الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 713-36
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فريضة ولم يفرق بين الوارث وغيره ولأنه ليس من عمودي نسبه فأشبه الاجنبي (والرواية الثانية) لا يجوز دفعها إلى الموروث وهو ظاهر قول الخرقي لأن على الوارث مؤنة الموروث فاذا دفع اليه الزكاة أغناه عن مؤنته فيعود نفع زكاته اليه فلم يجز كدفعها الى والده أو قضاء دينه بها، والحديث يحتمل صدقة التطوع فيحمل عليها.
فعلى هذا إن كان أحدهما يرث الآخر ولا يرثه الآخر كالعمة مع ابن أخيها والعتيق مع معتقه فعلى الوارث منهما نفقة موروثه وليس له دفع زكاته إليه على هذه الرواية وليس على الموروث منهما نفقة وارثه ولا يمنع من دفع الزكاة إليه لانتفاء المقتضي للمنع، ولو كان أخوان لأحدهما ابن والآخر لا ولد له فعلى أبي الابن نفقة أخيه وليس له دفع زكاته إليه وللذي لا ولد له دفع زكاته الى أخيه ولا تلزمه نفقته لانه محجوب عن ميرائه، ونحو هذا قول الثوري.
فأما ذوو الأرحام في الحال يرثون فيها فيجوز دفعها اليهم في ظاهر المذهب لأن قرابتهم ضعيفة لا يرث بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين فلم يمنع دفع الزكاة كقرابة سائر المسلمين فان ماله بصير اليهم عند عدم الوارث (فصل) فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه كيتيم أجنبي، فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز دفع زكاته إليه لانه ينتفع بدفعها اليه لإغنائه بها عن مؤنته.
والصحيح إن شاء الله جواز دفعها اليه لأنه داخل في الاصناف المستحقين للزكاة ولم يرد في منعه نص ولا إجماع ولا قياس صحيح فلم يجز اخراجه عن عموم النص بغير دليل.
وقد روى البخاري أن امرأة عبد الله سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها أيتام في حجرها فتعطيهم زكاتها؟ قال " نعم " فإن قيل فهو ينتفع بدفعها اليه قلنا قد لا ينتفع به لإمكان صرفها في مصالحه التي لا يقوم بها الدافع، وان قدر الانتفاع به فانه نفع لا يسقط به واجباً عليه ولا يجتلب به مالاً اليه فلم يمنع ذلك الدفع كما لو لم يكن من عائلته (فصل) ويجوز أن يعطي الانسان ذا قرابته من الزكاة لكونه غارما أو مؤلفاً أو عاملاً أو غارما لإصلاح ذات البين ولا يعطى لغير ذلك (فصل) وفي دفع الزكاة الى الزوج روايتان: إحداهما لا يجوز دفعها اليه اختارها أبو بكر وهو مذهب أبو حنيفة لأنه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر ولانها تنتفع بدفعها اليه لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الانفاق فيلزمه وإن لم يكن عاجزاً لكنه أيسر بها فلزمته نفقة الموسرين فينتفع بها في الحالين فلم يجز لها ذلك كما لو دفعتها في أجرة دار أو نفقة رقيقها أو بهائمها، فان قيل فيلزم على هذا الغريم فانه يجوز له دفع زكاته الى غريمه ويلزم

الأخذ بذلك وفاء دينه، قلنا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما لن حق الزوجة في النفقة آكد من حق الغريم بدليل ان نفقة المرأة مقدمة في مال المفلس على وفاء دينه وانها تملك أخذها من ماله بغير علمه إذا امتنع من أدائها.
والثاني ان المرأة تنبسط في مال زوجها بحكم العادة ويعد مال كل واحد منهما مالاً للآخر.
ولهذا قال ابن مسعود في عبد سرق مرآة امرأة سيده: عبدكم سرق مالكم، ولم يقطعه وروي ذلك عن عمر.
والرواية الثانية يجوز للمرأة دفع زكاتها الى زوجها وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم لأن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت يا رسول الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " رواه البخاري ولأنه لا تجب نفقته فلم يمنع دفع الزكاة إليه كالاجنبي، وبهذا فارق الزوجة فان نفقتها واجبة عليه ولأن الأصل جواز الدفع الى الزوج لدخوله في عموم الاصناف المسمين في الزكاة وليس في المنع نص ولا إجماع وقياسه على من يثبت المنع في حقه لا يصح لوضوح الفرق بينهما فيبقى جواز الدفع ثابتا والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بحديث ابن مسعود لانه في صدقة التطوع لقولها أردت أن أتصدق بحلي لي ولا تجب الصدقة بالحلي وقول النبي صلى الله عليه وسلم " زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " والولد لا تدفع اليه الزكاة (فصل) وهل يجوز دفع الزكاة الى بني المطلب على روايتين: إحداهما ليس لهم ذلك نقلها عنه عبد الله بن أحمد وغيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شئ واحد " وفي لفظ رواه الشافعي في مسنده " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه ولانهم يستحقون من خمس الخمس فمنعوا من الزكاة كبني هاشم.
وقد أكد ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم علل منعهم من الصدقة باستغنائهم عنها بخمس الخمس فقال " أليس في خمس الخمس ما يغنيكم " والرواية الثانية لهم الاخذ منها وهو قول أبي حنيفة لدخولهم في عموم الصدقات لكن خرج بنو هاشم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد " فوجب أن يختص المنع بهم ولا يصح قياسهم على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل ان بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئاً وانما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعاً والنصرة لا تقتضي منع الزكاة

  • (مسألة) * (وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزه إلا الغني اذا ظنه فقيراً في إحدى الروايتين) اذا دفع الزكاة إلى من لا يستحقها جاهلا بحاله كالعبد والكافر والهاشمي وقرابة المعطي ممن لا يجوز دفعها اليه لم يجزئه رواية واحدة لأنه ليس بمستحق ولا يخفى حاله غالباً فلم يجزئه الدفع اليه كديون الآدميين.
    فأما إن أعطى من يظنه فقيراً فبان غنياً ففيه روايتان: إحداهما يجزئه اختارها أبو بكر وهو قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين الجلدين وقال " إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " وقال للرجل الذي سأله من الصدقة " إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
    وروى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فأتي فقيل له: اما صدقتك فقد تقبلت لعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله " رواه النسائي.
    والرواية الثانية لا يجزيه لانه دفع الواجب إلى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته كما لو دفعها إلى كافر أو ذي قرابة وكديون الآدميين.
    وهذا قول الثوري وأبي يوسف وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين والأول أولى إن شاء الله تعالى لأن الفقر والغنى يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته قال الله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم) فاكتفى بظهور الفقر ودعواه بخلاف غيره والله أعلم.
    (فصل) وصدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات لقول الله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) وأمر بالصدقة في آيات كثيرة وحث عليها ورغب فيها، وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا طيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " متفق عليه.
    وصدقة السر أفضل من العلانية لقول الله تعالى (إن تبدو الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) وروى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ذكر منهم رجلاً " تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " متفق عليه.
    وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " صدقة السر تطفئ غضب الرب " رواه الترمذي * (مسألة) * (وأفضل ما تكون في شهر رمضان وأوقات الحاجات) لقول الله تعالى (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) ولأن الحسنات تضاعف في شهر رمضان وفيها

اعانة على أداء الصوم المفروض، ومن فطر صائما كان له مثل أجره.
وتستحب الصدقة على ذي القرابة لقوله سبحانه (يتيما ذا مقربة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة " وهو حديث حسن، وسألت زينب امرأة ابن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يسعها أن تضع صدقتها في زوجها وبني أخ لها يتامى قال " نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة " رواه النسائي.
ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته لقول الله تعالى (أو مسكينا ذا متربة)

* (مسألة) * (وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام)

لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول " متفق عليه فإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " وروى أبو هريرة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار، فقال " تصدق به على نفسك " فقال عندي آخر، قال " تصدق به على ولدك " قال عندي آخر، قال " تصدق به على زوجك " قال عندي آخر، قال " تصدق به على خادمك " قال عندي آخر، قال " أنت أبصر " رواهما أبو داود، فان وافقه عياله على الايثار فهو أفضل لقوله بعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر " * (مسألة) * (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك وان لم يثق من نفسه بذلك كره له) من أراد الصدقة بجميع ماله وكان وحده أو كان لمن يمونه كفايتهم وكان مكتسباً أو واثقاً من نفسه بحسن التوكل والصبر على الفقر والتعفف عن المسألة فله ذلك لما ذكرنا من الآية والخبر في المسألة قبلها، ولما روى عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر أن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أبقيت لأهلك " قلت أبقيت لهم مثله، فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له " ما أبقيت لأهلك " قال أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شئ أبداً، فكان هذا فضيلة في حق الصديق رضي الله عنه لقوة يقينه وكمال إيمانه وكان تاجراً ذا مكسب، فانه قال حين ولي: قد علم الناس أن مكسبي لم يكن ليعجز عن مؤنة عيالي، وإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره له لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إد جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله: أصبت هذه من معدن خذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم

أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لعقرته أو لأوجعته، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي كره الصدقة بجميع ماله وهو " أن يستكف الناس " أي يتعرض للصدقة فيأخذها ببطن كفه، يقال تكفف واستكف إذا فعل ذلك وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ثوبين من الصدقة، ثم حث على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألم تروا إلى هذا دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه " خذ ثوبك وانتهره، ولأن الانسان اذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس * (مسألة) * (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه من الكفاية التامة) والله أعلم * (تم طبع الجزء الثاني) * من كتاب المغني وهو الذي في أعلى الصحائف وكتاب الشرح الكبير للمقنع وهو الذي في أدناها وكان ذلك في أواخر شهر رجب من سنة 1345 هـ ويليه الجزء الثالث وأوله في الكتابين ﴿كتاب الصيام﴾

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (كتاب الصيام) الصيام في اللغة عبار عن الإمساك يقال صام النهار إذا وقف سير الشمس، وقال سبحانه وتعالى حكاية عن مريم (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكاً عن الكلام وقال الشاعر خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما يعني بالصائمة الممسكة عن الصهيل، وهو في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص يأتي بيانه إن شاء الله.
وصوم رمضان واجب والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " بنى الإسلام على خمس " وذكر منها صوم رمضان، وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يارسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال " شهر رمضان " فقال هل علي غيره؟ فقال " لا، إلا أن تتطوع شيئاً "

قال فأخبرني ماذا فرض علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فقال والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق " متفق عليهما، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان (فصل) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة " متفق عليه وروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تقولوا جاء رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى " فيتعين حمل هذا على أنه لا يقال ذلك غير مقترن بما يدل على إرادة الشهر لئلا يخالف الأحاديث الصحيحة.
والمستحب مع ذلك أن تقول شهر رمضان كما قال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) واختلف في المعنى الذي سمي لأجله رمضان، فروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " انما سمي رمضان لأنه يحرق الذنوب " فيحتمل أنه أراد أنه شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقيل هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور وقيل غير ذلك (فصل) والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس روي معنى ذلك عن عمر وابن عباس وبه قال عطاء وعوام أهل العلم، وروى عن علي رضي الله عنه أنه لما صلى الفجر قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وعن ابن مسعود نحوه وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق وهذا قول الأعمش

ولنا قول الله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) يعني بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر.
قال ابن عبد البر: قول النبي صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وإن السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال هذا قول جماعة من علماء المسلمين (مسألة) قال (ويجب صوم رمضان برؤية الهلال فإن لم ير مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا، فإن حال دون منظرة غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب وعنه لا يجب وعنه الناس تبع الامام فإن صام صاموا) وجملة من ذلك ان صوم رمضان يجب بأحد ثلاثة أشياء (أحدها) رؤية هلال رمضان يجب به الصوم إجماعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " متفق عليه (الثاني) كمال شعبان ثلاثين يوماً يجب به الصوم لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافاً، ويستحب للناس

ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم ويسلموا من الاختلاف.
وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أحصوا هلال شعبان لرمضان " (فصل) ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ماروى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال " الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله " رواه الأثرم (الثالث) أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر فيجب صيامه في ظاهر المذهب ويجزيه إن كان من شهر رمضان اختارها الخرقي وأكثر شيوخ أصحابنا وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي وأبن أبي مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاوس ومجاهد وعن أحمد رواية ثانية لا يجب صومه ولا يجزيه عن رمضان إن صامه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً " رواه البخاري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين " رواه مسلم، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك وهذا يوم شك ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل بالشك وعنه رواية ثالثة أن الناس تبع للإمام فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا وهو قول الحسن وابن سيرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون " قيل معناه أن الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس قال الترمذي حديث حسن غريب ووجه الرواية الأولى ماروى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما الشهر تسع وعشرون

فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له " قال نافع كان عبد الله ابن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال فإن رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظرة سحاب أو قتر أصبح صائماً ومعنى اقدروا له أي ضيقوا له من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق عليه وقوله (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرون يوماً، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو رواية وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين ولأنه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان فوجب الصوم كالطرف الآخر، قال علي وابو هريرة وعائشة: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان، ولأن الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر واحد ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين.
فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد وقد خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة " فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين " وروايته أولى لإمامته واشتهار ثقته وعدالته وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه ولخبر ابن عمر الذي رويناه ويمكن حمله على ما إذا غم في طرفي الشهر ورواية ابن عمر " فاقدروا له ثلاثين " مخالفه للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب ابن عمر، ورواية النهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو جمعاً بينه وبين ما ذكرنا (مسألة) (وإذا رأى الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة) المشهور عن أحمد أن الهلال إذا رؤي نهاراً قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والاوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق، وحكي عن أحمد أنه إن رؤي قبل الزوال فهو للماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد وبه قال الثوري وأبو يوسف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وقد رأوه فيجب الصوم والفطر ولأن ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية ولنا ما روى أبو وائل قال جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أقرب من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية ولأنه قول من سمينا من الصحابة، وخبرهم محمول على ما إذا رؤي عشية بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، ثم أن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من الغد بدليل ما لو رآه عشية، فأما إن كانت الرؤية في أول رمضان فالصحيح أيضاً أنها لليلة المقبلة وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه للماضية، فعلى هذا يلزم قضاء ذلك اليوم وإمساك بقيته احتياطاً للعبادة لأن ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله كما لو رؤي بعد العصر

(مسألة) ﴿وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم﴾ هذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بعد كالحجاز والعراق والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم، وروي عن عكرمة أنه قال لكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم وسالم وإسحاق لما روى كريب قال قدمت الشام واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية.
فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه.
فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم ولنا قول الله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما قال له: الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال نعم.
وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان وقد ثبت ان هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقاة فوجب صومه على جميع المسلمين ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين وقد ثبت انه هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب

النذر وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع ولان البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان.
فأما حديث كريب فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول وليس في الحديث فإن قيل فقد قلتم أن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً أفطروا في أحد الوجهين قلنا الجواب عنه من وجهين: أحدهما أننا إنما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته وهاهنا لم يصوموا بقوله فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه.
الثاني أن الحديث دل على صحة الوجه الآخر (مسألة) ﴿ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان﴾ المشهور عن أحمد أنه يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ويلزم الناس الصوم بقوله وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه، وروى عن أحمد أنه قال اثنين أعجب إلي، وقال أبو بكر إن رآه وحده ثم قدم المصر صام الناس بقوله على ما روي في الحديث، وإن كان الواحد في جماعة الناس فذكر أنه رآه دونهم لم يقبل إلا قول اثنين لأنهم يعاينون ما عاين وروي عن عثمان رضي الله عنه لا يقبل إلا شهادة اثنين وهو قول مالك والليث والاوزاعي وإسحاق

لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا " رواه النسائي ولأن هذه شهادة على رؤية الهلال أشبهت الشهادة على هلال شوال، وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا وفي الصحو لا يقبل إلا الاستفاضة لأنه لا يجوز أن ينظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم والموانع منتفيه فيراه واحد دون الباقين ولنا ماروى ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رأيت الهلال قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله " قال نعم.
قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وروى ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقبل فيه قول واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة ولأنه خبر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر فقبل من عدل واحد كالرواية وخبرهم إنما يدل بمفهومه وخبرنا يدل بمنطوقه وهو أشهر منه فيجب تقديمه، ويفارق الخبر عن هلال شوال فإنه خروج من العبادة وهذا دخول فيها ويتهم في هلال شوال بخلاف مسئلتنا وما ذكره أبو بكر وأبو حنيفة لا يصح لأنه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده (1) ويجوز أن يختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحده نظرهم ولهذا لو حكم حاكم بشهادة واحد جاز ولو شهد شاهدان وجب قبول شهادتهما عند أبي بكر ولو كان ممتنعاً على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم ولا ثبت بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين رد عليه الخبر الأول وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو أن جماعة في محفل وشهد منهم اثنان على رجل أنه طلق زوجته أو أعتق عبده قبلت شهادتهما، ولو أن اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب أنه قال على المنبر في الخطبة شيئاً لم يشهد به غيرهما لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل وأن غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر كذا هاهنا (فصل) وإن أخبره برؤية الهلال من يثق بقوله لزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم لأنه خبر بوقت العبادة يشترك فيه المخبر والمخبر أشبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخبر عن دخول وقت الصلاة ذكره ابن عقيل، ومقتضى هذا أنه يلزمه قبول خبره وإن رده الحاكم لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته

(فصل) فإن كان المخبر امرأة فقياس المذهب قبول قولها وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة ودخول وقت الصلاة ويحتمل أن لا يقبل فيه قول امرأة كهلال شوال (فصل) فأما هلال شوال وغيره من الشهور فلا يقبل فيه إلا شهادة عدلين في قول الجميع الا ابا ثور فإنه قال يقبل في هلال شوال قول واحد لأنه أحد طرفي شهر رمضان أشبه الأول ولأنه خبر يستوي فيه المخبر والمخبر أشبه الرواية وأخبار الديانات.
ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال وكان لا يجيز على شهادة الافطار إلا شهادة رجلين ولأنها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة أشبه سائر الشهور وهذا يفارق الخبر لان الخبر يقبل فيه قول المخبر مع وجود المخبر عنه وفلان عن فلان وهذا لا يقبل فيه ذلك فافترقا (فصل) ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة النساء منفردات وان كثرن وكذلك سائر الشهور لأنه مما يطلع عليه الرجال وليس بمال ولا يقصد به المال أشبه القصاص وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان لكن تركناه احتياطاً للعبادة والله أعلم.
(مسألة) (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً فلم يروا الهلال أفطروا) وجهاً واحداً لأن الشهر لا يزيد على ثلاثين ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (مسألة) ﴿وإن صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال فعلى وجهين﴾ (أحدهما) لا يفطرون لقوله عليه السلام " وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا " ولأنه فطر فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال (والثاني) يفطرون وهو منصوص الشافعي وحكي عن ابي حنفية لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة وقد يثبت تبعا مالا يثبت أصلاً بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء وتثبت بها الولاد ويثبت النسب تبعاً لها كذا هاهنا (مسألة) (فإن صاموا لأجل الغيم لم يفطروا) وجهاً واحداً لأن الصوم إنما كان على وجه الاحتياط فلا يجوز الخروج منه للاحتياط أيضاً (مسألة) ﴿ومن رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته لزمه الصوم﴾ هذا المشهور في المذهب وسواء كان عدلاً أو فاسقاً شهد عند الحاكم أو لم يشهد قبلت شهادته أو ردت، وهذا قول مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال إسحاق وعطاء لا يصوم وروى حنبل عن أحمد لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين

لأنه يوم محكوم به من شعبان فأشبه التاسع والعشرين ولنا أنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم وكونه محكوماً به من شعبان ظاهر في حق غيره، وأما في الباطن فهو يعلم أنه من رمضان فلزمه صيامه كالعدل (مسألة) (وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر) روى ذلك عن مالك والليث وقال الشافعي يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد لأنه تيقنه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت به بينة ولنا ما روى أبو رجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياماً فأتيا عمر فذكرا ذلك له فقال لأحدهما أصائم أنت؟ قال بل مفطر قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال وقال للآخر قال إني صائم قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لأفطر والناس صيام فقال للذي افطر لولا مكان هذا لأوجعت رأسك ثم نودي في الناس أن اخرجوا أخرجه سعيد عن ابن عيينة عن أيوب عن أبي رجاء وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته وحده ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده وقالت عائشة إنما يفطر يوم الفطر الإمام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان إجماعاً ولأنه محكوم به من رمضان أشبه اليوم الذي قبله وفارق ما إذا ثبت ببينة لأنه محكوم به من شوال بخلاف هذا.
قولهم إنه يتيقن أنه من شوال ممنوع فإنه يحتمل أن يكون خيل إليه ذلك فرأى شيئاً أو شعرة من حاجبه ظنها هلالا ولم تكن (فصل) فإن رآه اثنان فلم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا شهد اثنان فصوموا وافطروا " وان شهدا عند الحاكم فرد شهادتهما لجهله بحالهما فلمن علم عدالتهما الفطر لأن رد الحاكم هاهنا ليس بحكم منه وإنما هو توقف لعدم علمه فهو كالوقوف عن الحكم انتظاراً للبينة، ولهذا لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك حكم بها وإن لم يعرف أحدهما عدالة صاحبه لم يجز له الفطر الا أن يحكم بذلك الحاكم لأنه يكون مفطراً برؤيته وحده (مسألة) (وإن اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزه) إذا كان الأسير محبوساً أو مطموراً أو في بعض النواحي النائية عن الأمصار لا يمكنه تعرف الأشهر بالخبر فاشتبهت عليه الأشهر فإنه يتحرى ويجتهد فإذا غلب على ظنه عن إمارة تقوم في نفسه

دخول شهر رمضان صامه ولا يخلو من أربعة أحوال (أحدها) أن لا ينكشف له الحال فيصح صومه ويجزئه لأنه أدى فرضه باجتهاده فأجزأه كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد (الثاني) أن ينكشف أنه وافق الشهر أو ما بعده فيجزيه في قول عامة العلماء وحكي عن الحسن ابن صالح أنه لا يجزئه في الحالتين لأنه صامه على الشك فلم يجزئه كما لو صام يوم الشك فبان من رمضان والأول أولى لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة إذا اشتبهت أو الصلاة في يوم الغيم إذا اشتبه وقتها وفارق يوم الشك فإنه ليس بمحل للاجتهاد فإن الشرع أمر بصومه عند أمارة عينها فما لم توجد لم يجز الصوم (الحال الثالث) وافق قبل الشهر فلا يجزئه في قول عامة الفقهاء، وقال بعض الشافعية يجزئه في أحد القولين كما لو اشتبه يوم عرفة فوقفوا قبله، ولنا أنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يجزئه كالصلاة في يوم الغيم، وأما الحج فلا نسلمه إلا فيما أذ أخطأ الناس كلهم لعظم المشقة وإن وقع ذلك لبعضهم لم يجزهم ولأن ذلك لا يؤمن مثله في القضاء بخلاف الصوم.
(الحال الرابع) أن يوافق بعضه رمضان دون بعض فما وافق رمضان أو بعده اجزأه وما وافق قبله لم يجزئه (فصل) وإذا وافق صومه بعد الشهر اعتبر أن يكون ما صامه بعدد أيام شهره الذي فاته سواء وافق ما بين الهلالين أو لم يوافق وسواء كان الشهران تامين أو ناقصين ولا يجزئه أقل من ذلك وقال القاضي ظاهر كلام الخرقي أنه إذا وافق شهراً بين هلالين أجزأه سواء كان الشهران تامين أو ناقصين أو أحدهما تاماً والآخر ناقصاً وليس بصحيح فإن الله تعالى قال (فعدة من أيام أخر) ولأنه فاته شهر رمضان فوجب أن يكون صيامه بعدد ما فاته كالمريض والمسافر وليس في كلام الخرقي تعرض لهذا التفصيل فلا يجوز حمل كلامه على ما يخالف الكتاب والصواب، فان قيل أليس إذا نذر صوم شهر يجزئه مابين الهلالين؟ قلنا الإطلاق يحمل على ما تناوله الاسم والاسم يتناول ما بين الهلالين وهنا يجب قضاء ما ترك فيجب أن يراعى فيه عدة المتروك كما ان من نذر صلاة أجزأه ركعتان ولو ترك صلاة وجب قضاؤها بعدد ركعاتها كذلك هاهنا الواجب بعدد ما فاته من الأيام سواء كان ما صامه بين هلالين أو بين شهرين فان دخل في صيامه يوم عيد لم يعتد به وإن وافق أيام التشريق فهل يعتد بها؟ على روايتين بناء على صحة صومها عن الفرض (فصل) فإن لم يغلب على ظن الأسير دخول رمضان فصام لم يجزه وإن وافق الشهر لأنه صامه

على الشك فلم يجزئه كما لو نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإن غلب على ظنه من غير أمارة فقال القاضي عليه الصيام ويقضي إذا عرف الشهر كالذي خفيت عليه دلائل القبلة فصلى على حسب حاله فإنه يعيد وذكر أبو بكر فيمن خفيت عليه دلائل القبلة هل يعيد على وجهين كذلك يخرج على قوله هاهنا وظاهر كلام الخرقي أنه يتحرى فمتى غلب على ظنه دخول الشهر صح صومه وإن لم يبن على دليل لأنه ليس في وسعه معرفة الدليل (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (فصل) وإذا صام تطوعاً فوافق شهر رمضان لم يجزئه نص عليه أحمد وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يجزئه وهو مبني على وجوب تعيين النية لرمضان وسنذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجب الصوم إلا على المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي) يجب الصوم على من وجدت فيه هذه الشروط بغير خلاف لما ذكرنا من الأدلة ولا يجب على كافر أصلياً كان أو مرتداً في الصحيح من المذهب لأنه عبادة لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم لقوله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وفيه رواية أخرى أن القضاء يجب على المرتد إذا أسلم وهو مذهب الشافعي لأنه قد اعتقد وجوبها عليه بخلاف الكافر الأصلي فعلى هذا يجب عليه في حال ردته لعموم الأدلة وسنذكر ذلك في باب المرتد إن شاء الله تعالى ولا يجب على مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق " ولا يصح منه لأنه غير عاقل أشبه بالطفل (فصل) فأما الصبي العاقل الذي يطيق الصوم فيصح منه ولا يجب عليه حتى يبلغ وكذلك الجارية نص عليه أحمد وهذا قول أكثر أهل العلم، وذهب بعض أصحابه إلى أنه يجب على الغلام الذي يطيقه إذا بلغ عشرا لما روى ابن جريج عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان " ولأنها عبادة بدنية أشبهت الصلاة، والمذهب الأول قال القاضي المذهب عندي رواية واحدة أن الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد فيمن ترك الصلاة يقضيها نحمله على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث ولأنها عبادة فلم تجب على الصبي كالحج، وحديثهم مرسل ويمكن حمله على الاستحباب وسماه واجباً تأكيداً كقوله عليه السلام " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وفي ذلك جمع بين الحديثين فكان أولى، وما قاسوا عليه ممنوع

(مسألة) ﴿ويؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده﴾ يجب على الولي أمر الصبي بالصيام إذا أطاقه ويضربه عليه ليتمرن عليه ويعتاده لما ذكرنا في الصلاة، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي وقال الأوزاعي إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعاً لا يحور فيهن ولا يضعف حمل صوم شهر رمضان، وقال الخرقي إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به، وقال إسحاق إذا بلغ اثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة، قال شيخنا رحمه الله واعتباره بالعشر أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب إحداهما من الأخرى في كونهما عبادتين بدنيتين من أركان الاسلام الا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام (مسألة) ﴿وإذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الإمساك والقضاء﴾ وهذا قول عامة أهل العلم، وروى عن عطاء انه لا يجب عليه الإمساك.
قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا قاله غير عطاء، وذكر أبو الخطاب ذلك رواية عن أحمد قياساً على المسافر إذا قدم.
قال شيخنا رحمه الله ولم نعلم أحداً ذكرها غيره وأظن هذا غلطاً فإن أحمد نص على إيجاب الكفارة على من وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ في يومه لأن حرمه الصوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة اليوم فكيف يبيح الأكل، ولا يصح قياس هذا على المسافر إذا قدم وهو مفطر وأشباهه لأنه كان له الفطر ظاهراً وباطناً وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحاً أشبه من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع (فصل) وكل من أفطر والصوم يجب عليه كالمفطر لغير عذر، ومن ظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع، أو أن الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية ونحوهم يلزمهم الإمساك بغير خلاف بينهم إلا أنه يخرج على قول عطاء في المعذور في الفطر إباحة فطر بقية يومه كالمسألة قبلها، وهو قول شاذ لم يعرج عليه العلماء (مسألة) (وإن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون فكذلك وعنه لا يلزمهم شئ) إذا بلغ الصبي في أثناء النهار وهو مفطر أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر لزمهم الإمساك في إحدى الروايتين.
وهذا قول أبي حنيفة والثوري والاوزاعي والحسن بن صالح والعنبري لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ أوجب الإمساك كقيام البينة بالرؤية.
والثانية لا يلزمهم الإمساك وإليه ذهب مالك والشافعي، وروي عن ابن مسعود أنه قال: من أكل أول النهار أكل آخره لأنه

أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً فإذا أفطر كان له استدامة الفطر كما لو دام العذر، وهل يجب عليهم القضاء؟ فيه روايتان: إحداهما يجب لأنهم أدركوا بعض وقت العبادة فلزمهم القضاء كما لو أدركوا بعض وقت الصلاة وهذا قول إسحاق في الكافر إذا أسلم.
والثانية لا يلزمهم وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر في الكافر إذا أسلم والأول ظاهر المذهب لأنهم لم يدركوا وقتاً يكنهم التلبس بالعبادة فيه أشبه ما لو زال عذرهم بعد خروج الوقت (فصل) ويجب على الكافر (1) صوم ما يستقبل من الشهر بغير خلاف ولا يجب قضاء ما مضى في قول عامة أهل العلم، وقال عطاء عليه القضاء وعن الحسن كالمذهبين.
ولنا أنها عبادة انقضت في حال كفره فلم يجب قضاءها كالرمضان الماضي (مسألة) (وإن بلغ الصبي صائماً أتم ولا قضاء عليه عند القاضي وعند أبي الخطاب عليه القضاء) إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن أتم صومه ولا قضاء عليه قاله القاضي لأنه نوى الصوم من الليل فأجزأته كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلاً وباقيه فرضاً كما لو شرع في صوم تطوعاً ثم نذر إتمامه، واختار أبو الخطاب وجوب القضاء عليه لأنها عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها فلزمته إعادتها كالصلاة والحج إذا بلغ بعد الوقوف يحقق ذلك أنه ببلوغه يلزمه صومه جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلم يجز عن الفرض، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم لزمه القضاء (فصل) فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا يجب عليه قضاؤه سواء كان صامه أو لا في قول عامة أهل العلم، وقال الأوزاعي يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه، ولنا أنه زمن مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان (مسألة) (وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم مسافر مفطرا فعليهم الفضاء وفي الإمساك روايتان) أما وجوب القضاء عليهم فلا خلاف فيه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والتقدير فافطر ولقول عائشة كنا نحيض على عهد رسول الله (ص) فنؤمر بقضاء الصوم متفق عليه، وكذلك الحكم في المريض إذا صح في أثناء النهار وكان مفطراً وفي وجوب الإمساك عليهم روايتان ذكرنا وجههما، والاختلاف في ذلك في مسألة الصبي والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق فكذلك الحكم في هؤلاء (مسألة) (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما

لكل يوم مسكينا وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو حنيفة والثوري والاوزاعي، وقال مالك لا يجب عليه شئ لأنه ترك الصوم لعجزه فلم يجب فدية كما لو تركه لمرض اتصل به الموت وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا الآية، قال ابن عباس في تفسيرها نزلت رخصة للشيخ الكبير ولأن الأداء صوم واجب فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، وأما المريض فإن كان لا يرجى برؤه فهو كمسئلتنا، وإن كان يرجى برؤه فإنما لم يجب عليه الإطعام لأن ذلك يؤدي الى أن يجب على الميت ابتداءا بخلاف مسئلتنا فإن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة والشيخ الهم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام فلا شئ عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والمريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم الشيخ فيما ذكرنا، وذكر السامري أنها تبقى في ذمته ولا تسقط كسائر الديون، وكذلك قال فيما يجب على الحامل والمرضع إذا أفرطتا خوفاً على ولديهما أنه لا يسقط الإطعام عنهما بالعجز عنه لأنه في معناه (فصل) قال أحمد رحمه الله فيمن به شهوة الجماع غالبة لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه " يطعم " أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض، ومن يخاف على نفسه الهلاك لعطش أو نحوه أوجب الإطعام بدلاً من الصيام، وهذا محمول من كلامة على من لا يرجو إمكان القضاء، فإن رجي ذلك فلا فديه عليه، والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء، فإن أطعم مع إياسه ثم قدر على القضاء احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية الواجبة عليه فلم تعد الى الشغل كالمعضوب إذا أقام من يحج عنه ثم عوفي، واحتمل أن يلزمه القضاء لان الاطعام بدل إياس، وقد بينا ذهاب الإياس فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض فيما إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه ثم حاضت (مسألة) (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر، فإن صاما أجزاهما) أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والأصل فيه قول الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والمريض المبيح للفطر هو الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه.
قيل لأحمد متى يفطر المريض؟ قال إذا لم يستطع.
قيل مثل الحمى؟ قال وأي مرض أشد من الحمى.
وحكي عن بعض السلف أنه أباح بكل مرض حتى من وجع الأصبع والضرس لعموم الآية ولأن المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المريض ولنا أنه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، والآية مخصوصة في المسافر والمريض

جميعاً بدليل أن المسافر لا يباح له الفطر في السفر القصير، والفرق بين المسافر والمريض أن السفر اعتبرت فيه المظنة وهو السفر الطويل حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإن قليل المشقة لا يبيح وكثيرها لا ضابط له في نفسه فاعتبرت بمظنتها وهو السفر الطويل فدار الحكم مع المظنة وجوداً وعدماً والمرض لا ضابط له فإن الأمراض تختلف منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس وجرح في الاصبع والدمل والجرب وأشباه ذلك فلم يصلح المرض ضابطاً وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره بذلك، إذا ثبت هذا فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها لما يتضمنه من الأضرار بنفسه وتركه تخفيف الله وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (فصل) والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفاً مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله والخوف من تجدد المرض في معناه.
قال أحمد فيمن به شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشق أنثياه فله الفطر، وقال في الجارية تصوم إذا حاضت فإن جهدها الصوم فلتفطر ولتقض يعني إذا حاضت وهي صغيره قال القاضي هذا إذا كانت تخاف المرض بالصيام يباح لها وإلا فلا (فصل) ومن أبيح له الفطر لشدة شبقه إن أمكنه استدفاع الشهوة بغير الجماع كالاستمناء بيده أو يد امرأته أو جاريته لم يجز له الجماع لأنه أفطر للضرورة فلم يبح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة كأكل الميتة عند الضرورة (1) فإن جامع فعليه الكفارة، وكذلك إن أمكنه دفعها بما لا يفسد صوم غيره كوطئ زوجته، أو أمته الصغيرة أو الكتابية، أو المباشرة للكبيرة المسلمة دون الفرج أو الاستمناء بيدها أو بيده لم يبح له إفساد صوم غيره لأن الضرورة إذا اندفعت لم يبح ما وراءها كالشبع من الميتة إذا اندفعت الضرورة بسد الرمق، وإن لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم غيره أبيح ذلك لأنه مما تدعو الضرورة إليه فأبيح كفطره وكالحامل والمرضع يفطران خوفاً على ولديهما، فإن كان له امرأتان حائض وطاهر صائمة ودعته الضرورة إلى وطئ إحداهما احتمل وجهين (أحدهما) وطئ الصائمة أولى لأن الله تعالى نص على النهي عن وطئ الحائض في كتابه (والثاني) يتخير لأن وطئ الصائمة يفسد صومها فتتعارض المفسدتان ويتساويان (فصل) وحكم المسافر حكم المريض في إباحة الفطر وكراهية الصوم واجزائه إذا فعل، وإباحة الفطر للمسافر ثابتة بالنص والإجماع وأكثر أهل العلم على أنه ان صام أجزأه، وروي عن أبي هريرة أنه لا يصح صوم المسافر، قال أحمد: عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر

في الحضر وهو قول بعض أهل الظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصوم في السفر " متفق عليه، ولأنه عليه السلام أفطر في السفر فلما بلغه أن قوماً صاموا قال " أولئك العصاة " وروى ابن ماجة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الصائم في رمضان في السفر كالمفطر في الحضر " وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول.
قال ابن عبد البر هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف هجره الفقهاء كلهم والسنة ترده، وحجتهم ما روى حمزة عن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام قال " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أجد قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ قال " هي رخصة فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " وقال أنس كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، متفق عليه، وأحاديثهم محمولة على تفضيل الفطر على الصيام (فصل) والفطر في السفر أفضل وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والاوزاعي، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي الصوم أفضل لمن قوي عليه، يروي ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص لما روى سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه " رواه أبو داود، ولأن من خير بين الصوم والفطر كان الصوم أفضل كالتطوع، وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة أفضل الأمرين أيسرهما لقول الله تعالى " يريد الله بكم اليسر " ولما روى أبودواد عن حمزة بن عمرو قال: قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه وأسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أوخر فيكون ديناً علي أفأصوم يارسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال " أي ذلك شئت يا حمزة " ولنا ما تقدم من الأخبار في الفصل الذي قبله، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " خيركم الذي يفطر في السفر ويقصر " ولأن فيه خروجاً من الخلاف فكان أفضل كالقصر وقياسهم ينتفض بالمريض وبصوم الأيام المكروه صومها (فصل) وإنما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في الصلاة ثم لا يخلو المسافر من ثلاث أحوال (أحدها) أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر فلا خلاف في إباحة الفطر له فيما نعلم (الثاني) أن يسافر في أثناء الشهر ليلاً فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم، وقال عبيدة السلماني وأبو مجاز وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول

الشهر لقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولنا قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وروى ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس متفق عليه، ولأنه مسافر فأبيح له الفطر كما لو سافر قبل الشهر والآية محمولة على من شهد الشهر كله وهذا لم يشهده كله (1) (الثالث) أن يسافر في اثناء يوم من رمضان وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله (مسألة) (ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره) لا يجوز للمريض ولا المسافر سفراً طويلاً أن يصوم في رمضان عن نذر ولا قضاء ولا غيرهما لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالأصل، فإن نوى صوماً غير رمضان لم يصح صومه عن رمضان ولا عما نواه في الصحيح من المذهب وهو قول أكثر العلماء.
وقال أبو حنيفة في المسافر: يقع ما نواه إذا كان واجباً لأنه زمن أبيح له فطره فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان ولنا أنه أبيح له الفطر للعذر فلم يجز أن يصومه عن غير رمضان كالمريض وبهذا ينتقض ما ذكروه وينتقض أيضاً بصوم التطوع، قال صالح قيل لأبي من صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعاً يجزئه؟ فقال أو يفعل هذا مسلم؟ (فصل) ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر واختلف قول الشافعي فيه فقال مرة لا يجوز له الفطر وقال مرة إن صح حديث الكديد لم ار به بأساً، قال مالك إن أفطر فعليه القضاء والكفارة ولنا حديث ابن عباس وهو صحيح متفق عليه، وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعضهم وصام بعضهم فبلغه أن ناساً صاموا فقال " أولئك العصاة " (2) رواه مسلم وهذا نص صريح لا يعرج على ما خالفه (مسألة) (وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر وعنه لا يباح) اذا سافر في اثناء يوم من رمضان فهل له فطر ذلك اليوم فيه روايتان أصحهما جواز الفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي واسحاق وداود وابن المنذر (والثانية) لا يباح له فطر ذلك اليوم وهو قول مكحول والزهري ويحيى الانصاري ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لأن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة

ولنا ماروى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال: اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه أبو داود، ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر فإذا وجد في اثناء النهار أباحه كالمرض، وقياسهم على الصلاة لا يصح فإن الصوم لا يفارق الصلاة لأن الصلاة يلزم اتمامها بنيتها بخلاف الصوم.
إذا ثبت هذا فإنه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره ويخرج من بين بنيانها، وقال الحسن يفطر في بيته إن شاء يوم يريد الخروج، وروي نحوه عن عطاء قال ابن عبد البر قول الحسن شاذ، وقد روي عنه خلافه ووجهه ماروى محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة؟ فقال سنة، ثم ركب.
رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة، فأما أنس فيحتمل أنه كان برز من البلد خارجاً منه فأتاه محمد بن كعب في ذلك المنزل (مسألة) (والحامل والمرضع إذا خافتا الضرر على أنفسهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديدهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً) وجملة ذلك أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر وعليهما القضاء لا غير لا نعلم فيه خلافا لانهما يمنزلة المريض الخائف على نفسه وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء وإطعام مسكين لكل يوم، روى ذلك عن ابن عمر وهو المشهور من مذهب الشافعي وقال الليث الكفارة عن المرضع دون الحامل وهو إحدى الروايتين عن مالك لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل ولأن الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف عليه بعض أعضائها وقال الحسن وعطاء والزهري وسعيد بن جبير والنخعي وأبو حنيفة لا كفارة عليهما لما روى أنس بن مالك رجل من بني كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام " والله لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما أو كليهما رواه النسائي والترمذي (1) وقال حديث حسن ولم يأمر بكفارة ولأنه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة كالفطر للمرض ولنا قول الله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) وهما داخلتان في عموم الآية قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا رواه أبو داود، وروي ذلك

عن ابن عمر ولا مخالف لهما في الصحابة ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ الهم وخبرهم لم يتعرض للكفارة فكانت موقوفة على الدليل كالقضاء فإن الحديث لم يتعرض له والمريض أخف حالاً من هاتين لأنه يفطر بسبب نفسه، إذا ثبت هذا فإن الواجب في طعام المسكين مد بر أو نصف صاع شعير والخلاف فيه كالخلاف في اطعام المساكين في كفارة الجماع على ما يذكر في موضعه (فصل) ويجب عليهما القضاء مع الإطعام وقال ابن عمر وابن عباس لا قضاء عليهما لأن الآية تناولتهما وليس فيها إلا الإطعام ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم " ولنا أنهما يطيقان فلزمهما كالحائض والنفساء والآية أوجبت الإطعام ولم تتعرض للقضاء وأخذناه من دليل آخر والمراد بوضع الصوم وضعه في مدة عذرهما كما جاء في حديث عمرو أبن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله وضع عن المسافر الصوم " ولا يشبهان الشيخ الهم لأنه عاجز عن القضاء وهما يقدران عليه قال أحمد أذهب الى حديث أبي هريرة يعني ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء (فصل) فإن عجزتا عن الإطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطئ بل السقوط ههنا أولى لوجود العذر ذكره شيخنا في الكافي وقيل لا يسقط وقد ذكرناه، وقال صاحب المحرر يسقط ههنا ولا يسقط عن الكبير العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه لأنها بدل عن نفس الصوم وتلك جبران لنقص الصوم والله أعلم (مسألة) (ومن نوى قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وإن أفاق جزءاً منه صح صومه) متى نوى الصوم قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يصح لأن النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم ولنا أن الصوم هو الإمساك مع النية قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي " فأضاف ترك الطعام والشراب إليه والمجنون والمغمى عليه لا يضاف الإمساك إليه فلم يجزئه ولأن النية أحد ركني الصوم فلم تجزي وحدها كالإمساك وحده أما النوم فإنه عادة ولا يزيل الإحساس بالكلية ومتى نبه انتبه (فصل) ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو في آخره وقال الشافعي في أحد قوليه تعتبر الإفاقة في أول النهار ليحصل حكم النية في أوله ولنا أن الافاقة حصلت جزأ من النهار فأجزأ كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح فإن النية قد حصلت من الليل فيستغني عن ذكرها في النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية

إنما تحصل بالإفاقة في أول النهار لما صح منه صوم الفرض بالإفاقة لانه لا يجزي بنية من النهار وحكم المجنون حكم المغمى عليه في ذلك وقال الشافعي إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض ولنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء ويفارق الحيض فإن الحيض لا يمنع الوجوب وإنما يمنع الصحة ويحرم فعل الصوم ويتعلق به وجوب الغسل وتحريم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطئ فلا يصح القياس عليه (مسألة) (وإن نام جميع النهار صح صومه) لا نعلم فيه خلافا لأنه عادة ولا يزيل الإحساس بالكلية (مسألة) (ويلزم المغمى عليه القضاء دون الجنون) لا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه لأن مدته لا تتطاول غالباً ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يلزم به التكليف كالنوم فأما الجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد وقال مالك يقضي وإن مضى عليه سنون وعن أحمد مثله وهو قول الشافعي في القديم لأنه معنى يزيل العقل فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء، وقال أبو حنيفة إن جن جميع الشهر فلا قضاء عليه وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى لأن الجنون لا ينافي الصوم بدليل أنه لوجن في أثناء الصوم لم يفسد فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء ولأنه أدرك جزءاً من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم ولنا أنه معنى يزيل التكليف فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكفر وتخص أبا حنيفة بأنه معنى لو وجد في جميع الشهر أسقط القضاء فإذا وجد في بعضه أسقطه كالصبى والكفر فأما إذا أفاق في بعض اليوم فلنا فيه منع وإن سلمناه فلأنه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمته كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم في بعض النهار وكما لو أردك بعض وقت الصلاة (فصل) قال ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل معيناً وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان لا يصح صوم إلا بنية بالإجماع فرضاً كان أو تطوعا لانه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة فإن كان فرضاً كصيام رمضان في أدائه أو قضائه والنذر والكفارة اشترط أن ينويه من الليل وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجزي صيام رمضان وكل صوم متعين بنيته من النهار لأن النبي صلى الله عليه وسلم

أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة " من كان أصبح صائماً فليتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم " متفق عليه وكان صوماً واجباً متعيناً ولأنه غير ثابت في الذمة فهو كالتطوع ولنا ما روى ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له " وفي لفظ ابن حزم من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وروى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " وقال إسناده كلهم ثقات وقال حديث حفصة رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات ولأنه صوم فرض فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء فأما صوم عاشوراء فلم يثبت وجوبه فان معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " ممتفق عليه، وإنما سمى الإمساك صياماً تجوزا كما روي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي فسماه صياماً تجوزاً ثم لو ثبت أنه صيام فالفرق

بين ذلك وبين رمضان أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار فأجزأته النية حين تجدد الوجوب كمن كان صائماً تطوعاً فنذر في أثناء النهار صوم بقية يومه فإنه تجزئه نيته عند نذره بخلاف ما إذا كان النذر متقدماً والفرق بين التطوع والفرض من وجهين (أحدهما) أن التطوع يمكن الاتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله عليه السلام في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائماً بقية النهار دون أوله والفرض يجب في جميع النهار ولا يكون صائماً بغير نية (والثاني) أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيراً له فإنه قد يبدو له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك الصلاة في صلاة التطوع بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع أو لم يفعل واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بما ينافي الصوم واشترط بعضهم وجود النية في النصف الأخير من الليل كأذان الصبح والدفع من مزدلفة ولنا مفهوم قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " من غير تفصيل ولأنه نوى من الليل فصح صومه كما نوى في النصف الأخير وكما لو لم يفعل ما ينافي الصوم ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير يفضي الى تفويت الصوم لأنه وقت النوم وكثير من الناس لا ينتبه فيه ولا يذكر الصوم والشارع انما رخص في تقديم النية على ابتدائه لحرج اعتبارها عنده فلا يخصها بمحل لا تندفع

المشقة بتخصيصها به ولان تخصيصها بالنصف الأخير تحكم من غير دليل واعتبار الصوم بالأذان والدفع من مزدلفة لا يصح لأنهما يجوزان بعد الفجر فلا يفضي منعهما في النصف الأول إلى فواتهما بخلاف نية الصوم ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه واشتراط النية بمعنى الإيجاب والتحتم وفوات الصوم بفواتها فيه وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز فأما إن فسخ النية مثل إن نوى الفطر بعد نية الصيام لم تجزئه تلك النية المفسوخة لأنها زالت حكما وحقيقة (فصل) وإن نوى من النهار صوم الغد لم يجزئه إلا أن يستصحب النية إلى جزء من الليل وقد روى ابن منصور عن أحمد من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ولم ينو من الليل فلا بأس إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك فظاهر هذا حصول الأجزاء بنية النهار إلا أن القاضي قال هذا محمول على أنه استصحب النية إلى الليل وهذا صحيح لظاهر قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولأنه لم ينو عند ابتداء العبادة ولا قريباً منها فلا يصح كما لو نوى من الليل صوم بعد الغد (فصل) وتعتبر النية لكل يوم وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه وهو مذهب مالك وإسحاق لإنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم فجاز كما لو نوى كل يوم في ليلته

ولنا أنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته كالقضاء ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها أشبهت القضاء وبهذا فارقت اليوم الأول وعلى قياس رمضان إذا نذر صوم شهر بعينه خرج فيه مثل ما ذكرنا في رمضان (فصل) ومعنى النية القصد وهو اعتقاد القلب فعل شئ وعزمه عليه من غير تردد فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وأنه صائم فيه فقد نوى وإن شك في أنه من رمضان ولم يكن له أصل يبني عليه مثل ليلة الثلاثين من شعبان ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر فعزم أن يصوم غداً من رمضان لم تصح النية ولم يجزئه صيام ذلك اليوم لأن النية قصد يتبع العلم وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده لا يصح قصده وبهذا قال حماد وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر وقال الثوري والاوزاعي يصح إذا نواه من الليل كاليوم الثاني وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أنه لم يجزم النية بصومه من رمضان فلم يصح كما لو لم يعلم إلا بعد خروجه وكذلك إن بنى على قول المنجمين وأهل الحساب فوافق الصواب لم يصح صومه وإن كثرت اصابتهم لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به فكان وجوده كعدمه قال النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وفي رواية " لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه " فأما ليلة الثلاثين

من رمضان فتصح نيته وإن احتمل أن يكون من شوال لأن الأصل بقاء رمضان ولما ذكرنا من الحديث فإن قال إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، وإن كان من شوال فأنا مفطر، فقال ابن عقيل لا يصح صومه لأنه لم يجزم بنية الصوم والنية اعتقاد جازم، ويحتمل أن يصح لأن هذا شرط واقع والأصل بقاء رمضان (فصل) ويجب تعيين النية في كل صوم واجب فيعتقد أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو نذر نص عليه في رواية الأثرم فإنه قال يا أبا عبد الله أسير صائم في أرض الروم شهر رمضان ولا يعلم أنه رمضان فنوى التطوع قال لا يجزئه إلا بعزيمة أنه من رمضان، وبهذا قال مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يجب تعيين النية لرمضان، قال المروذي روي عن أحمد أنه قال يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على أننا نصبح صياماً يجزينا من رمضان، وإن لم نعتقد أنه من رمضان؟ قال: نعم.
فقلت قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنية " أليس يريد أن ينوي أنه من رمضان؟ قال لا، إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه وحكى أبو حفص العكبري عن بعض أصحابنا أنه قال: ولو نوى أن يصوم تطوعاً ليلة الثلاثين من رمضان فوافق رمضان أجزأه.
قال القاضي وجدت هذا الكلام اختياراً لأبي القاسم ذكره في

شرحه، وقال أبو حفص لا يجزئه إلا أن يعتقد من الليل بلا شك ولا تلوم، فعلى القول الثاني لو نوى في رمضان الصوم مطلقاً أو نوى نفلاً وقع عن رمضان وصح صومه، وهذا قول أبي حنيفة إذا كان مقيماً لأنه فرض مستحق في زمن بعينه فلا يجب تعيين النية له كطواف الزيارة ولنا أنه صوم واجب فوجب تعيين النية له كالقضاء، وطواف الزيارة عندنا كهذه المسألة في افتقاره إلى التعيين، فلو نوى طواف الوداع أو طوافاً مطلقاً لم يجزه عن طواف الزيارة، ثم الحج مخالف للصوم ولهذا ينعقد مطلقاً وينصرف إلى الفرض، ولو حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه وقع عن نفسه ولو نوى الإحرام بمثل ما أحرم به فلان صح وينعقد فاسداً بخلاف الصوم (مسألة) (ولا يحتاج إلى نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك) إذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو نذره أو كفارة لم يحتج أن ينوي أنه فرض لان التعيين يجزئ عن نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة (مسألة) (ولو نوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل لم يجزئه على الرواية المشهورة لأنه لم يعين الصوم من رمضان جزماً وعنه يجزيه لأنه قد نوى الصوم ولو كان عليه صوم من سنة خمس فنوى أنه يصوم عن سنة ست أو نوى الصوم عن يوم الأحد وكان غيره أو ظن أن غداً الأحد فنواه وكان الاثنين صح صومه لأن نية الصوم لم تختل إنما أخطأ في الوقت (مسألة) (ومن نوى الإفطار أفطر)

إذا نوى الإفطار في صوم الفرض أفطر وفسد صومه هذا ظاهر المذهب وقول الشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه بناء على أصلهم أن الصوم المعين يجزئ بنية من النهار، وحكي عن ابن حامد أن الصوم لا يفسد بذلك لأنها عبادة يلزم المضي في فاسدها فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا أنها عبادة من شرطها النية ففسدت بنية الخروج منها كالصلاة ولأن اعتبار النية في جيمع أجزاء العبادة، لكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها وهو أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه زالت حقيقة وحكما ففسد الصوم لزوال شرطه، وما ذكره ابن حامد لا يطرد في غير رمضان ولا يصح القياس على الحج فإنه يصح بنية مطلقة وسبهمة وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا (فصل) فأما صوم النفل فإن نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك لم يصح صومه لأن النية انقطعت ولم توجد نية غيرها أشبه من لم ينو أصلاً، وإن عاد فنوى الصوم صح كما لو أصبح غير ناو للصوم لأن نية الفطر إنما أبطلت الفرض لقطعها النية المشترطة في جميع النهار حكما وخلو بعض أجزاء النهار عنها، والنفل بخلاف ذلك فلم يمنع صحة الصوم نية الفطر في زمن لا يشترط وجود نية الصوم فيه لأن نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك الوقت وعدمها لا يمنع صحة الصوم إذا نوى بعد ذلك فكذلك إذا نوى الفطر ثم نوى الصوم بعده، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا أصبح صائما ثم عزم على الفطر فلم يفطر حتى بدا له ثم قال لابل أتم صومي من الواجب لم يجزئه حتى يكون عازماً على الصوم يومه كله، ولو كان تطوعاً كان أسهل وظاهر هذا موافق لما ذكرناه.
وقد دل على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل أهله هل من غداء؟ فإن قالوا لا.
قال: " إني إذا صائم " (فصل) فإن نوى أنه سيفطر ساعة أخرى فقال ابن عقيل هو كنية الفطر في وقته وإن تردد في الفطر فعلى وجهين كما ذكرنا في الصلاة، وإن نوى إنني إن وجدت طعاماً أفطرت وإلا أتممت صومي خرج فيه وجهان (أحدهما) يفطر لأنه لم يبق جازماً بنية الصوم ولذلك لا يصح ابتداء النية بمثل هذا (الثاني) لا يفطر لأنه لم ينو الفطر نية صحيحة، لأن النية لا يصح تعليقها على شرط، ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية (فصل) ومن ارتد عن الإسلام أفطر بغير خلاف نعلمه إذا ارتد في أثناء الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به أو شكه أو النطق بكلمة الكفر مستهزئاً أو غير مستهزئ لأنها عبادة من شرطها النية أشبهت الصلاة والحج (مسألة) (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، وقال القاضي لا يجزي بعد الزوال)

يصح صوم التطوع بنية من النهار وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والنخعي، وقال مالك وداود لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولأن الصلاة يتفق نية نفلها وفرضها فكذلك الصوم ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها قال: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال " هل عندكم شي؟ " قلنا لا.
قال " فاني إذا صائم " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ويدل عليه أيضاً حديث عاشوراء ولأن الصلاة يخفف نفلها عن فرضها في سقوط القيام وجوازها في السفر على الراحلة إلى غير القبلة فكذلك الصيام، وحديثهم نخصه بحديثنا ولو تعارضا قدم حديثنا لأنه أصح من حديثهم فإنه من رواية ابن لهيعة ويحيى بن أيوب.
قال الميموني سألت أحمد عنه فقال أخبرك ماله عندي ذاك الإسناد إلا أنه عن ابن عمر وحفصة اسنادان جيدان، والصلاة يتفق وقتها وقت النية لنفلها وفرضها لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها بخلاف الصوم فإنه يعين له الصوم من النهار فعفي عنه كما جوزنا التنفل قاعداً لهذه العلة إذا ثبت ذلك فأي وقت من النهار نوى أجزأه، هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود ويروى عن سعيد ابن المسيب، واختار القاضي في المجرد أنه

لا تجزئه النية بعد الزوال وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لأن معظم النهار مضى بغير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الأصول بدليل أن من أدرك الإمام في الركوع أدرك الركعة لإدراكه معظمها، ولو أدركه بعد الرفع لم يكن مدركاً لها، وكذلك من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركاً لها لأنها لا تزيد بالتشهد شيئا ولا يدركها بدون الركعة لذلك ولنا أنه نوى في جزء من النهار أشبه مالو نوى في أوله ولأن جميع الليل وقت النية الفرض فكذلك جميع النهار وقت لنية النفل ولأن صوم النفل إنما جوزناه بنية من النهار طلباً لتكثيره وهذا أبلغ في التكثير (فصل) وإنما يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد فإنه قال: من نوى في التطوع من النهار كتب له بقية يومه، وأذا أجمع من الليل كان له يومه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو الخطاب في الهداية يحكم بذلك من أول النهار وهو قول بعض الشافعية لأن الصوم لا يتبعض في اليوم بدليل ما لو أكل في بعضه لم يجزه صيام باقيه، فإذا وجد في بعض اليوم دل على أنه صائم من أوله، ولا يمتنع الحكم بالصوم من غير نية حقيقية كما لو نسي الصوم بعد نيته أو غفل عنه، ولأنه لو أدرك بعض الركعة أو بعض الجماعة كان مدركاً لجميعها ولنا أن ما قبل النية لم ينو صيامه فلا يحصل له صيامه لقوله عليه السلام " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " ولأن الصوم عبادة محضة فلا يوجد بغير نية كسائر العبادات المحضة، ودعوى

أن الصوم لا يتبعض دعوى محل النزاع وإنما يشترط لصوم البعض أن لا توجد المفطرات في شئ من اليوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " وأما إذا نسي النية بعد وجودها فإنه يكون مستصحباً لحكمها بخلاف ما قبلها فإنها لم توجد حكماً ولا حقيقة، ولهذا لو نوى الفرض من الليل ونسيه في النهار صح صومه، ولو لم ينو من الليل لم يصح صومه.
وأما إدراك الركعة والجماعة فإنما معناه أنه لا يحتاج إلى قضاء ركعة وينوي أنه مأموم وليس هذا مستحيلا، إما أن يكون ما صلى

الإمام قبله من الركعات محسوباً له بحيث يجزئه عن فعله فكلا ولأن مدرك الركوع مدرك لجميع أركان الركعة لأن القيام وجد حين كبر وفعل سائر الأركان مع الإمام، وأما الصوم فإن النية شرط له

أو ركن فيه فلا يتصور وجوده بدون شرطه وركنه (فصل) وإنما يصوم الصوم بنية من النهار بشرط أن يكون طعم قبل النية ولا فعل ما يفطره

فإن فعل شيئاً من ذلك لم يجزه الصيام بغير خلاف نعلمه والله عزوجل أعلم (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة) ومن أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه او كتحل بما يصل إلى حلقه أو داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه أو أدخل في جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فانزل أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه وإن كان مكرهاً أو ناسياً لم يفسد.

أجمع أهل العلم على الإفطار بالأكل والشرب لما يتغذى به، وقد دل عليه قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) مدة إباحة الأكل والشرب إلى تبين الفجر ثم أمر بالصيام عنهما، وفي الحديث " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي " فأما أكل ما لا يتغذى به فيحصل به الفطر في قول عامة أهل العلم، وقال الحسن بن صالح لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب وحكي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يأكل البرد في الصوم ويقول ليس بطعام ولا شراب ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب المعتاد فما عداهما يبقى على أصل الإباحة.

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل