الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 311-350
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إقامة من يرعاها لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض " متفق عليه

(مسألة) (ولا يحملها ما لا تطيق) لأنها في معنى العبد وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم تكليف العبد ما لا يطيق، ولأن فيه تعذيب الحيوان الذي

له حرمة في نفسه ولا يحلب من لبنها ما يضرب ولدها لأن كفايته واجبة على مالكه ولن أمه مخلوق

له فأشبه ولد الأمة فإن امتنع عن الانفاق عليهما أجبر على ذلك فإن ابى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت مما تذبح، وقال أبو حنيفة لا يجبره السلطان بل يأمره به كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر

لأن البهيمة لا يثبت لها حق من جهة الحكم ألا ترى أنه لا يصح منها الدعوى ولا ينصب عنها خصم فصارت كالزرع والشجر

ولنا أنها نفقة حيوان واجبة عليه فكان للسلطان إجباره عليها كنفقة العبد فإن عجز عن الإنفاق

وامتنع من البيع بيعت عليه كما يباع العبد إذا طلب البيع عند إعسار سيده بنفقة وكما يفسخ نكاحه

إذا أعسر بنفقة امرأته فإن عطبت البهيمة فلم ينتفع بها فإن كانت مما لا يؤكل أجبر على الأنفاق عليها كالعبد الزمن وإن كانت مما يؤكل خير بين ذبحها والإنفاق عليها على ما ذكرناه (كتاب الجنايات) الجنايات كل فعل عدوان على نفس أو مال لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان وسموا الجنايات على الأموال غصبا ونهبها وسرقة وخيانة وإتلافاً وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وقال (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) وقال (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم) الآية وأما السنة فروى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله الا باحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه والمفارق للجماعة " متفق عليه وروى عثمان وعائشة

عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في آي وأخبار كثيرة ولا خلاف بين الأمة في تحريمه فإن فعله إنسان متعمداً فسق وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم وقال ابن عباس لا تقبل توبته للآية التي ذكرناها وهي في آخر ما نزل ولم ينسخها شئ ولان لفظ لآية لفظ الخبر والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير لأن خبر الله تعالى لا يكون إلا صدقاً ولنا قول الله تعالى (إن الله لا يغفر ان يشترك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فجعله داخلاً في المشيئة وقال تعالى (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " ان رجلاً قتل مائة رجل ظلماً ثم سئل هل له من توبة؟ فدل على عالم فسأل فقال ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن خرج من قرية لسوء إلى القرية الصالحة فا عبد الله فيها فخرج تائباً فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله عزوجل ملكاً فقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما أقرب فاجعلوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها " أخرجه مسلم ولأن الثوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى والآية محمولة على من قتله مستحلاً ولم يتب أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه الله وله العفو إن شاء وقوله لا يدخلها النسخ قلنا يدخلها التخصيص والتأويل (مسألة) (والقتل على أربعة أضرب عمد وشبه وخطأ وما أجري مجرى الخطأ) أكثر أهل العلم يرون القتل منقسماً إلى عمد وشبه عمد وخطأ روى ذلك عن عمر وعلي وبه قال

الشعبي والنخعي وقتادة وحماد وأهل العراق والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأنكر مالك شبه العمد وقال ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعلم به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمر وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا إن في دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصى مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " رواه أبو داود وفي لفظ " قتيل خطأ العمد، وهذا نص يقدم على ما ذكره وقسمه شيخنا في هذا الكتاب أربعة أقسام فزاد ما أجري مجرى الخطأ على ما ذكرناه وكذلك قسمه أبو الخطاب وهو أن ينقلب النائم على شخص فيقتله ومن يقتل بالسبب كحفر البئر ونحوه وكذلك قتل غير المكلف وهذه الصور عند الأكثرين من قسم الخطأ أعطوه حكمه

(مسألة) (والعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً وهو تسعة أقسام)

(أحدهما) أن يجرحه بما له مور في البدن من حديد أو غيره مثل أن يجرحه بسكين أو يغزره بمسلة أو ما في معناه مما يحدد ويجرح من الحديد والنخاس والرصاص الذهب والفضة والزجاج والحجر والخشب والقصب والعظم فهذا كله إذا جرح به جرحاً كبيراً فمات فهو قتل عمد لا اختلاف فيه بين العلماء فيما علمنا فأما إن جرحه جرحا صغيراً كشرطة الحجام أو غرزه بإبرة أو شوكة أو جرحه جرحاً صغيراً بكبر في غير مقتل فمات في الحال ففي كونه عمداً وجهان (أحدهما) لا قصاص فيه قاله ابن حامد لأن الظاهر أنه لم يمت منه ولأنه لا يقتل غلبا أشبه العصى والسوط

(والثاني) فيه القصاص لان لمحدد لا يعتبر فيه غلبة الظن في حصول القتل به بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته ولأنه لما لم تكن ادارة الحكم وضبطه بغلبة الظن وجب ربطه بكونه محدداً ولا يعتبر ظهور الحكمة في آحاد صور المظنة بل يكفي احتمال الحكمة ولذلك ثبت الحكم به فيما إذا بقي ضمنا مع أن العمد لا يختلف مع اتحاد لآية والفعل بسرعة الافضاء وإبطائه ولأن في البدن مقاتل خفية وهذا له سراية وصور فأشبه الجرح الكبير وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه لم يفرق بين الصغير والكبير وهذا مذهب أبي حنيفة وللشافعي من التفصيل نحو مما ذكرنا

(مسألة) (فإن بقي من ذلك ضمناً حتى مات أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين فهو عمد محض)

أما إذا كان الجرح في مقتل كالعين والفؤاد والخاصرة والصدغ أو أصل الأذن فمات فهو عمد محض يجب به القصاص وكذلك إن بالغ في إدخل الإبرة ونحوها في البدن لأنه يشتد ألمه ويفضي إلى القتل كالكبير، وإن بقي من ذلك ضمناً حتى مات ففيه القود لأن الظاهر أنه مات به قاله أصحابنا وقيل لا يجب به القصاص لان لما احتمل حصول الموت بغيره ظاهراً كان شبهة في درء القصاص ولو كانت العلة أن القتل لا يحصل به غالباً لما افترق بين موته في الحال وموته الحال وموته ومتراخيا كسائر ما لا يجب به قصاص (مسألة) (وان قطع سلعة من أجنبي بغير إذنه فمات فعليه القود لأنه جرحه بغير إذنه جرحاً لا يجوز له

فكان عليه القود اذا تعمد كغيره وإن قطعها حاكم من صغير أو وليه فمات فلا قود لأن له فعل ذلك وقد فعله لمصلحته فأشبه ما لو ختنه (الثاني) أن يضربه بمثقل فوق عمود الفسطاط أو بما يغلب على الظن موته به كاللت والكوذين والسندان أو حجر كبير أو يلقي عليه حائطا أسقفا أو يلقيه من شاهق أو يكرر الضرب بصغير أو يضربه في مقتل أو في حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو برد أو نحوه وجملة ذلك أنه إذا قتله بغير محدد يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله فهو عمد موجب للقصاص وبه قال النخعي والزهري وابن سيرين وجماد وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى ومالك والشافعي واسحاق وأبو يوسف وأبو محمد وقال الحسن لا قود في ذلك وروي ذلك عن الشعبي وقال ابن المسيب وعطاء وطاوس العمد ما كان بالسلاح وقال أبو حنيفة لا قود إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ألا إن في قتيل عمد الخطأ قيتل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل " فسماه عمدا لخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص ولأن العمد لا يمكن اعتباره بنفسه فيجب ضبطه يمظنته ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالباً لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير فوجب ضبطه بالجرح ولنا قول الله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وهذا مقتول ظلماً وقوله سبحانه (كتب عليكم القصاص في القتلى) وروى أنس أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لما بحجر فقتله رسول

الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين متعق عليه، وروى أبو هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد " متفق عليه ولأنه يقتل غالباً أشبه المحدد وأما الحديث فمحمول على المثل الصغير لأنه ذكر العصى والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد ما اشبههما وقولهم لا يمكن ضبطه ممنوع فاما توجب القصاص بما يتقين حصول الغلبة به وإذا شككنا لم نوجبه مع الشك والجرح الصغير قد سبق القول فيه ولأنه لا يصح ضبطه بالجرح بدليل ما لو قتله بالنار، والمراد بعمود الفسطاط الذي ذكره ههنا العمد التي تتخذها العرب لببوتها وفيها دتة وانما حد الواجب للقصاص بفوق عمود الفسطاط لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود الفسطاط فقتلتها وجنينها قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وقضى بالدية على عاقلتها والغافلة لا تحمل العمد فدل على أن القتل بعمود الفسطاط ليس بعمد، وإن كان أعظم منه بعمد الخيام فهو كبير يقتل غالباً فيجب فيه القصاص، ومن هذا النوع أن يلقي عليه جداراً أو صخرة أو خشبة عظيمة أو يلقيه من شاهق فيهلكه ففيه القود لأنه يقتل غالباً، ومن ذلك أن يضربه بمقتل صغير أو حجر صغير أو يلكزه ببده في مقتل أو في حال ضعف المضروب لمرض أو صغر أو في حر مفرط أو برد شديد بحيث يقتله بتلك الضربة أو كرر الضرب حتى قتله بما يقتل غالباً فقتله ففيه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً أشبه المثقل

الكبير وإن لم يكن كذلك ففيه الدية لأنه عمد الخطأ إلا أن يصغر جداً كالضربة بالقلم والأصبع في غير مقتل ونحو هذا مما لا يتوهم القتل به فلا قود فيه ولا دية لأنه لم يمت به وكذلك إن مسه بالكبير ولم يضربه به لأن الدية انما تجب بالقتل فليس هذا قتلاً (النوع الثالث) (ألقاه في زبية أسد أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية أو ألسعه عقرباً من القواتل ونحو ذلك فقتله فيجب به القصاص) إذا جمع بينه وبين أسد أو نحو في مكان ضيق كزبية أو نحوها فقتله فهو عمد فيه القصاص إذا فعل به السبع فعلاً يقتل مثله وان فعل وإن فعل به فعلاً لو فعله الآدمي لم يكن عمداً لم يجب القصاص به لأن السبع صار آلة للآدمي فكان فعله كفعله فإن ألقاه مكتوفاً بين يدي الأسد أو النمر في فضاء فقتل فعليه القود وكذلك إن جمع بينه وبين حية في مكان ضبق فنهشته فقتلته فعليه القود، وقال القاضي لا ضمان عليه في الصورتين وهو قول أصحاب الشافعي لأن الأسد والحية يهربان من الآدمي، ولأن هذا سبب غير ملجئ ولنا أن هذا يقتل غالباً فكان عمداً محضاً كسائر الصور، وقولهم أنهما يهربان لا يصح فإن الأسد يأخذ الآدمي المطلق فكيف يهرب من مكتوف ألقي له ليأكله؟ والحية إنما تهرب في مكان واسع أما إذا ضاق المكان فالغالب أنها تدفع عن نفسها بالهش على ما هو العادة، وقد ذكر القاضي فيمن ألقي

مكتوفاً في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته أن في وجوب القصاص روايتين وهذا تناقص شديد فإنه نفى الضمان بالكلية في صورة كان القتل فيها أغلب واوجب القصاص في صورة كان فيها أنذر، والصحيح أنه لا قصاص ههنا ويجب الضمان لأنه فعل به فعلاً متعمداً تلف به لأنه يقتل مثله غالباً وإن أنهشه حية أو سبعاً فقتله فعليه القود إذا كان ذلك مما يقتل غالباً فإن كان مما لا يقتل غالبا كثبعان الحجاز أو سبع صغير ففيه وجهان (أحدهما) فيه القود لأن الجرح لا يعتبر فيه غلبة حصول القتل به وهذا جرح ولأن الحية من جنس ما يقتل غالباً (والثاني) هو شبه عمد لأنه لا يقتل غالباً أشبه الضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير وإن ألسعه عقرباً من القواتل فقتلته فهو كما لو انهشته حية يوجب القصاص لأنه يقتل غالباً، فإن كتفه وألقاه في أرض غير مسبعة فأكله سبع أو نهشته حية فمات فهو شبه عمد وقال أصحاب الشافعي هو خطأ محض ولنا أنه فعل به فعلاً لا يقتل مثله غالباً فأفضى إلى إهلاكه أشبه ما لو ضربه بعصاً فمات وكذلك إن ألقاه مشدوداً في موضع لم يعهد وصول زيادة الماء إليه فان كان في موضع يعلم وصول زيادة الماء إليه في ذلك الوقت فمات به فهو عمد محض وإن كانت الزيادة غير معلومة إما لكونها تحتمل الوجود وعدمه أو لا تعهد أصلاً فهو شبه عمد (النوع الرابع) ألقاه في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها إما لكثرة الماء والنار وإما لعجزه

عن التخلص لمرض أو ضعف أو صغر أو كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها ونحو هذا أو ألقاه في بئر ذات نفس فمات عالماً بذلك فهذا كله عمد لأنه يقتل غالباً، وإن ألقاه في ماء يسير فقدر على الخروج منه فلبث فيه اختياراً حتى مات فلا شئ فيه لأن هذا الفعل لم يقتله وإنما حصل موته بلبثه فيه وهو فعل نفسه فلم يضمنه غيره، فإن تركه في نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو كونه في طرف منها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج حتى مات فلا قود لأن هذا لا يقتل غالباً وهل يضمنه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يضمنه لأنه مهلك لنفسه بإقامته فلم يضمنه كما لو ألقاه في ماء يسير لكن يضمن ما أصابت النار منه (والثاني) يضمنه لأنه جان بالإلقاء المفضي إلى الهلاك وترك التخلص لا يسقط الضمان كما لو فصده فترك شد فصاده مع إمكانه أو جرحه فترك مداواة جرحه، وفارق الماء اليسير لأنه لا يهلك بنفسه ولهذا يدخله الناس للغسل والسباحة وأما النار فيسيرها مهلك وإنما تعلم قدرته على التخلص بقوله أنا قادر على التخلص أو نحو هذا لأن النار لها حرارة شديدة فربما أزعجته حرارتها عن معرفة ما يتخلص به أو اذهبت عقله بألمها وروعتها (الخامس) (خنفقه بحبل أو غيره أو سد فمه وأنفه أو عصر خصيتيه حتى مات) إذا منع خروج نفسه بأن يخنقه بحبل أو غيره وهو نوعان (أحدهما) أن يخنقه بأن يجعل في عنقه

خراطة ثم يعلقه في خشبة أو شئ بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمناً لأن هذا أوحى أنواع الخنق وهو الذي جرت العادة بفعله في اللصوص واشباههم من المفسدين (الثاني) أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو حبل أو يغمه بوسادة أو شئ يضعه على فيه وأنفه أو يضع يديه عليهما فيموت فهذا إن فعل به ذلك في مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو عمد فيه القصاص وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي والشافعي، وإن كان في مدة لا يموت في مثلها غالباً فهو عمد الخطأ ويلتحق بذلك ما لو عصر خصيته عصراً شديداً فقتله بعصر يقتل مثله غالباً، وإن لم يكن كذلك فهو شبه عمد إلا أن يكون ذلك يسيراً في الغاية بحيث لا يتوهم الموت منه فلا يوجب ضماناً لأنه بمنزلة لمسه، ومتى خنقه وتركه متألماً حتى مات ففيه القود لأنه مات من سراية جناية كسراية الجرح وإن تنفس وصح ثم مات فلا قود لأن الظاهر أنه لم يمت منه فأشبه ما لو اندمل الجرح ثم مات (السادس) حبسه ومنعه الطعام أو الشرب حتى مات جوعاً وعطشاً في مدة يموت في مثلها غالباً فعليه القود لأن هذا يقتل غالباً، وهذا يختلف باختلاف الناس والزمان والأحوال فإذا عطشه في شدة الحرمات في الزمن القليل وإن كان ريان والزمن بارد أو معتدل لم يمت إلا في زمن طويل فيعتبر هذا فيه، فان كان في مدة يموت في مثلها غالباً ففيه القود إن كان في مدة لا يموت في مثلها غالباً فهو عمد الخطأ

وإن شككنا فيها لم يجب القود لأنا شككنا في السبب ولا يثبت الحكم مع اشك في سببه سيما القصاص الذي يسقط بالشبهات (السابع) سقاه سماً لا يعلم به أو خلطه بطعام فأطعمه أو خلطه بطعامه فأكله وهو لا يعلمه فمات فعليه القود إذا كان مثله يقتل غالباً وقال الشافعي في أحد قوليه لا قود عليه لأنه أكله مختاراً فأشبه ما لو قدم إليه سكيناً فطعن بها نفسه، ولأن أنس بن مالك روى أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم وبشر بن البراء فلم يقتلها النبي صلى الله عليه وسلم قال وهل تجب الدية؟ فيه قولان، قلنا حديث اليهودية حجة لنا فإن ابا سلمة قال فيه فمات بشر فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت أخرجه أبو داود ولأن هذا يقتل غالباً ويتخذ طريقاً إلى القتل كثيراً فأوجب القصاص كما لو اثرهه على شربه، فأما حديث أنس فلم يذكر فيه أن أحدا مات منعه ولا يجب القصاص إلا ان يقتل به ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلها قبل أن يموت بشر فلما مات أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فاعترفت فقتلها فنقل أنس صدر القصة دون آخرها، ويتعين حمله عليه جميعاً بين الخبرين ويجوز أن يترك قتلها لكونها ما قصدت قتل بشر إنما قصدت قتل النبي صلى الله عليه وسلم فاختل العمد بالنسبة إلى بشر، وفارق تقديم السكين فإنها لا تقدم إلى الإنسان ليقتل بها نفسه إنما تقدم إليه لينتفع وهو عالم بمضرتها ونفعها فأشبه ما لو قدم

إليه السم وهو عالم به فأما إن أكله وهو عالم به وهو بالغ عاقل فلا ضمان عليه كما لو قدم إليه سكيناً فوجأ بها نفسه (مسألة) (فإن خلط السم بطعام نفسه فدخل إنسان منزله فأكله فلا ضمان عليه) لأنه لم يفعله وإنما الداخل قتل نفسه فأشبه ما لو حفر في داره بئراً فدخل رجل فوقع فيها وسواء قصد بذلك قتل الداخل مثل أن يعلم أن ظالماً يريد هجوم داره فترك السم في الطعام ليقتله فهو كما لو حفر بئراً في داره ليقع فيها اللص إذا دخل ليسرق منها ولو دخل رجل بإذنه فأكل الطعام المسموم بغير إذنه لم يضمنه لذلك (مسألة) (وإن ادعى القاتل بالسم أنني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل قوله في أحد الوجهين) لأن السم من جنس ما يقتل غالباً فأشبه ما لو جرحه وقال لم أعلم أنه يموت منه (والثاني) لا قود عليه لأنه لا يجوز أن يخفى عليه أنه قاتل وهذا شبهة ليسقط به القود فيكون شبه عمد (فصل) فإن سقى إنساناً سماً أو خلطه بطعامه فأكل وهو لا يعلم به وهو مما لا يقتل مثله غالباً فهو شبه عمد فإن اختلف فيه هل يقتل غالبا اولا وثم بينة تشهد عمل بها وإن قالت تقتل النضو الضعيف دون القوي أو غير ذلك عمل على حسب ذلك فإن لم يكن مع أحدهما بينة فالقول قولا الساقي لأن

الأصل عدم وجوب القصاص فلا يثبت بالشك ولأنه أعلم بصفة ما يسقي فإن ثبت أنه قاتل فقال لم أعلم به ففيه الوجهان المذكوران (الثامن) أن يقتله بسحر يقتل غالباً فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه قتله بالسكين وإن كان مما لا يقتل غالباً أو كان مما يقتل ولا يقتل ففيه الدية دون القصاص لأنه عمد الخطأ فأشبه ضرب العصا (التاسع) أن يشهدا على رجل بقتل عمد أو زنا أو ردة فيقتل بذلك ثم يرجعا ويقولا عمدنا قتله أو يقول الحاكم علمت كذبهما وعمدت قتله أو يقول ذلك الولي فهذا فكله عمد محض موجب للقصاص إذا كلمت شروطه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قصاص عليهما لانه بسبب غير ملجئ فلا وجب القصاص كحفر البئر ولنا ما روى القاسم بن عبد الرحمن أن رجلين شهدا عند علي كرم الله وجهه على رجل أنه سرق فقطعه ثم رجعان عن شهادتهما فقال علي لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وغرمهما دية يده ولأنهما توصلا الى قتله بسبب يقتل غالباً فوجب عليهما القصاص كالمكره وكذلك الحاكم إذا حكم على على رجل بالقتل عالماً بذلك متعمداً فقتله واعترف بذلك وجب القصاص والكلام فيه كالكلام في الشاهدين ولو أن الولي الذي باشر قتله أقر بعلمه بكذب الشهود وتعمد قتله فعليه القصاص لا نعلم

فيه خلافا فان أقر الشاهدان والحاكم والولي جميعاً بذلك فعلى الولي القصاص لأنه باشر القتل عمداً وعدواناً وينبغي أن لا يجب على غيره شئ لأنهم متسببون والمباشرة تبطل حكم التسبب كالدافع مع الحافر ويفارق هذا ما إذا لم يقر لأنه لم يثبت حكم مباشرة القتل في حقه ظلماً فكان وجوده كعدمه ويكون القصاص على الشاهدين والحاكم لأن الجمع متسببون وإن صار الأمر الى الدية فهي عليهم أثلاثاً ويحتمل أن يتعلق الحكم بالحاكم وحده لأن سببه أخص من سببهم فإن حكمه واسطة بين شهادتهم وقتله فأشبه المباشر مع المتسبب فإن كان الولي المقر بالتعمد لم يباشر القتل وإنما وكل فيه فأقر الوكيل بالعلم وتعمد القتل ظلماً فهو القاتل وحده لأنه المباشر للقتل عمداً ظلماً من غير إكراه فتعلق الحكم به كما لو قتل في غيره هذه الصورة وإن لم يعترف بذلك فالحكم يتعلق بالولي كما لو باشره (فصل) قال رضي الله عنه وشبه العمد أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل إما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير أو يلكزه بيده أو يلقيه في ماء يسير أو يقتله بسحر لا يقتل غالباً وسائر ما لا يقتل غالباً أو يصيح بصبي أو معتوه وهما على سطح فيسقطان أو يغتفل عاقلاً فيصيح به فيسقط فهو شبه عمد إذا قتل لأنه قصد الضرب دون القتل ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإنه عمد الفعل وأخطأ في القتل فهذا لا قود فيه والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم وجعله مالك عمداً في بعض ما حكي عنه موجباً للقصاص

لأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فمن زاد قسماً ثالثاً زاد على النص ولانه قبله بفعل عمده فكان عمداً كما لو غرزه بإبرة وحكي عنه مثل قول الجماعة وقال أبو بكر عبد العزيز تجب الدية في مال القاتل وهو قول ابن شبرمة لأنه موجب فعل عمد فكان في مال القاتل كسائر جنايات العمد ولنا ما روى أبو هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها يقضى النبي صلى الله عليه وسلم " إن دية جنينها عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها " متفق عليه فأوجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم " ألا إن في قتل خطأ العمد قتيل السوط والحجر والعصى مائة من الإبل " وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عقل شبه العمد تغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه " رواه أبو داود وهذا نص وقوله هذا قسم ثالث قلنا نعم هذا ثبت بالسنة والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب ولأنه قتل لا يوجب القود فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ (فصل) والخطأ على ضربين (أحدهما) أن يرمي الصيد ويفعل ماله فعله فيتول الى إتلاف إنسان معصوم فعليه الكفارة والدفع على العاقلة بغير خلاف قال إبن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئاً فيصيب غيره لا أعلمهم يختلفون فيه هذا قول عمر بن عبد العزيز وقتادة والنخعي والزهري وابن شبرمة والثوري ومالك والشافعي واصحاب الرأي والأصل في وجوب الدية والكفارة قول الله سبحانه وتعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى اصله إلا أن يصدقوا) وسواء كان المقتول مسلماً أو كافراً له عهد لقول الله تعالى (فإن كان من قول بينكم وبينهم ميثق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) ولا قصاص في شئ من هذا لأن الله تعالى أوجب به الدية ولم يذكر قصاصا وقال النبي صلى الله عليه وسلم " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ولأنه لم يوجب القصاص في عمد الخطأ ففي الخطأ أولى (الضرب الثاني) أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً ويكون مسلماً أو يرمي إلى صف الكفار فيصيب مسلماً أو يتترس من الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إن لم يرمهم فيرميهم فيقتل المسلم فهذا تجب به الكفارة روى ذلك عن ابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والاوزاعي وأبو حنيفة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان (إحداهما) تجب وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله أن يصدقوا) وقال عليه السلام " ألا إن في قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصى مائة من الإبل " ولأنه قتل مسلماً خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام (والثانية) لا تجب الدية لقول الله تعالى (وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) ولم يذكر دية وتركه ذكرها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبله وبعد ظاهر في أنها غير واجبة وذكره لهذا قسماً مفرداً يدل على أنه لم يدخل في عموم في الآية التي احتجوا بها ويخص بها عموم الخبر الذي رووه وهذا ظاهر المذهب.

(مسألة) (والذي أجري مجرى الخطأ كالنائم ينقلب على إنسان فيقتله أو يقتل بالسبب مثل أن يحفر بئراً أو ينصب سكيناً أو حجرا فيئول الى إتلاف إنسان وعمد الصبي والمجنون) فهذا كله لا قصاص فيه والدية على العاقلة وعليه الكفارة في ما له لأنه خطأ فيكون هذا حكمه لما ذكرناه (فصل) قال رحمه الله (ويقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم لو انفرد أوجب القصاص عليه، روي ذلك عن عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة وهو مذهب مالك والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى لا يقتلون وتجب الدية عليهم والمذهب الأول يروي ذلك عن ابن الزبير والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك وربيعة وداود وابن المنذر وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس وروي ذلك عن معاذ وابن الزبير والزهري أنه يقتل منهم واحد ويأخذ من الباقين حصصهم من الدية لأن كل واحد منهم مكافئ له فلا يستوفى أبداً إلا ببدل واحد كما لا تجب ديات لمقتول واحد ولأن الله تعالى قال (الحر بالحر) (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ومقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد فالتفاوت في العدد أولى قال إبن المنذر لا حجة مع من أوجب قتل الجماعة بواحد ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فروى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من

أهل صنعاء قتلوا رجلاً وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعاً وعن علي انه قتل ثلاثة قتلوا رجلاً وعن ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف فكان إجماعاً لأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف ويفارق الدية فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به فيؤدي إلى إسقاط حكمه الردع والزجز.

(مسألة) (وان جرحه أحدهما جرحاً والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية)

جملة ذلك أنه لا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه فلو جرحه أحدهما جرحاً والآخر مائة أو أوضحه أحدهما وشجه الآخر آمة أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة فمات كانا سواء في القصاص والدية لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن المشتركين إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه ولو احتمل التساوي لم يثبت الحكم، لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفى باحتمال الوجود بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه في إسقاط الحكم لأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة ومن غير الجائفة دون الجائفة ولأن الجراح

إذا صارت نفساً سقط اعتبارها فكان حكم الجماعة كحكم الواحد ألا ترى أنه لو قطع أطرافه كلها فمات وجبت دية واحدة كما لو قطع طرفه فمات (فصل) إذا اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه ثالث فمات فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدية فيأخذ من كل واحد ثلثها وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية ويقتل الآخرين وان يعفوا عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية ويقتل الثالث وان برأت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الآخرين فله أن يقتص من الذي برأ جرحه بمثل جرحه ويقتل الآخرين أو يأخذ منهما دية كاملة أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية وله أن يعفوا عن الذي برأ جرحه ويأخذ منه دية جرحه وإن ادعى الموضح أن جرحه برأ قبل موته وكذبه شريكاه نظرت في الولي فإن صدقه ثبت حكم البرء بالنسبة اليه فلا يملك قتله والا مطالبته بثلث الدية وله ان يقتص منه موضحة أو يأخذ منه أرشها ولم يقبل قوله في حق شريكيه، لأن الأصل عدم البرء فيها لكن إن اختار الولي القصاص فلا فائدة لهما في إنكار ذلك لأن له أن يقتلهما سواء برأت أو لم تبرأ وان اختار الدية لم يلزمهما أكثر من ثلثيها وإن كذبه الولي حلف وله الاقتصاص منه أو مطالبته بثلث الدية ولم يكن له مطالبة شريكه بأكثر من ثلثيها وإن شهد له شريكاء ببرئها لزمهما الدية كاملة لإقرارهما بوجوبها وللولي أخذها منهما إن صدقهما وإن لم يصدقهما وعفى إلى الدية لم يكن له أكثر من ثلثها لأنه يدعي

أكثر من ذلك وتقبل شهادتهما إن كانا قد تابا وعدلا لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بذلك نفعاً فيسقط القصاص ولا يلزمه أكثر من أرش موضحة (مسألة) (وإن قطع أحدهما يده من الكوع والآخر من المرفق فهما قاتلان) أما إذا ابرأت جراحة الأول قبل قطع الثاني فالقاتل الثاني وحده وعليه القود أو الدية كاملة إن عفا عن قتله فله قطع يد الأول أو نصف الدية، وإن لم تبرأ فهما قاتلان وعليهما القصاص في النفس أو الدية ان عفا عنهما وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة القاتل هو الثاني وحده ولا قصاص على الأول في النفس لأن قطع الثاني قطع سراية قطعه ومات بعد زوال جناية فأشبه ما لو اندمل جرحه، وقال مالك إن قطعه الثاني عقيب قطع الأول قتلا جميعاً وإن عاش بعد قطع الأول حتى أكل وشرب ومات عقيب قطع الثاني فالقاتل هو الثاني وحده وإن عاش بعدهما حتى أكل وشرب فللأولياء أن يقسموا على أيهما شاء ويقتلوه ولنا أنهما قطعان لو مات بعد كل واحد منهما وحده لوجب عليه القصاص فإذا مات بعدهما وجب عليهما القصاص كما لو كانا في يدين ولأن القطع الثاني لا يمنع حياته بعده فلا يسقط حكم ما قبله كما لو كانا في يدين ولا نسلم زوال جنايته ولا قطع سرايته فإن الألم الحاصل بالقطع الأول لم يزل وإنما انضم اليه الألم الثاني فضعفت النفس عن احتمالهما فزهقت بهما فكان القتل بهما، ويخالف الاندمال فإنه لا يبقى

معه الألم الذي حصل في الأعضاء الشريفة فافترقا، وإن ادعى الأول أن جرحه اندمل فصدقه الولي سقط عنه القتل ولزمه القصاص في اليد أو نصف الدية وإن كذبه شريكه واختار الولي القصاص فلا فائدة له في تكذيبه لأن قتله واجب، وإن عفا عنه إلى الدية فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه أكثر من نصف الدية وإن كذب الولي الأول حلف وكان له قتله، لأن الأصل عدم ما ادعاه وإن ادعى الثاني اندمال جرحه فالحكم فيه كالحكم في الأول إذا ادعى ذلك

(مسألة) (وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى معه الحياة كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الاول يعزر الثاني، وإن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه فالثاني هو القاتل وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص والدية) وجملة ذلك أنه إذا جنى عليه اثنان جنايتين نظرنا فإن كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة مثل قطع حشوته وابنها منه أو ذبحه ثم ضرب عنقه الثاني فالأول هو القاتل لأنه لا يبقى مع جنايته وحياة والقود عليه خاصة ويعزر الثاني كما لو جنى على ميت وإن عفا الولي الى الدية فهي على الأول وحده، وإن كان جرح الأول تبقى الحياة معه مثل شق البطن من غير إبانة الحشوة أو قطع طرف ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأنه لم يخرج بجرح الأول عن حكم الحياة فيكون الثاني هو المفوت لها فعليه القصاص في النفس والدية كاملة إن عفا عنه ثم ينظر في جرح الأول فإن كان موجباً للقصاص كقطع الطرف فالولي مخير بين قطع طرفه

والعفو على ديته أو العفو مطلقاً، وإن كان لا يوجب القصاص كالجائفة ونحوها فعليه الأرش وإنما جعلنا عليه القصاص لأن الثاني بفعله قطع سراية الأول فصار كالمندمل الذي لا يسري وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفاً، ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة إلا أنه لا يخرج به من حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة مثل خرق المعى أو أم الدماغ فضرب الثاني عنقه فالقاتل هو الثاني لأنه فوت حياة مستقرة وقتل من هو في حكم الحياة بدليل أن عمر رضي الله عنه لما جرح دخل عليه الطبيب فسقاه لبنا فخرج يصلد فعلم الطبيب أنه ميت فقال أعهد إلى الناس فعهد إليهم وأوصى وجعل الخلافة إلى أهل الشورى فقبل الصحابة عهده وأجمعوا على قبول وصاياه لما كان حكم الحياة باقياً كان الثاني مفوتاً لها فكان هو القاتل كما لو قتل عليلاً لا يرجى برء علته

(مسألة) (فإن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقده فالقصاص على الثاني)

لأنه فوت حياته قبل المصير إلى حياة ييئس فيها من حياته فأشبه ما لو رماه إنسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به أو القى عليه صخرة فأطار آخر رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه وبهذا قال الشافعي إن رماه من مكان يجوز أن يسلم منه وإن رماه من شاهق لا يسلم منه الواقع ففيه وجهان (أحدهما) كقولنا (والثاني) الضمان عليهما بالقصاص والدية عند سقوطه لأن كل واحد منهما سبب للإتلاف ولنا أن الرمي سبب والقتل مباشرة فانقطع حكم السبب كالدافع مع الحافر والجارح مع الذابح وكالصور التي ذكرناها وما ذكروه باطل بالأصول المذكورة (مسألة) (وإن ألقاه في لجة فالتقمه الحوت فالقود على الرامي في أحد الوجهين) إذا كانت اللجة لا يمكنه التخلص منها فالقود على الرامي لأنه ألقاه في مهلكة هلك بها من غير

واسطة يمكن إحالة الحكم عليها أشبه ما لو مات بالغرق أو هلك بوقوعه على صخرة (والثاني) لا قود عليه لأنه لم يهلك بها أشبه ما لو قتله آدمي آخر، فأما إن ألقاه في ماء يسير فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فلا قود عليه لأن الذي فعله لا يقتل غالباً وعليه ضمانه لأنه هلك بفعله

(مسألة) (وإن أكره إنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما)

وقال أبو حنيفة يجب القصاص على الآمر دون المأمور لأن المأمور صار بالإكراه بمنزلة الآلة والقصاص إنما يجب على مستعمل الآلة لا على الآلة، وقال أبو يوسف لا يجب على واحد منهما لأن الآمر غير مباشر إنما هو متسبب والقصاص لا يجب على المتسبب مع المباشر دليله الدافع مع الحافر والمأمور مسلوب الاختيار، وقال زفر يجب على المأمور ولا يجب على الآمر لأن المأمور مباشر فيجب عليه وحده كالدافع مع الحافر ولنا على أبي حنيفة أن المأمور قاتل فوجب عليه القصاص كما لو لم يأمر، والدليل على أنه قاتل أنه ضرب بالسيف ولأن القتل جرح أو فعل يتعقبه الزهوق وهذا كذلك ولأنه يأثم إثم القاتل قولهم إنه بمنزلة الآلة لا يصح فإنه يأثم والآلة لا تأثم قولهم إنه مسلوب الاختيار لا يصح فإنه قصد استبقاء نفسه بقتل هذا، وهذا يدل على قصده واختيار نفسه ولا خلاف في أنه يأثم ولو سلم الاختيار لم يأثم كالمجنون، والدليل على أن الآمر قاتل أنه تسبب الى قتله بما

يفضي إليه غالباً فوجب عليه القصاص كما لو أنهشه حية أو أسداً أو رماه بسهم ولأنه ألجأه إلى الهلاك أشبه ما لو ألقاه عليه.
(مسألة) (وإن أمر من لا يميز أو مجنوناً أو عبده الذي لا يعلم أن القتل محرم فالقصاص على الآمر) إذا امر عبده بقتل رجل وكان العبد ممن لا يعلم تحريم القتل كمن نشأ في غير بلاد الإسلام وجب القصاص على الآمر، فأما إن أقام في بلاد الإسلام بين أهله فلا يخفى عليه تحريم القتل ولا يعذر في فعله، ومتى كان عالماً بذلك فالقصاص على العبد، ويؤدب سيده لامر بما أفضى إلى القتل بما يراه الإمام من الحبس والتعزير وإذا لم يكن عالماً أدب العبد، نقل أبو طالب عن أحمد قال: يقتل المولى ويحبس العبد حتى يموت لأن العبد سوط المولى وسيفه، كذا قال علي وابو هريرة قال علي رضي الله عنه يستودع السجن، وممن قال بهذه الجملة الشافعي وممن قال أن السيد يقتل علي وابو هريرة وقال قتادة يقتلان جميعاً وقال سليمان بن موسى لا يقتل الآمر ولكن يديه ويعاقب ويحبس لأنه لم يباشر القتل ولا ألجأ له اليه فلم يجب عليه القصاص كما لو علم العبد خطر القتل ولنا أن العبد إذا لم يكن عالماً بخطر القتل فهو معتقد إباحته وذلك شبهة تمنع القصاص كما لو اعتقده صيداً فرماه فقتل إنساناً ولأن حكمة القصاص الزجر والردع ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة وإذا لم يجب عليه وجب على السيد لأنه آلة لا يمكن ايجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب به كما لو أنهشه

حية فقتلته أو ألقاه في زبية أسد فأكله، ويفارق هذا ما إذا علم خطر القتل فالقصاص على العبد لامكان إيجابه عليه وهو مباشر له فانقطع حكم الآمر كالدافع مع الحافر، ولو أمر صبياً لا يميز أو مجنوناً أو أعجمياً لا يعلم خطر القتل فقتل فالحكم فيه كالحكم في العبد يقتل الأمر دون المباشر، فأما إن أمره بزنا أو سرقة ففعل لم يجب الحد على الآمر لأن الحد لا يجب إلا على المباشر والقصاص يجب بالتسبب ولذلك وجب على المكره والشهود في القصاص

(مسألة) (وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل به فقتل فالقصاص على القاتل)

لا نعلم فيه خلافاً لأنه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص كما لو لم يؤمر (مسألة) (وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك فالقصاص على القاتل وإن لم يعلم فعلى الآمر) إذا كان المأمور يعلم أن المأمور بقتله لا يستحق القتل فالقصاص عليه لأنه غير معذور في فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه " فلزم القصاص كما لو أمره غير السلطان وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور لأن المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق وإن كان الآمر غير السلطان فالقصاص على القاتل بكل حال علم أو لم يعلم لأنه لا يلزمه

طاعته وليس له القتل بحال بخلاف السلطان فإن إليه القتل في الردة والزنا وقطع الطريق إذا قتل القاطع ويستوفي القصاص للناس وهذا ليس اليه شئ من ذلك (فصل) إذا أكرهه السلطان على قتل أحد أو جلده بغير حق فمات فالقصاص عليهما وقد ذكرناه وإن وجبت الدية كانت عليهما فإن كان الإمام يعتقد جواز القتل دون المأمور كمسلم قتل ذمياً أو حر قتل عبداً فقتله فقال القاضي الضمان عليه دون الإمام لأن الإمام أمره بما أدى اجتهاده إليه والمأمور يعتقد تحريمه فلم يكن له أن يقبل أمره فإذا قبله لزمه الضمان لأنه قتل من لا يحل له قتله.
قال شيخنا وينبغي أن يفرق بين العامي والمجتهد فإن كان مجتهداً فالحكم فيه على ما ذكره القاضي وإن كان مقلداً فلا ضمان عليه لأن له تقليد الإمام فيما رآه وإن كان الإمام يعتقد تحريمه والقاتل يعتقد حله فالضمان على الآمر كما لو أمر السيد عبده الذي لا يعتقد تحريم القتل به

(مسألة) (وإن أمسك إنساناً لآخر فقتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين)

أما وجوب القصاص على القاتل فلا خلاف فيه لأنه قتل من يكافئه عمداً بغير حق وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل بقتله فلا شئ لأنه متسبب والقاتل مباشر فيسقط حكم المتسبب، وإن أمسكه له ليقتله مثل أن أمسكه حتى ذبحه فاختلفت الرواية فيه عن احمد فروي عنه أنه يحبس حتى يموت وهذا قول عطاء وربيعة وروي ذلك عن

علي وروى عن أحمد أنه يقتل أيضاً وهو قول مالك قال سليمان بن موسى الاجتماع فينا أن يقتلا لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبإمساكه تمكن من قتله فالقتل حاصل بفعلهما فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص كما لو جرحاه، وقال أبو حنيفة والشافعي وابو ثور وابن المنذر يعاقب ويأثم ولا يقتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله " والممسك غير قاتل ولان لامساك سبب غير ملجئ فإذا اجتمعت معه المباشرة كان الضمان على المباشر كما لو لم يعلم الممسك أنه يقتله ولنا ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك لأنه حبسه إلى الموت فيحبس الآخر إلى الموت كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فإنا نفعل به ذلك حتى يموت.
(فصل) فإن اتبع رجلاً ليقتله فهرب منه فأدركه آخر فقطع رجله ثم أدركه الثاني فقتله فإن كان الأول حبسه بالقطع ليأتيه الثاني فعليه القصاص في القطع وحكمه في القصاص في النفس حكم الممسك لأنه حبسه على القتل، وإن لم يقصد حبسه فعليه القطع دون القاتل كالذي أمسكه غير عالم وفيه وجه آخر ليس عليه إلا القطع بكل حال، والأول أصح لأنه الحابس له بفعله فأشبه الحابس بإمساكه، فإن قيل فلم أعتبرتم قصد لا مسك ههنا وأنتم لا تعتبرون إرادة القتل في الجارح قلنا إذا مات من الجرح فقد مات

من سرايته وأثره فيعتبر قصد الجرح الذي هو السبب دون قصد الأثر وفي مسئلتنا إنما كان موته بأمر غير السراية والفعل ممكن له فاعتبر قصده لذلك الفعل كما لو أمسكه.
(مسألة) (وإن كتفه وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته فحكمه حكم الممسك) ذكره القاضي وقد مضى الكلام فيه قال شيخنا والصحيح أنه لا قصاص فيه لأنه مما لا يقتل غالباً وتجب فيه الدية لأنه فعل به فعلاً متعمداً لا يقتل غالبا لتلف به فهو شبه عمد وهكذا ذكره في كتابه الكافي (فصل) وإن اشترك في القتل اثنان لا يجب القصاص على أحدهما كالأب والأجنبي في قتل الولد والحر والعبد في قتل العبد والخاطئ والعامد ففي وجوب القصاص على الشريك روايتان أظهرهما وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ ظاهر المذهب وجوب القصاص على شريك الأب وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى لا قصاص على واحد منهما وهو قول أصحاب الرأي لأنه قتل تركب من موجب وغير موجب فلم يوجب كقتل العامد والخاطئ والصبي والبالغ والمجنون والعاقل ولنا أنه شارك في القتل العمد العدوان فيمن يقتل به لو انفرد بقتله فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي وقولهم إن فعل الأب غير موجب ممنوع فإنه يقتضي الإيجاب لكونه تمحض عمداً

عدوانا والجناية أعظم اثماً وأكبر جرماً ولذلك خصه الله تعالى بالنهي فقال (ولا تقتلوا أولادكم) ثم قال (إن قتلهم كان خطأ كبيرا) ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنب قال " أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " فجعله أعظم الذنوب بعد الشرك ولأنه قطع للرحم التي أمر الله بوصلها ووضع الإساءة موضع الإحسان فهو أولى بإيجاب العقوبة والزجر عنه وإنما امتنع الوجوب في حق الأب لمعنى مختص بالمحل لا لقصور في السبب الموجب فلا يمنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه واما شريك الخاطئ ففيه روايتان (إحداهما) يجب القصاص فهو كمسئلتنا ومع التسليم فامتناع الوجوب فيه لقصور السبب عن الإيجاب فان فعل الخاطئ غير موجب للقصاص ولا صالح له والقتل منه ومن شريكه غير متمحض عمد الوقوع الخطأ في الفعل الذي حصل به زهرق الروح بخلاف مسئلتنا وكذلك كل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما لمعنى فيه من غير قصور في السبب فهو في وجوب القصاص على شريكه كالأب وشريكه كالمسلم والذمي في قتل ذمي والحر والعبد في قتل العبد إذا كان القتل عدواناً فإن القصاص لا يجب على المسلم ولا على الحر ويجب على الذمي والعبد إذا قلنا بوجوبه على شريك الأب لان امتناع القصاص عن المسلم لاسلامه وعن الحر لحريته وانتفاء مكافأة المقتول له وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل شريكه فلم يسقط القصاص عنه وقد روي عن أبي عبد الله أنه سئل عن حر وعبد قتلاً عبداً عمداً قال أما الحر فلا يقتل بالعبد والعبد إن شاء سيده أسلمه وإلا فداه

بنصف قيمة العبد وظاهر هذا ان لا قصاص على العبد فيخرج مثل هذا في كل قتل شارك فيه من لا يجب عليه القصاص (فصل) فان اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ فالصحيح من المذهب أنه لا قصاص على البالغ وبهذا قال الحسن والاوزاعي واسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أن القود يجب على البالغ العاقل حكاه ابن المنذر عن أحمد وحكي ذلك عن مالك وهو القول الثاني للشافعي وروي عن قتادة والزهري وحماد لأن القصاص عقوبة يجب عليه جزاء لفعله فمتى كان فعله عمداً وعدواناً وجب عليه القصاص ولا نظر إلى فعل شريكه بحال ولأنه شارك في القتل عمداً عدواناً فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبي وذلك لأن الإنسان إنما يؤخذ بفعل نفسه لا بفعل غيره فعلى هذا يعتبر فعل الشريك منفرداً فمتى تمحض عمداً عدواناً وكان المقتول مكافئاً له وجب عليه القصاص وبنى الشافعي قوله على أن عمد الصبي والمجنون إذا تعمداه عمد لأنهما يقصدان القتل وإنما سقوط القصاص عنهما لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كالأبوة ولنا أنه شارك من لا إثم عليه في فعله فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطئ ولأن الصبي والمجنون ليس لهما قصد صحيح ولهذا لا يصح إقرارهما فكان حكم فعلها حكم الخطأ ولهذا تحمله العاقلة فيكون الأولى عدم وجوب القصاص

(فصل) ولا يجب القصاص على شريك الخاطئ في قول أكثر أهل العلم وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أن عليه القصاص وحكي عن مالك لأنه شارك في القتل عمداً عدواناً فأشبه شريك العامد ولأن مؤاخذته بفعله وفعله عمد عدوان ولنا أنه قتل لم يتمحض عمداً فلم يجب به القصاص كشبه العمد وكما لو قتله واحد بجرحين عمداً وخطأ ولأن كل واحد من الشريكين مباشر ومتسبب فإذا كانا عابدين فكل واحد متسبب إلى فعل موجب للقصاص فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه إليه وههنا إذا أقمنا فعل الخاطئ مقام فعل العامد صار كأنه قتله بعمد وخطأ وهذا غير موجب والله أعلم (مسألة) (وفي شريك السبع وشريك نفسه وجهان) وصورة ذلك أن يجرحه أسد أو نمر أو جرحه إنسان ثم جرح هو نفسه متعمداً فهل يجب على شريكه؟ قصاص فيه وجهان ذكرهما أبو عبد الله بن حامد واختلف فيه عن الشافعي وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه لأنه شارك من لا قصاص عليه فلم يلزمه القصاص كشريك الخاطئ ولأنه قتل تركب من يوجب وغير موجب فلم يوجب كالقتل الحاصل من عمد وخطأ ولأنه إذا لم يجب على شريك الخاطئ وفعله مضمون فلأن لا يجب على شريك من لا يضمن فعله أولى (والوجه الثاني) عليه القصاص وهو قول أبي بكر، وروى عن أحمد أنه قال إذا جرحه رجل ثم جرح الرجل نفسه فمات فعلى شريكه

القصاص لأنه قتل عمد متمحض فوجب القصاص على الشريك فيه كشريك الأب فأما إن جرح الرجل نفسه خطأ منه كأن أراد ضرب غيره فأصاب نفسه فلا قصاص على شريكه في أصح الوجهين وفيه وجه آخر أن عليه القصاص بناء على الروايتين في شريك الخاطئ

(مسألة) (ولو جرحه إنسان عمداً فداوى جرحه بسم أو خاطه في اللحم أو فعل ذلك وليه أو الإمام فمات ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان) إذا جرحه إنسان فتداوى بسم وكان سم ساعة يقتل في الحال فقد قتل نفسه وقطع سراية الجرح وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد أن جرح وينظر في الجرح فإن كان موجباً للقصاص فلوليه استيفاؤه وإن لم

يكن موجباً فلوليه الأرش وإن كان السم لا يقتل غالباً وقد يقتل ففعل الرجل في نفسه عمد خطأ والحكم في شريكه كالحكم في شريك الخاطئ وإذا لم يجب القصاص فعلى الجارح نصف الدية وإذا كان السم يقتل غالباً بعد مدة احتمل أن يكون عمد الخطأ أيضاً لأنه لم يقصد القتل إنما قصد التداوي فيكون كالذي قبله واحتمل أن يكون في حكم العمد فيكون في شريكه الوجهان المذكوران في المسألة قبلها وإن جرح رجلاً فخاط جرحه أو أمر غيره فخاطه له وكان ذلك مما يجوز أن يقتل فحكمه حكم ما لو شرب سماً يجوز أن يقتل على ما مضى فيه، وإن خاطه غيره بغير إذنه كرهاً فهما قاتلان عليهما القود وإن خاطه وليه والإمام وهو ممن لا ولاية عليه فهما كالأجنبي وإن كان لهما عليه ولاية فلا قود عليهما، لأن فعلهما جائز إذ لهما مداوته فيكون ذلك خطأ وهل على الجارح القود؟ فيه وجهان

باب شروط القصاص

وهي أربعة (أحدهما) أن يكون الجاني مكلفاً فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما، لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه كالنائم والمغمى عليه ونحوها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق " ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم تجب على الصبي وزائل العقل كالحدود ولأنهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالعقل خطأ (فصل) فان اختلف الجاني وولي الجناية فقال الجاني كنت صبياً حال الجناية، وقال ولي الجناية كنت بالغاً فالقول قول الجاني مع يمينه إذا احتمل الصدق، لأن الاصل الصغر وبراءة ذمته من القصاص وإن قال قتلته وأما مجنون وأنكر الولي جنونه فإن عرف له حال جنون فالقول قوله مع يمينه أيضاً لذلك، وإن لم يعرف له حال جنون فالقول قول الولي لأن الأصل السلامة وكذلك إن عرف له حال جنون ثم عرف زواله قبل القتل وإن ثبت لأحدهما بما ادعاه بينة حكم له وإن أقاما بينتين تعارضتا فإن شهدت البينة أنه كان زائل العقل فقال الولي كنت سكران وقال القاتل كنت مجنوناً فالقول قول القاتل مع يمينه لأنه أعرف بنفسه، ولأن الأصل براءة ذمته واجتناب المسلم فعل ما يحرم عليه فأما إن قتله وهو عاقل ثم جن لم

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
(مسألة) (والعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً وهو تسعة أقسام)(مسألة) (فإن بقي من ذلك ضمناً حتى مات أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين فهو عمد محض)(مسألة) (وان جرحه أحدهما جرحاً والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية)(مسألة) (وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى معه الحياة كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الاول يعزر الثاني، وإن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه فالثاني هو القاتل وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص والدية) وجملة ذلك أنه إذا جنى عليه اثنان جنايتين نظرنا فإن كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة مثل قطع حشوته وابنها منه أو ذبحه ثم ضرب عنقه الثاني فالأول هو القاتل لأنه لا يبقى مع جنايته وحياة والقود عليه خاصة ويعزر الثاني كما لو جنى على ميت وإن عفا الولي الى الدية فهي على الأول وحده، وإن كان جرح الأول تبقى الحياة معه مثل شق البطن من غير إبانة الحشوة أو قطع طرف ثم ضرب عنقه آخر فالثاني هو القاتل لأنه لم يخرج بجرح الأول عن حكم الحياة فيكون الثاني هو المفوت لها فعليه القصاص في النفس والدية كاملة إن عفا عنه ثم ينظر في جرح الأول فإن كان موجباً للقصاص كقطع الطرف فالولي مخير بين قطع طرفه(مسألة) (فإن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقده فالقصاص على الثاني)(مسألة) (وإن أكره إنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما)(مسألة) (وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل به فقتل فالقصاص على القاتل)(مسألة) (وإن أمسك إنساناً لآخر فقتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين)(مسألة) (ولو جرحه إنسان عمداً فداوى جرحه بسم أو خاطه في اللحم أو فعل ذلك وليه أو الإمام فمات ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان) إذا جرحه إنسان فتداوى بسم وكان سم ساعة يقتل في الحال فقد قتل نفسه وقطع سراية الجرح وجرى مجرى من ذبح نفسه بعد أن جرح وينظر في الجرح فإن كان موجباً للقصاص فلوليه استيفاؤه وإن لمباب شروط القصاص
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل