أن يقال السلام عليكم إلا فلاناً ولأن السلام قول يتناول ما يتناوله الضمير في عليكم

والضمير عام يصح أن يراد به الخاص فصح أن يراد به من سواها والفعل لا يتأتى فيه هذا وإن دخل بيتاً لم يعلم أنها فيه فوجدها فيه فهو كالدخول عليها ناسيا ففيه روياتان فإن قلنا لا يحنث بذلك فخرج حين علم بها لم يحنث وكذلك إن حلف لا يدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال لم يحنث وأن أقام معها فهل يحنث؟ على وجهين بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيه فاستدام المقام فهل يحنث؟ على وجهين * (مسألة) * (وإن حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعزل أو على زوجته فطلقها أو على عبده فاعتقه ونحوه يريد ما دام كذلك انحلت يمينه وإن لم تكن له نية انحلت يمينه أيضا) ذكره الخرقي لأن الحال تصرف اليمين إليه وذكر في موضع آخر أن السبب إذا كان يقتضي التعميم عممناها به وإن اقتضى الخصوص مثل من نذر لا يدخل بلداً لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال أحمد النذر يوفي به، قال شيخنا والأول أولى لأن السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء، وإن حلف لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى فلان القاضي فعزل انحلت يمينه إن نوى مادام قاضياً وإن لم ينو احتمل وجهين وقد ذكرنا في أول الباب أن النية إذا عدمت نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالته على النية فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار وكان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها اختصت يمينه بها، وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها لا أثر للدار فيه تعلق بأويه معها في كل دار، ومثله إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها إن كان سببه المنة عليه منها فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث، وإن كان سبب يمينه خشونة غزلها أو رداءته لم تتعد يمينه لبسه وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه والسبب دليل على النية فيتعلق اليمين به وقد ثبت أن كلام الشارع إذا

كان خاصاً في شئ لسبب عام تعدى إلى ما وجد فيه السبب لنصه على تحريم التفاضل في أعيان ستة ثبت الحكم في كل ما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي مثله، فأما إن كان اللفظ عاماً والسبب خاصاً مثل من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى أو حلف أن لا يقعد فإن كانت له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين (إحداهما) إن اليمين محمولة على العموم لأن أحمد سئل عن رجل نذر لا يدخل بلداً لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال النذر يوفي به يعني لا يدخله.
ووجه ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عاماً لسبب خاص وجب الأخذ بعوم اللفظ لا بخصوص السبب كذلك يمين الحالف وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده أن لا يخرج إلا بإذنه فعتق العبد وطلقت المرأة وخرجا بغير إذنه لا يحنث لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وإنما يملك منع الزوجة أو العبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكي، ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به فكذلك إذا وجد ما يدل عليها.
ولو حلف لعامل لا يخرج إلا بإذنه فعزل أو حلف لا يرى منكراً إلا رفعه إلى فلان القاضي فعزل ففيه وجهان بناء على ما تقدم (أحدهما) لا تنحل اليمين بعزله قال القاضي هذا قياس المذهب لأن اليمين إذا تعلقت بيمين موصوفة تعلقت بالعين وإن تغيرت الصفة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي (والوجه الآخر) تنحل اليمين بعزله وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يقال رفعه إليه إلا في حال ولايته.
فعلى هذا إن رأى المنكر في ولايته فأمكنه رفعه فلم يرفعه إليه حتى عزل لم يبر برفعه إليه في حال العزل وهل يحنث بعزله؟ فيه وجهان

(أحدها) يحنث لأنه قد فات رفعه إليه فأشبه ما لو مات (والثاني) لا يحنث لأنه لم يتحقق فواته لاحتمال أن يلي فيرفعه إليه بخلاف ما لو مات فإنه يحنث لأنه قد تحقق فواته، وإن مات قبل إمكان رفعه إليه حنث أيضاً لأنه قد فات فأشبه ما لو حلف ليضر بن عبده في غد فمات العبد اليوم ويحتمل أن لا يحنث لأنه لم يتمكن من فعل المحلوف عليه فأشبه المكره، وإن قلنا لا تنحل يمينه فعزل فرفعه إليه بعد عزله بر بذلك (فصل) وإن اختلف السبب والنية مثل أن امتنت عليه امرأته بغزلها فحلف أن لا يلبس ثوبا من غزلها ينوي اجتناب اللبس خاصة دون الانتفاع بثمنه وغيره قدمت النية على السبب وجهاً واحداً لأن النية وافقت مقتضى اللفظ وإن نوى بيمينه ثوباً واحداً فكذلك في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي يقدم السبب لأن اللفظ، ظاهر في العموم والسبب يؤكد ذلك الظاهر ويقويه لأن السبب هو الامتنان وظاهر حاله قصد قطع المنة فلا يلتفت إلى نيته المخالفة للظاهرين والأول أصح لأن السبب إنما اعتبر لدلالته على القصد فإذا خالف حقيقة القصد لم يعتبر فكان وجوده كعدمه فلم يبق إلا اللفظ بعمومه والنية تخصه على ما بيناه فيما مضى * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين - يعني إذا عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين - فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماماً أو مسجداً أو باعها فلان، أو لالبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا أو امرأة فلان أو صديقة فلان أو غلامه سعداً فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد فكلمهم، أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلا أو لا أكلت هذا اللبن فتغير أو عمل منه شئ فأكله حنث في ذلك كله ويحتمل أن لا يحنث)

وجملة ذلك أنه إذا حلف على شئ عينه بالإشارة مثل إن حلف لا يأكل هذا الرطب لم يخل من حالين (أحدهما) أن يأكله رطبا فيحنث بلا خلاف بين الجميع لكون فعل ما حلف على تركه صريحا (الثاني) أن تتغير صفته فذلك خمسة أقسام (أحدها) أن تستحيل أجزاؤه ويتغير اسمه مثل إن حلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فرخاً أو لا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا فأكله فلا يحنث لأنه زال اسمه واستحالت أجزاؤه وعلى قياسه لا شربت هذا الخمر فصار خلا وشربه (القسم الثاني) وتغيرت صفته وزال اسمه مع بقاء أجزائه مثل أن حلف لا أكلت هذا الرطب فصار تمراً، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً، أو لا أكلت هذا الحمل فصار كبشاً، أو لا دخلت هذه الدار فدخلها بعد تغيرها 1 وقاله أبو يوسف في الحنطة إذا صارت دقيقاً وللشافعي في الرطب إذا صار تمراً والصبي إذا صار شيخاً والحمل إذا صار كبشاً وجهان وقالوا في سائر الصور لا يحنث لأن اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا ولنا أن عين المحلوف عليه باقية فحنث كما لو حلف لا أكلت هذا الحمل فأكل لحمه أو لا لبست هذا الغزل فصار ثوباً ولبسه أو لا لبست هذا الرداء فلبسه بعد أن صار قميصاً أو سراويل، وفارق البيضة إذا صارت فرخا لان أجزاءها استحالب فصارت عينا أخرى ولم تبق عينها ولأنه لا اعتبار بالاسم مع التعيين كما لو حلف لا كلمت زيداً هذا فغير اسمه أو لا كلمت صاحب الطيلسان

فكلمه بعد بيعه ولأنه متى اجتمع التعيين مع غيره فما يعرف به كان الحكم للتعيين كما لو اجتمع مع الإضافة (القسم الثالث) تبدلت الإضافة مثل أن حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فعلق الزوجة وباع العبد والدار فكلمهما ودخل حنث وبه قال مالك والشافعي ومحمد وزفر، وقال أبو حنيفة وابو يوسف لا يحنث إلا في الزوجة لأن الدار لا توالى ولا تعادى وإنما الامتناع لأجل مالكها فتعلقت اليمين بها مع بقاء ملكه عليه وكذلك العبد في الغالب ولنا أنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والإضافة كان الحكم للتعيين كما لو قال والله لا كلمت زوجة فلان ولا صديقه.
وما ذكروه لا يصح في العبد لأنه يوالى ويعادى ويلزمه في الدار إذا أطلق ولم يذكر مالكها فإنه يحنث بدخولها بعد بيع مالكها إياها (القسم الرابع) إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت كمقص انكسر ثم أعيد وقلم كسر ثم بري وسفينة نقضت ثم أعيدت فإنه يحنث لأن اجزاءها واسمها موجودان فأشبه ما لو لم يتغير (القسم الخامس) إذا تغيرت صفته بما لا يزيل اسمه كلحم شوي وعبد بيع ورجل مرض فإنه يحنث به بلا خلاف نعلمه لأن الاسم الذي علق عليه اليمين لم يزل، ولا زال التغيير فحنث به كما لو لم يتغير حاله (فصل) وإن قال والله لا كلمت سعداً زوج هند او سيد صبيح أو صديق عمرو أو مالك هذا الدار أو صاحب الطيلسان، أو لا كلمت هندا امرأة سعد أو صبيحاً عبده او عمرا صديقه ف؟ لق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا وكلمهم حنث لأنه متى اجتمع الاسم والاضافة غلب الاسم بجريانه مجرى التعيين في تعريف المحل (فصل) ولو حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به او اتزر أو اعتم به

أو جعله قميصاً أو سراويل أو قباء فلبسه حنث، وكذلك إن كان قميصاً فارتدى به أو سراويل فاتزر بها وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي لأنه قد لبسه، وإن قال في يمينه لا لبسته وهو رداء فغيره عن كونه رداء ولبسه لم يحنث لأن اليمين وقعت على ترك لبسه رداء، وكذلك أن نوى بيمينه في شئ من هذه الأشياء مادام على تلك الصفة والإضافة وما لم يتغير في هذه المسائل المذكورة في هذا الفصل والذي قبله لقوله عليه السلام " وانما لا مرئ ما نوى) * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فإن عدم ذلك رجعنا إلى ما يتناوله الاسم.
والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام شرعية وحقيقية وعرفية) وجملة ذلك أن الأسماء تنقسم على ستة أقسام (أحدها) ماله مسمى واحد كالرجل والمرأة والإنسان والحيوان فهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بيغر خلاف (والثاني) ماله موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والصلاة والطهارة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع فهذا ينصرف اليمين عند الاطلاق إلى الموضوع الشرعي دون اللغوي لا نعلم أيضاً فيه خلافاً إلا ما ذكره فيما يأتي إن شاء الله (الثالث) ماله موضوع حقيقي ومجاز لم يستعمل أكثر من الحقيقة كالأسد والبحر فيمين الحالف ينصرف عند الاطلاق إلى الحقيقة دون المجاز لأن كلام الشارع إذا ورد مثل هذا حمل على حقيقته دون مجازه كذلك اليمين (الرابع) الأسماء العرفية، وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة فيه فهذا على ضروب (أحدها) ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالرواية وهي في العرف اسم للمزادة

وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه من الحيوانات، والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها، والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة، وفي الحقيقة العذرة فناء الدار ولذلك قال علي رضي الله عنه لقوم ما لكم لا تنظفون عذراتكم؟ يريد أفنيتكم، والغائط المطمئن من الأرض.
فهذا وأشباهه يصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لأنه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره (الضرب الثاني) أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم الموضوع ويتنوع أنواعاً نذكرها إن شاء الله في المسائل كادابة والريحان وغير ذلك * (فصل) * في الأسماء الشرعية، إذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً لم يحنث إلا أن يضيف اليمين إلى شئ لا تتصور فيه الصحة مثل أن يحلف أن لا يبيع الحر أو الخمر فيحنث بصورة البيع إذا حلف أن لا يبيع ولا ينكح انصرف إلى الصحيح دون الفاسد وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا قال لعبده إن زوجتك أو بعتك فأنت حر فزوجه تزويجاً فاسداً لم يعتق، وإن باعه بيعاً فاسداً يملك به حنث لأن البيع ينصرف إلى الصحيح بدليل قول الله تعالى (وأحل الله البيع) وأكثر ألفاظه في البيع إنما تنصرف إلى الصحيح فلا يحنث بما دونه كما في النكاح وكالصلاة وغيرهما وما ذكروه من ثبوت الملك به ممنوع، وقال ابن أبي موسى لا يحنث بالنكاح الفاسد وهل يحنث بالبيع الفاسد؟ على

روايتين، وقال أبو الخطاب إن نكحها نكاحاً مختلفاً فيه مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود أو باع في وقت النداء فعلى وجهين، وقال ابن أبي موسى إن تزوجها زواجاً مختلفاً فيه أو ملك ملكاً مختلفاً فيه حنث فيهما جميعاً ولنا أنه نكاح فاسد وبيع فاسد فلم يحنث بهما كالمتفق على فسادهما (فصل) والماضي والمستقبل سواء في هذا وقال محمد بن الحسن إذا حلف ما تزوجت ولا صليت ولا بعت وكان قد فعله فاسداً حنث لأن الماضي لا يقصد منه إلا الإسم والإسم يتناوله، والمستقبل بخلافه فإنه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة ولنا أن ما لا يتناوله الإسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي وكغير المسمى وما ذكره لا يصح لأن الإسم لا يتناول إلا الشرعي ولا يحصل (فصل) فإن حلف لا يبيع فباع بيعاً فيه الخيار حنث، وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد ولنا أنه بيع صحيح شرعي فيحنث به كالبيع اللازم وما ذكره ممنوع فإن بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق وهو سبب له فكذلك قبله (فصل) وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري لم يحنث وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً لأن البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الإسم على الإيجاب بدونه فلم يحنث به

(فصل) وإن أضاف اليمين في البيع والنكاح إلى ما تتصور فيه الصحة كالخمر والخنزير والحر حنث كصورة البيع لأنه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح فتعين محملاً له ويحتمل أن لا يحنث لأنه ليس ببيع في الشرع * (مسألة) * (وذكر الفاضي فيمن قال لامرأته إن سرقت مني شيئاً ويعينه فأنت طالق ففعلت لم تطلق) لأن البيع الشرعي لم يوجد (1) والأول أولى لأن صورة البيع وجدت (فصل) وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الإيجاب والقبول الصحيح لا نعلم فيه خلافا لأن ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناولته يمينه، وإن حلف ليتزوجن بر بذلك سواء كانت له امرأة أو لم تكن وسواء تزوج نظيرتها أو أعلى منها إلا أن يحتال على حل يمينه بتزوج لا يحصل المقصود مثل ان يواطئ امرأته على نكاح لا يغيظها به فلا يبر وبهذا قال أصحابنا إذا حلف ليتزوجن على امرأته لا يبر حتى يتزوج نظيرتها ويدخل بها وهو قول مالك لأنه قصد غيظ زوجته ولا يحصل إلا بذلك ولنا أنه تزوج تزويجاً صحيحاً فبر به كما لو تزوج نظيرتها والدخول غير مسلم فإن الغيظ يحصل بمجرد الخطبة وإن حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا يلزمه الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه كما أنه لا يلزمه نكاح اثنين ولا ثلاثة ولا أعلى من نظيرتها والذي تناولته يمينه مجرد التزويج ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأة حنث بهذا فكذلك يحصل البر به لأن المسمى واحد فما تناوله النفي تناوله في الإثبات وإنما لا يبر إذا زوج تزويجاً لا يحصل به الغيظ كما ذكرناه من الصورة ونظائرها لأن مبنى الأيمان على المقاصد والنيات ولم يحصل مقصوده ولأن التزويج يحصل ههنا حيلة على التخلص من

يمينه بما لا يحصل مقصودها فلم تقبل منه حيلته وقد نص أحمد على هذا فقال إذا حلف ليتزوجن على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية لا يبر لأنه أراد أن يغيظها ويغيرها ويغمها وبهذا لا تغار ولا تغتم فعلله أحمد بما يغيظ به الزوجة ولأن الغيظ لا يتوقف على ذلك، ولو قدر أن تزوج العجوز يغيظها والزنجية لبر به وإنما ذكره أحمد لأن الغالب أنه لا يغيظها لأنها تعلم أنه أنما فعل ذلك حيلة لئلا يغيظها ويبر به (فصل) وإن حلف لا تسريت فوطئ جاريته حنث ذكره أبو الخطاب وقال القاضي لا يحنث حتى يطأ فينزل فحلا كان أو خصيا وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يحصنها ويحجبها عن الناس لأن التسري مأخوذ من السر وهو الوطئ لأنه يكون في السر قال الله تعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) وقال الشاعر: فلن تطلبوا سرها للغنى * ولن تسلموها لازهادها وقال الآخر لقد زعمت بسباسة القوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ولأن ذلك حكم تعلق بالوطئ فلم يعتبر فيه الأنزال ولا التحصن كسائر الأحكام

* (مسألة) * (إذا حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوما)

هذا اذا لم يسم عدداً ولم ينوه وأقل ذلك صوم يوم لا خلاف فيه لأنه ليس في الشرع صوم مفرداً أقل من يوم فلزمه لأنه اليقين

* (مسألة) * (وإن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة)

وفيه روايتان (إحداهما) يجزئه ركعة نقلها اسماعيل بن سعيد لأن أقل الصلاة ركعة فإن الوتر صلاة مشروعة وهي ركعة واحدة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تطوع بركعة واحدة (والثانية) لا يجزئه إلا ركعتان وبه قال أبو حنيفة لأن أقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان فوجب حمل اليمين عليه وقد قيل إنما يجب ركعتان في النذر لأنه واجب، أما الوتر فهو نفل ولأن الركعة لا تجزئ في الفرض فلا تجزئ في النفل قياساً عليه وكالسجدة وللشافعي قولان كالروايتين وقال القاضي إن حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ من أقل ما يقع عليه اسم الصلاة على ما ذكرنا وإن حلف لا يصلي حنث بالتكبير وهذا أشبه ما إذا قال لزوجته إن حضت حيضة فأنت طالق فإنها لا تطلق حتى تحيض ثم تطهر، ولو قال إن حضت طلقت بأول الحيض لأنه إذا شرع في الصلاة يسمى مصلياً.
قال شيخنا: يحتمل أن يخرج على هذا الروايتين فيمن حلف لا يفعل شيئاً ففعل بعضه (فصل) وإن حلف لا يهب زيداً شيئاً ولا يوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث إذا حلف لا يهب زيداً شيئاً أو لا يعيره فأوجب ذلك ولم يقبل زيد حنث ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة وابن شريح لأن الهبة والعارية لا عوض فيهما فكان مسماهما الإيجاب والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيجب بمجرد الإيجاب فيه كالوصية وقال الشافعي لا يحنث بمجرد الإيجاب لأنه عقد لا يتم إلا بالقبول فلم يجب بمجرد الإيجاب كالنكاح والبيع، فأما الهدية والوصية والصدقة

فتجب بمجرد الإيجاب وذكره أبو الخطاب قال شيخنا ولا أعلم قولا للشافعي إلا أن الظاهر أنه لا يخالف في الوصية والهدية لأن الإسم يقع عليها بدون القبول ولهذا لما قال الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) إنما أراد الإيجاب دون القبول ولان الوصية تصح قبل موت الموصي ولا قبول لها حينئذ * (مسألة) * (وإن حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث لأن التصدق نوع من الهبة ولا يحنث الحالف على نوع آخر ولا يثبت للجنس حكم النوع ولهذا حرمت الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهبة ولا الهدية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به على بريرة " هو عليها صدقة ولنا هدية " وإن حلف لا يهبه شيئاً فأسقط عنه ديناً لم يحنث إلا أن ينوي لأن الهبة تمليك عين وليس له إلا دين في ذمته

* (مسألة) * (وإن حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث وكذلك إن اهدى له أو أعمره)

لأن ذلك من أنواع الهبة وإن أعطاه من الصدقة الواجبة يحنث لأن ذلك حق لله تعالى عليه يجب إخراجه فليس هو هبة منه فإن تصدق عليه تطوعا حنث قال القاضي هو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يحنث وهو قول أصحاب الرأي لأنهما يختلفان اسما وحكما بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " هو عليها صدقة ولنا هدية " وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلال له ويقبل الهدية

ولا يقبل الصدقة ومع هذا الاختلاف لا يحنث في أحدهما بفعل الآخر، ووجه الأول أنه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية ولأن الصدقة تسمى هبة فلو تصدق بدرهم قيل وهب درهما وتبرع بدرهم واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فتخص باسم دونها كاختصاص الهدية والعمري باسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة وكذلك اختلاف الأحكام فإنه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس كما يثبت للآدمي من الأحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان * (مسألة) * (وإن أعاره لم يحنث إلا عند أبي الخطاب) لأن العارية هبة المنفعة وقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح لأن الهبة تمليك الأعيان وليس في العارية تمليك عين ولأن المستعير لا يملك المنفعة وإنما يستحقها ولهذا يملك المعير الرجوع ولا يملك المستعير إجارتها * (مسألة) * [وإن وقف عليه حنث قاله أبو الخطاب] لأنه تبرع له بعين في الحياة، ويحتمل أن لا يحنث لأن الوقف لا يملك في رواية ولأنه لا يطلق عليه اسم الهبة * (مسألة) * (وإن وصى له لم يحنث) لأن الهبة تمليك في الحياة والوصية إنما تملك بالقبول بعد الموت.

* (مسألة) * (وإن باعه وحاباه حنث في أحد الوجهين) .

لأنه ترك له بعض المبيع بغير عوض أو هبة بعض الثمن، والوجه الآخر أنه لا يحنث وهو أولى لأنها معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع ولو كان هبة أو بعضه لم يملك أخذه كله وإن أضافه لم يحنث لأنه لا يملكه شيئاً وإنما أباحه الأكل ولهذا لا يملك التصرف بغيره.

  • (فصل) * قال رحمه الله (القسم الثاني الأسماء الحقيقية، فإذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الألية أو الدماغ أو القانصة لم يحنث) وجملة ذلك أن الحالف على أكل اللحم لا يحنث بأكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لأنه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ.
    ولنا أنه لا يسمى لحماً وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلاً لأمره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث بأكله كالبغل، وقد دل على أن الكبد والطحال ليسا لحما قول النبي صلى الله عليه وسلم " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال " ولا نسلم أنه لحم حقيقة بل هو من الحيوان كالعظم والدم فأما أن قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم، لأن له دسماً وكذلك المخ وكل ما فيه دسم ولا يحنث بأكل الألية، قال بعض أصحاب الشافعي يحنث لأنها نابته في اللحم وتشبهه في الصلابة ولا يصح ذلك لأنها لا تسمى لحماً ولا يقصد منها ما يقصد منه وتخالفه

في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث في أكله في ظاهر كلام الخرقي فإنه قال اللحم لا يخلو من الشحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا كذلك وهو قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد، وقال القاضي هو لحم يحنث بأكله من حلف لا يأكل شحما وهو مذهب الشافعي لأنه لا يسمى شحماً ولا بائعه شحاماً ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحماً سميناً ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه.
ولنا قول الله تعالى (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) ولأنه يشبه اللحم في صفته وذوبه ويسمى دهناً فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا أنه يسمى بمفرده لحماً وإنما يسمى اللحم الذي هو عليه لحماً سميناً ولا يسمى بائعه شحاماً لأنه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعاً للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لأنه سمي بما هو الأصل دون التبع.

  • (مسألة) * (وإن أكل المرق لم يحنث) . وقد قال أحمد لا يعجبني قال أبو الخطاب هذا على سبيل الورع وقال ابن موسى والقاضي يحنث لأن المرق لا يخلو من أجزاء اللحم الذائبة فيه، وقد قيل المرق أحد اللحمين.
    ولنا أنه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسم اللحم فلا يحنث به كالكبد ولا نسلم أن أجزاء اللحم

فيه وإنما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم وأما المثل فإنما أريد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لأنه جعلها غير اللحم الحقيقي.
(فصل) فإن أكل رأساً أو كراعا لا يحنث إلا أن ينوي لا يشتري من الشاة شيئاً، قال القاضي لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع، ولو وكله في شراء لحم فاشترى رأسا أو كارعاً لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رواساً ولا يسمى لحاماً، وقال أبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لأنه لحم حقيقة وحكي عن ابن أبي موسى أنه لا يحنث حتى ينويه باليمين، وإن أكل اللسان احتمل وجهين [أحدهما] يحنث لأنه لحم حقيقة [والثاني] لا يحنث لأنه منفرد عن اللحم باسمه وصفته فاشبه القلب.

* (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث] .

ظاهر هذا أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر الآية والعرف يشهد لذلك، وهو ظاهر قول أبي الخطاب وطلحة العاقولي، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن، وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وإن أكل من كل شئ من الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والألية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا يعني

ابن حامد لا يحنث لأن اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في أن شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به، فأما إن أكل اللحم الأحمر وحده ولم يظهر فيه شئ من الشحم فقال الخرقي يحنث لأنا قد ذكرنا أن الشحم كل ما يذوب بالنار ولا يكاد اللحم يخلو من شئ منه وإن قل فيحنث به ولأنه يظهر في الطبخ فيبين على وجه المرق وإن قل وهذا يفارق من حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه فإن هذا يظهر الدهن فيه، وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه.
(فصل) ويحنث بالأكل من الألية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لأنها دهن تذوب بالنار وتباع مع الشحم ولا تباع مع اللحم، وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلا يحنث به الحالف على تركهما.
(فصل) إذا حلف لا يأكل لحما حنث بأكل اللحم المحرم كالميتة والخنزير والمغصوب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحنث بأكل اللحم المحرم بأصله لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل دون ما يحرم فلا يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً.
ولنا أن هذا لحم حقيقة وعرفا فحنث به كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال (ولحم الخنزير)

وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير، وأما البيع الفاسد فلا يحنث به لأنه ليس ببيع في الحقيقة.

  • (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا أو سمنا أو كشكا أو بصلا أو جبنا لم يحنث وإن حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لم يحنث) إذا حلف لا يأكل لبناً فأكل من لبن الأنعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفاً وسواء كان حليباً أو رائباً أو مائعاً أو مجمداً لأن الجميع لبن.
    ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والبصل والأقط والكشك، وإن أكل زبداً فكذلك نص عليه وقال القاضي يحتمل أن يقال في الزبد إن ظهر فيه لبن حنث بأكله وإلا فلا كما لو حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن وهذا مذهب الشافعي، وإن حلف لا يأكل زبداً فأكل سمناً أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وإن كان الزبد فيه ظاهراً حنث وإن أكل لبناً لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وإن أكل السمن منفرداً أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ يظهر فيه طعمه حنث وكذلك إذا حلف لا يأكل لبناً فأكل طبيخاً فيه لبن أو لا يأكل خلاً فأكل طبيخاً فيه خل يظهر فيه طعمه حنث وبهذا قال

الشافعي وقال بعض أصحابنا لا يحنث لأنه لم يفرده بالأكل ولا يصح لأنه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله وأكل غيره

* (مسألة) * (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز واللوز والتمر والرمان

حنث وإن أكل البطيخ حنث ويحتمل أن لا يحنث) إذا حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة وذلك كل ثمرة تخرج من الشجر يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والأترج والتوت والنبق واللوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبويوسث ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث بأكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان) والمعطوف يغاير المعطوف عليه ولنا أنها ثمرة شجرة يتفكه بها فكانا من الفاكهة كسائر الأثمار ولأنهما فاكهة في عرف الناس ويسمى بائعهما فاكهانياً وموضع بيعهما دار الفاكهة والأصل في العرف الحقيقة والعطف لتشريفها وتخصيصهما كقوله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وهما من الملائكة، فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والاجاص ونحوها فهو من الفاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه به ويحتمل أنه ليس منها لأنه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب، والزيتون ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه بأكله وإنما المقصود منه الأدم لا التفكه والبطم في معناه لأن

المقصود زيته ويحتمل أنه فاكهة لأنه ثمر شجرة يؤكل غضا ويابساً على جهته أشبه التوت، والبلوط ليس بفاكهة لأنه لا يتفكه به وإنما يؤكل عند المجاعة أو للتداوي وكذلك سائر ثم الشجر البري الذي لا يستطاب كالزعرور الأحمر وثمر القيقب والعفص وحب الآس ونحوه إن كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر والبندق فهو فاكهة لأنه ثمر شجرة يتفكه به وفي البطيخ وجهان (أحدهما) هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لأنه ينضج ويحلو أشبه ثمر الشجر (والثاني) لا يحنث بأكله لأنه ثمر بقلة أشبه الخيار

* (مسألة) * [ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ونحوه والقرع والباذنجان]

لأنه من الخضر وليس من الفاكهة وكذلك ما يكون في الأرض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه، ليس شئ من ذلك فاكهة لأنه لا يسمى بها ولا هو في معناها * (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل رطبا فأكل مذنبا حنث] وهو الذي بدأ فيه الأرطاب من ذنبه وباقيه بسر أو منصفاً وهو الذي بعضه بسر وبعضه رطب أو حلف لا يأكل بسراً فأكل ذلك حنث وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي وقال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لأنه لا يسمى رطباً ولا تمراً

ولنا أنه أكل رطباً وبسراً فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردين وما ذكروه لا يصح فإن القدر الذي أرطب رطب والباقي بسر ولو أنه حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في المنصف حنث وإن أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وإن حلف واحد ليأكلن رطباً وآخر ليأكلن بسراً فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطب وأكل الآخر باقيها برا جميعاً وإن حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفاً لم يبر ولم يحنث لأنه ليس فيه رطبة ولا بسرة

* (مسألة) * (وإن أكل تمراً أو بسراً لم يحنث) لأنه ليس برطب

[فصل] وإن حلف لا يأكل تمراً فأكل رطبا لم يحنث لأنه لم يتناوله الأسم وكذلك لو أكل بسراً أو بلحاً وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافاً [فصل] فإن حلف لا يأكل عنباً فأكل زبيباً أو دبساً أو خلا أو ناطفاً أو لا يكلم شاباً فكلم شيخاً أو لا يشتري جدياً فاشترى تيساً أو لا يضرب عبداً فضرب عتيقاً لم يحنث بغير خلاف لأن اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها فأما إن عين المحلوف عليه ففيه خلاف ذكرناه فيما مضى * (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل أدماً حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به وفي التمر وجهان]

إذا حلف على ترك الأدم حنث بأكل ما جرت العادة بأكل الخبز به لأن هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ به كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى (وصبغ للآكلين) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم الادام الخل - وقال - ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " رواه ابن ماجه - أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلا والزيتون والبيض وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لأن كل واحد منهما يرفع إلى الفم مفرداً ولنا ما روى عن البني صلى الله عليه وسلم أنه قال " سيد الادام اللحم - وقال - سيد أدمكم الملح " رواه ابن ماجه ولأنه يؤكل به الخبز عادة فكان أدماً كالذي يصطبغ به ولأن كثير مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده إنما يعد للتأدم به فكان أدماً كالخل واللبن وقولهم أنه يرفع إلى الفم مفرداً عنه جوابان (أحدهما) أن منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه (والثاني) أنهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلع الذي هو حقيقة الأكل فلا يضر افتراقهما قبله وأما التمر ففيه وجهان (أحدهما) أنه أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة وقال " هذا إدام هذه " رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد (والثاني) ليس بأدم لأنه

لا يؤتدم به عادة وإنما يؤكل قوتاً وحلاوة ولأنه فاكهة فأشبه الزبيب [فصل] إذا حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وجامع ومائع قال الله تعالى (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه - وقال تعالى - ويطعمون الطعام على حبه) يعني على محبة الطعام وحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال تعالى (قل لاجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما فقال " إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى (ومن لم يطعمه فإنه مني) والطعام ما يطعم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء.
[والثاني] ليس بطعام لأنه لا يسمى طعاما ولا يفهم من إطلاقه اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " رواه ابن ماجه ويقال باب الأطعمة والأشربة ولأنه إن كان طعاماً في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لأن مبنى الأيمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه، فإن أكل دواء ففيه وجهان:

(أحدهما) يحنث لأنه يطعم حال الاختيار وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يحنث لأنه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يوكل إلا عند الضرورة، فإن أكل من نبات الأرض ما جرت العادة بأكله حنث وإن أكل ما لم تجر به عادة كورق الشجر ونشارة الخشب والتراب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لأنه قد أكله فأشبه ما جرت العادة بأكله ولأنه روي عن عتبة بن غزوان أنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا (والثاني) لا يحنث لأنه لا يتناوله اسم الطعام في العرف (فصل) وإن حلف لا يأكل قوتاً فأكل خبزاً أو تمراً أو تيناً او لحماً أو لبناً حنث لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان، ويحتمل أن لا يحنث إلا بما يقتاته أهل بلده لأن يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم وفي بلدهم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين وإن أكل سويقاً أو استف دقيقا حنث لأنه يقتات كذلك، ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزاً وبسابسا * ولا تطيلا بمقام حبسا وإن أكل حباً يقتات خبزه حنث ولذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت عياله سنة وإنما يريد الحب، ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يقتات كذلك وإن أكل عنباً أو حصرما أو خلا لم يحنث لأنه لم يصر قوتا.

  • (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً حنث) وكذلك إن لبس عمامة أو قلنسوة)
فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
* (مسألة) * (وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه ومن بعضه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار)* (مسألة) * (وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع منته حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة) لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه كقول الله تعالى (ولا يظلمون فتيلا) يريد لا يظلمون شيئاً وقال الشاعر: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * * (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يقصد قطع منتها فباعه واشترى بثمنه ثوبا فلبسه حنث وكذلك إن انتفع بثمنه) هذه المسألة أصل فرع قد تقدم ذكره في أول الباب وهو أن الأسباب معتبرة في الأيمان بتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس لأنه نوع انتفاع به تلحق المنة به، فإن لم يقصد قطع المنة ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث الا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة، فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظاً ونية وسبباً (فصل) فإن فعل شيئاً لها فيه منة عليه سوى الانتفاع بالثوب وبعوضه مثل أن سكن دارها أو أكل طعاماً أو لبس ثوبها لها غير الثوب المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به فلم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به* (مسألة) * (إذا حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوما)* (مسألة) * (وإن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة)* (مسألة) * (وإن حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث وكذلك إن اهدى له أو أعمره)* (مسألة) * (وإن باعه وحاباه حنث في أحد الوجهين) .* (مسألة) * [وإن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث] .* (مسألة) * (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز واللوز والتمر والرمان* (مسألة) * [ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ونحوه والقرع والباذنجان]* (مسألة) * (وإن أكل تمراً أو بسراً لم يحنث) لأنه ليس برطب
كتاب العتق
جارٍ التحميل