الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 240-279
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المنتهب قطع) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس على الخائن والمختلس قطع) رواهما أبو داود وقال لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير ولأن الواجب قطع السارق وهذا غير سارق ولأن الاختلاس نوع من الخطف والنهب، إنما استخفى في ابتداء اختلاسه بخلاف السارق (فصل) ولا يقطع جاحد الوديعة ولا غيرها من الأمانات لا نعلم فيه خلافاً فأما جاحد العارية فقد اختلف عن أحمد رحمه الله فيه فعنه أنه يقطع وهو قول إسحاق لما روت عائشة قالت كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أراك تكلمني في حد من حدود الله؟) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال (إنما هلك من كان من قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) قالت فقطع يدها، قال أحمد لا اعرف شيئا يدفعه متفق عليه وعن أحمد رواية ثانية أنه لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقول رسول صلى الله عليه وسلم (لا قطع على الخائن) ولأن الواجب قطع السارق والخائن ليس بسارق فأشبه جاحد الوديعة فأما المرأة التي كانت تستعير المتاع فانما قطعت لسرقتها لا لجحدها: ألا تسمع قوله (ذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) وقوله (والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) وفي بعض ألفاظ

رواة هذه القصة عن عائشة أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت وذكر القصة رواه البخاري وفي حديث أنها سرقت قطيفة فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن الأسود قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال (تطهر خير لها) فلما سمعنا لين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا اسامة فقلنا كلم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث بنحو سياق حديث عائشة وهذا ظاهر في أن القصة واحدة وأنها سرقت فقطعت لسرقتها وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك ولا يلزم أن يكون ذلك سبباً كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرناه جمع بين الأحاديث وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الامصار فيكون أولى (مسألة) (ويقطع الطرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه وعنه لا يقطع) قال أحمد الطرار سراً يقطع وإن اختلس لم يقطع، ومعنى الطرار الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه أو صفنه وسواء بط ما أخذ منه المسروق أو قطع الصفن فأخذه أو أدخل يده في الجيب فأخذ ما فيه فان عليه القطع، وروى عن أحمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه لاقطع عليه وفي ذلك روايتان (إحداهما) يقطع لأنه سرق من حرز (والثانية) لا يقطع كالمختلس

(فصل) الثاني أن يكون المسروق مالاً محترماً سواء كان مما يسرع اليه الفساد كالفاكهة والبطيخ اولا وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب أو غير ثمين كالخشب والقصب وكذلك يقطع بسرقة الأحجار والصيد والنورة والجص والزرنيخ والتوابل والفخار والزجاج وغيره وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا قطع في ثمر ولا كثر) رواه أبو داود ولأن هذا معرض للهلاك أشبه ما لم يحرز، ولا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام كالصيود والخشب إلا في الساج والابنوس والصندل والقنا والمعمول من الخشب فانه يقطع به وما عدا هذا لا يقطع به لأنه يوجد كثيراً مباحاً في دار الإسلام فأشبه التراب، ولا قطع في القرون وإن كانت معمولة لأن الصنعة لا تكون غالبة عليها بل القيمة لها بخلاف معمول الخشب ولا قطع عنده في التوابل والنورة والجص والزرنيخ والملح والحجارة واللبن والزجاج والفخار وقال الثوري ما يفسد في يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه ولنا عموم قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال (ومن سرق منه شيئاً بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع) رواه أبو داود وغيره وروي أن عثمان رضي الله عنه أتي برجل قد سرق اترجة فأمر بها عثمان فأقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع رواه

سعيد ولأن هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط كالمجفف ولأن ما وجب القطع في معموله وجب فيه قبل العمل كالذهب والفضة، وحديثهم أراد به الثمر المعلق بدليل حديثنا فانه مفسر له وتشبيهه بغير المحرز لا يصح لأن غير المحرز مضيع وهذا محفوظ ولهذا افترق سائر الاموال بالحرز وعدمه، وقولهم يوجد مباحاً في دار الإسلام ينتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وسائر المعادن (مسألة) (ويقطع بسرقة العبد الصغير في قول عامة أهل العلم) قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم الحسن ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي لا يميز فان كان كبيراً لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائماً أو مجنوناً أو أعجمياً لا يميز بين سيده وغيره في الطاعة فيقطع سارقه، وقال أبو يوسف لا يقطع سارق العبد وان كان صغيراً لأن من لا يقطع بسرقته كبيراً لا يقطع بسرقته صغيراً كالحر ولنا أنه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات وفارق الحر فإنه ليس بمال ولا مملوك وفارق الكبير لأنه لا يسرق وإنما يخدع بشئ فإن كان المسروق في حال نومه أو جنونه أم ولد ففي قطع سارقها وجهان (أحدهما) لا يقطع لأنها لا يحل بيعها ولا نقل الملك

فيها فأشبهت الحرة (والثاني) يقطع لأنها مملوكة تضمن بالقيمة فأشبهت القن وحكم المدبر حكم القن لأنه يجوز بيعه ويضمن بقيمته، فأما المكاتب فلا يقطع سارقه لأن ملك سيده ليس بتام عليه لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا أخذ ارش الجناية عليه ولو جنى السيد عليه لزمه له الأرش ولو استوفى منافعه كرهاً لزمه عوضها ولو حبسه لزمه اجرة مدة حبسه أو انظاره مقدار تلك المدة، ولا يجب القطع لأجل ملك المكاتب في نفسه لأن الانسان لا يملك نفسه فأشبه الحر فأما إن سرق مال المكاتب فعليه القطع لأن ملك المكاتب ثابت في مال نفسه إلا أن يكون السارق سيده فلا قطع عليه لأن له في ماله حقا وشبهة تدرأ الحد ولذلك لو وطئ جاريته لم يحد (مسألة) (ولا يقطع بسرقة حر وإن كان صغيراً وعنه أنه يقطع بسرقة الصغير) ظاهر المذهب أنه لا يقطع بسرقة الحر الصغير وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وعن أحمد رواية ثانية أنه يقطع بسرقة الصغير وذكرها أبو الخطاب وهو قول الحسن والشعبي ومالك وإسحاق لأنه غير مميز أشبه العبد ولنا أنه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم (مسألة) (فإن كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا لم يقطع وبه قال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي) وفيه وجه آخر أنه يقطع حكاه أبو الخطاب وبه قال أبو يوسف وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه سرق نصاباً من المال فأشبه مالو سرقه منفرداً

ولنا أنه تابع لما لا قطع في سرقته فأشبه ثياب الكبير ولأن يد الصبي على ما عليه بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له وهكذا لو كان الكبير نائما على متاع فسرقه وثيابه لم يقطع لأن يده عليه (فصل) وإن سرق ماء فلا قطع فيه قاله أبو بكر وابو إسحاق بن شاقلا لأنه لا يتمول عادة ولا نعلم فيه خلافا فان سرق كلأ أو ملحاً فقال أبو بكر لاقطع عليه لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فأشبه المال، وقال أبو إسحاق عليه القطع لأنه يتمول عادة فأشبه التبن والشعير، وأما الثلج فقال القاضي هو كالماء لأنه ماء جامد فأشبه الجليد قال شيخنا والأشبه أنه كالملح لأنه يتمول عادة فأشبه الملح المنعقد من الماء، وأما التراب فإن كان مما تقل الرغبات فيه كالمعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه لأنه لا يتمول وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الارمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسل به أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين (أحدهما) لا قطع فيه لأنه من جنس ما لا يتمول أشبه الماء (والثاني) فيه القطع لأنه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه فأشبه العود الهندي ولا يقطع بسرقة السرجين لأنه إن كان نجساً فلا قيمة له وإن كان طاهراً فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه أشبه التراب الذي للبناء وما عمل من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لأنه يتمول عادة (مسألة) (ولا يقطع بسرقة مصحف وعند أبي الخطاب يقطع)

قال أبو بكر والقاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه، واختار أبو الخطاب وجوب قطعه، وقال هو ظاهر كلام أحمد فانه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه فقال كلما بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية في كل سارق ولأنه متقوم تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع بسرقته ككتب الفقه (مسألة) (ويقطع بسرقة سائر كتب العلم) ولا نعلم فيه خلافاً بين أصحابنا في القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية لعموم الأدلة (فصل) فإن قلنا لا يقطع بسرقة المصحف وكان عليه حلية تبلغ نصابا خرج فيه وجهان (أحدهما) لا يقطع وهو قياس قول أبي إسحاق بن شاقلا ومذهب أبي حنيفة لأن الحلي تابع لما لا يقطع بسرقته فأشبهت ثياب الحر (والثاني) يقطع وهو قول القاضي لأنه سرق نصابا من الحلي فأشبه مالو سرقه منفرداً وأصل هذين الوجهين من سرق صبياً عليه حلي (فصل) وإن سرق عيناً موقوفة وجب القطع لأنها مملوكة للموقوف عليه ويحتمل أن لا يقطع بناء على الوجه الذي يقول إن الموقوف لا يملكه الموقوف عليه، فعلى هذا إن كان وقفاً غير معين لم يقطع بسرقته.

(مسألة) (ولا يقطع بسرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر) لا يقطع بسرقة آلة لهو كالطنبور والمزمار والشبابة وإن بلغت قيمته مفصلا نصاباً وبهذا قال أبو حنيفة، وقال أصحاب الشافعي إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصاباً ففيه القطع وإلا فلا لأنه سرق ما قيمته نصاباً لاشبهة له فيه من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه كما لو كان ذهباً مكسوراً ولنا أنه آلة للمعصية بالاجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولأن له حقاً في أخذها لكسرها فكان ذلك شبهة مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فان كانت عليه حلية تبلغ نصاباً فلا قطع فيه أيضاً في قياس قول أبي بكر لأنه متصل بما لا قطع فيه أشبه الخشب والاوتار وقال القاضي فيه القطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرزه أشبه المنفرد (فصل) ولا يقطع بسرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقة من مسلم أو كافر وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لأنه مال لهم أشبه مالو سرق دراهمهم ولنا أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولأن ما لا يقطع بسرقته من المسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم، وما ذكروه ينتقص بالخنزير ولا اعتبار به فإن الاعتبار بحكم الاسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم (مسألة) (وإن سرق آنية فيها الخمر أو صليباً أو صنم ذهب لم يقطع وعند أبي الخطاب يقطع)

إذا سرق إناء فيه خمر يقطع وهو مذهب الشافعي كما لو سرقه ولا شئ فيه، وقال غيره من أصحابنا لا يقطع لأنه متصل بما لا قطع فيه فأشبه مالو سرق شيئاً مشتركا بينه وبين غيره بحيث تبلغ قيمته بالشركة نصاباً وقال ابن شاقلا لو سرق اداوة فيها ماء لم يقطع لاتصالها بما لا قطع فيه ووجه الأول أنه سرق نصابا من حرز لا شبهة له فيه أشبه مالو سرقه فارغاً، وإن سرق صليباً أو صنماً من ذهب أو فضة يبلغ نصاباً متصلا فقال القاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة، وقال أبو الخطاب يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي، ووجه الوجهين ما تقدم فيما إذا سرق آلة لهو محلاة والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن التي قبلها له كسره بحيث لا يبقى له قيمة تبلغ نصابا وههنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولأن الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيها مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون تابعاً للصناعة المحرمة فأشبه الأوتار (فصل) ولو سرق إناء من ذهب أو فضة قيمته نصاباً إذا كان منكسرا فعليه القطع لأنه غير مجمع على تحريمه وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وإن سرق إناء معداً لحمل الخمر ووضعه فيه ففيه القطع لأن الإناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه نيته وقصده فأشبه مالو سرق سكيناً معدة لذبح

الخنازير أو سيفاً يعد لقطع الطريق ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود يعلم به فعليه القطع وإن لم يعلم به فلا قطع فيه لأنه لم يقصد سرقته فأشبه مالو تعلق بثوبه، وقال الشافعي يقطع لأنه سرق نصابا فأشبه مالو سرق ما لا يعلم أن قيمته نصاب والفرق بينهما أنه علم بالمسروق ههنا وقصد سرقته بخلاف الدينار فانه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بايجاب الحد عليه (فصل) الثالث أن يسرق نصابا وهو ثلاثة دراهم أو قيمة ذلك من الذهب والعروض، وعنه أنه ثلاثة دراهم أو ربع دينار أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما وعنه لا تقوم العروض إلا بالدراهم فلا يجب القطع بسرقة دون النصاب في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج فإنهم قالوا يقطع في القليل والكثير لعموم الآية ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده) متفق عليه ولأنه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكبير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) متفق عليه واجماع الصحابة على ما سنذكره وهذا يخص عموم الآية، والحبل يحتمل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها البيضة السلاح وهي تساوي ذلك، واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في قدر النصاب الذي

يجب القطع بسرقته فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما وهذا قول مالك واسحاق وروى عنه الأثرم أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع وعنه أن الأصل الورق ويقوم الذهب به فإن نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع سارقه وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور وقالت عائشة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً، وروى هذا عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والشافعي وابن المنذر لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) وقال عثمان البتي تقطع اليد في درهم فما فوقه وعن أبي هريرة وأبي سعيد أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعداً، وعن عمر رضي الله عنه أن الخمس لا تقطع إلا في الخمس وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة.
وروي ذلك عن الحسن قال أنس رضي الله عنه قطع أبو بكر في مجن قيمته خمس دراهم رواه الجوزجاني باسناده وقال عطاء وأبو حنيفة وأصحابه لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم لما روى الحجاج ابن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا قطع إلا في عشرة دراهم) وروى ابن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم وعن النخعي لا تقطع اليد إلا في أربعين درهماً

ولنا ما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه قيمته ثلاثة دراهم متفق عليه قال ابن عبد البر هذا أصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف أهل العلم في ذلك وحديث أبي حنيفة الأول يرويه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، والذي روي عن الحجاج ضعيف أيضاً والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بعشرة ويدل هذا الحديث على أن العرض يقوم بالدارهم لأن المجن قوم بها ولأن ما كان الذهب فيه أصلاً كان الورق فيه أصلاً كنصب الزكوات والديات وقيم المتلفات، وقد روى أنس أن سارقاً سرق مجناً ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر وأتي عثمان برجل قد سرق اترجة فأمر بها عثمان فقومت فبلغت قيمتها ربع دينار فقطع (فصل) وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص ففيه القطع وإن كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار لأن السبك ينقصه وان سرق ربع دينار قراضة أو تبراً خالصأ او حليا ففيه القطع نص عليه أحمد في رواية الجوزجاني قال قلت له كيف يسرق ربع دينار فقال قطعة ذهب أو خاتماً او حليا وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين (أحدهما) لا قطع عليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الدينار اسم للمضروب

ولنا أن ذلك ربع دينار لأنه يقال له دينار قراضة ومكسور أو دينار خلاص ولأنه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلا مكسوراً، وقد أوجب عليه القطع بذلك ولأنه حق لله تعالى تعلق بالمضروب فتعلق بما ليس بمضروب كالزكاة والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح فإن بلغ ذلك ففيه القطع، والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم وهو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله ولم يتغير وإنما كانت الدراهم مختلفة فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها إذا كانت خالصة مضروبة كانت أو غير مضروبة على ما ذكرناه في الذهب وعند أبي حنيفة أن النصاب إنما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر مادل عليه ويحتمل ماقاله في الدراهم لأن إطلاقها يتناول الصحاح المضروبة بخلاف ربع الدينار على أننا قد ذكرنا فيها احتمالاً متقدماً فههنا أولى وما قوم من غيرهما بهما فلا قطع فيه حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا لأن إطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر (مسألة) (وإن سرق نصابا ثم نقصت قيمته أو ملكه ببيع أو هبة أو غيرهما لم يسقط القطع) إذا نقصت قيمة العين عن النصاب بعد إخراجها من الحرز لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يسقط لأن النصاب شرط فتعتبر استدامته ولنا قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولأنه نقص حدث في العين فلم يمنع

القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرط لوجوب القطع فلا تعتبر استدامته كالحرز وما ذكره يبطل بالحرز فإنه لو زال الحرز لم يسقط عنه القطع وسواء نقصت قيمتها بعد الحكم أو قبله لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ.
فأما إن نقص النصاب قبل الاخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله.
فإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع لأن الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه ولأن الاصل عدمه (مسألة) (وإن ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غير ذلك من أسباب الملك وكان ملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده لم يجب القطع) وبهذا قال مالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا، وإن ملكها بعده لم يسقط القطع عند مالك والشافعي وإسحاق، وقال أصحاب الرأي يسقط لأنها صارت ملكه فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها ولأن المطالبة شرط والشروط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب ولنا ما روى الزهري عن ابن صفوان عن صفوان بن أمية أنه نام في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم إن يقطع فقال صفوان

يارسول الله لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فهلا كان قبل أن تأتيني به؟) رواه ابن ماجه والجوزجاني وفي لفظ قال فأتيته فقلت اتقطعه من أجل ثلاثين درهم؟ أنا أبيعه وانسئه ثمنها قال (فهلا كان قبل أن تأتيني به؟) رواه الاثرم وأبو داود فهذا يدل على أنه لو وجد قبل رفعه اليه لدرأ القطع وبعده لا يسقطه، وقولهم ان المطالبة شرط قلنا هي شرط الحكم لا شرط القطع بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع وقد زالت المطالبة (مسألة) (وإن دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم أخرجها لم يقطع) لأن من شرط وجوب القطع أن يخرج من الحرز العين وهي نصاب ولم يوجد الشرط (مسألة) (وإن سرق فرد خف قيمته منفرداً درهمان وقيمته مع الآخر أربعة لم يقطع) لأنه لم يسرق نصابا فلم يوجد الشرط (مسألة) (وإن اشتركوا في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً) إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا ذكره الخرقي وهو قول أصحابنا وبه قال مالك وأبو ثور وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي واسحاق لا قطع عليهم الا ان تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا لأن كل واحد لم يسرق نصابا فلم يجب عليه قطع كما لو انفرد بدون النصاب.
قال شيخنا: وهذا القول أحب إلي لأن القطع ههنا لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب والاحتياط باسقاطه

أولى من الاحتياط بايجابه ولأنه مما يدرأ بالشبهات، واحتج من أوجبه بأن النصاب أحد شرطي القطع فاذا اشترك الجماعة كانوا كالواحد قياسا على هتك الحرز ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص ولم يفرق أصحابنا بين كون المسروق ثقيلا يشترك الجماعة في حملة وبين أن يخرج كل واحد منهم جزءاً ونص أحمد على هذا وقال مالك: إن انفرد كل واحد منهم بجزء لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص.
ولنا أنهم اشتركوا في هتك الحرز واخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلا فحملوه وفارق القصاص فانه يعتمد المماثلة ولا توجد المماثلة إلا أن توجد أفعالهم في جميع اجزاء اليد وفي مسئلتنا القصد الزجر من غير إعتبار مماثلة والحاجة إلى الزجر عن إخراج المال موجودة وسواء دخلا الحرز معاً أو دخل أحدهما فاخرج بعض النصاب ثم دخل الآخر فأخرج باقيه لأنهما اشتركا في هتك الحرز واخراج النصاب فوجب عليهما القطع كما لو حملاه معاً (فصل) فإن كان أحد الشريكين مما لاقطع عليه كأبي المسروق منه قطع شريكه في أحد الوجهين كما لو شاركه في قطع يد ابنه والثاني لا يقطع وهو أصح لأن سرقتهما جميعاً صارت علة لقطعهما سرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع لأنه أخذ ماله أخذه بخلاف قطع يد ابنه فان الفعل تمحض

عدواناً وإنما سقط القصاص لفضيلة الأب لا لمعنى في فعله وههنا فعله قد تمكنت الشبهة منه فوجب أن لا يجب القطع به كاشتراك العامد والخاطئ فأما إن أخرج كل واحد منهما نصابا وجب القطع على شريك الأب لأنه انفرد بما يوجب القطع فان أخرج الأب نصابا وشريكه دون النصاب ففيه الوجهان، وإن اعترف اثنان بسرقة نصاب ثم رجع أحدهما فالقطع على الآخر لأنه اختص بالاسقاط فيختص بالسقوط ويحتمل أن يسقط عن شريكه، لأن السبب السرقة منهما وقد اختل أحد جزأيها وكذلك لو أقر بمشاركة آخر في سرقة نصاب ولم يقر الآخر ففي القطع وجهان.
(مسألة) (وإن هتك اثنان حرزا ودخلاه فأخرج أحدهما نصابا وحده أو دخل أحدهما فقدمه إلى باب النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه قطعا) أما إذا هتك اثنان حرزا ودخلاه فأخرج أحدهما نصابا وحده فقال أصحابنا القطع عليهما.
وبه قال أبو حنيفة وصاحباه إذا أخرج نصابين وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يختص القطع بالمخرج لأنه هو السارق، وإن أخرج أحدهما دون النصاب والآخر أكثر من نصاب فما نصابين فعند أصحابنا وأبي حنيفة وصاحبيه يجب القطع عليهما وعند الشافعي وموافقيه لاقطع على من لم يخرج نصابا وإن أخرج أحدهما نصابا والآخر دون النصاب فعند أصحابنا عليهما القطع وعند

الشافعي القطع على مخرج النصاب وحده وعند أبي حنيفة لا قطع على واحد منهما لأن المخرج لم يبلغ نصبا بعدد السارقين وقد ذكرنا وجه ما قلنا فيما تقدم.
(مسألة) (فإن نقبا حرزاً فدخل أحدهما فقرب المتاع من النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه فقال أصحابنا قياس قول أحمد أن القطع عليهما) . وقال الشافعي القطع على الخارج لأنه مخرج للمتاع وقال أبو حنيفة لا قطع على واحد منهما ولنا أنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المتاع فلزمهما القطع كما لو حملاه معاً فأخرجاه، وإن وضعه في النقب فمد الآخر يده فأخرجه فأخذه فالقطع عليهما ونقل عن الشافعي في هذه المسألة قولان كالمذهبين في الصورة التي قبلها.
(فصل) قال أحمد في رجلين دخلا داراً أحدهما في سفلها جمع المتاع وشده بحبل والآخر في علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار فالقطع عليهما لأنهما اشتركا في إخراجه.
(مسألة) (وإن رماه الداخل إلى خارج فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده) وإن اشتركا في النقب، لأن الداخل أخرج المتاع وحده فاختص القطع به.
(مسألة) (وإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه فلا قطع عليهما ويحتمل أن يقطعا)

وإنما لم يقطعا لأن الاول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز وإنما سرق من حرز هتكه غيره فأشبه مالو نقب رجل وانصرف وجاء آخر فصادف الحرز مهتوكاً فسرق منه، ويحتمل أن يقطعا لأنهما اشتركا في سرقة نصاب أشبه مالو دخلا معاً فأخرج أحدهما المتاع (مسألة) (إلا أن ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع) لأنه لم يهتك الحرز ومن شرط وجوب القطع هتكه فقد فات الشرط فيفوت المشروط.
(فصل) فان اشترك رجلان في النقب ودخل أحدهما فاخرج المتاع وحده أو أخذه وناوله لآخر خارجا من الحرز فالقطع على الداخل وحده لأنه أخرج المتاع وحده مع مشاركته في النقب وبهذا قال الشافعي وابو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة لاقطع عليهما، لأن الداخل لم ينفصل عن الحزر ويده على السرقة فلم يلزمه القطع كما لو أتلفه داخل الحرز ولنا أن المسروق خرج من الحرز ويده عليه فوجب عليه القطع كما لو خرج به بخلاف مالو أتلفه لأنه لم يخرجه من الحرز.
(فصل) الرابع أن يخرجه من الحرز، يشترط أن يسرق من حرز ويخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشعبي وأبو الاسود الديلي وعمر بن عبد العزيز والزهري وعمرو بن دينار

والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم إلا قولاً حكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المتاع فلم يخرج به من الحرز: عليه القطع وعن الحسن مثل قول الجماعة وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز لأن الآية لا تفصيل فيها وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه قال إبن المنذر ليس في خبر ثابت ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه فهو كالاجماع والإجماع حجة على من خالفه وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر فقال (ما أخذ من غير اكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجران ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن) رواه أبو داود وابن ماجة وهذا الخبر يخص الآية كما خصصناها في اعتبار النصاب.
(مسألة) (فان سرق من غير حرز فلا قطع عليه) لفوات شرطه مثل أن يجد حرزاً مهتوكاً أو باباً مفتوحاً فيأخذ منه فلا قطع عليه لذلك.
(مسألة) (فان دخل الحرز فأتلف فيه نصاباً ولم يخرجه فلا قطع عليه) لأنه لم يسرق لكن يلزمه ضمانه لأنه أتلفه ولا يقطع حتى يخرجه من الحرز فمتى أخرجه من الحرز فعليه القطع سواء حمله إلى منزله أو تركه خارجاً من الحرز.
(مسألة) (وإن ابتلع جوهراً أو ذهباً فخرج به أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به أو في ماء جار فأخرجه أو قال لصغير أو معتوه ادخل فأخرجه ففعل فعليه القطع) أما إذا دخل الحرز فابتلع جوهرة أو ذهباً وخرج فان لم يخرج ما ابتلعه فلا قطع عليه لأنه أتلفه في الحرز، وإن خرج ففيه وجهان (أحدهما) يجب لأنه أخرجها في وعائها فأشبه إخراجها في كمه (والثاني) لا يجب القطع لأنه ضمنها بالبلع فكان اتلافاً لها ولأنه ملجأ الى اخراجها لأنه لا يمكنه الخروج بدونها، وإن ترك المتاع على دابة فخرجت بنفسها من غير سوقها أو ترك المتاع في ماء راكد فانفتح فخرج المتاع أو على حائط في الدار فأطارته الريح ففي ذلك وجهان (أحدهما) عليه القطع لأن فعله سبب خروجه فأشبه مالو ساق البهيمة أو فتح الماء وحلق الثوب في الهواء (والثاني) لا قطع عليه لأن الماء لم يكن آلة للاخراج وإنما خرج المتاع بسبب حادث من غير فعله والبهيمة لها اختيار لنفسها، فأما إن ساق الدابة فخرجت بالمسروق أو تركه في ماء جار فخرج به فعليه القطع لأنه هو المخرج إما بنفسه وإما بآلته فوجب عليه القطع كما لو حمله فأخرجه وكذلك لو أمر صبياً لا يميز أو معتوهاً فأخرجه فعليه القطع لأنه آلة له.
(فصل) وسواء دخل الحرز فأخرجه أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا حد عليه إلا أن يكون البيت صغيراً لا يمكنه دخوله لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه فأشبه المختلس.
ولنا أنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وهو من أهل القطع فوجب عليه كما لو كان

البيت ضيقاً ويخالف المختلس لأنه يهتك الحرز، وإن رمى المتاع فأطارته الريح فأخرجته فعليه القطع لأنه متى كان إبتداء الفعل منه لم يؤثر فعل الريح كما لو رمى صيداً فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد حل، ولو رمى الجمار فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى احتسب به وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه.
(فصل) إذا أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن فان كان باب البيت مغلقاً ففتحه أو نقبه فقد أخرج المتاع من الحرز وإن لم يكن مغلقاً فما أخرجه من الحرز، وقد قال أحمد إذا أخرج المتاع من البيت إلى الدار يقطع وهو محمول على الصورة الاولى (فصل) إذا دخل السارق الحرز فاحتلب لبناً من ماشية وأخرجه فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأنه من الأشياء الرطبة وقد مضى الكلام معه في هذا وإن شربه في الحرز أو شرب منه فانتقص النصاب فلا قطع عليه لأنه لم يخرج من الحرز نصاباً، وإن ذبح الشاة في الحرز أو شق الثوب ثم أخرجهما وقيمتهما بعد الشق والذبح نصاب فعليه القطع وبه قال الشافعي وقال الثوري لا قطع عليه في الشاة لأن اللحم لا يقطع بسرقته عنده والثوب إن شق أكثره فلا قطع فيه لأن صاحبه مخير بين (1) أن يضمنه قيمة جميعه فيكون قد أخرجه وهو ملكه وقد تقدم الكلام معه في هذه الأصول، وان تطيب وخرج ولم يبق عليه من الطيب ما إذا جمع كان نصاباً فلا قطع عليه

لأن ما لا يجتمع قد أتلفه باستعماله فأشبه ما لو أكل الطعام، وإن كان يبلغ نصابا فعليه القطع لأنه أخرج نصاباً وذكر فيه وجه آخر فيما إذا كان ما تطيب به يبلغ نصبا فعليه القطع وإن نقص ما يجتمع عن النصاب لأنه أخرج نصابا والأول أولى لأنه حين الإخراج ناقص عن النصاب، وإن جر خشبة فألقاها بعد أن خرج بعضها من الحرز فلا قطع عليه سواء خرج منها ما يساوي نصاباً أو لا لأن بعضها لا ينفرد عن البعض وكذلك لو أمسك الغاصب طرف عمامته والطرف الآخر في يد مالكها لم يضمنها وكذلك لو سرق ثوباً أو عمامة فأخرج بعضهما (فصل) فان نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما دون النصاب ثم دخل فأخرج ما بقي من النصاب وكان في وقتين متباعدين أو ليلتين لم يجب القطع لأن كل واحدة منهما سرقة منفردة لا تبلغ نصابا وكذلك إن كانا في ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة وإن تقاربا وجب القطع لأنها سرقة واحدة ولأنه إذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه إذا سرقا نصاباً فبناء فعل الواحد بعضه على بعض أولى (مسألة) (والحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه ويختلف باختلاف الاموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه) الحرز ما عدا حرزاً في العرف فانه لم ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه علم أنه

رد ذلك إلى أهل العرف لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته فرجع اليه كما رجعنا اليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك.
إذا ثبت ذلك فحرز الاثمان والجواهر والقماش في الدور والدكاكين في العمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز الثياب وما خف من المتاع كالصفر والنحاس والرصاص في الدكاكين والبيوت المقفلة في العمران أو يكون فيها حافظ فيكون حرزاً وإن كانت مفتوحة إن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ فليست بحرز وإن كانت فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها وما خرج عنها فليس بحرز وقد روي عن أحمد في البيت الذي ليس عليه غلق فسرق منه: أراه سارقاً وهذا محمول على أن أهله فيه فأما البيوت التي في البساتين أو الطرق أو الصحراء فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزاً سواء كانت مغلقة أو مفتوحة لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران وانصرف عنه لا يعد حافظاً له وإن أغلق عليه، وإن كان فيها أهلها أو حافظ فهو حرز سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإذا كان لابساً للثوب أو متوسداً له نائماً أو مستيقظاً أو مفترشاً له أو متكئاً عليه في أي موضع كان من البلد أو برية فهو محرز بدليل رداء صفوان سرق وهو متوسده فقطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقه وإن تدحرج عن الثوب زال الحرز إن كان نائماً، وإن كان الثوب بين يديه أو غيره من المتاع كبز

البزازين وقماش الباعة وخبز الخبازين بحيث يشاهده وينظر إليه فهو محرز وإن نام أو كان غائباً عن موضع مشاهدته فليس بمرحز وإن جعل المتاع في الغرائر وعكم عليها ومعها حافظ يشاهدها فهي محرزة وإلا فلا.
(فصل) والخيمة والخركاة إن نصبت وكان فيها أحد نائماً أو منتبهاً فهي محرزة وما فيها لأنها هكذا تحرز في العادة وإن لم يكن فيها أحد ولا عندها حافظ فلا قطع على سارقها، وممن أوجب القطع في السرقة من الفسطاط الثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا: يقطع السارق من الفسطاط دون سارق الفسطاط.
ولنا أنه محرز بما جرت به العادة أشبه ما فيه (مسألة) (وحرز البقل والباقلا ونحوه وقدوره وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس) والشرائج تكون من القصب والخشب (مسألة) (وحرز الخشب الحطب الحظائر) وكذلك القصب وتعبئة بعضه على بعض وتقييده بقيد بحيث يعسر أخذ شئ منه على ما جرت العادة إلا أن يكون في فندق مغلق عليه فيكون محرزاً وإن لم يقيد (مسألة) (وحرز المواشي الصير وحرزها في المراعي بالراعي ونظره إليها)

فما غاب منها عن مشاهدته فقد خرج عن الحرز لأن الراعية هكذا تحرز (مسألة) (وحرز حمولة الابل بتقطيرها وقائدها وسائقها إذا كان يراها) الإبل على ثلاثة أضرب: باركة وراعية وسائرة فأما الباركة فان كان معها حافظ لها وهي معقولة فهي محرزة وإن لم تكن معقولة وكان الحافظ ناظراً اليها أو مستيقظاً بحيث يراها فهي محرزة وإن كان نائماً أو مشغولاً عنها فليست محرزة لأن العادة أن الرعاة إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم ولأن المعقولة تنبه النائم والمشتغل، وإن لم يكن معها أحد فهي غير محرزة سواء كانت معقولة أو لم تكن.
وأما الراعية فحرزها بنظر الراعي إليها فما غاب عن نظره أو نام عنه فليس بمحرز لأن الراعية إنما تحرز بالراعي ونظره.
وأما السائرة فان كان معها من يسوقها فحرزها بنظره إليها سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة فما كان منها بحيث لا يراه فليس بمحرز وإن كان معها قائد فحرزها أن يكثر الالتفات إليها والمراعاة لها وتكون بحيث يراها إذا التفت وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يحرز القائد إلا التي زمامها بيده لأنه يوليها ظهره ولا يراها إلا نادراً فيمكن أخذها من حيث لا يشعر ولنا أن العادة في حفظ الابل المقطرة بمراعاتها بالالتفات وإمساك زمام الأول فكان ذلك حرزاً

لها كالتي زمامها في يده فإن سرق من أحمال الجمال السائرة المحرزة متاعا قيمته نصاب قطع وكذلك إن سرق الحمل وإن سرق الجمل بما عليه وصاحبه نائم عليه لم يقطع لأنه في يد صاحبه وإن لم يكن صاحبه عليه قطع وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه لأن ما في الحمل محرز به فاذا أخذ جميعه لم يهتك حرز المتاع فصار كما لو سرق أجزاء الحرز ولنا أن الجمل محرز بصاحبه ولهذا لو لم يكن معه لم يكن محرزاً فقد سرقه من حرز مثله فأشبه ما لو سرق المتاع ولا نسلم أن سرقة الحرز من حرزه لا توجب القطع فانه لو سرق الصندوق بما فيه من بيت هو محرز فيه وجب قطعه وهذا التفصيل في الإبل التي في الصحراء فأما التي في البيوت والمكان المحصن على الوجه الذي ذكرناه في الثياب فهي محرزة والحكم في سائر المواشي كالحكم في الإبل على ما ذكرنا من التفصيل فيها (مسألة) (وحرز الثياب في الحمام بالحافظ) فان سرق من الحمام ولا حافظ فيه فلا قطع عليه في قول عامتهم وإن كان ثم حافظ فقال أحمد ليس على سارق الحمام قطع.
وقال في رواية ابن منصور لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع قاعد مثل ما صنع بصفوان وهذا قول أبي حنيفة لأنه مأذون للناس في دخوله فجرى مجرى سرقة الضيف من البيت المأذون له في دخوله ولأن دخول الناس اليه يكثر فلا يتمكن الحافظ من حفظ ما فيه، وفيه رواية أخرى أنه يجب القطع إذا كان فيه

حافظ حكاها القاضي وهو قول مالك والشافعي واسحاق وأبي ثور وابن المنذر لأنه متاع له حافظ فيجب قطع سارقه كما لو كان في البيت.
قال شيخنا: والصحيح الأول وهذا يفارق ما في البيت من الوجهين اللذين ذكرناهما، فأما إن كان صاحب الثياب قاعداً عليها أو متوسداً لها أو جالساً وهي بين يديه يحفظها قطع سارقها بكل حال كما قطع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسد له، وكذلك إن كان صاحب الثياب إما الحمامي وإما غيره حافظاً لها على هذا الوجه قطع سارقها لأنها محرزة وإن لم تكن كذلك فقال القاضي إن نزع الداخل ثيابه على ما جرت به العادة ولم يستحفظها لأحد فلا قطع على سارقها ولا غرم على الحمامي لأنه غير مودع فيضمن ولا هي محرزة فيقطع سارقها، وإن استحفظها الحمامي فهو مودع تلزمه مراعاتها بالنظر والحفظ فان تشاغل عنها وترك النظر إليها فسرقت فعليه الغرم لتفريطه ولا قطع على السارق لأنه لم يسرق من حرز وإن تعاهدها الحمامي بالحفظ والنظر فسرقت فلا غرم عليه لعدم تفريطه وعلى السارق القطع لأنها محرزة وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد أنه لا قطع عليه أيضاً في هذه الصورة لما تقدم.
قال إبن المنذر قال أحمد أرجو أن لا قطع عليه لأنه مأذون للناس في دخوله.
ولو استحفظ رجل آخر متاعه في المسجد فسرق فإن كان قد فرط في مراعاته ونظره إليه فعليه الغرم إذا كان التزم حفظه وأجابه إلى ما سأله وإن لم يجبه لكن سكت لم يلزمه غرم لأنه ما قبل الاستيداع ولا قبض المتاع، ولا قطع على السارق في الموضعين لأنه غير محرز، وإن حفظ المتاع بنظره إليه وقربه منه فسرق فلا غرم عليه وعلى السارق القطع لأنه سرق من حرز

ويفارق المتاع في الحمام فإن الحفظ فيه غير ممكن لأن الناس يضع بعضهم ثيابه عند ثياب بعض ويشتبه على الحمامي صاحب الثياب فلا يمكنه منع أخذها لعدم علمه بمالكها (مسألة) (وحرز الكفن في القبر على الميت فلو نبش قبرا وأخذ الكفن قطع) روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك ولأنه ليس بحرز لغيره فلا يكون حرزاً لغيره، ولأن الكفن لامالك له ولأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو لوارثه وليس ملكا لواحد منهما لأن الميت لا يملك شيئاً ولم يبق أهلا للملك والوارث إنما يملك ما فضل عن حاجة الميت ولأنه لا يجب القطع الا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك ولنا قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وهذا سارق ولأن عائشة رضي الله عنها قالت: سارق امواتنا كسارق احيائنا وما ذكروه لا يصح فإن الكفن يحتاج الى تركه في القبر دون غيره ويكتفى به في حرزه ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه؟ وقولهم انه لا مالك له ممنوع بل هو مملوك للميت لأنه كان مالكا

له في حياته ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به اليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة كقيام ولي الصبي في الطلب بماله.
إذا ثبت هذا فلابد من إخراج الكفن من القبر لأنه الحرز فان أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع عليه فيه لأنه لم يخرجه من الحرز فأشبه مالو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتاً (فصل) والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعاً فان كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في أكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك أو ترك في تابوت فسرق التابوت أو ترك معه طيبا مجموعاً أو ذهباً أو فضة أو جوهراً لم يقطع بأخذ شئ من ذلك لأنه ليس بكفن مشروع فتركه فيه سفه وتضييع فلا يكون محرزاً ولا يقطع سارقه (فصل) وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة؟ يحتمل وجهين (احدهما) يفتقر الى المطالبة كسائر المسروقات فعلى هذا المطالب الوارث لأنه يقوم مقام الميت في حقوقه وهذا من حقوقه (والثاني) لا يفتقر إلى طلب لأن الطلب في السرقة من الأحياء شرط لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق وقد يئس من ذلك ههنا

(فصل) وحرز جدار الدار كونه مبنياً فيها إذا كانت في العمران أو كانت في الصحراء وفيها حافظ فإن أخذ من أجزاء الجدار أو خشبة تبلغ نصابا في هذه الحال وجب قطعه لأن الحائط حرز لغيره فيكون حرزاً لنفسه، وإن هدم الحائط ولم يأخذه فلا قطع فيه كما لو تلف المتاع في الحرز ولم يسرقه وإن كانت الدار بحيث لا تكون حرزاً لما فيها كدار في الصحراء لا حافظ لها فلا قطع على من أخذ من جدارها شيئاً لأنها إذا لم تكن حرزاً لما فيها فلنفسها أولى (مسألة) (وحرز الباب تركيبه في موضعه) سواء كان مغلقاً أو مفتوحاً لأنه هكذا يحفظ وعلى سارقه القطع إذا كانت الدار محرزة بما ذكرناه، وأما أبواب الخزائن في الدار فإن كان باب الدار مغلقاً فهي محرزة سواء كانت مغلقة أو مفتوحة وإن كان مفتوحا لم تكن محرزة إلا أن تكون مغلقة أو يكون في الدار حافظ والفرق بين الدار وباب الخزانة أن ابواب الخزائن تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز إلا بنصبه ولا يحرز بغيره، وأما حلقة الباب فإن كانت مسمورة فهي كحرزه وإلا فلا لأنها تحرز بتسميرها (مسألة) (فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيره قطع) إذا سرق باب مسجد منصوباً أو باب الكعبة المنصوب أو سرق من سقفه شيئاً أو تأزيره ففيه وجهان (أحدهما) عليه القطع وهو مذهب الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبي ثور وابن المنذر

لأنه سرق نصابا محرزاً بحرز مثله لا شبهة له فيه فلزمه القطع كباب بيت الآدمي (والثاني) لا قطع عليه وهو قول أصحاب الرأي لأنه لا مالك له من المخلوقين فلا يقطع كحصر المسجد وقناديله فإنه لا يقطع بسرقة ذلك وجهاً واحداً ولأنه مما ينتفع به الناس فيكون له فيه شبهة فلم يقطع به كالسرقة من بيت المال وقال أحمد لا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة منها قال القاضي: هذا محمول على ما ليست بمخيطة لأنها إنما تحرز بخياطتها وقال أبو حنيفة لا قطع فيها بحال لما ذكرنا في الباب (مسألة) (وإن سرق قناديل المسجد أو حصره فعلى وجهين) (أحدهما) يقطع لأن المسجد حرز لها فقطع بسرقتها كالباب (والثاني) لا يقطع وهو قول أبي حنيفة لأن له فيه حقا وشبهة فأشبه السرقة من بيت المال.
ولأنه لا مالك له من المخلوقين، وهذا أصح إن شاء الله تعالى.
وذكر شيخنا في كتاب المغني أنه لا يقطع بسرقة ذلك وجهاً واحداً (مسألة) (وإن نام إنسان على ردائه في المسجد فسرقه سارق قطع) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق رداء صفوان، وإن مال رأسه عنه فسرقه لم يقطع لأنه لم يبق محرزاً (مسألة) (وإن سرق من السوق غزلا وثم حافظ قطع) لأن حرزه بحافظه فاذا سرقه قطع كما يقطع بسرقة الثياب من الحمام إذا كان ثم حافظ (مسألة) (ومن سرق من النخل أو الشجر من غير حرز فلا قطع عليه ويضمن عوضهما مرتين

يعني بذلك الثمر في البستان قبل إدخاله الحرز.
وهذا قول أكثر الفقهاء وكذلك جمار النخل ويسمى الكثر، وروي معنى هذا القول عن ابن عمر وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور إن كان من بستان محرز ففيه القطع وبه قال ابن المنذر إذا لم يصح خبر رافع ولا أحسبه ثابتاً واحتجا بظاهر الآية وبقياسه على سائر المحرزات ولنا ما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا قطع في ثمرولا كثر) أخرجه أبو داود وابن ماجة، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال (من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئاً بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع) وهذا يخص عموم الآية ولأن البستان ليس بحرز لغير الثمر فلم يكن حرزاً له كما لو لم يكن محفوظاً، فأما إن كانت شجرة في دار محرزة فسرق منها نصابا فعليه القطع والله أعلم (فصل) وإذا سرق من الثمر المعلق فعليه غرامة مثليه وبه قال إسحاق للخبر المذكور، قال أحمد لا أعلم شيئاً يدفعه، وقال أكثر الفقهاء لا يجب أكثر من مثله قال ابن عبد البر لا أعلم أحداً من

من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة في الاموال ثم نسخ ذلك.
ولنا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للنسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالإجماع ثم هو فاسد من وجه آخر لقوله ومن سرق منه شيئاً بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه وهذا يبطل ما قاله وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها روى الأثرم الحديثين في سننه قال أصحابنا وفي الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة: مثلا قيمتها لأن في سياق حديث عمرو بن شعيب أن السائل قال الشاه الحريسة منهن يا نبي الله، قال (ثمنها ومثله معه والفكاك وما كان من المراح ففيه القطع إذا كان ما يأخذ من ذلك ثمن المجن) هذا لفظ رواية ابن ماجة وما عدا هذين لا يضمن بأكثر من قيمته أو مثله إن كان مثلياً، وهذا قول أصحابنا وغيرهم إلا أبا بكر فانه ذهب إلى غرامة المسروق من غير حرز بمثيله قياساً على الثمر المعلق وحريسة الحبل واستدلا بحديث حاطب.
ولنا أن الأصل وجوب غرامة المثلي بمثله والمتقوم بقيمته بدليل المتلف والمغصوب والمنتهب

والمختلس وسائر ما تجب غرامته خولف في هذين الموضعين للأثر ففيما عداهما يبقى على الأصل.
(مسألة) (قال أبو بكر ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر قياساً لأحدهما على الآخر والصحيح خلاف ذلك) لأنا إنما رجعنا في الحرز إلى العرف والعادة أن الجواهر والدراهم والدنانير لا تحرز في الصبر والحظائر ومن أحرزها أو نحوها في ذلك عد مفرطاً فكان العمل بالمعروف أولى (فصل) واذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئاً نظرت، فإن كان من الموضع الذي أنزل فيه أو موضع لم يحرزه عنه لم يقطع لأنه لم يسرق من حرز وإن سرق من موضع محرز دونه فإن كان منعه فرآه سرق بقدره فلا قطع عليه أيضاً وإن لم يمنع فرآه فعليه القطع، وقد روي عن أحمد أنه لا قطع على الضيف وهو محمول على إحدى الحالتين الأوليين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه بحال لأن المضيف بسطه في بيته وماله فأشبه ابنه.
ولنا أنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فلزمه القطع كالأجنبي وقوله أنه بسطه فيه لا يصح فإنه أحرز عنه هذا المال ولم يبسطه فيه وبسطه في غيره لا يوجب بسطه فيه كما لو تصدق على مسكين بصدقة أو أهدى الى صديقه هدية فإنه لا يسقط عنه القطع بالسرقة من غير ما تصدق به عليه أو أهدى اليه (فصل) وإذا أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية أو المال الذي وكل فيه فسرقه أجنبي فعليه القطع لا نعلم فيه مخالفاً لأنه ينوب مناب المالك في حفظ المال واحرازه ويده كيده وإن

غصب عيناً وأحرزها أو سرقها وأحرزها فسرقها سارق فلا قطع عليه وقال مالك عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه وللشافعي قولان كالمذهبين وقال أبو حنيفة كقولنا في السارق وكقول مالك في الغاصب.
ولنا أنه لم يسرق المال من مالكه ولا ممن يقوم مقامه فأشبه مالو وجده ضائعاً فأخذه وفارق السارق من المالك أو نائبه فانه أزال يده الشرعية وسرق من حرزه.
(فصل) فإن غصب شيئاً فأحرز فيه ماله فسرقه منه أجنبي فلا قطع عليه لأنه لا حكم لحرزه إذا كان متعدياً به ظالماً فيه.
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (الخامس انتفاء الشبه فلا يقطع بالسرقة من مال ابنه وان سفل ولا الولد من مال أبيه وإن علا والأب والأم في ذلك سواء) . وجملة ذلك أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت والجد والجدة من قبل الأب والأم هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر القطع على كل سارق بظاهر الكتاب إلا أن يجمعوا على شئ فيستثنى.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أطيب ما أكل الرجل من

كسبه وإن ولده من كسبه) وفي لفظ (فكلوا من كسب أولادكم) ولا يجوز قطع الانسان بقطع ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه ولا أخذ ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالاً له مضافاً إليه ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وأعظم الشبهات أخذ الانسان من مال جعله الشرع له وأمره بأخذه وأكله.
(فصل) ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا وبه قال الحسن والشافعي واسحاق والثوري وأصحاب الرأي وظاهر قول الخرقي أنه يقطع لأنه لم يذكره فيمن لا قطع عليه وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه يقاد بقتله ويحد بالزنا بجاريته فيقطع بسرقته ماله كالأجنبي ووجه الأول أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه فلم يقطع بسرقة ماله كالاب ولان الفقة تجب في مال الأب لابنه حفظاً له فلا يجوز إتلافه حفظاً للمال وأما الزنا بجاريته ففيه منع وإن سلم فإنما وجب عليه الحد لأنه لا شبهة له فيها.
(مسألة) (ولا يقطع العبد بالسرقة من مال سيده في قول الجميع ووافقهم أبو ثور فيه وحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية.
ولنا ما روى السائب بن يزيد قال شهدت عمر بن الخطاب قد جاءه عبد الله بن عمر والحضرمي بغلام له فقال إن غلامي هذا سرق فاقطع يده فقال عمر ما سرق؟ قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهما فقال أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع وفي لفظ

قال مالكم سرق بعضه بعضاً لا قطع عليه رواه سعيد، وعن ابن مسعود أن رجلا جاءه فقال عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر فقال لا قطع مالك وسرق مالك وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون اجماعا وهذا يخص عموم الآية ولأن هذا إجماع من أهل العلم لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين (فصل) وأم الولد والمدبر والمكاتب كالقن في هذا وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وكل من لا يقطع الإنسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله كآبائه وأولاده وغيرهم وقال أبو ثور يقطع بسرقة من عدا سيده ونحوه قول مالك وابن المنذر.
ولنا حديث عمر رضي الله عنه، ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه فكذلك في قطع عبده.
(مسألة) (ولا يقطع مسلم بالسرقة من بيت المال) يروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وبه قال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي وأصحاب الرأي، وقال حماد ومالك وابن المنذر يقطع لظاهر الكتاب.
ولنا ماروى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس أن عبداً من رقيق الخمس سرق من الخمس فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال (مال الله سرق بعضه بعضاً) ويروى ذلك عن عمر رضي الله

عنه وسأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق، وقال سعيد ثنا هشيم ثنا مغيرة عن الشعبي عن علي عليه السلام أنه كان يقول ليس على من سرق من بيت المال قطع ولأن له في المال حقاً فيكون شبهة تمنع وجوب القطع كما لو سرق من مال له فيه شركة (مسألة) (ولا يقطع بالسرقة من مال له فيه شرك أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه) كالأب لا يقطع بسرقة مال ابنه والعبد لا يقطع بسرقة مال سيده فكذلك إذا سرق من مال لابنه فيه شرك أو لسيده فلا قطع عليه لذلك.
(فصل) ومن سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم كالمسكين يسرق من مال وقف المساكين أو من قوم معينين عليهم وقف لم يقطع لأنه شريك، وإن كان من غيرهم قطع لأنه لا حق له فيه فإن قيل فقد قلتم لا يقطع بالسرقة من بيت المال من غير تفريق بين غني وفقير فلم فرقتم ههنا؟ قلنا لأن للغني في بيت المال حقاً بدليل قول عمر رضي الله عنه ما من أحد إلا وله في هذا المال حق بخلاف وقف المساكين فإنه لا حق للغني فيه.
(مسألة) (ومن سرق من الغنيمة ممن له حق أو لولده أو لسيده لم يقطع) لما ذكرنا من المسألة قبلها.

وحكي عن ابن أبي موسى أنه يحرق رحله كالغال، وإن لم يكن من الغانمين ولا أحد ممن ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس لم يقطع لأن له في الخمس حقاً، وان أخرج الخمس فسرق من أربعة الأخماس قطع وإن سرق من الخمس لم يقطع لأن له فيه شركة فان قسم الخمس خمسة أقسام فسرق من خمس الله ورسوله لم يقطع، وإن سرق من غيره قطع إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس (مسألة) (وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين) (إحداهما) لا قطع عليه وهو اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو الحضرمي حين قال له أن غلامي سرق مرآة امرأتي أرسله لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم، وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو أولى ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب ويسقط في مال الآخر عادة فأشبه الوالد والولد (والثانية) يقطع وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية ولأنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه فأشبه الأجنبي وللشافعي كالروايتين وقول ثالث ان الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة لأنه لا حق له فيه ولا تقطع بسرقة ماله لأن لها النفقة فيه، فأما إن لم يكن مال أحدهما محرزا عن الآخر لم يقطع رواية واحدة لأنه لم يسرق من حرز (مسألة) (ويقطع سائر الاقارب بالسرقة من مال أقاربهم كالإخوة والأخوات ومن عداهم)

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل