ولنا الأحاديث المذكورة وهي صحيحة صريحة، وروى أبو بصرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمخمص فقال " إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد " رواه مسلم، وهذا خاص في محل النزاع.
وأما حديث عائشة فقد روى عنها ذكوان مولاها أنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها.
رواه أبو داود، وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما ثم رأيته يصليهما وقال " يا بنت ابن ابي أمية أنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان " رواهما مسلم، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله لسبب وهو قضاء ما فات من السنة، وأنه نهى عن الصلاة بعد العصر كما رواه غيرهما، وحديث عائشة يدل على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ونهيه غيره وهو حجة على من خالف ذلك، فإن النزاع في غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك من غير معارض
له وقولها وهم عمر قد أجبنا عنه (فصل) فأما ماله سبب فالمنصوص عن أحمد رضي الله عنه في الوتر أنه يفعل بعد طلوع الفجر
قبل الصلاة، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، وبه قال مالك والثوري والاوزاعي والشافعي.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه خرج بعد طلوع الفجر فقال: نعم هذه ساعة الوتر.
وقد روي عن أبي موسى أنه سئل عن رجل لم يوتر حتى أذن المؤذن فقال: لا وتر له وأنكر ذلك عطاء والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول أبي موسى لعموم النهي ولنا ما روى أبو بصرة الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر " رواه الأثرم، واحتج به أحمد وأحاديث النهي ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر كما حكينا متقدما وقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نام عن الوتر فليصله إذا أصبح " رواه ابن ماجه.
إذا ثبت هذا فإنه لا ينبغي أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى " متفق عليه، وقال مالك ما فاتته صلاة الليل فله أن يصلي بعد الصبح قبل أن يصلي الصبح وحكاه ابن أبي موسى في الارشاد مذهبا لاحمد قياسا على الوتر ولأن هذا الوقت لم يثبت النهي فيه صريحا فكان حكمه خفيفا (فصل) فأما سجود التلاوة وصلاة الكسوف وتحية المسجد فالمشهور في المذهب أنه لا يجوز فعلها في شئ من أوقات النهي وكذلك قضاء السنن الراتبة في الأوقات الثلاثة المذكورة في حديث
عقبة بن عامر ذكره الخرقي في سجود التلاوة وصلاة الكسوف، وقال القاضي في ذلك روايتان أصحهما أنه لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي (والثانية) يجوز وهو قول الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " متفق عليه، وقال في الكسوف " فإذا رأيتموها فصلوا "
وهذا خاص في هذه الصلاة فيقدم على النهي العام ولأنها صلوات ذوات سبب أشبهت ما ثبت جوازه ولنا أن كل واحد خاص من وجه إلا أن النهي للتحريم والأمر للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب (فصل) فأما قضاء السنن الراتبة في الوقتين الآخرين فالصحيح أن ركعتي الفجر تقضى بعدها لأن أحمد قال: أنا أختار أن يقضيهما مع الضحى وإن صلاهما بعد الفجر أجزأه لما روى قيس بن فهد قال: رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر فقال: " ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " قلت يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز، وفيه رواية أخرى لا يجوز ذلك وهو قول أصحاب الرأي لعموم أحاديث النهي.
ولما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس " رواه الترمذي وحديث قيس مرسل قاله أحمد والترمذي وإذا
كان الأمر هكذا كان تأخيرهما إلى وقت الضحى أحسن ليخرج من الخلاف ولا يخالف عموم الحديث وإن فعلهما جاز لأن هذا الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز، والصحيح أن السنن الراتبة تقضي بعد العصر لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة الذي ذكرناه والاقتداء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم متعين، ولأن النهي بعد العصر خفيف لما روي في خلافه من الرخصة.
وقول عائشة أنه كان ينهى عنها معناه والله أعلم أنه ينهى عنها لغير هذا السبب أو كان يفعلها على الدوام وهذا مذهب الشافعي، وفيه رواية أخرى لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي والأخذ بالحديث الخاص أولى (فصل) ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، وقال الشافعي لا يمنع لما ذكرنا من حديث جبير بن مطعم ولما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغيب الشمس إلا بمكة قال ذلك ثلاثاً " رواه الدارقطني، ولنا عموم النهي ولأنه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها
لما ذكرنا من حديث جبير بن مطعم ولما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغيب الشمس إلا بمكة قال ذلك ثلاثاً " رواه الدارقطني، ولنا عموم النهي ولأنه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها كالحيض وحديث جبير أراد به ركعتي الطواف وحديث أبي ذر يرويه عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف قال (1) يحيى بن معين (فصل) ولا فرق في وقت الزوال بين يوم الجمعة وغيره ولا بين الشتاء والصيف كان عمر بن الخطاب ينهى عنه، وقال ابن مسعود كنا ننهى عن ذلك يعني يوم الجمعة ورخص فيه الحسن وطاوس
والاوزاعي والشافعي واسحاق في يوم الجمعة لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة.
رواه أبو داود، ولأن الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل وأباحه عطاء في الشتاء دون الصيف لأن ذلك الوقت حين تسجر جهنم ولنا عموم أحاديث النهي وهي عامة في يوم الجمعة وغيره وفي الصيف والشتاء، ولأنه وقت نهي فاستوى فيه يوم الجمعة وغيره كسائر الأوقات وحديثهم في إسناده ليث وهو ضعيف وهو مرسل أيضا وقولهم أنهم ينتظرون الجمعة قلنا إذا علم وقت النهي فليس له أن يصلي وإن شك فله أن يصلي حتى يعلم لأن الأصل الإباحة فلا تزول بالشك ونحو هذا قال مالك والله أعلم (تم طبع الجزء الاول..) ع 9
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين * (باب صلاة الجماعة) * * (مسألة) * (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال لا شرطاً) الجماعة واجبة على الرجال المكلفين لكل صلاة مكتوبة، روي نحو ذلك عن ابن مسعود وأبي موسى وبه قال عطاء والاوزاعي وأبو ثور، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي لا تجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " متفق عليه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على اللذين قالا قد صلينا في رحالنا ولو كانت واجبة لأنكر عليهما، ولأنها لو كانت واجبة لكانت شرطاً لها كالجمعة ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب 1 ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم " متفق عليه، وفيه ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها، وعن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله
عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال " أتسمع النداء بالصلاة؟ " قال نعم قال " فأجب " رواه مسلم.
وإذا لم يرخص للاعمى الذي لا قائد له فغيره أولى قال إبن المنذر وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن أم مكتوم " لا أجد لك رخصة " يعني في التخلف عن الجماعة.
وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيه الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية " وفي حديث مالك ابن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " ولمسلم " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم " أمر وظاهر الأمر الوجوب * (فصل) * وليست شرطاً لصحة الصلاة نص عليه أحمد وقال ابن عقيل تشترط في أحد الوجهين قال وهو الصحيح عندي لما ذكرنا من الأدلة.
قال شيخنا وهذا ليس بصحيح للحديثين اللذين ذكرناهما في حجة الخصم ولا نعلم احدا قال بوجوب الإعادة على من صلى وحده الا أنه قد روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود أنهم قالوا: من سمع الندا من غير عذر فلا صلاة له * (فصل) * وتنعقد باثنين فصاعداً بغير خلاف علمناه لما روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال " الاثنان فما فوقهما جماعة " رواه ابن ماجه ولحديث مالك بن الحويرث، وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس مرة وحذيفة مرة ولو أم الرجل عبده أو زوجته أدرك فضيلة الجماعة وإن أم صبياً جاز في التطوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أم ابن عباس وهو صبي وإن أمه في الفرض فقال أحمد لا تنعقد به الجماعة لأنه لا يصلح أن يكون إماماً فيها وعنه يصح ذكرها الآمدي كما لو أم بالغاً متنفلاً * (مسألة) * (وله فعلها في بيته في أصح الروايتين) .
ويجوز فعل الجماعة في البيت والصحراء في الصحيح من المذهب وعنه إن حضور المسجد واجب على القريب منه لأنه روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل " متفق عليه والحديث الذي ذكروه لا نعرفه إلا من قول علي نفسه كذلك رواه سعيد والظاهر أنه إنما أراد الجماعة فعبر بالمسجد عنها لانه محلها ويجوز أن يكون أراد الكمال والفضيلة فان الاخبار الصحيحة دالة على صحة الصلاة في غير المسجد والله أعلم * (فصل) * ويستجب لأهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد لأنه أعلى للكلمة وأوقع للهيبة فاذا جاءهم خبر عن عدوهم سمع جميعهم، وكذلك اذا أرادوا التشاور في أمر، وإن جإ عين للكفار أخبر بكثرتهم.
قال الأوزاعي لو كان الأمر الي لسمرت أبواب المساجد التي للثغور ليجتمع الناس في مسجد واحد.
- (مسألة) * (والافضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) لأنه يعمره
باقامة الجماعة فيه ويحصلها لمن يصلي فيه فيحصل له ثواب عمارة المسجد ويحضلها لمن لا يصلى فيه وذلك معدوم في غيره، وكذلك إن كانت تقام فيه مع غيبته ألا إن في قصد غيره كسر قلب إمامه وجماعته فجبر قلوبهم أولى * (مسألة) * (ثم ما كان أكثر جماعة ثم في المسجد العتيق) فإن عدم ما ذكرنا في المسألة التي قبلها ففعلها فيما كان أكثر جماعة أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى " رواه الإمام أحمد في المسند فإن تساويا في الجماعة فالمسجد العتيق أفضل لأن الطاعة فيه أسبق والعبادة فيه أكثر.
وذكر أبو الخطاب إن فعلها في المسجد العتيق أفضل وان قل الجمع فيه لذلك والأول أولى لما ذكرنا من الحديث * (مسألة) * (وهل الأولى قصد الأبعد أو الأقرب) على روايتين.
إحداهما قصد الأبعد أفضل لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته ولما روى أبو موسى قال قال النبي صلى الله عليه
وسلم " أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " رواه البخاري والثانية قصد الأقرب لأن له جواراً فكان أحق بصلاته كما أن الجار أحق بهدية جاره ومعروفه لقوله عليه السلام " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " * (مسألة) * (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه) لأن الامام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق لقوله عليه السلام " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه " وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق، إلا أن يتأخر لعذر فيصلي غيره لأن أبا بكر صلى حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أحسنتم
" * (مسألة) * (فإن لم يعلم عذره انتظر وروسل)
إلا أن يخشى خروج الوقت فيقدم غيره لئلا يفوت الوقت
* (مسألة) * (فان صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له إعادتها إلا المغرب فإنه يعيدها ويشفعها برابعة)
من صلى فريضة ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له إعادتها أي صلاة كانت إذا كان في المسجد أو دخل المسجد وهم يصلون وهذا قول الحسن والشافعي سواء كان صلاها منفرداً أو في جماعة، وسواء كان مع إمام الحي أو لا.
هذا ظاهر كلام أحمد فيما حكاه عنه الاثرم والخرقي قال القاضي وإن كان مع إمام الحي استحب له وإن كان مع غير إمام الحي استحب له اعادة ما سوى الفجر والعصر.
وقال أبو الخطاب يستحب له الاعادة مع إمام الحي.
وقال مالك إن كان صلى وحده أعاد المغرب وإلا فلا لأن الحديث الدال على الاعادة قال فيه صلينا في رحالنا.
وقال أبو حنيفة لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب لعموم أحاديث النهي ولأن التطوع لا يكون بوتر.
وعن ابن عمر والنخعي تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب.
وقال أبو موسى والثوري والاوزاعي تعاد كلها إلا المغرب لما ذكرنا وقال الحكم إلا الصبح وحدها.
ولنا حديث يزيد بن الأسود الذي ذكرناه وحديث أبي ذر وهي تدل على محل النزاع وحديث يزيد بن الأسود صريح في صلاة
الفجر والعصر في معناها ويدل أيضاً على الإعادة سواء كان مع إمام الحي أو غيره وعلى جميع الصلوات وقد روى أنس قال صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد فانتهينا الى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصلينا مع المغيرة بن شعبة.
وعن حذيفة أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب وكان قد صلاهن في جماعة رواهما الأثرم * (فصل) * فأما المغرب ففي استحباب اعادتها روايتان.
إحداهما يستحب قياساً على سائر الصلوات لما ذكرنا من عموم الاحاديث.
والثانية لا يستحب حكاها أبو الخطاب لأن التطوع لا يكون بوتر فان قلنا تستحب اعادتها شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الأسود بن يزيد والزهري والشافعي واسحق لما ذكرنا، وروي صلة 1 عن حذيفة أنه قال لما أعاد المغرب قال ذهبت أقوم في الثانية فأجلسني وهذا يحتمل أن يكون أمره بالاقتصار على ركعتين ويحتمل ان أمره بالصلاة مثل صلاة الامام ووجه الأول أن النافلة لا تشرع بوتر والزيادة أولى من النقصان
- (فصل) * فان أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد فان كان في وقت نهي لم يستحب له الدخول لما روى مجاهد قال خرجت مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد بن أسيد حتى إذا نظر إلى باب المسجد اذا الناس في الصلاة فلم يزل واقفاً حتى صلى الناس وقال اني قد صليت في البيت فان دخل وصلى فلا بأس لما ذكرنا من خبر أبي موسى وإن كان في غير وقت النهي استحب له الدخول والصلاة معهم لعموم الاحاديث الدالة على إعادة الجماعة * (فصل) * فاذا أعاد الصلاة فالاولى فرضه روى ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري وأبي حنيفة واسحق والشافعي في الجديد وعن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي التي صلى معهم المكتوبة لأنه روي في حديث يزيد بن الاسود " إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة " ولنا أن في الحديث الصحيح " تكن لكما نافلة " وقوله في حديث أبي ذر " فإنها لك نافلة "
ولأنها قد وقعت فريضة وأسقطت الفرض بدليل أنها لا تجب ثانياً واذا برئت الذمة بالاولى استحال كون الثانية فريضة.
قال ابراهيم اذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها فما صلى بعده فهو تطوع، وحديثهم لا تصريح فيه فينبغي أن يحمل معناه على ما في الاحاديث الباقية، فعلى هذا لا ينوي الثانية فرضاً بل ينويها ظهراً معادة وان نواها نفلاً صح * (فصل) * ولا تجب الاعادة رواية واحدة قاله القاضي قال وقد ذكر بعض أصحابنا فيه رواية انها تجب مع إمام الحي لظاهر الأمر، ولنا أنها نافلة.
والثانية لا تجب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " رواه أبو داود ومعناه والله أعلم واجبتان.
ويحمل الأمر على الاستحباب فعلى هذا إذا قصد الاعادة فلم يدرك الا ركعتين فقال الآمدي يجوز أن يسلم معهم وأن يتمها أربعاً لانها نافلة والمنصوص أنه يتمها أربعاً لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا " * (مسألة) * (ولا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة) معنى إعادة الجماعة انه اذا صلى إمام الحي وحضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوا جماعة وهذا قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي واسحق.
وقال مالك والثوري والليث وابو حنيفة والشافعي لا تعاد الجماعة في مسجد له
إمام راتب في غير ممر الناس ومن فاتته الجماعة صلى منفرداً لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون في الصلاة مع الإمام، ولأنه مسجد له إمام راتب فكره فيه إعادة الجماعة كالمسجد الحرام ولنا عموم عليه السلام " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروى أبو سعيد قال جاء رجل - وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال " أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه الأثرم وفيه فقال " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " وروى بإسناده عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد فلما صليا قال " وهذان جماعة " ولأنه قادر على الجماعة فاستحب له كالمسجد الذي في ممر الناس وما قاسوا عليه ممنوع * (فصل) * فأما اعادتها في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى فقد روي عن أحمد كراهته وذكره أصحابنا لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الامام الراتب فيها اذا أمكنتهم الصلاة مع الجماعة مع غيره، وظاهر خبر أبي سعيد وأبي أمامة أنه لا يكره لأن الظاهر أن ذلك كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولأن المعنى يقتضيه لأن حصول فضيلة الجماعة فيها كحصولها في غيرها والله أعلم
* (مسألة) * (واذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
متى أقيمت الصلاة المكتوبة لم يشتغل عنها بغيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " منفق عليه.
وروي ذلك عن أبي هريرة وكان عمر يضرب على صلاة بعد الاقامة وكرهه سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة والشافعي واسحق وأباح قوم ركعتي الفجر والامام يصلي، روى ذلك عن ابن مسعود وروي عن ابن عمر أنه دخل المسجد والناس في الصلاة فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم خرج إلى
المسجد فصلى وهذا قول مسروق والحسن، وقال مالك إن لم يخف أن تفوته الركعة فليركع.
وقال الأوزاعي اركعهما ما تيقنت انك تدرك الركعة الاخيرة ونحوه قول أبي حنيفة والأول أولى لما ذكرنا
* (مسألة) * (وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها خفيفة)
لقول الله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) إلا أن يخاف فوات الجماعة فيقطعها لأن الفريضة أهم من النافلة وعنه يتمها للآية التي ذكرها * (فصل) * ومن كبر قبل سلام الامام فقد أدرك الجماعة.
يعني أنه يبني عليها ولا يجدد إحراماً لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام أشبه ما لو أدرك ركعة ولأنه اذا أدرك جزءاً من صلاة الإمام فأحرم معه لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها وهو كونه مأموماً فينبغي أن يدرك فضل الجماعة
* (مسألة) * قال (ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود (1) ولأنه لم يفته من الاركان إلا القيام وهو يأتي به مع تكبيرة الاحرام ثم يدرك مع الامام بقية الركعة وانما تحصل له الركعة اذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الامام عن قدر الاجزاء منه فان أدرك الركوع ولم يدرك الظمأنينة فعلى وجهين ذكرهما ابن عقيل وعليه أن يأتي بالتكبير في حال قيامه فأما إن أتى به أو ببعضه بعد أن انتهى في الانحناء الى قدر الركوع لم يجزئه لأنه أتي بها في غير محلها ولأنه يفوته القيام وهو من أركان الصلاة إلا في النافلة لأنه لا يشترط لها القيام
* (مسألة) * (وأجزأته تكبيرة واحدة والأفضل اثنتان)
وجملة ذلك أن من أدرك الإمام في الركوع أجزائه تكبيرة واحدة وهي تكبيرة الاحرام التي ذكرناها وهي ركن لا تسقط بحال وتسقط تكبيرة الركوع ها هنا نص عليه أحمد في رواية أبي داود وصالح، روى ذلك (عن) زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن والثوري والشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وعن عمر بن عبد العزيز عليه تكبيرتان وهو قول حماد بن أبي سليمان قال شيخنا، والظاهر أنهما أرادا الاولى له تكبيرتان فيكون موافقاً لقول الجماعة فان عمر ابن عبد العزيز قد نقل عنه أنه كان ممن لا يتم التكبير ووجه القول الأول أن هذا قد روي عن زيد ابن ثابت وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعاً ولأنه اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد أحدهما ركن فسقط به الآخر كما لو طاف (في) الحج طواف الزيارة عند خروجه من مكة فانه يجزيه عن طواف الوداع وقال القاضي إن نوى بها تكبيرة الاحرام وحدها أجزاه وإن نواهما لم يجزه في الظاهر من قول أحمد لأنه شرك بين الواجب وغيره في النية أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه من الركوع فقال ربنا ولك الحمد ينويهما فإن أحمد قد نص في هذا أنه لا يجزيه وهذا القول يخالف منصوص أحمد فإنه قد قال في رواية ابنه صالح فيمن جاء والامام راكع كبر تكبيرة1
واحدة قيل له ينوي بها الافتتاح قال نوى أو لم ينو أليس قد جاء وهو يريد الصلاة ولأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح ولهذا حكمنا بدخوله في الصلاة بهذه النية ولم تؤثر نية الركوع في فسادها، ولا
يجوز ترك نص الامام لقياس نصه في موضع آخر كما لا يترك نص الله تعالى وسنة رسوله بالقياس وهذا لا يشبه ما قاس عليه القاضي فان التكبيرتين من جملة العبادة بخلاف حمد الله في العطاس فإنه ليس من جملة الصلاة فقياسه على الطوافين أولى لكونهما من أجزاء العبادة والأفضل تكبيرتان نص عليه.
قال أبو داود قلت لأحمد يكبر مرتين أحب اليك قال إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف وإن نوى تكبيرة الركوع خاصة لم يجزه لأن تكبيرة الاحرام ركن ولم يأت بها * (فصل) * فإن أدرك الإمام في ركن غير الركوع لم يكبر إلا تكبيرة الافتتاح وينحط بغير تكبير لأنه لا يعتد له به وقد فاته محل التكبير وإن أدركه في السجود أو في التشهد الأول كبر في حال قيامه مع الامام الى الثالثة لأنه مأموم له فيتابعه في التكبير من أدرك الركعة معه من أولها.
وان سلم الامام قام المأموم الى القضاء بتكبير وبه قال مالك والثوري واسحق وقال الشافعي يقوم بغير تكبير لأنه قد كبر في ابتداء الركعة ولا إمام له يتابعه.
ولنا أنه قام في الصلاة إلى ركن معتد به فيكبر كالقائم من التشهد الاول وكما لو قام مع الإمام ولا نسلم أنه كبر في ابتداء الركعة فان ما كبر فيه لم يكن من الركعة إذ ليس في أول الركعة سجود ولا تشهد وانما ابتداء الركعة قيامه فينبغي أن يكبر فيه * (فصل) * ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته فيه وإن لم يعتد له به لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود وروى الترمذي عن معاذ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام " (1) قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا اذا جاء الرجل والامام ساجد فليسجد ولا تجزيه تلك الركعة قال بعضهم لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له
* (مسألة) * (وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته وما يقضيه فهو أولها يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة)
هذا هو المشهور من المذهب، ويروى ذلك عن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري وحكي عن الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما فاتكم فاقضوا " متفق
عليه والمقضي هو الفائت فينبغي أن يكون على صفته.
فعلى هذا يستفتح له ويستعيذ ويقرأ السورة وعنه أن الذي يدرك أول صلاته والمقضي آخرها وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز واسحق وهو قول الشافعي ورواية عن مالك واختاره ابن المنذر لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا "1
فعلى هذه الرواية لا يستفتح.
وأما الاستعاذة فإن قلنا تسن في كل ركعة استعاذ وإلا فلا.
وأما السورة بعد الفاتحة فيقرأها على كل حال قال شيحنا لا أعلم خلافاً بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة وهذا مما يقوي الرواية الأولى فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية ففي موضع تشهده روايتان إحداهما يستفتح ويأتي بركعتين متواليتين ثم يتشهد فعل ذلك جندب لأن المقضي أول صلاته وهذه صفة أولها ولانهما ركعتان يقرأ فيهما السورة فكانا متواليتين كغير المسبوق.
والثانية يأتي بركعة يقرأ فيها بالحمد وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ فيها بالحمد وحدها نقلها صالح وأبو داود والاثرم فعل ذلك مسروق وبه قال عبد الله بن مسعود وهو قول سعيد بن المسيب وأيما فعل من ذلك جاز آن شاء الله لأنه يروى أن مسروقاً وجندباً ذكرا عند عبد الله بن مسعود فصوب فعل مسروق ولم ينكر فعل جندب ولا أمره باعادة الصلاة والله أعلم
* (مسألة) * (ولا تجب القراءة على المأموم)
هذا قول أكثر أهل العلم وممن كان لا يرى القراءة خلف الإمام علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والاسود وابراهيم وسعيد بن جبير.
قال ابن سيرين لا أعلم من السنة القراءة خلف الإمام وقال الشافعي وداود تجب القراءة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " متفق عليه وعن عبادة قال كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال " لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ " قلنا نعم يا رسول الله قال " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها "
رواه أبو داود، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج غير تمام " قال الراوي فقلت يا أبا هريرة إني أكون أحياناً وراء الإمام قال فغمزني في ذراعي وقال اقرأ بها في نفسك يا فارسي رواه مسلم، ولأنها ركن من أركان الصلاة فلم تسقط عن المأموم كسائر الأركان، ولأن من لزمه القيام لزمته القراءة إذا قدر عليها كالمنفرد.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " رواه الحسن ابن صالح عن ليث بن سليم فإن قيل: ليث بن سليم ضعيف قلنا قد رواه الإمام أحمد: ثنا أسود بن عامر ثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات، الاسود بن عامر روى له البخاري والحسن بن صالح أدرك أبا الزبير ولد قبل وفاته بنيف وعشرين سنة وروى من طرق خمسة سوى هذا.
وروي أيضاً عن ابن عباس وعمران ابن حصين وأبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهن الدارقطني ورواه عبد الله بن شداد
عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما، وروي عن علي عليه السلام أنه قال ليس على الفطرة من قرأ خلف الإمام، وقال ابن مسعود وددت ان من قرأ خلف الامام ملئ فوه تراباً ولأن القراءة لو وجبت على المأموم لما سقطت عن المسبوق كسائر الأركان.
وأما أحاديثهم فالحديث الاول الصحيح محمول على غير المأموم وكذلك حديث أبي هريرة وقد جاء مصرحاً به فروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا وراء الامام " رواه الخلال، وقول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك من كلامه ورأيه قد خالفه غيره من الصحابة وحديث عبادة لم يروه غير ابن إسحق ونافع بن محمود بن الربيع وهو أدنى حالا من ابن إسحق وقياسهم على المنفرد لا يصح لأن المنفرد ليس له من يتحمل عنه القراءة بخلاف المأموم
* (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في سكتات الامام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده فإن لم يسمعه لطرش فعلى وجهين)
وهو قول جماعة من أهل العلم روي نحوه عن عبد الله بن عمر وهو قول مجاهد والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم قال أبو سلمة بن عبد الرحمن للامام سكتتان
فاغتنم فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا دخل في الصلاة واذا قال ولا الضالين، وقال عروة أما أنا فأغتنم من الامام اثنتين اذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأقرأ عندها وحين يختم السورة فأقرءوا قبل أن يركع، وهذا قول الشافعي، وقالت طائفة لا يقرأ خلف الامام في سر ولا جهر يروي ذلك عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرناهم في المسألة قبلها رواه سعيد في سننه.
وقال إبراهيم النخعي انما أحدث الناس القراءة وراء الامام زمان المختار لأنه كان يصلي بهم صلاة النهار دون الليل فاتهموه فقرأوا خلفه، وكره ابراهيم القراءة خلف الإمام وقال يكفيك قراءة الامام وهذا قول ابن عيينة والثوري وأصحاب الرأي لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " ولأنه مأموم فلم يقرأ كحالة الجهر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أسررت بقراءتي فاقرأوا " رواه الدارقطني ولقول الراوي في الحديث الصحيح فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور والقياس في حالة الجهر لا يصح لأنه أمر فيها بالانصات لاستماع قراءة الامام بخلاف هذا.
إذا ثبت هذا فإنه يقرأ في حالة الجهر في سكتات الامام بالفاتحة وفي حال الاسرار يقرأ بالفاتحة وسورة كالامام والمنفرد * (فصل) * فإن لم يسمع الامام في حال الجهر لبعده قرأ نص عليه قيل له أليس قد قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال هذا الى أي شئ يستمع قيل له فالاطروش قال لا أدري قال شيخنا وهذا ينظر فيه فإن كان بعيداً قرأ أيضاً وإن كان قريباً قرأ في نفسه بحيث لا يشتغل من
الى جانبه عن الاستماع لأنه في معنى البعيد ولا يقرأ (اذا) كان يخلط على من يقرب اليه ويشغله عن الاستماع وفيه وجه آخر لا يقرأ اذا كان قريباً لئلا يخلط على الإمام ولأنه لو كان في موضعه من يسمع لم يقرأ أشبه السميع، وإن سمع همهمة الامام ولم يفهم فقال في رواية الجماعة لا يقرأ وقال في رواية عبد الله يقرأ اذا سمع الحرف بعد الحرف * (فصل) * ولا يستحب للمأموم القراءة وهو يسمع قراءة الإمام بالحمد ولا بغيرها وبه قال سعيد
ابن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري وكثير من السلف والثوري وابن عيينة وابن المبارك وأصحاب الراي وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر قال يقرأ ونحوه عن الليث وابن عون ومكحول لما ذكرنا من الاحاديث.
والمعنى على وجوب القراءة على المأموم.
ولنا قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب والزهري وابراهيم والحسن أنها نزلت في شأن الصلاة، قال أحمد في رواية أبي داود أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، وروى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا " رواه سعيد بن منصور، وروى أبو موسى قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا " رواه مسلم، وروى أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مالي أنازع القرآن " فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
رواه مالك بمعناه وقال الترمذي حديث حسن ولأنه إجماع، قال أحمد ما سمعت احدا من أهل الاسلام يقول أن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزي صلاة من خلفه اذا لم يقرأ، وقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وهذا مالك في أهل الحجاز وهذا الثوري في أهل العراق وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وأما الأحاديث فقد أجبنا عنها فيما مضى ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق فلا تجب على غيره كقراءة السورة * (فصل) * قال أبو داود قيل لأحمد اذا قرأ المأموم بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الامام قال يقطع اذا سمع قراءة الامام وينصت للقراءة وذلك لما ذكرنا من الآية والأخبار * (مسألة) * (وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الامام؟ على روايتين) أما في حال قراءة إمامه فلا يستفتح ولا يستعيذ لأنه اذا سقطت القراءة عنه كيلا يشتغل عن استماع قراءة الامام فالاستفتاح أولى ولأن قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يتناول كل ما يشتغل عن الانصات من الاستفتاح وغيره ولأن الاستعاذة انما شرعت من أجل القراءة فاذا سقطت القراءة سقط التبع، وإن سكت الامام قدراً يتسع لذلك ففيه روايتان إحداهما يستفتح ولا يستعيذ
اختاره القاضي لأنه أمكن للاستفتاح من غير اشتغال عن الانصات وفيه رواية أنه يستفتح ويستعيذ
لما ذكرنا.
والثانية لا يستفتح لأنه يشغله عن القراءة وهي أهم منه، وأما المأموم في صلاة الاسرار فانه يستفتح ويستعيذ نص عليه أحمد فقال إذا كان ممن يقرأ خلف الامام تعوذ قال الله تعالى (فإذا قرأت فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * (مسألة) * (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي) وجملة ذلك أنه لا يجوز أن يسبق إمامه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام " رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار " متفق عليه.
فإن فعل ذلك عامداً أثم وتبطل صلاته في ظاهر كلام أحمد فإنه قال ليس لمن سبق الامام صلاة لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب.
وذلك لما ذكرنا من الحديثين، وروي عن ابن مسعود أنه نظر إلى من سبق الامام فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت.
ولأنه لم يأتم بإمامه في الركن أشبه ما إذا سبقه بتكبيرة الاحرام، وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته لأنه سبق يسير، ولقوله عليه السلام " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " وقال ابن حامد في ذلك وجهان وقال عندي أنه يصح لأنه اجتمع معه في الركن أشبه ما لو ركع معه ابتداء صح وهذا اختيار ابن عقيل وعليه أن يرفع ليأتي به بعده ليكون مؤتماً بإمامه فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا لأنه ترك الواجب عمدا.
وقال القاضي لا تبطل لأنه سبق يسير
* (مسألة) * (فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً فهل تبطل صلاته؟ على وجهين)
وكذلك ذكره أبو الخطاب أحدهما تبطل للنهي.
والثاني لا تبطل لأنه سبقه بركن واحد فهي كالتي قبلها.
قال ابن عقيل اختلف أصحابنا فقال بعضهم تبطل الصلاة بالسبق بأي ركن من الاركان ركوعاً كان أو سجوداً أو قياما أو قعودا، وقال بعضهم السبق المبطل مختص بالركوع لأنه الذي يحصل به
ادراك الركعة وتفوت بفواته فجاز أن يختص بطلان الصلاة بالسبق به، وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " وهل تبطل الركعة، فيه روايتان: إحداهما تبطل لأنه لا يقتدي بإمامه في الركوع أشبه ما لو لم يدركه والأخرى لا تبطل للخبر.
فأما إن ركع قبل ركوع إمامه فلما ركع الامام سجد قبل رفعه بطلت صلاته إن كان عمداً لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة وإن فعله جاهلاً أو ناسياً لم تبطل للحديث ولم يعتد بتلك الركعة لعدم اقتدائه بإمامه فيها * (فصل) * فإن سبق الامام المأموم بركن كامل مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة الامام فانه يفعل ما سبق به ويدرك إمامه ولا شئ عليه نص عليه
أحمد في رواية المروذي.
قال شيخنا وهذا لا أعلم فيه خلافاً.
وحكي في المستوعب رواية أنه لا يعتد بتلك الركعة وان سبقه بركعة كاملة أو أكثر فانه يتبع إمامه ويقضي ما سبقه به كالمسبوق.
قال أحمد في رجل نعس خلف الامام حتى صلى ركعتين قال كأنه أدرك ركعتين، فاذا سلم الامام صلى ركعتين وعنه يعيد الصلاة، وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة ثم زال عذره فالمنصوص عن أحمد أنه يتبع إمامه ولا يعتد بتلك الركعة.
وظاهر هذا أنه إن سبقه بركنين بطلت تلك الركعة وإن سبق بأقل من ذلك فعله وأدرك إمامه، وقد قال بعض أصحابنا فيمن زحم عن السجود يوم الجمعة ينتظر زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الامام ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الامام.
فعلى هذا يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن وهو قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله بأصحابه حين صلى بهم بعسفان صلاة الخوف فأقامهم خلفه صفين فسجد معه الصف الاول والصف الثاني قيام حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثانية فسجد معه الصف الثاني ثم تبعه وجاز ذلك للعذر فهذا مثله.
وقال مالك إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم سجد معهم واعتد بها، وإن علم أنه لا يقدر على الركوع وأدركهم في السجود حتى يستووا قياماً أتبعهم فيما بقي من صلاتهم ثم يقضي ركعة ثم يسجد للسهو.
وهذا قول الأوزاعي إلا أنه لم يجعل عليه سجود سهو.
قال شيخنا والأولى في هذا والله أعلم
أنه ما كان على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف فان غير المنصوص عليه يرد الى الأقرب من المنصوص عليه وان فعل ذلك لغير عذر بطلت صلاته لأنه ترك الائتمام بإمامه عمداً والله أعلم (فصل) فإن سبق المأموم الامام بالقراءة لم تبطل صلاته رواية واحدة
* (مسألة) * (ويستحب للامام تخفيف الصلاة مع إتمامها)
لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام، وروي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة " متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ " أفتان أنت؟ ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى.
فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة " رواه البخاري وهذا لفظه، ورواه مسلم * (مسألة) * (ويستحب تطويل الركعة الاولى أطول من الثانية) .
يستحب تطويل الركعة الاولى من كل صلاة ليلحقه القاصد للصلاة.
وقال الشافعي تكون الاوليان سواء.
وقال أبو حنيفة يطول الاولى من صلاة الصبح خاصة ووافق قول الشافعي في غيرها وذلك لحديث أبي سعيد حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الاوليين من الظهر قدر ثلثين آية، ولأن الآخرتين متساويتان فكذلك الأوليان ولنا ما روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة
الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحياناً وكان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويطول في الأولى ويقصر في الثانية وكان يطول في الأولى من صلاة الصبح متفق عليه وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الاولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم.
فأما حديث أبي سعيد فرواه ابن ماجة وفيه وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك وهو أولى لموافقته للأحاديث الصحيحة ثم لو قدر التعارض وجب تقديم حديث أبي
قتادة لصحته ولتضمنه الزيادة وهو التفريق بين الركعتين.
وروى أبو سعيد أن الصلاة كانت تقام ثم يخرج أحدنا يقضي حاجته ويتوضأ ثم يدرك الركعة الاولى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد في الامام يطول في الثانية يعني أكثر من الأولى يقال له في هذا يعلم
* (مسألة) * (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين) .
متى أحس بداخل في حال القيام أو الركوع يريد الصلاة معه وكانت الجماعة كثيرة في انتظاره لأنه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليهم وكذلك إن كانت الجماعة يسيرة والانتظار يشق عليهم لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل فلا يشق عليهم لنفعه وإن لم يكن كذلك استحب انتظاره وهذا مذهب ابي مخلد والشعبي والنخعي واسحاق.
وقال الاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي لا ينتظره وهو رواية أخرى لأن انتظاره تشريك في العبادة فلا يشرع كالرياء ولنا أنه انتظار ينفع ولا يشق فشرع كتطويل الركعة الاولى وتخفيف الصلاة.
وقد قال عليه السلام " من أم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة " وقد شرع الانتظار في صلاة الخوف لتدرك الطائفة الثانية وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر الجماعة فقال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم بطؤا أخر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره وقال " إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله " وبهذا كله يبطل ما ذكروه وقال القاضي الانتظار جائز غير مستحب فإنما ينتظر من كان ذا حرمة كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل * (مسألة) * (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها وبيتها خير لها) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تمنعوا ماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات " يعني غير متطيبات.
رواه أبو داود ويخرجن غير متطيبات لهذا الحديث ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال لقول عائشة كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس متفق عليه وصلاتهن في بيوتهن أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها " رواه أبو داود
(فصل في الامامة) (السنة أن يؤم القيامة اقرؤهم) يعني ان القارئ مقدم على الفقيه وغيره ولا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه واختلف في أيهما يقدم فذهب أحمد رحمه الله إلى تقديم القارئ وهو قول ابن سيرين والثوري وابن المنذر واسحق وأصحاب الرأي.
وقال عطاء ومالك والاوزاعي والشافعي يقدم الافقه اذا كان يقرأ ما يكفي في الصلاة لأنه قد ينوبه في الصلاه مالا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه فيكون اولى كالامامة الكبرى والحكم ولنا ما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً - أو قال - سلماً " وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم " رواهما مسلم ولما قدم المهاجرون الأولون كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وفيهم عمر بن الخطاب وفي حديث عمرو بن سلمة قال " ليؤمكم أكثركم قرآناً " فإن قيل إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ لأن الصحابة كان أقرأهم أفقههم وأنهم كانوا اذا قرأوا القرآن تعلموا معه أحكامه قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها قلنا اللفظ عام فيجب الأخذ بعمومه على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل وهو قوله
وان استووا فأعلمهم بالسنة ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة ولو كان كما قالوا للزم من التساوي في القراءة التساوي في الفقه وقد نقلهم مع التساوي في القراءة الى الأعلم بالسنة وقال صلى الله عليه وسلم " أقرؤكم أبي وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " ففضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة قيل لأبي عبد الله حديث النبي صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر يصلي بالناس أهو خلاف أبي مسعود؟ قال لا إنما قوله لأبي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة يعني أن الخليفة أحق بالامامة (فصل) ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن لحديث عمر بن سلمة، وان تساويا في قدر ما يحفظ كل واحد منهما وكان أحدهما أجود قراءة واعراباً فهو أولى لأنه اقرأ وإن كان
أحدهما أكثر حفظاً والآخر أقل لحناً وأجود قراءة قدم لأنه أعظم أجراً في قراءته لقوله عليه السلام " من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأ ولحن فيه فله بكل حرف حسنة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما اعراب القرآن أحب إلي من حفظ بعض حروفه.
وان اجتمع قارئ لا يعرف أحكام الصلاة فكذلك للخبر وقال ابن عقيل يقدم الأفقه لأنه يمتاز بما لا يستغني عنه في الصلاة
* (مسألة) * ثم أفقههم ثم أسنهم ثم أقدمهم هجرة ثم أشرفهم ثم أتقاهم ثم من تقع له القرعة متى استووا في القراءة
وكان أحدهما أفقه قدم لما ذكرنا من الحديث ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة للإتيان بواجباتها وأركانها وشرطوها وسننها وجبرها إن احتاج إليه فإن اجتمع فقيهان قارئان أحدهما أقرأ والآخر أفقه قدم الأقرأ للحديث نص عليه وقال ابن عقيل يقدم الافقه لتميزه بما لا يستغني عنه في الصلاة وهذا يخالف الحديث المذكور فلا يعول عليه فإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة والآخر أعلم بما سواها قدم الأعلم بأحكام الصلاة لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة بخلاف الآخر (فصل) فإن استووا في القراءة والفقه فقال شيخنا ها هنا يقدم أسنهم يعني أكبرهم سناً وهو اختيار الخرقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " متفق عليه ولأن الأسن أحق بالتوقير والتقديم وظاهر كلام أحمد أنه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما لحديث أبي مسعود فإنه مرتب هكذا قال الخطابي وعلى هذا الترتيب أكثر أقاويل العلماء ومعنى تقديم الهجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام وإنما يقدم بها لأنها قربة وطاعة فإن عدم ذلك إما لاستوائهما فيها أو عدمها قدم أسنهما لما ذكرنا وقال ابن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أسنهم والصحيح ما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم من تقديم السابق بالهجرة ثم الاسن ويرجح بتقديم الاسلام كتقديم الهجرة
لأن في بعض ألفاظ حديث أبي مسعود " فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما " ولأن الإسلام أقدم من الهجرة فإذا قدم بالهجرة فأولى أن يتقدم بالإسلام فإذا استووا في جميع ذلك قدم أشرفهم والشرف يكون بعلو النسب وبكونه أفضل في نفسه وأعلاهم قدراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " قدموا قريشاً ولا تقدموها " فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الاجابة وقد جاء " إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال " ذكره الإمام أحمد في رسالته ويحتمل تقديم الأتقى على الأشرف لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا وقد قال الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فإن استووا في هذا كله أقرع بينهم نص عليه لأن سعداً أقرع بين الناس في الأذان يوم القادسية فالإمامة أولى ولأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق وإن كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به وكذلك إن رضي الجيران أحدهما دون الآخر قدم به ولا يقدم بحسن الوجه لأنه لا مدخل له في الإمامة ولا أثر له فيها وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب بغير خلاف علمناه
* (مسألة) * وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان)
متى أقيمت الجماعة في بيت فصاحبه أولى بالإمامة من غيره إذا كان ممن تصح إمامته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه " رواه مسلم وعن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم " رواه أبو داود وهذا قول عطاء والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً فان كان في البيت ذو سلطان قدم على صاحب البيت لأن ولايته على البيت وصاحبه وقدم النبي صلى الله عليه وسلم عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما اختاره الخرقي وقال ابن حامد صاحب البيت أحق بالإمامة لعموم الحديث والاول أصح وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره لأنه في معنى صاحب البيت إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان ففيه وجهان وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً له وعندها مسجد يصلي فيه مولى له فصلى ابن عمر معهم فسألوه أن يؤمهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق (فصل) واذا قدم المستحق من هؤلاء لرجل في الإمامة جاز وصار بمنزلة من أذن له في استحقاق التقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه ولأنه حق له فجاز نقله إلى من شاء قال أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه " أرجو أن يكون الإذن في الكل (فصل) وإذا دخل السلطان بلداً له فيه خليفة فهو أحق من خليفته لأن ولايته على خليفته وغيره وكذلك لو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى لأنه يملك البيت والعبد على الحقيقة وولايته
على العبد فإن لم يكن سيده معهم فالعبد أولى لما ذكرنا من الحديث وقد روي أنه اجتمع ابن مسعود وحذيفة وبو ذر في بيت أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد فتقدم أبو ذر ليصلي بهم فقالوا له وراءك فالتفت إلى أصحابه فقال أكذلك فقالوا نعم فتأخر وقدموا أبا سعيد فصلى رواه صالح بن أحمد باسناده وان اجتمع المؤجر والمستأجر فالمستأجر أولى ولأنه أحق بالسكنى والمنفعة * (مسألة) * والحر أولى من العبد والحاضر أولى من المسافر والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين) إمامة العبد صحيحة لما روي عن عائشة أن غلاماً لها كان يؤمها وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الحسن والنخعي والشعبي والحكم والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز وقال مالك لا يؤمهم إلا أن يكون قارئا وهم أميون ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى " ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعا ولأنه من أهل الآذان للرجال يأتي بالصلاة على الكمال فجاز له امامتهم كالحر إذا ثبت ذلك فالحر أولى منه لأنه أكمل منه وأشرف ويصلي الجمعة والعيد إماماً بخلاف العبد ولأن في تقديم الحر خروجاً من الخلاف والمقيم أولى من المسافر لأنه إذا كان إماماً حصلت له الصلاة كلها جماعة فان أمه المسافر أتم الصلاة منفرداً وقال القاضي إن كان فيهم إماماً فهو أحق بالإمامة وان كان مسافراً لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بهم عام الفتح ويقول لأهل البلد " صلوا أربعاً فإنا سفر " رواه أبو داود وإن تقدم المسافر جاز ويتم المقيم الصلاة بعد سلام إمامه
كالمسبوق وان أنم المسافر الصلاة جازت صلاتهم وحكي عنه رواية في صلاة المقيم أنها لا تجوز لأن الزيادة نفل أم بها مفترضين والصحيح الأول لأن المسافر اذا نوى الاتمام لزمه فيصير الجميع فرضاً (فصل) وإمامة الأعمى جائزة لا نعلم فيها خلافاً إلا ما حكى عن أنس أنه قال ما حاجتهم اليه وعن ابن عباس أنه قال كيف أؤمهم وهم يعدلونني الى القبلة والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤمهم وهو أعمى وعتبان بن مالك وقتادة وجابر وقال أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم أم الناس وهو أعمى 1 رواه أبو داود ولأن الأعمى فقد حاسة لا تخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه فقد الشم والبصير أولى منه اختاره أبو الخطاب ولأنه يستقبل القبلة بعلمه ويتوقى النجاسات ببصره ولأن في إمامته اختلافاً وقال القاضي هما سواء لأن الأعمى أخشع لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيكون ذلك مقابلاً لما ذكرتم فتساويا قال الشيخ والأول أولى لأن البصير لو أغمض عينيه كره ذلك ولو كان فضيلة لكان مستحباً لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى ولأن البصير اذا أغمض بصره مع إمكان النظر كان له الأجر فيه لأنه يترك المكروه مع إمكانه إختياراً والأعمى يتركه اضطرار افكان أدنى حالاً وأقل فضلاً * (مسألة) * (وهل تصح إمامة الفاسق والاقلف؟ على روايتين) والفاسق ينقسم على قسمين فاسق من جهة الاعتقاد وفاسق من جهة الأفعال فأما الفاسق من جهة الاعتقاد " 1 " لفظه في المنتفى ان النبي " ص " استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى.
رواه أحمد وأبو داود
فمتى كان يعلن بدعته ويتكلم بها ويدعو اليها ويناظر لم تصح إمامته وعلى من صلى وراءه الاعادة قال أحمد لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء اذا كان داعية الى هواه وقال لا تصلى خلف المرجئ اذا كان داعية وقال القاضي وكذلك إن كان مجتهداً يعتقدها بالدليل كالمعتزلة والقدرية وغيرة الرافضة لأنهم يكفرون ببدعتهم، وإن لم يكن يظهر بدعته ففي وجوب الاعادة خلفه روايتان إحداهما تجب الاعادة كالمعلن
بدعته ولأن الكافر لا تصح الصلاة خلفه سواء أظهر كفره أو أخفاه كذلك المبتدع قال أحمد في رواية أبي الحارث لا تصلي خلف مرجي ولا رافضي ولا فاسق الا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد وقال أبو داود متى صليت خلف من يقول لقرآن مخلوق فأعد وعن مالك لا نصلي خلف أهل البدع والثانية تصح الصلاة خلفه قال الأثرم قلت لأبي عبد الله الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ قال نعم آمره أن يعيد قيل له وهكذا أهل البدع قال لا لأن منهم من يسكت ومنهم من يتكلم وقال لا نصلي خلف المرجئ اذا كان داعية فدل على أنه لا يعيد إذا لم يكن كذلك وقال الحسن والشافعي الصلاة خلف أهل البدع جائزة بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا خلف من قال لا إله إلا الله " ولأنه رجل صلاته صحيحة فصح الائتمام به كغيره وقال نافع كان ابن عمر يصلي خلف الحسنية (1) والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون فقيل له أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضاً؟ فقال من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال حي على الفلاح أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا رواه سعيد.
ووجه القول الأول ما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره يقول " لا تؤمن امرأة رجلاً ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطانه أو يخاف سوطه أو سيفه " رواه ابن ماجه وهذا أخص من حديثهم فيتعين تقديمه وحديثهم نقول به في الجمع والأعياد ونعيد وقياسهم منقوض بالأمي ويروى عن حبيب بن عمر الانصاري عن أبيه قال سألت واثلة بن الاسقع قلت أصلي خلف القدري؟ قال لا تصل خلفه ثم قال أما أنا لو صليت خلفه لأعدت صلاتي رواه الاثرم
(فصل) وأما الفاسق من جهة الاعمال كالزاني والذي يشرب ما يسكره فروي عنه أنه لا يصلى خلفه فإنه قال لا تصل خلف فاجر ولا فاسق وقال أبو داود سمعت أحمد يسئل عن إمام قال أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهماً، قال اسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟ وروي لا يصلى خلف من لا يؤدي الزكاة ولا يصلى خلف من يشارط ولا بأس أن يدفع إليه من غير شرط وهذا اختيار ابن عقيل وعنه أن الصلاة خلفه جائزة وهو مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وكان ابن عمر يصلي مع الحجاج، والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما وصلوا وراء الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر فصار هذا اجماعا وعن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت فما تأمرني قال " صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة " رواه مسلم وهذا فعل يقتضي فسقهم ولأنه رجل تصح صلاته لنفسه فصح الائتمام به كالعدل ووجه الأولى ما ذكرنا من الحديث ولأن الإمامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة وليس ثم إمارة ولا عليه ظن يؤمننا ذلك والحديث أجبنا عنه وفعل الصحابة محمول على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة معهم وروينا عن قسامة بن زهير أنه قال لما كان من شأن فلان ما كان قال له أبو بكر تنح عن مصلانا فإنا لا نصلي خلفك وحديث أبي ذر يدل على صحتها نافلة والنزاع إنما هو في الفرض (فصل) وأما الجمع والاعياد فتصلى خلف كل بر وفاجر وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة وكذلك
من كان من العلماء في عصره وقد روي أن رجلاً جاء محمد بن النضر فقال له أن لي جيراناً من أهل الأهواء لا يشهدون الجمعة قال حسبك، ما تقول فيمن رد على ابي بكر وعمر؟ قال ذلك رجل سوء قال فإن رد على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال يكفر.
قال فإن رد على العلي الأعلى؟ ثم غشي عليه ثم أفاق فقال ردوا عليه والذي لا إله إلا هو فإنه قال (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهو يعلم أن بني العباس سيلونها ولأن هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة ويليها الأئمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي الى تركها بالكلية.
إذا ثبت ذلك فإنها تعاد خلف من يعاد خلفه غيرها قياساً عليها هذا ظاهر المذهب وعنه أنه قال من أعادها فهو مبتدع وهذا بدل على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع لأنها صلاة مأمور بها فلم تجب إعادتها كسائر الصلوات (فصل) فإن كان المباشر عدلا والذي ولاه غير مرضي الحال لبدعته أو لفسقه لم يعدها في المنصوص عنه لأن صلاته إنما ترتبط بصلاة إمامه ولا يضر وجود معنى في غيره كالحدث وذكر القاضي
في وجوب الاعادة روايتين والصحيح الأول * (فصل) * فإن لم يعلم فسق امامه بدعته فقال ابن عقيل لا إعادة عليه لأن ذلك مما يخفى فأشبه الحدث والنجس.
قال شيخنا والصحيح إن هذا ينظر فيه، فإن كان ممن يخفي بدعته وفسوقه
صحت صلاته لأن من يصلي خلفه معذور، وإن كان ممن يظهر ذلك وجبت الإعادة على الرواية التي تقول بوجوب إعادتها خلف المبتدع لأنه معنى يمنع الائتمام فاستوى فيه العلم وعدمه كما لو كان أمياً، والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الامام والمأموم معاً والفاسق لا يخفي عليه فسق نفسه فأما إن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به فصلاته صحيحة نص عليه لأن الأصل في المسلمين السلامة * (فصل) * فأما المخالفون في الفروع كالمذاهب الأربع فالصلاة خلفهم جائزة صحيحة غير مكروهة نص عليه لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يصلي خلف بعض مع اختلافهم في الفروع فكان ذلك إجماعاً، وإن علم أنه يترك ركناً يعتقده المأموم دون الإمام فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به.
قال الأثرم سمعت أحمد يسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب.
فقال إن كان يلبسه وهو يتأول قوله عليه السلام " أيما إهاب دبغ فقد طهر " فصل خلفه فقيل له أتراه أنت جائزاً؟ قال لا.
ولكنه اذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه، ثم قال أبو عبد الله لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك إي بلى ولأن كل مجتهد مصيب أو كالمصيب في حط المآثم عنه وحصول الثواب له ولأن صلاته تصح
لنفسه فجازت الصلاة خلفه، كما لو لم يترك شيئاً.
وقال ابن عقيل في الفصول لا تصح الصلاة خلفه وذكر القاضي فيه روايتين إحداهما لا تصح لأنه يفعل ما يعتقده المأموم مفسداً للصلاة فلم يصح ائتمامه به كما لو خالفه في القبلة حالة الاجتهاد ولأن أكثر ما فيه أنه ترك ركناً لا يأثم بتركه فبطلت الصلاة خلفه كما لو تركه ناسياً، والثانية تصح لما ذكرنا * (فصل) * فإن فعل شيئاً من المختلف فيه يعتقد تحريمه، فان كان يترك ما يعتقد شرطاً للصلاة
أو واجباً فيها فصلاته وصلاة من يأتم به فاسده.
وإن كان المأموم يخالف في اعتقاد ذلك لأنه ترك واجبا في الصلاة فبطلت صلاته وصلاة من خلفه كالمجمع عليه وإن كان لا يتعلق ذلك بالصلاة كشرب يسير النبيذ والنكاح بغير ولي ممن يعتقد تحريمه، فهذا إن دام على ذلك فهو فاسق، حكمه حكم سائر الفساق.
وإن لم يدم عليه لم يؤثر لأنه من الصغائر، فان كان الفاعل لذلك عامياً قلد من يعتقد جوازه فلا شئ عليه فيه لأن فرض العامي سؤال العالم وتقليده قال الله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإن اعتقد حله وفعله صحت الصلاة خلفه في الصحيح من المذهب.
وذكر ابن أبي موسى في صحة الصلاة خلفه روايتين
- (فصل) * واذا أقيمت الصلاة والانسان في المسجد والامام لا يصلح للامامة فان شاء صلى خلفه وأعاد وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعال الصلاة صحت صلاته لأنه أتى بالصلاة على الكمال أشبه ما لو لم يقصد موافقة الامام.
وروى عن أحمد أنه يعيد، رواها عنه الأثرم.
والصحيح الأول لما ذكرنا، وكذلك لو كان الذين لا يرضون الصلاة خلفه جماعة فأمهم أحدهم ووافقوا الامام في الأفعال كان ذلك جائزاً
- (فصل) * وأما الاقلف ففيه روايتان.
إحدهما لا تصح إمامته لأن النجاسة في ذلك المحل لا يعفى عنها عندنا، والثانية تصح لأنه إن أمكنه كشف القلفة وغسل النجاسة غسلها، وان كان مرتقاً لا يقدر على كشفها عفي عن إزالتها لعدم الإمكان وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة والله أعلم * (مسألة) * (وفي إمامة أقطع اليدين وجهان) . روي عن أحمد أنه قال لم أسمع فيها شيئاً، وذكر الآمدي فيه روايتين.
إحداهما تكره وتصح
اختارها القاضي لأنه عجز لا يخل بركن في الصلاة فلم يمنع صحة الامامة كقطع إحدى الرجلين والأنف، والثانية لا تصح اختارها أبو بكر لأنه يخل بالسجود على بعض أعضاء السجود أشبه العاجز عن السجود على جبهته، وحكم قطع اليد الواحدة كقطعهما.
فأما أقطع الرجلين فلا تصح إمامته لأنه عاجز عن القيام أشبه الزمن، فان قطعت
إحداهما وأمكنه القيام صحت إمامته، ويتخرج أن لا تصح على قول أبي بكر لإخلاله بالسجود على عضو والأول أصح لأنه يسجد على الباقي من رجله أو حاملها
* (مسألة) * (لا تصح الصلاة خلف كافر بحال)
ولا تصح الصلاة خلف كافر ولا أخرس سواء علم بكفره قبل فراغه من الصلاة أو بعد ذلك، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي كمحدث وهو لا يعلم
ولنا أنه إئتم بمن ليس من أهل الصلاة أشبه ما لو ائتم بمجنون.
والمحدث يشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه * (فصل) * إذا صلى خلف من يشك في إسلامه فصلاته صحيحة ما لم يبن كفره، ولأن الظاهر من المصلين الإسلام ولا سيما إذا كان إماماً، فإن كان ممن يسلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم عن أي دين هو، فان صلى خلفه ولم يعلم ما هو عليه نظرنا، فإن كان قد علم إسلامه قبل الصلاة ثم.
شك في ردته فهو مسلم، وإن علم ردته وشك في إسلامه لم تصح الصلاة خلفه، وان كان
علم إسلامه فصلى خلفه فقال بعد الصلاة أسلمت أو ارتددت قبل الصلاة لم تبطل الصلاة لأنها كانت محكوما بصحتها فلم يقبل قوله في إبطالها لأنه ممن لا يقبل قوله * (فصل) * قال أصحابنا يحكم بإسلامه سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام وسواء صلى في جماعة أو منفرداً، فان رجع عن الإسلام بعد ذلك فهو مرتد، وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكفار.
وقال أبو حنيفة: إن صلى في المسجد حكم بإسلامه وإن
صلى في غير المسجد فرادى لم يحكم باسلامه، وقال بعض الشافعية لا يحكم باسلامه بحال لأن الصلاة من فروع الاسلام فلا يصير بفعلها مسلماً كالحج والصوم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها " وقال بعضهم إن صلى في دار الإسلام فليس بمسلم لأنه يقصد الاستتار بالصلاة واخفاء دينه، وإن صلى في دار الحرب فهو مسلم لعدم التهمة في حقه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين " وقال " بيننا وبينهم الصلاة " فجعل الصلاة حداً بين الإسلام والكفر، فمن صلى فقد دخل في حد الإسلام.
وقال " المملوك إذا صلى