مات المهدي قبل أن تصل إلى المهدى إليه رجعت إلى ورثة المهدي وليس للرسول حملها إلى المهدي إليه إلا أن يأذن الوارث والهبة كالهدية، وقال أبو الخصاب قام وارثه مقامه في الإذن في القبض والفسخ وهذا يدل على أن الهبة لم تنفسخ بموته وهو قول أكثر أصحاب الشافعي لأنه عقد مآله إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدة الخيار وكذلك يخرج فيما إذا مات الموهوب له بعد القبول وإن مات أحدهما قبل القبول أو ما يقوم مقامه بطلت وجهاً واحداً لأن العقد لم يتم فهو كما لو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول فإن قلنا أن الهبة لا تبطل فمات أحدهما بعد الإذن في القبض بطل الإذن لأن الميت إن كان هو الواهب فقد انتقل حقه في الرجوع في الهبة إلى وارثه وإن كان المتهب فلم يوجد الإذن لوارثه فلم يملك القبض بغير إذن والله أعلم * (مسألة) * (وإن أبرأ الغريم غريمه من دينه أو وهبه له أو أحله منه برئ وإن رد ذلك ولم يقبله) لأنه إسقاط فلم يفتقر إلى القبول كإسقاط القصاص والشفعة وحد القذف وكالعتق والطلاق وكذلك إن قال تصدقت به عليك فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ الصدقة قال الله تعالى (ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) وإن قال عفوت لك عنه صح قال الله تعالى (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يريد به الإبراء من الصداق، فإن قال أسقطته عنك صح لأنه أتى بحقيقة اللفظ وكذلك إن قال ملكتك لأنه بمنزلة هبته إياه فإن وهب الدين لغير من هو في ذمته لم يصح قياساً على البيع
ويحتمل أن يصح لأنه لا غرر فيها على المتهب ولا الواهب فصح كهبة الأعيان (فصل) وتصح البراءة من المجهول إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته وقال أبو حنيفة تصح مطلقاً وقال الشافعي لا تصح إلا أنه إذا أراد ذلك فقال أبرأتك من درهم إلى ألف لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر فإذا رضي بالجملة فقد زال الغرر وصحت البراءة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست " اقتسما وتوخيا ثم استهما ثم تحالا " رواه أبو داود ولأنه إسقاط فصح في المجهول كالطلاق والعتاق وكما لو قال من درهم الى ألف، ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة ولا سبيل إلى العلم بما فيها فلو وقفت صحة البراءة على العلم لكان سداً لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم وتبرئة ذمته فلم يجز ذلك كالمنع من العتق، فأما إن كان من عليه الحق يعلمه ويكتمه المستحق خوفاً من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه فينبغي أن لا تصح البراءة فيه لأن فيه تغريراً بالمبرئ وقد أمكن التحرز منه، وقال أصحابنا لو أبرأه من مائة وهو يعتقد أنه لا شئ عليه وكان له عليه مائة ففي صحة البراءة وجهان (أحدهما) صحتها لأنها صادفت ملكه فأسقطته كما لو علمها (والثاني) لا يصح لأنه ابرأه مما لا يعتقد أنه عليه فلم يكن ذلك إبراء في الحقيقة، وأصل الوجهين ما لو باع ما لا كان لموروثه يعتقد أنه باق لموروثه وكان موروثه قد مات وانتقل ملكه إليه فهل يصح؟ فيه وجهان وللشافعي قولان في البيع وفي صحة الإبراء وجهان
(فصل) فإن كان الموهوب له طفلاً أو مجنوناً لم يصح قبضه ولا قبوله لأنه من غير أهل التصرف ويقبض له أبوه إن كان أميناً لأنه أشفق عليه وأقرب إليه، فإن لم يكن له أب قبض له وصي إليه لأن الأب أقامه مقام نفسه فجرى مجرى وكيله، وإن كان الأب غير مأمون أو كان مجنوناً أو كان لا وصي له قبل الحاكم، ولا يلي ماله غير هؤلاء الثلاثة وأمين الحاكم يقوم مقامه وكذلك وكيل الأب الأمين ووصيه يقوم كل واحد منهما مقام الصبي والمجنون في القبول والقبض إن احتيج إليه لأنه قبول لما للصبي أو المجنون فيه حظ فكان إلى الولي كالبيع والشراء ولا يصح القبض من غير هؤلاء قال أحمد في رواية صالح في صبي وهبت له هبة أو تصدق عليه بصدقة فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر فقال لا أعرف للأم قبضاً ولا يكون إلا للأب، وقال عثمان رضي الله عنه أحق من يحوز للصبي أبوه وهذا مذهب الشافعي لا أعلم فيه خلافاً لأن القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه والولي نائب بالشرع فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له، قال شيخنا ويحتمل أن يصح القبول والقبض من غيرهم عند عدمهم لأن الحاجة داعية إلى ذلك فإن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه وليس له أب ولا وصي ويكون
فقيراً لا غنى به عن الصدقات فإن لم يصح قبض غيرهم له انسد باب وصولها إليه فيضيع ويهلك ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية، فعلى هذا للأم القبض له وكل من يليه من أقاربه وغيرهم (فصل) فإن كان الصبي مميزاً فحكمه حكم الطفل في قيام وليه مقامه لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ إلا أنه إذا قبل لنفسه وقبض لها صح لأنه من أهل التصرف فإنه يصح بيعه وشراؤه بإذن الولي فههنا أولى، ولا يحتاج إلى إذن الولي ههنا لأنه مصلحة لا ضرر فيه فصح من غير إذن وليه كوصيته وكسبه المباحات، ويحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن وليه دون القبول لأن القبض يحصل به مستولياً على المال فلا يؤمن تضييعه له وتفريطه فيه فيتعين حفظه عن ذلك بتوقفه على إذن وليه كقبضه أوديغته بخلاف القبول فإنه يحصل له به الملك من غير ضرر فجاز من غير إذن كاحتشاشه واصطياده.
(فصل) فإن وهب الأب لولده الصغير شيئاً قام مقامه في القبض والقبول إن احتيج إليه قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان الرجل اذا وهب لولده الطفل داراً بعينها أو عبداً بعينه وقبضه له من نفسه وأشهد عليه أن الهبة تامة، هذا قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز، فإن كان الموهوب مما يفتقر إلى قبض اكتفى
بقوله قد وهبت هذا لابني وقبضته له لأنه يغني عن القبول كما ذكرنا ولا يكفي قوله قد قبلته لأن القبول لا يغني ن القبض، وإن كان مما لا يفتقر اكتفى بقوله قد وهبت هذا لابني ولا يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول، قال إبن المنذر أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لولده الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض وإن الإشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليها أبوه لما رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان قال من نحل ولداً له صغيراً لم يبلغ أن يحوز نحلة فأعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزة وإن وليها أبوه، وقال القاضي لابد في هبة الولد من أن يقول قبلته وهذا مذهب الشافعي لأن الهبة عندهم لا تصح إلا بالإيجاب والقبول وقد ذكرنا من قبل أن قرائن الأحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول ولا أدل على القبول من كون القابل هو الواهب فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به تحكم لا معنى له مع مخالفته لظاهر حال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وليس هذا مذهبا لاحمد فقد قال في رواية حرب في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي معروفة لابنه وليس له ولد غيره فقال أحب أن يقول عند الإشهاد قد قبضته له قال له فإن سها قال إذا كان مفرزاً رجوت فقد ذكر أحمد أنه يكتفي بقوله قد قبضته له وأن يرجو أن يكتفي مع التمييز بالإشهاد فحسب وهذا موافق للإجماع المذكور عن سائر العلماء، وقال بعض أصحابنا يكتفى بأحد لفظين إما أن يقول قد قبلته أو قد قبضت لأن القبول يغني عن القبض وظاهر كلام أحمد ما ذكرناه ولا فرق بين الأثمان وغيرها فيما
ذكرنا وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك إن وهب له مالاً يعرف بعينه كالأثمان لم يجز إلا أن يضعها على يد غيره لأن الأب قد يتلف ذلك أو يتلف بغير سببه فلا يمكن أن يشهد على شئ بعينه فلا ينفع القبض شيئاً ولنا أن ذلك مما يصح هبته فإذا وهبه لابنه الصغير وقرضه له صح كالعروض (فصل) فإن كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه فقال أصحابنا لابد أن يوكل من يقبل للصبي ويقبض له ليكون الإيجاب منه والقبول والقبض من غيره كما في البيع بخلاف الأب فإنه يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه، قال شيخنا والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء لأنه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله فجاز أن يتولى طرفيه كالأب.
وفارق البيع فإنه يجوز أن يوكل من يشتري له ولأن البيع عقد معاوضة ومرابحة فيتهم في عقده لنفسه والهبة محض مصلحة لا تهمة فيها وهو ولي فجاز أن يتولى طرفي العقد كالأب، ولأن البيع إنما منع منه لما يأخذه من العوض لنفسه من مال الصبي وهو ههنا يعطي ولا يأخذ فلا وجه لمنعه من ذلك وتوقيفه على توكيل غيره ولأننا قد ذكرنا أنه يستغنى بالإيجاب والإشهاد عن القبض والقبول فلا حاجة الى التوكيل فيهما مع غناه عنهما
(فصل) فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن لأنه محجور عليه لحظ نفسه فلا يصح تبرعه كالسفيه، فأما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده لأنه مال لسيده وماله مال لسيده فلا يجوز له إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه كالأجنبي وقد ذكرنا في جواز الصدقة من قوته بالرغيف ونحوه رواية أن ذلك جائز وذكرنا دليله في الحجر وللعبد أن يقبل الهدية والهبة بغير إذن سيده نص عليه أحمد لأنه تحصيل للمال للسيد فلم يعتبر إذنه فيه كالالتقاط والاصطياد ونحوه: (فصل) والقبض في الهبة كالقبض في البيع وقد ذكرنا ذلك والاختلاف فيه في كتاب البيع وهذا مقيس عليه * (مسألة) * (وتصح هبة المشاع وبه قال مالك والشافعي وسواء في ذلك ما أمكن قسمته أو لم يمكن وقال أصحاب الرأي لا تصح هبة المشاع الذي يمكن قسمته لأن القبض شرط في الهبة ووجوب القسمة يمنع صحة القبض وتمامه وتصح هبة ما لا يمكن قسمته لعدم ذلك فيه فإن وهب واحد اثنين شيئاً مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة وجاز عند صاحبيه وإن وهب اثنان اثنين شيئاً مما ينقسم لم يصح في قياس قولهم لأن كل واحد من المتهبين قد وهب له جزء مشاع
ولنا أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم ما غنمه منهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم " رواه البخاري وهو هبة مشاع وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء رجل ومعه كبة من شعر فقال أخذت هذه من الغنم لأصلح بها برذعة لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " وروى عمير بن سلمة الضمري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الروحاء فرأينا حمار وحش معقوراً فأردنا أخذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعوه فإنه يوشك أن يجئ صاحبه " فجاء رجل من بهز وهو الذي عقره فقال يا رسول الله شأنكم بالحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بين الناس رواه الإمام أحمد والنسائي ولأنه يجوز بيعه فجازت هبته كالذي لا ينقسم، وقولهم إن وجوب القسمة يمنع صحة القبض لا يصح لأنه لا يمنع صحته في البيع فكذا ههنا، ومتى كانت الهبة لاثنين فقبضاه بإذنه ثبت ملكهما فيه وإن قبضه أحدهما ثبت الملك في نصيبه دون صاحبه * (مسألة) * (وتصح هبة ما يجوز بيعه لأنه تمليك في الحياة فصح كالبيع وتصح هبة الكلب وما يباح الانتفاع به من النجاسات لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية، ومتى قلنا إن القبض شرط في الهبة
لم تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه كالعبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه منه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لأنه عقد يفتقر الى القبض أشبه البيع فإن وهب المغصوب لغاصبه أو لمن يتمكن من أخذه منه صح لإمكان قبضه، وليس لغير الغاصب القبض إلا بإذن الواهب فإن وكل المالك الغاصب في تقبيضه صح وإن وكل المتهب الغاصب في القبض له فقبل في زمن يمكن قبضه فيه صار مقبوضاً وملكه المتهب وبرئ الغاصب من ضمانه وإن قلنا القبض ليس شرطاً في الهبة فما لا يعتبر فيه القبض من ذلك يحتمل أن لا يعتبر في صحة هبته القدرة على التسليم وهو قول أبي ثور لأنه تمليك بلا عوض أشبه الوصية ويحتمل أن لا تصح هبته لأنه لا يصح بيعه أشبه الحمل في البطن وكذلك يخرج في هبة الطير في الهواء أو السمك في الماء إذا كان مملوكاً * (مسألة) * (ولا تصح هبة المجهول كالحمل في البطن واللبن في الضرع) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور لأنه مجهول معجوز عن تسليمه فلم تصح هبته كما لا يصح بيعه وفي الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه، ومتى أذن له في جز الصوف وحلب الشاة كان إباحة وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفاً، ولا تصح هبة المعدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته لأن الهبة عقد تمليك في الحياة فلم تصح في هذا كله كالبيع (فصل) قد ذكرنا أن هبة المجهول لا تصح نص عليه أحمد في رواية أبي داود وحرب وبه قال الشافعي، قال شيخنا ويحتمل أن الجهل إذا كان من الواهب منع الصحة لأنه غرر في حقه وإن كان من الموهوب له لم يمنعها لأنه لا غرر في حقه فلم يعتبر في حقه العلم بما يوهب له كالوصية، وقال مالك: تصح هبة المجهول لأنه تبرع فصح في المجهول كالنذر والوصية
ولنا أنه عقد تمليك لا يصح تعليقه بالشروط فلم يصح في المجهول كالبيع بخلاف النذر والوصية فأما ما لا يقدر على تسليمه فتصح هبته في أحد الاحتمالين إذا قلنا إن القبض ليس بشرط في صحة الهبة وقد ذكرناه.
- (مسألة) * (ولا يجوز تعليقها على شرط ولا شرط ما ينافي مقتضاها نحو أن لا يبيعها ولا يهبها) لا يصح تعليق الهبة على شرط لأنها تمليك لعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة " إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك " كان وعداً لا هبة ومتى شرط شرطاً ينافي مقتضاها نحو أن لا يبيعها ولا يهبها أو بشرط أن يبيعه أو يهبه أو أن يهب فلاناً شيئاً لم يصح الشرط رواية واحدة، وفي صحة الهبة وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
- (مسألة) * (ولا توقيتها كقوله وهبتك هذا سنة) إذا وقت الهبة كقوله وهبتك هذا سنة ثم يعود إلى لم يصح لأنه عقد تمليك لعين فلم تصح مؤقتاً كالبيع (فصل) وإن وهب أمة واستثنى ما في بطنها صح في قياس قول أحمد فيمن أعتق أمة واستثنى ما في بطنها لأنه تبرع بالأم واستثنى ما في بطنها أشبه العتق، وبه يقول في العتق النخعي واسحاق وأبو ثور، ويتخرج أن لا يصح كما لو باع أمة واستثنى ما في بطنها، وقد ذكرناه في البيع، وقال أصحاب الرأي تصح الهبة ويبطل الاستثناء، ولنا أنه لم يهب الولد فلم يملكه الموهوب له كالمنفصل وكالموصى به.
- (مسألة) * (إلا في العمرى والرقبى وهو أن يقول أعمرتك هذه الدار أو أرقبتكها أو جعلتها لك عمرك أو حياتك فإنه يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده) العمرى والرقبى نوعان من أنواع الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره، وصورة العمرى أن يقول أعمرتك داري هذه أو هي لك عمرك أو ما عشت أو مدة حياتك أو ما حييت أو نحو هذا، سميت عمرى لتقييدها بالعمر، والرقبى
أن يقول أرقبتك هذه الدار أو هي لك حياتك على إنك إن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك فكأنه يقول هي لآخرنا موتاً، ولذلك سميت رقبى لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وهما جائزان في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنها لا تصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تعمروا ولا ترقبوا " ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العمرى جائزة لأهلها والرقبى جائزة لأهلها " رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن، فأما النهي فإنما ورد على وجه الإعلام لهم أنكم إن أعمرتم أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب ولم يعد اليكم منه شئ، وسياق الحديث يدل عليه فإنه قال " فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً وعقبه " ولو أريد به حقيقة النهي لم يمنع ذلك صحتها فإن النهي إنما يمنع صحة ما يفيد المنهي عنه فائدة، أما إذا كان صحة المنهي ضرراً على مرتكبه لم يمنع صحته كالطلاق في زمن الحيض، وصحة العمرى ضرر على المعمر فإن ملكه يزول بغير عوض.
إذا ثبت ذلك فإن العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وشريح ومجاهد وطاوس والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن علي، وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع لا تملك بها رقبة المعمر بحال ويكون للمعمر السكنى فيه فإن مات عادت إلى المعمر وإن قال له ولعقبه كان سكناها لهم فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر، واحتجا بما روي يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال سمعت مكحولاً يسأل القاسم بن محمد عن العمرى ما يقول الناس فيها فقال القاسم ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا، وقال ابراهيم الحربي عن ابن الأعرابي لم يختلف العرب في العمرى والرقبى والافقار والمنحة والعارية والكسنى والإطراق أنها على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له ولأن التمليك لا يتأقت كما لو باعه إلى مدة فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع لأنه يصح توقيته ولنا ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " امسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها
فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه " رواه المسلم وفي لفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه، وروى ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا رقبى، فمن أرقب شيئاً فهو له حياته وموته " وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمرى للوارث وقد روى مالك حديث العمرى في موطئه وهو صحيح رواه جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين فكيف يقبل في مخالفة سيد المرسلين، ولا يصح دعوى إجماع أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان وقول ابن الأعرابي أنها عند العرب تمليك المنافع لا يضر إذا نقلها الشرع إلى تمليك الرقبة كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة، قولهم أن التمليك لا يتأقت قلنا فلذلك أبطل الشرع تأقيتها وجعلها تمليكاً مطلقاً فإن قال في العمرى أنها للمعمر وعقبه كان توكيداً لحكمها وتكون للمعمر ولورثته وهو قول جميع القائلين بها * (مسألة) * (وإن شرط رجوعها إلى المعمر عند موته أو قال هي لآخرنا موتاً صح الشرط وعنه لا يصح وتكون للمعمر ولورثته من بعده) أما إذا شرط رجوعها إلى المعمر عند موته أو قال هي لآخرنا موتاً أو إذا مت عادت إلي إن كنت حياً أو إلى ورثتي ففيه روايتان (إحداهما) صحة العقد والشرط ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر، وبه قال القاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والزهري وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب ومالك وأبو ثور وداود وهو أحد قولي الشافعي لما روى جابر قال إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فلما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها متفق عليه، وروى مالك في موطئه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى من أعطاها " لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون على شروطهم وقال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم.
(والثانية) أنها تكون للمعمر أيضاً ولورثته ويبطل الشرط وهو قول الشافعي في الجديد وأبي حنيفة، قال شيخنا وهو ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب للأحاديث المطلقة التي ذكرناها ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا رقبى، فمن أرقب شيئاً فهو له حياته وموته "، قال مجاهد والرقبى هو أن يقول هي للآخر مني ومنك موتاً قال مجاهد سميت بذلك لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وروى الإمام أحمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو له حياته وموته " وهذا صريح في إبطال الشرط لأن الرقبى يشترط فيها عودها إلى المرقب إن مات الآخر قبله فأما حديثهم الذي احتجوا به فمن قول جابر نفسه وإنما نقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم قال " امسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه " ولأننا لو أجزنا هذا الشرط كانت هبة مؤقتة والهبة لا يجوز فيها التأقيت وإنما لم يفسدها الشرط لأنه ليس بشرط على المعمر وإنما شرط ذلك على ورثته ومتى لم يكن الشرط مع المعقود معه لم يؤثر فيه ولنا قوله في الحديث الآخر لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فهذه الزيادة من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن كذلك رواه ابن أبي ذئب، وفصل هذه الزيادة فقال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا مثنوية قال أبو سلمة لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث (فصل) والرقبى كالعمرى قال أحمد هي أن يقول هي لك حياتك فإذا مت فهي لفلان أو هي راجعة إلي وهي كالعمرى فيما إذا شرط عودها إلى المعمر قال علي رضي الله عنه العمرى والرقبى سواء وقال طاوس من أرقب شيئاً فهو سبيل الميراث وقال الزهري الرقبى وصية يعني أن معناها إذا مت فهذا لك وقال الحسن ومالك وأبو حنيفة الرقبى باطلة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز العمرى وأبطل الرقبى لأن
معناها أنها للآخر منا وهذا تمليك معلق بخطر ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر ولنا ما ذكرنا من الأحاديث وحديثهم لا نعرفه ولا نسلم أن معناها ما ذكروه بل معناها أنها لك حياتك فإن مت رجعت إلي فتكون كالعمرى سواء لأنه زاد شرطها لورثة المرقب إن مات المرقب قبله وهذا يبين تأكيدها على العمرى (فصل) وتصح العمرى في الحيوان والثياب لأنها نوع هبة فصحت في ذلك كسائر الهبات وقد روي عن أحمد في الرجل يعمر الجارية أنه قال لا أرى له وطأها قال القاضي لم يتوقف أحمد في وطئ الجارية لعدم الملك فيها لكن على طريق الورع لكون الوطئ استباحة فرج وقد اختلف في العمرى فجعلها بعضهم تمليك المنافع فلم ير له وطأها لهذا ولو وطئها جاز (فصل) وقد ذكرنا أنه لو وقت الهبة في غير العمرى والرقبى كقوله (وهبتك هذا سنة) أو إلى أن يقدم الحاج أو إلى أن يبلغ ولدي أو مدة حياة فلان ونحو هذا لم يصح لأنها تمليك للرقبة فلم تصح موقنة كالبيع وتفارق العمرى والرقبى لأن الإنسان إنما يملك الشئ عمره فإذا ملكه عمره فقد وقته بما هو موقت به في الحقيقة فصار ذلك كالمطلق (فصل) فأما إن قال سكناها لك عمرك فله أخذها في أي وقت أحب وكذلك إن قال اسكنها أو أسكنتكها عمرك أو نحو ذلك فليس هذا عقداً لازماً لأنه في التحقيق هبة المنافع والمنافع إنما تستوفى بمضي الزمان شيئاً فشيئاً فلا تلزم الا في قدر ما قبضه منها واستوفاه بالسكنى فعلى هذا للمسكن الرجوع متى شاء وتبطل بموت من مات منهما وبه قال أكثر أهل العلم منهم الشعبى والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال الحسن وعطاء وقتادة هي كالعمرى يثبت فيها مثل حكمها وحكي عن الشعبي أنه قال إذا قال هي لك اسكن حتى تموت فهي له حياته وموته، وإن قال داري هذه اسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها لأنه إذا قال لك فقد جعل له رقبتها فتكون عمرى، وإذا قال اسكن داري هذه فإنما جعل له نفعها دون رقبتها فتكون عارية
ولنا أن هذا إباحة المنافع فلم يقع لازماً كالعارية وفارق العمرى فإنها هبة الرقبة فأما قوله هذه لك اسكنها حتى تموت فإنه يحتمل لك سكناها حتى تموت وتفسيرها بذلك دليل على أنه أراد السكنى فأشبه ما لو قال هذه لك سكناها وإذا احتمل أنه يريد به الرقبة واحتمل أن يريد السكنى فلا نزيل ملكه بالاحتمال.
(فصل) إذا وهب هبة فاسدة أو باع بيعاً فاسداً ثم وهب تلك العين أو باعها بعقد صحيح مع علمه
بفساد الأول صح العقد الثاني لأنه تصرف في ملكه، عالماً بأنه ملكه، وإن اعتقد صحة العقد الأول ففي الثاني وجهان (أحدهما) صحته لأنه تصرف صادف ملكه وتم بشروطه فصح كما لو علم فساد الأول (والثاني) لا يصح لأنه تصرف تصرفاً يعتقد فساده ففسد كما لو صلى يعتقد أنه محدث فبان متطهراً وهكذا لو تصرف في عين يعتقد أنها لأبيه فبان انه قد مات وملكها الوارث أو غصب عيناً فباعها يعتقدها مغصوبة فبان أنها ملكه فعلى الوجهين.
قال القاضي: أصل الوجيهن من باشر امرأة بالطلاق يعتقدها أجنبية فبانت امرأته أو باشر بالعتق من يعتقدها حرة فبانت أمته ففي وقوع الطلاق والحرية روايتان وللشافعية في هذه المسألة وجهان كما حكينا والله أعلم * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (والمشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم) ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بينهم وكراهية التفضيل قال ابراهيم كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبل، إذا ثبت هذا فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وبه قال عطاء وشريح واسحاق ومحمد بن الحسن قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: ارددهم إلى سهام الله وفرائضه وقال عطاء ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك يعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد " سو بينهم " وعلل ذلك بقوله " أيسرك ان يستوا في برك " فقال نعم قال " فسو بينهم " والبنت كالابن في استحقاق برها فكذلك في عطيتها وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مؤثراً أحداً لا ترث النساء على الرجال " رواه سعيد في سننه ولأنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة ولنا أن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وأولى ما اقتدى به قسمة الله تعالى ولأن العطية في الحياة إحدى حالتي العطية فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين كحالة الموت يعني الميراث يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي ان تكون على حسبه كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها وكذلك الكفارات المعجلة ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جميعاً فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته وقد قسم الله الميراث ففضل الذكر مقروناً بهذا المعنى فيعلل به ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة وحديث بشير قضية عين وحكاية حال لا عموم لها إنما يثبت حكمها في مثلها ولا نعلم حال أولاد بشير هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر ثم تحمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته فإن التسوية لا تقتضي التسوية من كل وجه وكذلك الحديث الآخر ودليل ذلك قول عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى وهذا خبر عن جميعهم على أن الصحيح في خبر ابن عباس أنه مرسل * (مسألة) * (فإن خص بعضهم أو فضله فعليه التسوية بالرجوع أو إعطاء الآخر حتى يستووا) قد ذكرنا أن المشروع أن يسوي بين أولاده في العطية على قدر ميراثهم فإن خص بعضهم بعطيته أو فاضل بينهم أثم إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل ووجب عليه التسوية إما برد ما فضل به البعض أو إعطاء الآخر حتى يتم نصيبه قال طاوس لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد وعروة وكان الحسن يكرهه ويخيره في القضاء وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي يجوز ذلك وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح لأن أبا بكر
رضي الله عنه نحل عائشة ابنته جداد عشرين وسقا دون سائر ولده واحتج الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير " أشهد على هذا غيري " فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها ولأنها عطية تلزم بموت الأب فكانت جائزة كما لو سوي بينهم ولنا ما روى النعمان بن بشير قال تصدق علي أبي ببعض ماله فسالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي فقال " أكل ولدك أعطيت مثله " قال لا قال " فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة وفي لفظ قال " فاردده " وفي لفظ " لا تشهدني على جور " وفي لفظ " فلا تشهدني إذاً " وفي لفظ " فاشهد على هذا غيري " وفي لفظ " سو بينهم " متفق عليه وفيه دليل على التحريم لأنه اسماه جوراً وأمره برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام والأمر يقتضي الوجوب ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه كترويج المرأة على عمتها وخالتها وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به معه ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصها لحاجتها وعجزها عن الكسب والسبب مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين وغير ذلك من فضائلها ويحتمل أن يكون نحلها ونحل غيرها من ولده أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه وأقل أحواله الكراهة والظاهر من حال أبي بكر رضي الله عنه اجتناب المكروهات وقول النبي صلى الله عليه وسلم " فأشهد على هذا غيري " ليس بأمر لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب ولا خلاف في كراهة هذا وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جوراً وحمل الحديث على هذا حمل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التناقض ولو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرده وإنما هو تهديد له فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه
(فصل) فأما إن خص بعضهم لمعنى يقتضيه تخصيصه من حاجة أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو لاشتغاله بالعلم أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته ولكونه يعصي الله تعالى بما يأخذه فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك فإنه قال في تخصيص بعضهم بالوقف لا بأس إذا كان لحاجة وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة والعطية في معناه ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل على كال حال لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل بشيراً في عطيته قال شيخنا والأول أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال فإن قيل لو علم الحال لما قال " ألك ولد غيره؟ " قلنا يجوز أن يكون السؤال ههنا لبيان العلة كما قال عليه الصلاة والسلام الذي سأله عن بيع الرطب بالتمر " أينقص الرطب إذا يبس قال نعم " قال " فلا إذاً " وقد علم أن الرطب ينقص لكن نبه السائل بهذا على علة المنع والله أعلم (فصل) والأم في المنع من المفاضلة بين أولادها كالأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ولأنها أحد الوالدين أشبهت الأب ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والتباغض يوجد مثله في تخصيص الأم فيثبت لها مثل حكمه في ذلك * (مسألة) * (وإن مات قبل ذلك ثبت للمعطى وعنه لا يثبت وللباقين الرجوع اختاره أبو عبد الله بن بطة) إذا فاضل بين ولده في العطايا أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده ثبت ذلك للموهوب له ولزم وليس لبقية الورثة الرجوع هذا المنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحكم والميموني واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أهل العلم وهو الذي ذكره الخرقي، وفيه رواية أخرى أن لباقي الورثة أن يرتجعوا ما وهبه اختاره أبو عبد الله بن بطة وأبو حفص العكبريان وهو قول عروة بن الزبير واسحاق قال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة حديث
عائشة وحديث عمر وحديث عثمان وتركها وذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " يرد في حياة الرجل وبعد موته " وهو قول إسحاق إلا أنه قال إذا مات الرجل فهو ميراث بينهم لا يسع أن يننفع أحد بما أعطى دون إخوته وأخواته لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جوراً بقوله لبشير " لا نشهدني على جور " والجور لا يحل للفاعل فعله ولا للمعطى تناوله والموت لا يغيره عن كونه جوراً حراماً فيجب رده ولأن أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد يرد قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يكن علم به ولا أعطاه شيئاً وكان ذلك بعد موت سعد فروى سعيد باسناده من طريقين أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها ثم ولد له بعد ذلك ولد فمشى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد فقالا إن سعد قسم ماله ولم يدر ما يكون وإنا نرى أن ترد هذه القسمة فقال لم أكن لأغير شيئاً صنعه سعد ولكن نصيبي له وهذا معنى الخبر، ووجه الرواية الأولى قول أبي بكر لعائشة رضي الله عنهما لما نحلها نحلاً وددت أنك كنت حزتيه فيدل على أنها لو كانت حازته لم يكن لهم الرجوع وقال عمر لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد ولأنها عطية لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد ولأنه حق للأب يتعلق بمال الولد فسقط بموته كالأخذ من ماله (فصل) وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه ولا إعطاؤهم على قد ميراثهم سواء كانوا من جهة واحدة كاخوة وأخوات وني عم أو من جهات كبنات وأخوات وغيرهم وقال أبو الخطاب المشروع في عطية سائر الأقارب أن يعطيهم على قدر ميراثهم كالأولاد فإن خالف فعليه أن يرجع أو يعمهم بالنحلة لأنهم في معنى الأولاد فثبت فيهم حكمهم ولنا أنها عطية لغير الأولاد في صحته فلم تجب عليه التسوية كما لو كانوا غير وارثين ولأن الأصل إباحة الإنسان التصرف في ماله كيف شاء وإنما وجبت التسوية بين الأولاد للخبر وليس غيرهم في معناهم لأنهم استووا في بر والدهم فاستوا في عطيته وبهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لبشير " أيسرك
أن يستوا في برك " قال نعم قال " فسو بينهم " ولم يوجد هذا في غيرهم ولأن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده فيمكنه أن يسوي بينهم في الرجوع بما أعطاه لبعضهم ولا يمكن ذلك في غيرهم ولأن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم وصرفه ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك ويشتد عليهم تفضيل بعضهم ولا يساويهم في ذلك غيرهم فلا يصح قياسه عليهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن لبشير زوجة ولم يأمره بإعطائها شيئاً حين أمره بالتسوية بين أولاده ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك؟ (فصل) فإن أعطى أحدا بنيه في صحته والآخر في مرضه فقد توقف أحمد فيه فانه سئل عمن زوج ابنه فأعطى عنه الصداق ثم مرض الأب وله ابن آخر هل يعطيه في مرضه كما أعطى الآخر في صحته؟ فقال لو كان أعطاه في صحته فيحتمل وجهين (أحدهما) لا يصح لأن عطيته في مرضه كوصية له ولو وصى له لم يصح فكذلك إذا أعطاه (والثاني) يصح وهو الصحيح إن شا الله تعالى لأن التسوية بينهما واجبة ولا طريق لها في هذا الموضع إلا بعطية الآخر فتكون واجبة فصح كقضاء دينه (فصل) قال أحمد أحب إلي أن لا يقسم ماله ويدعه إلى فرائض الله تعالى لعله أن يولد له فإن أعطى ولده ماله ثم ولد له ولد فأعجب إلى أن يرجع فيسوي بينهم بعني يرجع في الجميع أو يرجع في بعض ما أعطى كل واحد منهم ليدفعه إلى هذا الولد الحادث ليساوي إخوته فإن أعطى ولده ثم مات ثم ولد له ولد استحب للمعطي أن يساوي المولود الحادث بعد أبيه 1 * (مسألة) * (فإن سوى بينهم في الوقف أو وقف ثلثه في مرضه على بعضهم جاز نص عليه وقياس المذهب أن لا يجوز) إذا سوى بين أولاده في الوقف الذكر والاثى جاز ذكره القاضي وقال هو المستحب لأن القصد القربة على وجه الدوام وقد استووا في القرابة وقال شيخنا المستحب أن يقسم الوقف على أولاده
كقسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين كما قسم الله تعالى بينهم الميراث لانه إيصال المال إليهم فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث كالوصية ولأن الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الأنثى لأن الذكر تجب عليه نفقة زوجته وأولاده والمرأة ينفق عليها زوجها ولا تلزمها نفقة ولدها إذا كان لهم أب وقد فضل الله سبحانه الذكر على الأنثى في الميراث على وفق هذا المعنى فيصح تعليله به فينبغي أن يتعدى إلى الوقف وما ذكره القاضي لا أصل له وهو ملغي بالميراث فإن خالف فسوى بين الذكر والأنثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين على بعض في الوقف أو بعض البنات أو خص بعضهم بالوقف فقد روي عن أحمد في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة فأكرهه وان كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة فلا بأس به وذلك لان الزببر خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته 1 (فصل) وأما إذا وقف ثلثه في مرضه على بعض ورثته فقد اختلفت الرواية عن احمد في ذلك فروي عنه عدم الحواز فإن فعل وقف على إجازة الورثة فإنه قال في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن وصى لأولاد بنته بأرض توقف عليهم فقال إن لم يرثوه فجائز فظاهر هذا أنه لا يجوز الوقف عليهم في المرض اختاره أبو حفص العكبري وابن عقيل وإليه ذهب الشافعي (والثانية) يجوز أن يقف عليهم ثلثه كالأجانب فإنه قال في رواية جماعة منهم الميموني يجوز للرحل أن يقف في مرضه على ورثته فقيل له أليس تذهب إلى أنه لا وصية لوارث؟ فقال نعم والوقف غير الوصية ولأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكاً للورثة بل ينتفعون بغلتها وقال في رواية أحمد بن الحسن أنه صرح في مسئلته بوقف ثلثه على بعض ورثته دون بعض فقال جائز قال الخبري وأجاز هذا الأكثرون واحتج أحمد بحديث عمر رضي الله عنه أنه قال: هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المومنين إن حدث به حدث
أن ثمغا صدقة والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد صلى الله عليه وسلم تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقاً رواه أبو داود بنحو من هذا فالحجة فيه أنه جعل حفصة تلي وقفه وتأكل منه وتشتري رقيقاً، قال الميموني قلت لاحمد إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بالإيقاف وليس في الحديث الوارث، قال فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره وهوذا قد وقفها على ورثته وحبس الأصل عليهم جميعاً ولأن الوقف ليس في معنى المال لأنه لا يجوز التصرف فيه فهو كعتق الوارث ولنا أنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه فمنع منه كالهبات ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز له بالمنفعة كالأجنبي فيما زاد على الثلث، وأما خبر عمر فإنه لم يخص بعض الورثة بوقفه والنزاع إنما هو في تخصيص بعضهم وأما جعل الولاية إلى حفصة فليس ذلك وقفاً عليها فلا يكون ذلك وارداً في محل النزاع وكونه انتفاعاً بالغلة لا يقتضي جواز التحصيص بدليل ما لو وصى لوارثه بمنفعة عبد لم يجز، ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية الجماعة على أنه وقف على جميع الورثة ليكون على وفق حديث عمر وعلى وفق الدليل الذي ذكرناه والله أعلم (فصل) فإن وقف داره وهي تخرج من ثلثه بين ابنه وبنته نصفين في مرض موته صح على رواية الجماعة ولزم لأنه لما كان يجوز تخصيص البنت بوقف الدار كلها فنصفها أولى وعلى الرواية التي نصرناها إن أجازه الابن جاز وإن رده بطل الوقف فيما زاد على نصيب الابن وهو السدس ويرجع إلى الابن ملكاً فيكون له النصف وقفاً والسدس ملكا طقا والثلث جميعه للبنت وقفاً، ويحتمل أن يبطل الوقف في نصف ما وقف على البنت وهو المربع ويبقى ثلاثة أرباع الدار وقفاً نصفها للابن وربعها للبنت والربع الذي بطل الوقف فيه بينهما أثلاثاً، وتصح المسألة من اثني عشر للابن ستة أسهم وقفاً وسهمان ملكاً
وللبنت ثلاثة أسهم وقفاً وسهم ملكاً، ولو وقفها على ابنه وزوجته نصفين وهي تخرج من ثلثه فرد الابن صح الوقف على الابن في نصفها وعلى المرأة في ثمنها، وللابن إبطال الوقف في ثلاثة أثمانها وترجع إليه ملكاً على الوجه الأول، وعلى الوجه الثاني يصح الوقف على الابن في نصفها وهو أربعة أسباع نصيبه ويرجع إليه باقي نصيبه ملكاً، ويصح الوقف في أربعة أسباع الثمن الذي للمرأة وباقيه يكون لها ملكاً فاضرب سبعة في ثمانية تكن ستة وخمسين للابن ثمانية وعشرون وقفاً وإحدى وعشرون ملكاً وللمرأة أربعة أسهم وقفاً وثلاثة ملكاً وهكذا ذكر أصحاب الشافعي، فأما إن كانت الدار جميع ملكه فوقفها كلها فعلى ما اخترناه الحكم فيها كما لو كانت تخرج من الثلث فإن الورث في جميع المال كالأجنبي في الزائد عن الثلث، وأما على ما رواه الجماعة فإن الوقف يلزم في الثلث من غير اختيار الورثة وما زاد فلهما إبطال الوقف فيه وللابن إبطال التسوية فإن اختار إبطال التسوية دون إبطال الوقف خرج فيه وجهان (أحدهما) أنه يبطل الوقف في التسع ويرجع إليه ملكاً فيصير له النصف وقفاً والتسع ملكاً وللبنت الثلث وقفاً ونصف التسع ملكاً لئلا تزداد البيت على الابن في الوقف، وتصح المسألة في هذا الوجه من ثمانية عشر للابن تسعة وقفاً وسهمان ملكاً وللبنت ستة وقفاً وسهم ملكاً، وقال أبو الخطاب له إبطال الوقف في الربع كله ويصير له النصف وقفاً والسدس ملكاً ويكون للبنت الربع وقفاً ونصف السدس ملكاً كما لو كانت الدار تخرج من الثلث وتصح من اثني عشر * (مسألة) * (ولا يجوز لواهب أن يرجع في الهبة) لا يختلف المذهب أن غير الأب والأم لا يجوز له الرجوع في الهبة والهدية وبه قال الشافعي، وقال النخعي والثوري وإسحق وأصحاب الرأي: من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع ما لم يثب عليها ومن وهب لذي رحم فليس له الرجوع، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " رواه ابن ماجه لقول عمر رضي الله عنه: من وهب هبة يرى أنه أراد بها صلة الرحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها رواه مالك في الموطأ ولأنه لم يحصل عنها عوض فجاز له الرجوع فيها كالعارية
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " العائد في هبته كالعائد في قيئه وفي لفظ " كالكلب يعود في قيئه " وفي رواية " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " متفق عليه، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يرجع واهب في هبته إلا الوالد من ولده " ولأنه واهب لا ولاية له في المال فلم يرجع في هبته لذي الرحم المحرم وأحاديثنا أصح من حديثهم وأول، وقول عمر قد روي عن ابنه وابن عباس خلافه، وأما العارية فهي هبة المنافع ولم يحصل القبض فيها فإن قبضها باستيفائها فنظير مسئلتنا ما استوفى من منافع العارية فإنه لا يجوز الرجوع فيها وقياسهم منقرض بهة الأجنبي فإن فيها ثواباً وقد جوزوا فيها الرجوع فحصل الاتفاق على أن ما وهب الإنسان لذوي رحمه المحرم غير الوالدين لا رجوع فيها وكذلك ما وهب الزوج امرأته والخلاف فيما عدا هذا فعندنا لا يرجع إلا الوالد وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي (فصل) فأما الأب فله الرجوع فيما وهب لولده في ظاهر المذهب سواء قصد برجوعه التسوية بين أولاده أولا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وإسحق وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى ليس له الرجوع وبها قال أصحاب الرأي والثوري وللعنبري لقول النبي صلى الله عليه وسلم " العائد في هبته كالعائد في قيئه " متفق عليه، ولما ذكرنا من حديث عمر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لقيس بن سعد " فاردده " وروي " فأرجعه " رواه كذلك عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن النعمان فأمره بالرحوع في هبته وأقل أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك فرجع في هبته لولده، ألا تراه قال في الحديث: فرجع أبي فرد تلك الصدقة؟ فإن قيل يحمل الحديث على أنه لم يكن أعطاه شيئاً قلنا هذا يخالف ظاهر الحديث لقوله تصدق أبي علي بصدقة، وقول بشير إني نحلت ابني غلاماً يدل على أنه كان قد أعطاه وقول النبي صلى الله عليه وسلمه " فاردده " وروى طاوس عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
" ليس لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده " رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا يخص عموم ما رووه وقياسهم منقرض بهبة الأجنبي فإن فيها أجراً وثواباً فإن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إليها وعندهم له الرجوع فيها والصدقة على الولد كمسئلتنا، وقد دل حديث النعمان بن بشير على جواز الرجوع في الصدقة قول تصدق علي أبي بصدقة (فصل) فأما الأم فظاهر كلام أحمد أنه ليس لها الرجوع، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله الرجوع للمرأة فيما أعطت ولدها كالرجل؟ قال ليس هي عندي كالرجل لأن للأب أن يأخذ من مال ولده والأم لا تأخذ وذكر حديث عائشة " أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " أي كأنه الرجل، ولا يصح قياس الأم على الأب لأن للاب ولاية على ولده ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الأم، ويحتمل أن لها الرجوع وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال: وإذا فاضل بين أولاده أمر برده فيدخل فيه الأم وهذا مذهب الشافعي لأنها داخلة في قوله إلا الولد فيما يعطي ولده ولأنها دخلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم " سووا بين أولادكم " فينبغي أن يتمكن من الرجوع في الهبة ولأنه طريق إلى التسوية وربما لا يكون لها طريق غيره إذا لم يمكن أعطت الآخر كما أعطت لاول لأنها ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلته به تخليصاً لها من الاثم وإزلة التفضيل المحرم كالأب وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى، وقال مالك للأم الرجوع فيما وهبت ولدها ما كان أبوه حيا فإن كان ميتاً فلا رجوع لها لأنها هبة ليتيم وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ومن مذهبه أنه لا يرجع في صدقة التطوع (فصل) وحكم الصدقة حكم الهبة فيما ذكرنا وهو مذهب الشافعي، وفرق مالك وأصحاب الرأي بينهما فلم يجيزوا الرجوع في الصدقة بحال واحتجوا بحديث عمر: من وهب هبة أراد بها صلة الرحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع
ولنا حديث النعمان فإنه قال: تصدق أبي علي بصدقة فرجع أبي فرد تلك الصدقة، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم " إلا الوالد فيما يعطي ولده " وهذا يقدم على قول عمر ثم هو خاص في الولد، وحديث عمر فيجب تقديم الخاص عليه (فصل) وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة (أحدها) أن يبقى ملك الابن فيها فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك لم يكن له الرجوع فيها لأنه إبطال لملك غير الولد فأشبه غير الموهوب للولد (الثاني) أن تكون العين باقية في تصرف الولد يلك التصرف في رقبتها فإن استولد الأمة لم يملك الرجوع لأن الملك فيها لا يجوز نقله إلى غير سيدها وكذلك إن أفلس وحجر عليه أو رهن العين لأنه يفضي إلى إبطال حق غير الولد فإن زال المانع من التصرف فله الرجوع لأن ملك الابن لم يزل وإن اطرأ معنى قطع التصرف مع بقاء الملك فمنع لرجوع فإذا زال زال المنع والصحيح في التدبير أنه لا يمنع الرجوع فإن قلنا يمنع البيع منع الرجوع كالاستيلاد، وكل تصرف لا يمنع الابن التصرف في الرقبة كالوصية والهبة قبل القبض فيما يفتقر إليه والوطئ والتزويج والإجارة والمزارعة عليها وجعلها مضاربة أو في عقد شركة فكل ذلك لا يمنع الرجوع لأنه لا يمنع تصرف الابن في رقبتها وكذلك تعليق العتق بصفة وإذا رجع وكان التصرف لازماً كالإجارة والتزويج والكتابة فهو باق بحاله لأن الابن لا يملك إبطاله وأما التدبير والمعلق عتقه بصفة فلا يبقى حكمها في حق الأب ومتى عاد إلى الابن عاد حكمها والبيع الذي للابن فيه خيار إما بالشرط أو عيب في الثمن أو غير ذلك فيمنع الرجوع لأن الرجوع يتضمن فسخ ملك الابن في عوض المبيع ولم يثبت ذلك من جهته (فصل) فإن تعلق بها رغبة لغير الولد مثل أن يهب ولده شيئاً فيرغب الناس في معاملته ويداينونه أو في مناكحته فيزوجوه أو يهب بنته فتتزوج لذلك فعن أحمد روايتان (أولاهما ليس له الرجوع قال أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهب ابنه مالاً فله الرجوع إلا أن يكون غر به قوماً فإن غر به
فليس له الرجوع، وهذا مذهب مالك لأنه تعلق بها حق غير الابن ففي الرجوع إبطال حقه وقد قال عليه الصلاة والسلام " لا ضرر ولا اضرار " وفي الرجوع ضرر ولأن في هذا تحيلاً على إلحاق الضرر بالمسلمين ولا يجوز ذلك (والثانية) له الرجوع لعموم الخبر ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال فلم يمنع الرجوع فيه وإن داينه الناس فأفلس ولم يحجر عليه فعلى الروايتين
- (مسألة) * (وإن نقصت العين أو زادت زيادة مفصلة لم تمنع الرجوع والزيادة للابن ويحتمل أنها للأب وهل تمنع المتصلة الرجوع؟ على روايتين) أما الزيادة المنفصلة كالولد وثمرة الشجرة وكسب العبد فلا تمنع الرجوع بغير خلاف نعلمه والزيادة للولد لأنها حادثة في ملكه ولا تتبع في الفسوخ فلا تتبع ههنا، ويحتمل أنها للأب ذكره القاضي كالرد بالعيب، فإن كانت لزيادة ولد أمة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه منع الرجوع لأنه يلزم منه التفريق بينه وبين أمه وهو محرم إلا أن نقول أن الزيادة المنفصلة للأب فلا تمنع الرجوع لأنه يرجع فيهما جميعاً أو يرجع في الأم ويتملك الولد من مال ولده (فصل) فإن تلف بعض العين أو نقصت قيمتها لم يمنع الرجوع فيها ولا ضمان على الابن فيما تلف منها لأنه تلف على ملكه سواء تلف بفعل الابن أو بغير فعله وإن جنى العبد جناية تعلق أرشها برقبته فهو كنقصانه بذهاب بعض أجزائه وللأب الرجوع فيه فإن رجع فيه ضمن أرش الجناية وإن جني على العبد فرجع الأب فيه فأرش الجناية عليه للابن لأنه بمنزلة الزيادة المنفصلة فإن قيل فلو أراد الأب الرجوع في الرهن وعليه فككه لم يملك ذلك فكيف يملك الرجوع في العبد الجاني إذا أدى أرش الجناية؟ قلنا الرهن يمنع التصرف في العين بخلاف الجناية ولأن فك الرهن فسخ لعقد عقده الموهوب له وههنا لم يتعلق الحق به من جهة العقد فافترقا (فصل) فأما الزيادة المتصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة إذا زادت بها القيمة فعن أحمد فيها روايتان
(إحداهما) لا تمنع الرجوع وهو مذهب الشافعي لأنها زيادة في الموهوب فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض والمنفصلة (والثانية) تمنع وهو مذهب أبي حنيفة لأن الزيادة للموهوب له لكونها نماء ملكه ولم تنتقل إليه من جهة أبيه فلم يملك الرجوع فيها كالمنفصلة وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل لئلا يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص ولأنه فسخ استرجاع المال يفسخ عقد لغير عيب في عوضه فمنعه الزيادة المتصلة كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق ورجوع البائع في المبيع لفلس المشتري وفارق الرد بالعيب من جهة أن الرد من المشتري وقد رضي ببذل الزيادة وإن فرض الكلام فيما إذا باع عرضاً بعرض فراد أحدهما ووجد المشتري بالآخر عيباً قلنا بائع المعيب سلط المشتري على الفسخ ببيعه المعيب فكان الفسخ وجد منه ولهذا قلنا فيما إذا فسخ لزوج النكاح لعيب المرأة قبل الدخول سقط صداقها كما لو فسخته وعلى هذا لا فرق بين الزيادة في العين كالسمن والطول ونحوهما أو في المعاني كتعلم صناعة أو كتابة أو قران أو علم أو إسلام أو قضاء دين عنه وبهذا قال محمد بن الحسن وقال أبو حنيفة الزيادة بتعلم القرآن وقضاء دين عنه لا تمنع الرجوع ولنا أنها زيادة لها مقابل من الثمن فمنعت الرجوع كالسمن وتعلم صنعة وإن زاد ببرئه من مرض أو صمم منع الرجوع كسائر الزيادات وإن كانت زيادة العين أو التعلم لا تزيد في قيمته شيئاً أو تنقص منها لم تمنع الرجوع لأنه ليس بزيادة في المالية (فصل) فإن قصر العين أو فصلها فهي زيادة متصلة هل تمنع الرجوع اولا؟ مبني على الروايتين في السمن قال شيخنا ويحتمل أن تمنع هذه الزيادة الرجوع بكل حال لأنها حاصلة بفعل الابن فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله بخلاف السمن فإنه يحتمل أن يكون للأب فلا يمنع الرجوع لأنه نماء العين فيكون نابعا لها وإن وهبه حاملاً فولدت في يد الابن فهي زيادة متصلة في الولد ويحتمل أن يكون الولد زيادة منفصلة إذا قلنا الحمل لا حكم له وإن وهبه حاملاً ثم رجع فيها حاملاً جاز إذا لم تزد قيمتها
وإن زادت قيمتها فهي زيادة متصلة، وإن وهب حائلاً فحملت فهي زيادة منفصلة وله الرجوع فيها دون حملها وإن قلنا أن الحمل لا حكم له فزادت به قيمتها فهي زيادة متصلة وإن لم تزد جاز الرجوع فيها وإن وهبه نخلاً فحملت فهي قبل التأبير زيادة متصلة وبعده زيادة منفصلة * (مسألة) * (وإن باعه المتهب ثم رجع إليه بفسخ أو إقالة فهل له الرجوع؟ على وجهين) إذا خرجت العين عن ملك الابن ببيع أو هبة ثم عادت إليه بسبب كبيع أو هبة أو وصية أو إرث أو نحوه لم يملك الأب الرجوع فيها لأنها عادت بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه فلا يملك فسخه وإزالته كالذي لم يكن موهوباً وإن عادت إليه بفسخ العيب أو إقالة أو فلس المشتري ففيها وجهان (أحدهما) يملك الرجوع لأن السبب المزيل ارتفع وعاد الملك بالسبب الأول فأشبه ما لو فسخ البيع بالخيار (والثاني) لا يملك الرجوع لأن الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل إليه عليه أشبه ما لو عاد إليه بالهبة فأما إن عاد إليه بخيار الشرط أو خيار المجلس فله الرجوع لأن الملك لم يستقر عليه.
- (مسألة) * (وإن وهبه المتهب لابنه لم يملك أبوه الرجوع إلا أن يرجع هو) لأن رجوعه إبطال لملك غير ابنه فإن رجع الابن في هبته احتمل أن يملك الأب الرجوع في هبته لأنه فسخ هبته برجوعه فعاد إليه الملك بالسبب الأول ويحتمل أن لا يملك الأب الرجوع لأنه رجع إلى ابنه بعد استقرار ملك غيره عليه فأشبه ما لو وهبه ابن الابن لابنه.
- (مسألة) * (وإن كاتبه أو رهنه لم يملك أبوه الرجوع إلا أن ينفك الرهن وينفسخ) أما إذا رهنه الابن فليس للأب الرجوع قبل انفكاك الرهن لأن في ذلك إبطال حق غير الولد فإن انفك الرهن فله الرجوع لزوال المانع ولأنه عاد إلى صحة تصرف الابن فيه أشبه غير المرهون وحكم الكتابة كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب وهو مذهب الشافعي وجماعة غيره فأما من أجاز بيع المكاتب فحكمه عنده كالعين المستأجرة والمزوج على ما ذكرناه
(فصل) والرجوع في الهبة أن يقول قد رجعت فيها أو ارتجعتها أو رددتها أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الرجوع ولا يفتقر إلى حكم حاكم، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح الرجوع إلا بقضاء قاض لأن ملك الموهوب له مستقر ولنا أنه خيار في فسخ عقد فلم يفتقر إلى قضاء كالفسخ بخيار الشرط فإن أخذ ما وهبه لولده ونوى به الرجوع كان رجوعاً والقول قوله في نيته لأن ذلك لا يعلم إلا منه، فإن مات الأب ولم يعلم هل نوى الرجوع أو لا؟ ولم توجد قرينة تدل على الرجوع لم نحكم بأنه رجوع لأن الأخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكماً يقينياً بأمر مشكوك فيه فإن اقترنت به قرائن دالة على الرجوع كان رجوعاً في أحد الوجهين اختاره ابن عقيل لأننا اكتفينا في العقد بدلالة الحال في الفسخ ولأن لفظ الرجوع إنما كان رجوعاً لدلالته عليه فكذلك كل ما دل عليه، والآخر لا يكون رجوعاً، وهو مذهب الشافعي لأن الملك ثابت للموهوب له يقيناً فلا يزول إلا بالصريح، قال شيخنا ويمكن أن ينبني هذا على نفس العقد فمن أوجب الإيجاب والقبول فيه لم يكتف ههنا إلا بلفظ يقتضي زواله، ومن اكتفى في العقد بالمعاطاة الدالة على الرضى به فههنا أولى، فإن نوى الرجوع من غير فعل ولا قول لم يحصل الرجوع وجهاً واحداً لأنه إثباتا لملك على مال مملوك لغيره فلم يحصل بمجرد النية كسائر العقود، وإن علق الرجوع بشرط فقال إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت في الهبة لم يصح لأن الفسخ للعقد لا يقف على شرط لا يقف العقد عليه * (مسألة) * (وعن أحمد في المرأة تهب زوجها مهرها إن كان سألها ذلك رده إليها رضيت أو كرهت لأنها لا تهبه له إلا مخافة غضبه أو إضرار بها بأن يتزوج عليها) اختلفت الرواية عن أحمد في هبة المرأة زوجها، فعنه لا رجوع لها، وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي وربيعة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور
وأصحاب الرأي وعطاء وقتاده لقول الله تعالى (إلا أن يعفون) وقال تعالى (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا) الآية، وعموم الأحاديث وعنه رواية ثانية لها الرجوع.
قال الأثرم سمعت احمد يسئل عن المرأة تهب ثم ترجع فرأيته يجعل النساء غير الرجال ثم ذكر الحديث " إنما يرجع في المواهب النساء وشرار الناس " وذكر حديث عمر: إن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت زوجها شيئاً ثم أرادت أن تعتصره فهي أحق، رواه الأثرم، وهذا قول شريح والشعبي وحكاه الزهري عن القضاة.
وعنه رواية ثالثة نقلها عنه أبو طالب: إذا وهبت له مهرها فإن كان سألها ذلك رده إليها رضيت أو كرهت لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه أو إضرار بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها وترغب به فهو جائز فظاهر هذه الرواية أنه متى كانت مع الهبة قرينة من مسألته لها أو غضب عليها أو ما يدل على خوفها منه فلها الرجوع لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب به نفساً وإنما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها بقوله تعالى (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فيكون فيها ثلاث روايات
(إحداها) ليس لها الرجوع كالأجنبي (والثانية) لها الرجوع مطلقاً لحديث عمر (والثالثة) التفصيل الذي ذكرناه.
- (فصل) * (قال رضي الله عنه) وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه مع حاجته وعدمها في صغره وكبره ما لم تتعلق حاجة الابن به) إنما يجوز ذلك بشرطين (أحدهما) أن لا يجحف بالابن ولا يضر به ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته (الثاني) أن لا يأخذ من مال ولد فيعطيه الآخر نص عليه أحمد في رواية اسماعيل بن سعيد لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى وقد روي أن مسروقاً زوج ابنته بصداق، عشرة آلاف فأخذها فأنفقها في
سبيل الله وقال للزوج جهز امرأتك وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " متفق عيه وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل أحد أحق بكسبه من ولده ووالده والناس أجمعين " رواه سعيد في سننه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه " رواه الدارقطني ولأن لك لابن تام على مال نفسه فلم يجز انتزاعه منه كالذي تعلقت به حاجته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم " أخرجه سعيد والترمذي وقال حديث حسن، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي احتاج مالي فقال " أنت ومالك لأبيك " رواه الطبراني في معجمه مطولاً، ورواه ابن ماجة وروي أبو داود نحوه ورواه غيره وزاد " وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " وروى محمد بن المنكدر والمطلب بن حنطب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي مالاً وعيالاً ولأبي مال وعيال وأبي يريد أن يأخذ مالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " رواه سعيد في سننه ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لأبيه فقال (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) وقال (ووهبنا له يحيى) وقال زكريا (هب لي من لدنك وليا) وقال براهيم (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) وما كان موهوباً له كان له أخذ ماله كعبده قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) ثم ذكر بيوت سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم لأنهم دخلوا في قوله من بيوتكم فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم لم يذكر بيوت أولادهم ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية فكان له التصرف فيه كمال نفسه، وأما أحاديثهم فأحاديثنا تخصها وتفسرها فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مال الابن مالاً لأبيه بقوله " أنت ومالك لأبيك " ولا تنافي بينهما وقوله عليه السلام " أحق به من والده وولده " الحديث مرسل ثم هو يدل على ترجيح حقه على حق
أبيه لا على نفي الحق بالكلية والولد أحق من الوالد فيما تعلقت به حاجته.
- (مسألة) * (فإن تصرف فيه قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دين لم يصح تصرفه فيه) نص عليه أحمد قال لا يجوز عتق الأب لعبد ابنه ما لم يقبضه، فعلى هذا لا يصح إبراؤه من دينه ولا هبته لماله ولا بيعه له لأن ملك الابن تام على مال نفسه يصح تصرفه فيه، وذكر ابن أبي موسى في الإرشاد قال إذا وهب الابن من ماله شيئاً فليس لأبيه الاعتراض عليه إلا أن يكون للولد عقار يكفيه ويكفي أباه ولا مال له غيره ولا مال لأبيه فإن أحمد قال إن اعترض عليه الوالد رأيت أن يرده الحاكم على الأب ولا يبقى فقيراً لا حيلة له، ويحل له وطئ جواريه ولو كان الملك مشتركاً لم يحل له الوطئ كما لا يحل وطئ الجارية المشتركة وإنما للاب انزاعه منه كالعين التي وهبها إياه فقبل انتزاعها لا يصح تصرفه لأنه تصرف في ملك غيره بغير ولاية، وإن كان الابن صغيراً لم يصح أيضاً لأنه لا يملك التصرف بما لا حظ للصغير فيه وليس من الحظ إسقاط دينه وعتق عبده وهبة ماله قال أحمد بين الرجل وبين ولده ربا لما ذكرنا من أن ملك الابن على ماله تام * (مسألة) * (وإن وطئ جارية ابنه فأحبلها صارت أم ولد له وولده حر لا تلزمه قيمته ولا حد عليه ولا مهر وفي التعزير وجهان) قال أحمد لا يطأ جارية الابن إلا أن يقبضها يعني يتملكها لأنه إذا وطئها قبل تملكها فقد وطئها وليست زوجة ولا ملك يمين فإن تملكها لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها لأنه ابتداء ملك فوجب الاستبراء فيه كما لو اشتراها، فإن كان الابن قد وطئها لم تحل له بحال فإن وطئها قبل تملكها ولم يكن الابن وطئها كان محرماً من وجهين (أحدهما) أنه وطئها قبل تملكها (والثاني) أنه وطئها قبل استبرائها وإن كان الابن وطئها حرمت بوجه ثالث وهو أنها صارت بمنزلة حليلة ابنه فإن فعل فلا حد عليه لشبهة الملك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف مال الولد إلى أبيه فقال " أنت ومالك لأبيك "
وإن ولدت منه صارت أم ولد له وولده حر لانه من وطئ سقط فيه الحد للشبهة وليس للابن مطالبته بشئ من قيمتها ولا قيمة ولدها ولا مهر ويجب تعزيره في أحد الوجهين لأنه وطئ وطأً محرما أشبه وطئ الجارية المشتركة.
والثاني لا يعزر لأنه لا يقتص منه بالجناية على ولده فلا يعزر بالتصرف في ماله، والأول أولى لأن التعزير ههنا حق لله تعالى بخلاف الجناية على ولده لأنها حق للولد (فصل) وليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه للأحاديث التي ذكرناها لأن الخبر ورد في الأب بدليل قوله عليه السلام " أنت ومالك لأبيك " ولا يصح قياس غيره عليه لأن للاب ولاية على ولده وماله إذا كان صغيراً وله شفقة تامة وحق متأكد، ولا يسقط ميراثه بحال والأم لا تأخذ لأنها لا ولاية لها والجد أيضاً لا يلي على مال ولد ابنه وشفقته قاصرة عن شفقة الأب ويحجب به في الميراث وفي ولاية النكاح، وغيرهما من الاقارب والاحانب ليس لهم الأخذ بطريق التنبيه لأنه إذا امتنع الأخذ في حق الأم والجد مع مشاركتهما للأب في بعض المعاني فغيرهما ممن لا يشارك في ذلك أولى ويحتمل أن يجوز للأم لدخول ولدها في قول الله تعالى (وأولادكم) * (مسألة) * (وليس للابن مطالبة أبيه بدين ولا قيمة متلف ولا أرش جناية ولا غير ذلك) وبه قال الزبير بن بكار ومقتضى قول سفيان بن عيينة وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له ذلك لأنه دين ثابت فجازت المطالبة به كغيره ولنا أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأبيه يقتضيه ديناً عليه فقال " أنت ومالك لأبيك " رواه الخلال باسناده وروى الزبير بن بكار في الموفقيات أن رجلاً استقرض من أبيه مالاً فحبسه فأطال حبسه فاستعدى عليه الابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر قصته في شعر فأجابه أبوه بشعر
أيضاً فقال علي رضي الله عنه
قد سمع القاضي ومن ربى الفهم * المال للشيخ جزاء بالنعم يأكله برغم أنف من رغم * من قال قولاً غير ذا فقد ظلم وجار في الحكم وبئس ما جرم قال الزبير إلى هذا نذهب ولأن المال أحد نوعي الحقوق فلم يملك مطالبة أبيه به كحقوق الأبدان ويفارق الأب غيره بما يثبت له من الحق على ولده فإن مات الابن فانتقل الدين إلى ورثته لم يملكوا مطالبة الأب لأن موروثهم لم يكن له المطالبة فهم أولى، فإن مات الأب فقيل يرجع الابن في تركته بدينه لأن دينه عليه لم يسقط عن الأب وإنما تأخرت المطالبة وعن أحمد إذا مات الأب بطل دين الابن وقال فيمن أخذ من مهر ابنته شيئاً فأنفقه ليس عليه شئ ولا يؤخذ من بعده وما أصابت من المهر من شئ بعينه أخذته وتأول أصحابنا كلام أحمد على أنه أخذه على سبيل التمليك لأن أخذه له وإنفاقه دليل على قصد التمليك فيثبت الملك له بذلك الأخذ والله أعلم * (مسألة) * (والهدية والصدقة نوعان من الهبة) والعطية تشمل الكل وكذلك النحلة ومعانيها كلها متقاربة إلا أنه في الغالب من أعطى شيئاً ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاجين سمي صدقة وإن دفع إلى غير محتاج للتقرب والمحبة فهي هبة، ومن بعث على هذا إلى إنسان مع غيره سمي هدية وكل ذلك مستحب مندوب إليه وأحكام ذلك أحكام الهبة ويشترط لها ما يشترط من الشروط على ما سبق.
- (فصل) * في عطية المريض قال الشيخ رحمه الله (أما المريض غير مرض الموت أو مرضاً غير مخوف كالرمد ووجع الضرس والصداع ونحوه فعطاياه كعطايا الصحيح سواء تصح من جميع ماله) وجملة ذلك أن عطايا المريض إذا برأ من مرضه أو كان مرضاً غير مخوف كالذي ذكره وكذلك ما في معناه كالجرب والحمى اليسيرة ساعة أو نحوها والإسهال اليسير من غير دم فعطاياه مثل عطايا الصحيح لأنه لا يخاف منه في العادة
- (مسألة) * (وإن كان مرض الموت المخوف كالبرسام وهو بخار يرتقي إلى الرأس ويؤثر في الدماغ فيختل عقل صاحبه، وذات الجنب وهو قرح بباطن الجنب ووجع القلب والرئة فإنها لا تسكن حركتها فلا يندمل جرحها والرعاف الدائم فإنه يصفي الدم فيذهب القوة والقولنج وهو أن ينعقد الطعام في بعض الأعضاء ولا ينزل عنه فهذه مخوفة، وإن لم يكن معها حمى وهي مع الحمى أشد خوفاً وإن ثار الدم واجتمع في عضو كان مخوفاً لأنه من الحرارة المفرطة، وإن هاجت به الصفراء فهي مخوفة لأنها تورث يبوسة وكذلك البلغم إذا هاج لأنه من شدة البرودة وقد تغلب على الحرارة الغريزية فتطفيها، والطاعون مخوف لأنه من شدة الحرارة إلا أنه يكون في جميع البدن، وأما الإسهال فإن كان متحرقاً لا يمكنه إمساكه فهو مخوف وإن كان ساعة لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، وإن كان يجري تارة وينقطع أخرى فإن كان يوماً أو يومين فليس بمخوف لأن ذلك قد يكون من فضلة الطعام.
إلا أن يكون معه زحير أو تقطيع كأن يخرج متقطعاً فإنه يكون مخوفاً لأن ذلك يضعف وإن دام الإسهال فهو مخوف سواء كان معه ذلك أو لم يكن، وكذلك الفالج في ابتدائه والسل في انتهائه والحمى المطبقة، وما أشكل من ذلك رجع فيه إلى قول عدلين من الأطباء لأنهم أهل الخبرة بذلك ولا يقبل قول واحد لأنه يتعلق به حق الوارث والمعطي، وقياس قول الخرقي أنه يقبل قول واحد عدل إذا لم يقدر على طبيبين.
فهذا الضرب وما أشبهه عطاياه صحيحة لأن عمر رضي الله عنه أوصى حين جرح فسقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه فقال له الطبيب أعهد إلى الناس فعهد إليهم ووصى فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته وكذلك ابو بكر رضي الله عنه عهد إلى عمر حين اشتد مرضه فنفذ عهده.
(فصل) فإن كان المريض يتحقق تعجيل موته فإن كان عقله قد اختل مثل من ذبح أو أبينت حشوته فلا حكم لكلامه ولا لعطيته وإن كان ثابت العقل كمن خرقت حشوته واشتد مرضه ولم يتغير عقله صح تصرفه وعطيته لما ذكرنا من حديث عمر وكذلك علي رضي الله عنهما بعد ضرب ابن
ملجم وصى وأمر ونهى ولم يختلف في صحة ذلك * (مسألة) * (فعطاياه كالوصية في أنها لا تصح لوارث ولا لأجنبي بزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة كالهبة والعتق والكتابة والمحاباة) وجملة ذلك أن التبرعات المنجزة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال والكتابة إذا كانت في الصحة فهي من رأس المال لا نعلم في هذا خلافاً، وإن كانت في مرض مخوف اتصل به الموت فهي من ثلث المال في قول الجمهور وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنها من رأس المال ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم رواه ابن ماجه وهذا يدل بمفهومه على أنه ليس له أكثر من الثلث، وروى عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فاستدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة رواه مسلم وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى ولأن هذه الحال الظاهر منها الموت فكانت عطيته فيها في حق ورثته لا يتجاوز الثلث كالوصية (فصل) وحكم العطايا في مرض الموت حكم الوصية في خمسة أشياء (أحدها) أن يقف نفوذها على خروجها من الثلث وإجازة الورثة (الثاني) أنها لا تصح للوارث إلا بإجازة الورثة (الثالث) أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة قال " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " متفق عليه (الرابع) أن العطايا تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا فيه (الخامس) أن خروجها من الثلث يعتبر حال الموت لا قبله ولا بعده
- (مسألة) * (فأما الأمراض الممتدة كالجذام وحمى الربع والسل في ابتدائه والفالج في دوامه فإن صار صاحبها صاحب فراش فهي مخوفة وإلا فلا)
قال القاضي إذا كان يذهب ويجئ فعطاياه من جميع المال هذا تحقيق المذهب وقد روي حرب عن أحمد في وصية المجذوم والمفلوج من الثلث وهو محمول على أنه صار صاحب فراش وبه يقول الاوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وأبو، ثور وذكر أبو بكر وجهاً آخر أن عطايا هؤلاء من المال كله وهو مذهب الشافعي لأنه لا يخاف تعجيل الموت فيه وإن كان لا يبرأ منه فهو كالهرم.
ولنا أنه مريض صاحب فراش يخشى التلف أشبه صاحب الحمى الدائمة وأما الهرم فإن صار صاحب فراش فهو كمسئلتنا * (مسألة) * (ومن كان بين الصفين عند التحام الحرب أو في؟؟؟؟ البحر عند هيجانه أو وقع الطاعون ببلده أو قدم ليقتص منه والحامل عند المخاض فهو كالمريض) وجملة ذلك أن الخوف يحصل في هذه المواضع الخمسة المذكورة فيقوم مقام المرض (أحدها) إذا التحم الحرب واختلطت الطائفتان للقتال وكانت كل واحدة منهما مكافئة للأخرى أو مقهورة فأما القاهرة منهما بعد ظهورها فليست خائفة وكذلك إذا لم يختلطوا بل كانت كل واحدة منهما متميزة سواء كان بينهما رمي السهام أو لم يكن فليست حالة خوف، ولا فرق بين كون الطائفتين متفقتين في الدين أو لا وبه مالك والثوري والاوزاعي ونحوه عن مكحول وعن الشافعي قولان (أحدهما) كقول الجماعة (والثاني) ليس بخوف لأنه ليس بمرض ولنا أن توقع التلف ههنا كتوقع المرض أو أكثر فوجب أن يلحق به ولأن المرض إنما جعل مخوفاً لخوف صاحبه التلف وهذا كذلك قال أحمد إذا حضر القتال كان عتقه من الثلث وعنه إذا التحم الحرب فوصيته من المال كله لكن يقف الزائد عن الثلث على إجازة الورثة فإن حكم وصية الصحيح وخائف التلف واحد فيحتمل أن يجعل هذا رواية ثانية وسمى العطية وصية تجوز لكونها في حكم الوصية ويحتمل أن يحمل على حقيقته في صحة الوصية من المال كله (الثانية) إذا قدم ليقتل فهي حالة خوف سواء أريد قتله
للقصاص أو لغيره، وللشافعي فيه قولان أحدهما مخوف والثاني إن جرح فهو مخوف وإلا فلا لأنه صحيح البدن والظاهر العفو عنه.
ولنا أن التهديد بالقتل جعل إكراهاً يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح كثيراً من المحرمات ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام، وإذا حكم للمريض وحاضر الحرب بالخوف مع ظهور السلامة وبعد وجود التلف فمع ظهور التلف وقربه أولى، ولا عبرة بصحة البدن فإن المرض
لم يكن مثبتاً لهذا الحكم لعينه بل لخوف إفضائه إلى التلف فيثبت الحكم ههنا بطريق التنبيه لظهور التلف (الثالثة) إذا ركب البحر فإن كان ساكناً فليس بمخوف وإن اضطرب وهبت الريح العاصف فهو مخوف، وقد وصفهم الله تعالى بشدة الخوف فقال تعالى (هو الذي يسيركم في البر والبحر) الآية إلى قوله (جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم) (الرابع) الأسير والمحبوس إذا كان من عادتهم القتل فهو خائف عطيته من الثلث وإلا فلا وهذا قول أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وأحد، قولي الشافعي وقال الحسن لما حبس الحجاج إياس بن معاوية ليس له من ماله إلا الثلث وقال أبو بكر عطية الأسير من الثلث ولم يفرق وبه قال الزهري والثوري واسحاق وحكاه ابن المنذر عن أحمد وتأول القاضي ما روي وهو على ما ذكرناه من التفصيل ابتداء وقال الشعبي ومالك الغازي عطيته من الثلث وقال مسروق إذا وضع رجله في الغرز وقال الأوزاعي المحصور في سبيل الله والمحبوس ينتظر القتل هو في ثلثه والصحيح إن شاء الله ما ذكرناه من التفصيل لأن مجرد الحبس والأسر من غير خوف القتل ليس بمرض ولا هو في معنى المرض في الخوف فلم يجز إلحاقه به وإذا كان المريض الذي لا يخاف التلف عطيته من رأس ماله فغيره أولى (الخامسة) إذا وقع الطاعون ببلده فعن أحمد أنه مخوف ويحتمل أنه ليس بمخوف فإنه ليس بمريض وإنما يخاف المرض (فصل) وكذلك الحامل عند المخاض لأنه يحصل لها ألم شديد يخاف منه التلف أشبهت سائر أصحاب الأمراض المخوفة وما قبل ذلك فلا ألم بها فلا يكون مخوفاً، وقال الخرقي وكذلك الحامل إذا صار لها ستة أشهر يعني عطيتها من الثلث وبه قال مالك وقال إسحاق إذا ثقلت لا يجوز لها إلا الثلث ولم
يحد حداً وحكاه ابن المنذر عن احمد وقال سعيد بن المسيب وعطاء وقتادة عطية الحامل من الثلث وقال أبو الخطاب عطيتها من المال كله ما لم يضر بها المخاض فإذا ضر بها المخاض فعطيتها من الثلث وبه قال النخعي ومكحول ويحيى الانصاري والاوزاعي والثوري والعنبري وابن المنذر وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنها لا تخاف إلا إذا ضر بها الطلق فأشبهت صاحب الأمراض الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش وقال الحسن والزهري عطيتها كعطية الصحيح وهو القول الثاني للشافعي لأن الغالب سلامتها ووجه قول الخرقي أن ستة الأشهر وقت يمكن الولادة فيه وهو من أسباب التلف، والصحيح إن شاء الله تعالى ما ذكرناه من أنه إذا ضر بها الطلق كان مخوفاً بخلاف ما قبل ذلك لأنه لا ألم بها واحتمال وجوده خلاف العادة فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه كالصحيح وقيل عن أحمد ما يدل على أن عطايا هؤلاء من المال كله لأنه لا مرض بهم وقد ذكرنا الخلاف في ذلك (فصل) فأما بعد الولادة فإن بقيت المشيمة معها فهو مخوف وإن مات الولد معها فهو مخوف لأنه يصعب خروجه فإن وضعت الولد وخرجت المشيمة فحصل ثم ورم أو ضربان شديد فهو مخوف وإن لم يكن شئ من ذلك فقد روي عن أحمد في النفساء إن كانت ترمي الدم فعطيتها من الثلث فيحتمل أنه أراد بذلك إذا كان معه ألم للزومه ذلك في الغالب ويحتمل أن يحمل على ظاهره فإنها إذا كانت ترمي الدم كانت كالمريض وحكمها بعد السقط مثل حكمها بعد الولد التام فإن أسقطت مضغة أو علقة فلا حكم لها إلا أن يكون ثم مرض أو ألم وهذا كله مذهب الشافعي إلا أن مجرد الدم عنده ليس بمخوف (فصل) وما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه وإسقاطه كأرش جنايته وجناية عبده وما عاوض عليه بثمن المثل وما يتغابن الناس بمثله فهو من رأس المال لا نعلم فيه خلافاً وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وكذلك النكاح بمهر المثل يجوز من رأس المال لأنه صرف ماله في حاجة