الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 240-279
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان (أحدهما) لا يحنث ولنا أنه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث كالثياب وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه النجاشي خفين فلبسهما.
وقيل لأبن عمر: إنك تلبس هذه النعال فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسهما.
فإن ترك القلنسوة في رجله أو أدخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لأن ذلك ليس بلبسه لهما

* (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين) إذا حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة حنث فإن لبس خاتماً من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وقال تعالى [يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال الله تعالى للبحر الشرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا كانت سواراً أو خلخالاً فكانت حلياً إذا كانت خاتماً كالذهب والجوهر، واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حلياً وحده كالذهب وإن لبس عقيقاً أو سبجاً لم يحنث

وقال الشافعي إن كان من أهل السواد حنث وفي غيرهم وجهان لأن هذا حلي في عرفهم (ولنا) أن هذا ليس بحلي فلا يحنث به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه ويبطل بالودع، وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين (أحدهما) لا يحنث لأنه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه [والثاني] يحنث لأنه ذهب وفضة لبسه فكان حلياً كالسوار والخاتم وإن لبس سيفاً محلى لم يحنث لأن السيف ليس بحلي، وإن لبس منطقة محلاة ففيه وجهان [أحدهما] لا يحنث لأن الحلية لها دونه فأشبهت السيف المحلى [والثاني] يحنث لأنها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها، وإن حلف لا يلبس خاتماً فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث وقال الشافعي لا يحنث لأن اليمين تقتضي لبساً معتاداً وليس هذا معتاداً فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله ولنا انه لابس لما حلف على ترك لبسه فأشبه ما لو اتزر بالسراويل.
وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فإنه لا فرق بين الخنصر وغيرها إلا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر

  • (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث وإن ركب دابة استعارها لم يحنث) إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار مملوكة له أو دارا يسكنها بأجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث إلا بدخول دار يملكها لأن الإضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقراً له بملكها ولو قال أنه يسكنها لم يقبل ولنا أن الدار تضاف إلى ساكنها كإضافتها إلى مالكها قال الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وأراد بيوت أزواجهن اللائي يسكنها وقال تعالى (وقرن في بيوتكن) ولأن الإضافة للاختصاص ولذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالإخوة وإلى أمه بالبنوة وإلى والده بالأبوة وإلى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب أن يحنث بدخولها كالمملوكة له، وقولهم هذه الإضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجازاً لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فإنه يحنث بالشرب من مزادته.
    أما الإقرار فإنه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل أن لا يقبل تفسيره، وإن سلمنا

فإن قرينة الإقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله الدار التي يسكنها، ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقراً له به ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسئلتنا [فصل] وإن ركب دابة عبده أو لبس ثوبة أو دخل داره حنث لأن ما في يد العبد لسيده فهو كالذي في يده، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان دار العبد ملك للسيد فإن حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأن العبد بهما أخص ولنا أنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار

* (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استعارها لم يحنث وإن ركب دابة استأجرها حنث)

لأنه ملك منافعها بخلاف المستعير وهكذا ذكره أبو الخطاب ولو ركب دابة غصبها فلان لم يحنث، وفارق مسألة الدار فإنه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وإنما حنث لسكناه فيها فأضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير أن يسكنها لم تصح إضافتها إليه فلا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها * (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث)

وكذلك إن حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يلبس ثوبه وعند الشافعي لا يحنث لأنه لا يملك شيئاً من ذلك والإضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه فيما مضى ويخص هذا الفصل بأن الملكية لا تمكن ههنا فلا تصح الإضافة بمعناها فتعين حمل الإضافة ههنا على إضافة الاختصاص دون الملك

* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين)

إذا حلف لا يدخل داراً فرقى سطحها حنث، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولأصحابه فيما إذا كان السطح محجراً وجهان واحتجوا بأن السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها، ولنا أن سطح الدار منها وحكمه حكمها فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه، ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف أن لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث، ولأنه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج منها من ملك صاحبها ببيعها، والبائت عليه يقال بات في داره وبهذا يفارق ما وراء حائطها، فان كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الارادة بداخل الدار مثل أن يكون بسطح الدار طريق وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك

أن نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لانه ليس المرء الا ما نواه، وإن دخل طلق الباب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لأنه دخل في حدها (والثاني) لا يحنث لأنه لا يسمى داخلاً وقال القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لأن الباب إذا أغلق حصل خارجاً منها ولا يسمى داخلا فيها (فصل) فإن تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث لأنه لم يدخلها فإن صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث وإن لم ينزل بين حيطانها احتمل أن لا يحنث لأنه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها فأشبه ما لو قام على سطحها واحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى داخلا ولا هو على شئ من أجزائها وكذلك لو كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها وان قام على حائط احتمل وجهين (أحدهما) يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأنه داخل في حدها فأشبه القائم على سطحها (والثاني) لا يحنث لأنه لا يسمى دخولا (فصل) وان حلف لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلا حنث كما لو حلف لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور أن دخلها راكباً لم يحنث لأنه لم يضع قدمه فيها ولنا أنه قد دخل الدار فيحنث كما لو دخلها ماشياً ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فإن قدمه

موضوعة على الدابة فيها فأشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى أن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل عليه يمينه، فإن قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه قلنا المجاز اذا اشتهر صار من الأسماء العرفية فينصرف اللفظ باطلاقه اليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان - لأنه فعل المحلوف عليه - فإن زجره فقال تنح أو اسكت حنث) لأنه كلمة وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لأن هذا تمام الكلام الأول والذي يقتضيه يمينه إن لا يكلمه كلاماً مستأنفاً ولنا أن هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولأن ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكبير، وقولهم أن اليمين تقتضي خطاباً مستأنفاً قلنا هذا خطاب مستأنف وهو غير الأول بدليل أنه لو قطعه حنث به قال شيخنا وقياس المذهب أن لا يحنث لأن قرينة صلته هذا الكلام بيمينه تدل على إرادة كلام يستانفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلم يحنث كما لو وجدت النية حقيقة ولو نوى كلاماً غير هذا لم يحنث بهذا في المذهبين (فصل) فإن صلى بالمحلوف عليه إماماً ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين

ولنا أنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامة واجبة في السلام وإن أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لأن ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين

* (مسألة) * (وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث)

لأن كل واحد منهما مبتدئ إذ لم يتقدم كلامه كلام سواه (فصل) وإن كاتبه أو ارسل إليه رسولا حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه وهذا قول الاصحاب ومذهب مالك والشافعي في القديم وقد روى الأثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف أن لا يكلم رجلاً فكتب إليه كتاباً فقال وأي شئ كان سبب ذلك؟ إنما ننظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ إن الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على انه لا يحنث بالكتاب إلا أن تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته فإن لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لأن ذلك ليس بتكليم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته إنما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله - وقال - يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه، وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس

وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) فاستثنى الرسول من التكلم والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ولأنه موضوع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح أن هذا ليس بتكليم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الأخرى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) والرمز ليس بتكليم لكن أن نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث ولذلك قال احمد الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاماً إنما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وإن أطلق احتمل أن لا يحنث لأنه لم يكلمه واحتمل أن يحنث لأن الغالب من الحالف بهذه اليمين قصد المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب (فصل) وإن اشار إليه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث قاله القاضي لأنه ليس بكلامه قال الله تعالى لمريم عليها السلام (فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا - إلى قوله - فأشارت إليه) وقال في زكريا (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا - إلى قوله - فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) ولأن الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الإشارة ولان

الكلام شئ مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " والإشارة خلاف هذا، فإن قيل فقد قال الله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا ولصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه.
(فصل) فإن ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فإنه سئل عن رجل حلف أن لا يكلم إنساناً فناداه والمحلوف عليه لا يس؟ ع قال يحنث وهذا لكون ذلك يسمى تكليما يقال فلم يسمع (فصل) وإن سلم على المحلوف عليه حنث لأن السلام كلام تبطل به الصلاة فحنث به كغيره من الكلام * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلمه حينا فذلك ستة أشهر نص عليه) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يكلمه حينا فقيد ذلك بلفظه او نيته بزمن تقيد به وإن اطلق انصرف

الى ستة أشهر روى ذلك عن ابن عباس وبه قال أصحاب الرأي وقال مجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) أي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور ليس هو مقدراً ويبر بأدنى زمن لان الحين اسم مبهم يقع على الكثير والقليل، قال الله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) قيل اراد يوم القيامة، وقال (هل أتى على الإنسان حين من الدهر؟ - وقال - فذرهم في غمرتهم حتى حين - وقال - حين تمسون وحين تصبحون) ويقال جئت منذ حين وإن كان اتاه من ساعة ولنا أن الحين المطلق في كلام الله تعالى اقله ستة أشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولأنه قول ابن عباس ولا نعلم له في الصحابة مخالفاً وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فما ذكرناه أقله فيحمل عليه لأنه اليقين

* (مسألة) * (وإن قال زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً أو الزمان رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ)

وكذلك وقتاً أو طويلاً أو بعيداً أو قريبا في قول أبي الخطاب وهو مذهب الشافعي لأن هذه الأشياء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما تناوله اسمه وقد يكون القريب بعيداً بالنسبة إلى ما هو أقرب منه أو قريباً بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم

وإنما يصار إليه بالتوقيف ولا توقيف ههنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما تناوله الاسم وقال ابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقيل هو كالابد والدهر وهو أقيس لأنه بالألف واللام فهو على معناهما وقال طلحة العاقولي: الحين والعمر والزمان واحد لأنهم لا يفرقون في العادة بينها والناس يقصدون بذلك البعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف، ودهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى وقال في بعيد وطويل وملي هو على أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لأن ذلك ضد القليل فلا يجوز حمله على ضده

* (مسألة) * (وإن قال عمراً احتمل أنه كذلك واحتمل أن يكون أربعين عاما)

واحتمل أن يكون كالحين وهو قول طلحة العاقولي واحتمل أن يكون أربعين عاماً لقول الله تعالى (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) وكان ذلك أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولأن العمر في الغالب لا يكون إلا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك وهذا قول حسن قاله شيخنا وقال القاضي هذه الألفاظ كلها مثل الحين قياساً إلا بعيداً وملياً فإنه على أكثر من شهر لأنه يقتضي البعيد * (مسألة) * (وإن قال الابد والدهر فذلك على الزمان كله) لأن الألف واللام للاستغراق تقتضي الدهر كله وكذلك الزمان في الصحيح وقد ذكرناه

* (مسألة) * (والحقب ثمانون عاماً وقال مالك أربعون يوماً)

لأن ذلك يروي عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لأنه لم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير ولنا ما روى عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لأن قول ابن عباس حجة لأن ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى (لابثين فيها أحقابا - وقول موسى - أو أمضي حقبا) إلى اللكنة لأنه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضي لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به * (مسألة) * والشهور اثنا عشر عند القاضي وعند أبي الخطاب ثلاثة كالأشهر) أما الأشهر فهي ثلاثة لأنها أقل الجمع وأما الشهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة أيضاً لذلك ولأن جمع الكثرة يستعمل بمعنى القلة كقوله تعالى (ثلاثة قروء) وقال القاضي وغيره هي اثنا عشر شهراً ولأن الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة * (مسألة) * (والأيام ثلاثة) لأنها أقل الجمع قال الله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق)

(فصل) وإن حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له أن يتكلم في الأيام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الأيام إلا أن ينوي قال الله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) وفي موضع آخر ثلاث ليال سوياً فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعاً وقال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) فدخل فيه الليل والنهار

* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث)

إذا حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لأن يمينه لم تتناول غير الباب ويتخرج أن يحنث إذا اراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن الباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها في غيرها وإن حول بابها إلى مكان آخر فدخل منه حنث لأنه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
وإن حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وإن جعل لها باب آخر مع بقاء الأول فدخل منه حنث لأنه دخل من باب الدار وإن قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله ولم يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب لأن الدخول في الممر لا من المصراع * (مسألة) * (وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله)

لان إلى لانتهاء الغاية فتنتهي عند أول الغاية كقوله سبحانه (ثم أتموا الصيام إلى الليل) ويحتمل إن تتناول جميع مدته لان إلى تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (ويزدكم قوة إلى قوتكم - وقوله - ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم - وقوله - وأيديكم إلى المرافق) * (مسألة) * (وإن حلف لا مال له وله مال غير زكوي أو دين على الناس حنث) إذا حلف لا يملك مالا حنث بملك كل ما يسمى مالا سواء كان من الأثمان أو غيرها من العقار والأثاث والحيوان وبهذا قال الشافعي وعن أحمد أ؟؟ إذا نذر الصدقة بجميع ماله إنما يتناول نذره الصامت من ماله ذكرها ابن أبي موسى لأن إطلاق المال ينصرف إليه وقال أبو حنيفة لا يحنث إلا أن يملك مالا زكويا استحساناً لأن الله تعالى قال (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) فلا يتناول إلا الزكوي ولنا أن غير الزكوية أموال قال الله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم) وهي مما يجوز ابتغاء النكاح بها وقال أبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم إن أحب أموالي إلي ببرحا يريد حديقة وقال عمر أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه وقال أبو قتادة اشتريت مخرفا فكان أول مال تأثلته وفي حديث آخر " المال سكة مأثورة أو مهرة مأمورة " ويقال خير المال عين خرارة في أرض خوارة ولأنه يسمى مالا فحنث به؟ لزكوي وأما قوله تعالى (وفي أموالهم حق) فالحق ههنا غير الزكاة لأن هذه الآية

مكية نزلت قبل فرض الزكاة لأن الزكاة إنما فرضت بالمدينة ثم لو كان لحق الزكاة فلا حجة فيها فإن الحق إذا كان في بعض المال كان في المال كما أن من هو في بيت في بلدة فهو في البيت وفي البلدة قال الله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) ولا يلزم أن يكون في جميع أقطارها، ثم لو اقتضى هذا العموم لوجب تخصيصه فإن ما دون النصاب مال ولا زكاة فيه وإن كان له دين حنث وهكذا ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه لا ينتفع به ولنا أنه ينعقد عليه حول الزكاة ويصح اخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالإبراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه فحنث به كالمودع (فصل) وإن كان له مال مغصوب حنث لأنه باق على ملكه وإن كان له مال ضائع ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لأن الأصل بقاؤه على ملكه (والثاني) لا يحنث لأنه لا يعلم بقاؤه فإن ضاع على وجه قد أيس من عوده كالذي سقط في بحر لم يحنث لأن وجوده كعدمه، ويحتمل أن لا يحنث في كل موضع لا يقدر على أخذ ماله كالمجحود والمغصوب والدين على غير ملئ لأنه لا نفع فيه وحكمه حكم المعدوم في جواز الأخذ من الزكاة وانتفاء وجوب ادائها عنه وإن تزوج لم يحنث لأن ما ملكه ليس بمال وكذلك إن وجب له حق شفعة لأنه لم يثبت له الملك به وإن استأجر عقاراً أو غيره لم يحنث لأنه لا يسمى مالكاً لمال

* (مسألة) * (وإن حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث إلا أن ينوي)

لأن الفعل ينسب إلى الموكل كما ينسب إلى الوكيل فيحنث به كما لو حلف لا يحلق راسه فأمر من يحلقه فإنه يحنث لأن الفعل منسوب إليه ولذلك تجب الفدية على من حلق رأسه بأذنه في الإحرام وإن كانت نيته إن لا يباشر بنفسه لم يحنث لأن الأيمان مبناها على النية (فصل) فأما الأسماء العرفية فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة كالرواية والظعينة والدابة والغائط والعذرة ونحوها فيتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة لأن الحقيقة صارت فيها مغمورة لا يعرفها أكثر الناس كالراوية للمزادة في العرف وفي الحقيقة الجمل الذي يستقى عليه، والغائط والعذرة في العرف للخارج المستقذر وفي الحقيقة الغائط المكان المطمئن والعذرة فناء الدار، والظعينة في العرف للمرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها والدابة في الحقيقة لكل ما يدب قال الله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع) وفي العرف اسم للبغال والخيل والحمير فلهذا قلنا اليمين تنصرف إلى العرف دون الحقيقة لأنه لا يعلم أن الحالف لا يريد غيره فصار كالمصرح به * (مسألة) * (وإن حلف على وطئ امرأة تعلقت يمينه بجماعها) لأنه الذي يصرف اللفظ في العرف إليه وكذلك إذا حلف على وطئ زوجته صار موليا منها

  • (مسألة) * (وإن حلف على وطئ دار تعلقت يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منعلا) لأن هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فيحمل اليمين عليه بإطلاقه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وإن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين او لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس أنه لا يحنث وقال بعض أصحابنا يحنث) إذا حلف لا يشم الريحان فإنه في العرف اسم يختص الريحان الفارسي وفي الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس وقال القاضي لا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي وهو مذهب الشافعي لأن الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه وقال أبو الخطاب يحنث بشم ما يسمى في الحقيقة ريحاناً ولا يحنث بشم الفاكهة وجها واحدا وان حلف لا يشم ورداً ولا بنفسجاً فشم دهنهما أو ماء الورد فقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي لأنه لم يشم ورداً ولا بنفسجاً وقال أبو الخطاب يحنث لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات ورائحة الورد والبنفسج موجودة فيهما

وقال أبو حنيفة يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى ورداً والأول أقرب إلى الصحة إن شاء الله تعالى فإن شم الورد والبنفسج اليابس حنث وقال بعض أصحاب الشافعي لا يحنث كما لو حلف لا يأكل رطبا فأكل تمراً ولنا أن هذا اسمه وحقيقته باقية فيحنث به كما لو حلف لا يأكل لحماً فأكل قديداً وفارق ما ذكروه فإن التمر ليس برطب ولا يسمى رطبا

ً * (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا حنث عند الخرقي ولم يحنث عند ابن أبي موسى)

إذا حلف لا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه فأكل من الأنعام أو الصيد أو الطير حنث في قول عامة علماء الأمصار وأما السمك فظاهر المذهب أنه يحنث بأكله وبهذا قال قتادة والثوري ومالك وأبو يوسف وقال ابن أبي موسى في الإرشاد لا يحنث إلا أن ينويه وهذا قول أبي نيفة والشافعي لأنه لا ينصرف إليه اطلاق اسم اللحم ولو وكل وكيلاً في شراء اللحم فاشترى له سمكا لم يلزمه ويصح أن ينفى عنه الاسم فيقول ما أكلت لحما إنما أكلت سمكا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما

لو حلف لاقعدت تحت سقف فإنه لا يحنث بقعوده تحت السماء وقد سماه الله سقفا محفوظاً لأنه مجاز كذا ههنا ولنا قول الله تعالى (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) ولأنه من جسم حيوان ويسمى لحما فحنث بأكله كلحم الطير وما ذكروه يبطل بلحم الطائر، وأما السماء فإن الحالف لا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم أنه لم يردها بيمينه ولأن التسمية ثم مجاز وههنا حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل فكان الإسم فيه حقيقة كلحم الطير حيث قال الله تعالى (ولحم طير مما يشتهون)

  • (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل راسا ولا بيضا حنث يأكل رءوس الطير والسمك والجراد عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس كل حيوان جرت العادة بأكله منفرداً أو بيض بزايل بائضه في حال الحياة) إذا حلف لا يأكل راسا فانه يحنث باأكل رأس كل حيوان من الإبل والصيود والحيتان والجراد ذكره القاضي وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة ببيعه للأكل منفرداً

وقال الشافعي لا يحنث إلا بأكل رءوس بهيمة الأنعام دون غيرها إلا أن يكون ببلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث بأكلها، وقال أبو حنيفة لا يحنث بأكل روس الإبل لأن العادة لم تجر ببيعها للأكل منفردة وقال صاحباه لا يحنث الا بأكل رءوس الغنم لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها، ووجه الأول أن هذه رءوس حقيقة وعرفاً وهي مأكولة فيحنث بأكلها كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه، وأما إذا حلف لا يأكل بيضاً فيحنث بأكل بيض كل حيوان كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل كبيض النعام وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق ولنا أن هذا كله بيض حقيقة وعرفا وهو مأكول فيحنث بأكله كبيض الدجاج ولأنه أو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء البحر أو ماء نجساً أو لا يأكل خبزاً فأكل خبز الأرز والذرة في مكان لا يعتاد أكله فيه حنث، فأما أن أكل بيض السمك والجراد فقال القاضي يحنث لأنه بيض حيوان أشبه بيض النعام وقال أبو الخطاب لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه حال الحياة وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لأن هذا لا يفهم من إطلاق

اسم البيض ولا يذكر إلا مضافاً إلى بائضه ولا يحنث بأكل شئ يسمى بيضاً غير بيض الحيوان ولا شئ يسمى رأساً غير رءوس الحيوان لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر أو أدم أو لا يركب فركب سفينة حنث عند أصحابنا ويحتمل أن لا يحنث) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً حنث نص عليه أحمد ويحتمل أن لا يحنث وهو قول أكثر الفقهاء لأنه لا يسمى بيتاً في العرف والأول المذهب لأنهما بيتان حقيقة وقد سمى الله عزوجل المساجد بيوتاً فقال (في بيوت أذن الله أن ترفع - وقال - إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) وروي في حديث " المسجد بيت كل تقي " وروي في الحديث " بئس البيت الحمام " فإذا كان في الحقيقة بيتاً وفي عرف الشرع حنث بدخوله كبيت الإنسان وإن دخل بيت شعر أو أدم حنث سواء كان الحالف حضرياً أو بدوياً فإن اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفا قال الله تعالى (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها) وأما مالا يسمى في العرف بيتاً كالخيمة فالأولى أن لا يحنث بدخوله من لا يسميه بيتاً لأن يمينه لا تنصرف إليه وإن دخل دهليز دار وصفتها لم يحنث وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة يحنث لأن جميع الدار بيت

ولنا أنه لا يسمى بيتاً ولهذا يقال ما دخل البيت وإنما وقف في الصحن فإن حلف لا يركب فركب سفينة حنث وهو قول أبي الخطاب لأنه ركوب قال الله تعالى (اركبوا فيها بسم الله مجريها) وقال (فإذا ركبوا في الفلك) ويحتمل أن لا يحنث لأنه لا يسمى في العرف ركوباً.

* (مسألة) * (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث) .

إذا حلف لا يتكلم فقرأ لم يحنث وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان قرأ في الصلاة لم يحنث وإن قرأ خارجاً منها حنث لأنه يتكلم بكلام الله تعالى وإن ذكر الله تعالى لم يحنث ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنه يحنث ولأنه كلام الله قال الله تعالى (وألزمهم كلمة التقوى) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " ولنا أن الكلام في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنه قد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " لم يتناول المختلف فيه وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال الله تعالى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا - واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار) فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه ولان مالا

يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجاً منها كالإشارة وما ذكروه يبطل بالقراءة والتسبيح في الصلاة وذكر الله المشروع فيها وإن استأذن عليه إنسان فقال (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن لم يحنث، لأن هذا من القرآن فلا يحنث به ولذلك لا تبطل الصلاة به وإن لم يقصد القرآن حنث لأنه من كلام الناس.

  • (مسألة) * (وإن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث) لأنه يقصد ترك تأليمها وقد آلمها فأما إن عضها بتلذذ ولم يقصد تأليمها لم يحنث وإن حلف ليضربنها ففعل ذلك بر لوجود المقصود بالضرب.

* (مسألة) * (وإن حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه) .

وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وقال ابن حامد يبر، لأن أحمد قال في المريض عليه الحد يضرب بعثكال النخل ويسقط عنه الحد، وبهذا قال الشافعي إذا علم أنها مسته كلها وإن علم أنها لم تمسه كلها لم يبر وإن شك لم يحنث في الحكم لأن الله تعالى قال (فخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المريض الذي زنى " خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة " ولأنه ضرب بمائة سوط فبر في يمينه كما لو فرق الضرب.

ولنا أن معنى يمينه أن يضربه مائة ضربة ولم يضربه إلا ضربة واحدة، الدليل على هذا أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط بر بغير خلاف ولو عاد العدد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط ولأن السوط ههنا آلة أقيمت مقام المصدر وانتصب انتصابه لأن معنى كلامه لاضربنه مائة ضربة بسوط وهذا هو المفهوم من يمنيه والذي يقتضيه لغة فلا يبر بما يخالف ذلك، وأما أيوب عليه السلام فإن الله تعالى أرخص له رفقا بامرأته لبرها به وإحسانها إليه ليجمع له بين بره في يمينه ورفقه بامرأته ولذلك امتن عليه بهذا وذكره في جملة ما من به عليه من معافاته من بلائه وإخراج الماء له فيختص هذا به كاختصاصه بما ذكر معه ولو كان هذا الحكم عاما بكل أحد لما خص أيوب بالمنة عليه، وكذلك المريض الذي يخاف تلفه أرخص له بذلك في الحد دون غيره وإذا لم يتعده هذا الحكم في الحد الذي ورد النص به فيه فلأن لا يتعداه إلى اليمين أولى ولو خص بالبر من له عذر يبيح العدول في الحد إلى الضرب بالعثكال لكان له وجه أما بعد تعديته إلى غيره فبعيد جداً.
[فصل] ولو حلف أن يضربه بعشرة أسواط فجمعها فضربه بها بر لأنه قد فعل ما حلف عليه وإن حلف ليضربنه عشر ضربات فكذلك إلا وجهاً لأصحاب الشافعي أنه يبر وليس بصحيح لأن

هذه ضربة واحدة بأسواط ولهذا يصح أن يقال ما ضربته واحدة ولو حلف لا يضربه أكثر من ضربة واحدة ففعل هذا لم يحنث في يمينه.
و [فصل] ولا يبر حتى يضربه ضرباً يؤلمه، وبهذا قال مالك وقال الشافعي يبر بما لم يؤلم لأن الإسم يتناوله فوقع البر به كالمؤلم.
ولنا أن هذا يقصد به في العرف التأليم فلا يبر بغيره وكذلك كل موضع وجب الضرب في الشرع في حد أو تعزير كان من شرطه التأليم كذا ههنا.

  • (فصل) * إذا حلف لا يأكل شيئاً فأكله مستهلكاً في غيره مثل أن لا يأكل لبنا فأكل زبداً أو لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه أو لا يأكل بيضاً ناطفاً أو لا يأكل شحما فأكل اللحم الأحمر أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث وإن ظهر طعم السمن أو طعم شئ من المحلوف عليه حنث وقال الخرقي يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده وقال غيره يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير) أما إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا لا يظهر فيه طعم اللبن لم يحنث لأنه لم يأكل لبناً فأشبه ما لو أكل كشكاً وكذلك إن حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه لا يحنث لذلك، فأما إن ظهر طعم شئ من المحلوف عليه حنث كما لو أكل كل واحد منفرداً، وإن حلف لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً لم يحنث لأنه لا يسمى بيضاً.

(مسألة) وإن حلف لا يأكل شحما فأكل اللحم الأحمر فقال الخرقي يحنث لأن الشحم ما يذوب بالنار مما في الحيوان والعرف يشهد لقوله وهو ظاهر قول أبي الخطاب واللحم لا يكاد يخلو من شئ منه فيحنث به، وإن قل لأنه يظهر في الطبيخ فيبين على وجه المرق وفارق، من حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه، لأن هذا قد يظهر الدهن فيه وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث، قال شيخنا وهو الصحيح لأنه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذي كان فيه فإن حلف لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير فقال غير الخرقي يحنث لأنه أكل شعيراً فأشبه ما لو أكله منفرداً أو حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفاً والأولى أن لا يحنث لأنه مستهلك في الحنطة أشبه السمن في الخبيص الذي لا يظهر طعمه، وإن نوى بيمينه أن لا يأكل الشعير منفرداً أو كان السبب يقتضي ذلك أو يقتضي أكل شعير يظهر أثر أكله لم يحنث بذلك * (فصل) * قال رضي الله عنه (فإن حلف لا يأكل سويقاً فشربه أو لا يشربه فأكله فقال الخرقي يحنث وقال أحمد من حلف لا يشرب نبيذاً فثرد فيه وأكله لا يحنث فيخرج في كل ما حلف لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله وجهان وقال القاضي إن عين المحلوف عليه حنث وإلا فلا)

وجملة ذلك أن من حلف لا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله فقد نقل عن أحمد ما يدل على روايتين (إحداهما) يحنث لأن اليمين على ترك أكل شئ أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشئ فحملت اليمين عليه ألا ترى إلى قوله تعالى (ولا تأكلوا اموالهم - وان الذين يأكلون أموال اليتامى) لم يرد به الأكل على الخصوص؟ ولو قال طبيب لمريض لا تأكل العسل لكان ناهياً عن شربه (والثانية) لا يحنث وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأن الأفعال أنواع كاليمين ولو حلف على نوع من الأعيان لم يحنث بغيره كذلك الأفعال، وقال القاضي إنما الروايتان فيمن عين المحلوف عليه مثل من حلف لا أكلت هذا السويق فشربه أو لا يشربه فأكله أما إذا أطلق فقال لا أكلت سويقاً فشربه أو لا يشربه فأكله لم يحنث رواية واحدة لا يختلف المذهب فيه وهذا يخالف ما ذكرنا ههنا من الإطلاق ومخالف لما أطلقه الخرقي، وليس للتعيين أثر في الحنث وعدمه فإن الحنث في المعين إنما كان لتناوله ما حلف عليه وإجراء معنى الأكل والشرب على التناول العام فيهما وهذا لا فرق فيه بين التعيين وعدمه وعدم الحنث معلل بإنه لم يفعل الفعل الذي حلف على تركه وإنما فعل غيره وهذا في المعين كهو في المطلق لعدم الفارق بينهما، ولأن الرواية في الحنث أحدث من كلام الخرقي وليس فيه تعيين ورواية عدم الحنث أحدث من رواية مهنا عن أحمد فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ فأكله لا يحنث لأنه لا يسمى شربا وهذا في المعين فإن عديت كل رواية

إلى محل الأخرى وجب أن يكون في الجميع روايتان، وإن قصرت كل رواية على محلها كان الأمر على خلاف ما قال القاضي وهو أن يحنث في المطلق ولا يحنث في المعين.
(فصل) فإن حلف ليشربن شيئاً فأكله أو ليأكلنه فشربه خرج فيه وجهان بناء على الروايتين في الحنث إذا حلف على الترك ومتى تقيدت يمينه بنية أو سبب يدل عليها كانت يمينه على ما نواه أو دل عليه السبب لأن الأيمان على النية (فصل) فإن حلف لا يشرب شيئاً فمصه ورمى به فقد روي عن أحمد فيمن حلف لا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وقال ابن أبي موسى إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فمص قصب السكر لا يحنث وهذا قول أصحاب الرأي فإنهم قالوا إذا حلف فمص حب رمان ورمى بالتفل لا يحنث لأنه ليس بأكل ولا شرب ويجئ على قول الخرقي أنه يحنث لأنه قد تناوله فوصل إلى حلقه وبطنه فيحنث به على ما قلناه فيمن حلف لا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله وإن حلف لا يأكل سكرا فتركه في فيه حتى ذاب وابتلعه خرج على الروايتين * (مسألة) * (فإن حلف لا يطعم شيئاً حنث بأكله وشربه ومصه) لأن ذلك كله طعم قال الله تعالى في النهر (من ولم يطعمه)

* (مسألة) * (وإن ذاقه ولم يبتلعه لم يحنث)

في قولهم جميعاً لأنه ليس بأكل ولا شرب ولذلك لا يفطر به الصائم، وإن حلف لا يذوقه فأكله أو شربه أو مصه حنث لأنه ذوق وزيادة وكذلك إن مضغه ورمى به لأنه قد ذاقه * (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث) لأن ذلك يسمى أكلا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " كلوا الزيت وادهنوا به " (فصل) وإن حلف ليأكلن أكلة بالفتح لم يبر حتى يأكل ما يعده الناس أكلة وهي المرة من الأكل والأكلة بالضم اللقمة ومنه " فليناوله في يده أكلة أو أكلتين " * (فصل) * وإن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث) في قولهم جميعاً لأنه لا يطلق اسم الفعل على مستديم هذه الثلاثة فلا يقال تزوجت شهراً ولا تطهرت شهراً ولا تطيبت شهراً وإنما يقال منذ شهر ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائهما في تحريمه في الإحرام * (مسألة) * (وإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث) من حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه فنزعه في الحال وإلا حنث وكذلك إن حلف لا يركب دابة هو راكبها فنزل في أول حالة الامكان والاحنث وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور

لا يحنث باستدامة اللبس والركوب حتى يبتدئه لأنه لو حلف أن لا يتزوج ولا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث كذا ههنا ولنا أن استدامة اللبس والركوب تسمى لبساً وركوباً ويسمى لابساً وراكباً ولذلك يقال لبست هذا الثوب شهراً وركبت دابتي يوما فحنث باستدامته كما لو حلف لا يسكن فاستدام السكنى وقد اعتبر الشرع هذا في الإحرام حيث حرم لبس المخيط وأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه، وفارق التزويج فإنه لا يطلق على الاستدامة فلا يقال تزوجت شهراً وإنما يقال منذ شهر ولهذا لم تحرم استدامته في الإحرام ويحرم ابتداؤه

* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي ولم يحنث عند أبي الخطاب)

وجه قول القاضي أن استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم قال أحمد في رجل حلف على امرأته لا دخلت أنا وأنت هذه الدار وهما جميعاً فيها قال أخاف أن يكون قد حنث [والثاني] لا يحنث اختاره أبو الخطاب وهو قول أصحاب الرأي لأن الدخول لا يستعمل في الاستدامة ولهذا يقال دخلتها منذ شهر ولا يقال دخلتها شهراً فجرى مجرى التزويج ولان الدخول الانفصال من خارج إلى داخل ولا يوجد في الاقامة وللشافعي قولان كالوجهين، ويحتمل أن من أحنثه

إنما كان لأن ظاهر حال الحالف أنه يقصد هجران الدار ومباينتها والإقامة فيها تخالف ذلك فجرى مجرى الحالف على ترك السكنى بها (فصل) وإن حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام ذلك حنث لأن المضاجعة تقع على الاستدامة ولهذا يقال اضطجع على الفراش ليلة وإن كان هو مضطجعاً على الفراش وحده فاضطجعت عنده عليه نظرت، فإن قام لوقته لم يحنث وإن استدام حنث لما ذكرنا، وإن حلف لا يصوم وهو صائم فأتم يومه فقال القاضي لا يحنث ويحتمل أن يحنث لان الصوم يقع على الاستدامة يقال صام يوماً، ولو شرع في صوم يوم العيد حرمت عليه استدامته وإن حلف لا يسافر وهو مسافر فأخذ في العود أو أقام لم يحنث وإن مضى في سفره حنث لأن الاستدامة سفر ولهذا يقال سافرت شهرا

ً * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلان عليه فأقام معه فعلى الوجهين) *

(مسألة) * (وإن حلف لا يمكن داراً ولا يساكن فلانا وهما متساكنان ولم يخرج في الحال حنث إلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشى على نفسه الخروج فيقيم إلى أن يمكنه) وجملة ذلك أنه إذا حلف لا يسكن داراً هو ساكنها خرج من وقته فإن أقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه الخروج حنث لان استدامة السكنى سكنى كابتدائها في وقع السكنى عليها ألا تراه

يقول سكنت في هذه الدار شهراً كما يقول لبست هذا الثوب وبهذا قال الشافعي، فإن أقام لنقل رحله وقماشه لم يحنث لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال فيحتاج إلى أن ينقل ذلك معه حتى يكون منتقلاً وحكي عن مالك أنه إن أقام دون اليوم والليلة لم يحنث لأن ذلك قليل يحتاج إليه في الانتقال فلم يحنث به وعن زفر أنه يحنث وإن أنتقل في الحال لأنه لابد أن يكون ساكناً عقيب يمينه ولو لحظة فحنث بها وليس بصحيح فإنه لا يمكن الاحتراز منه لأنه لا يراد باليمين ولا تقع عليه أما إذا أقام زمنا يمكنه الانتقال فيه فإنه يحنث لأنه فعل ما يقع عليه اسم السكنى فحنث به كموضع الاتفاق ألا ترى أنه لو حلف لا يدخل الدار فدخل إلى أول جزء منها يحنث وإن كان قليلا

ً * (مسألة) * (وإن أقام لنقل أهله ومتاعه لم يحنث)

وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يحنث ولنا أن الانتقال إنما يكون بالأهل والمال على ما سنذكره فلا يمكنه التحرز من هذه الإقامة فلا يقع اليمين عليها وعلى هذا لو خرج بنفسه وترك أهله وماله في المسكن مع إمكان نقلهم عنه حنث وقال الشافعي لا يحنث إذا خرج بنية الانتقال لأنه إذا خرج بنية الانتقال فليس بساكن لأنه يجوز أن يريد السكنى وحده دون أهله وماله

ولنا أن السكنى تكون بالأهل والمال ولهذا يقال فلان ساكن في البلد الفلاني وهو غائب عنه بنفسه، وإذا نزل بلداً بأهله وماله يقال سكنه، وقولهم أنه نوى السكنى بنفسه لا يصح فإن من خرج إلى مكان لينقل أهله إليه ولم ينو السكنى به بنفسه منفرداً عن أهله الذي في الدار لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى ذكره القاضي وعن مالك أنه اعتبر نقل عياله دون ماله والأولى إن شاء الله أنه إذا انتقل بأهله فسكن في موضع آخر أنه لا يحنث وإن بقي متاعه في الأولى لأن مسكنه حيث حل أهله به ونوى الإقامة به ولهذا لو حلف

لا يسكن داراً لم يكن ساكناً بها فنزلها بأهله ناوياً للسكنى بها حنث وقال القاضي إن نقل إليها ما يتأثث به ويستعمله في منزله فهو ساكن وإن سكنها بنفسه * (مسألة) * (وإن خرج دون أهله ومتاعه حنث) لما ذكرنا في المسألة قبلها إلا أن يودع متاعه أو بعيره أو تأبى امرأته الخروج معه ولا يمكنه إكراهها فيخرج وحده فلا يحنث

(فصل) وإن أكره على المقام لم يحنث لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وكذلك إن كان في جوف الليل في وقت لا يجد منزلا يتحول إليه أو تحول بينه وبين المنزل أبواب مغلقة لا يمكنه فتحها أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله فأقام في طلب النقلة أو انتظار الزوال المانع منها أو خرج طالباً للنقلة فتعذرت عليه أما لكونه لم يجد مسكناً يتحول اليه لتعذر الكراء أو غيره.
أو لم يجد بهائم ينتقل عليها ولا يمكنه النقلة بدونها فأقام ناوياً للنقلة متى قدر

عليها لم يحنث وإن أقام أياما وليالي، لأن أقامته من غير اختيار منه لعدم تمكنه من النقلة فإنه إذا لم يجد مسكناً لا يمكنه ترك أهله أو القاء متاعه في الطريق فلم يحنث به كالمقيم للإكراه، فإن أقام في هذا الوقت غيرنا وللنقلة حنث ويكون نقله لما يحتاج إلى نقله على ما جرت العادة فلو كان ذا متاع كثير فنقله قليلاً قليلاً على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد لم يحنث وإن أقام أياماً، ولا يلزمه

جمع دواب البلد لنقله.
ولا النقل بالليل ولا وقت الاستراحة عند التعب، ولا أوقات الصلوات لأن العادة لم تجر بالنقل فيها (فصل) ولو وهب رحله أو أودعه أو أعاره وخرج وحده لم يحنث لأن يده زالت عن المتاع وكذلك إن أبت امرأته الخروج معه ولم يمكنه إكراهها أو كان له عائلة فامتنعوا من الخروج والانتقال، ولم يمكنه إخراجهم فتركهم لم يحنث لأن هذا مما لم يمكنه فأشبه ما لم يمكنه نقله من

رحله، وإن تردد إلى الدار لنقل المتاع أو عائداً أو زائراً لصديق لم يحنث، وقال القاضي إن دخلها ومن رأيه الجلوس عنده حنث وإلا فلا ولنا أن هذا ليس بسكنى ولذلك لو حلف ليسكنن داراً لم يبر بالجلوس فيها على هذا الوجه، ولا يسمى ساكناً بها بهذا القدر فلم يحنث كما لو لم ينو الجلوس

(فصل) وإن حلف لا يساكن فلانا وهو مساكنه فالحكم في الاستدامة على ما ذكرنا في الحلف على السكنى وإن انتقل أحدهما وبقي الآخر لم يحنث لزوال المساكنة * (مسألة) * (وإن حلف لا يساكن فلانا فبنيا بينهما حائط وهما متساكنان حنث وإن كان في الدار حجرتان كل حجرة تختص ببابها وطريقها فسكن كل واحد حجرة لم يحنث) إذا كان في دار واحدة حالة اليمين فخرج أحدهما منها وقسماها حجرتين وفتحا لكل واحدة

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
* (مسألة) * (وإن حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين) إذا حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة حنث فإن لبس خاتماً من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لأنه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وقال تعالى [يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال الله تعالى للبحر الشرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولأن الفضة حلي إذا كانت سواراً أو خلخالاً فكانت حلياً إذا كانت خاتماً كالذهب والجوهر، واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حلياً وحده كالذهب وإن لبس عقيقاً أو سبجاً لم يحنث* (مسألة) * (وإن حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استعارها لم يحنث وإن ركب دابة استأجرها حنث)* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين)* (مسألة) * (وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث)* (مسألة) * (وإن قال زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً أو الزمان رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ)* (مسألة) * (وإن قال عمراً احتمل أنه كذلك واحتمل أن يكون أربعين عاما)* (مسألة) * (والحقب ثمانون عاماً وقال مالك أربعون يوماً)* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث)* (مسألة) * (وإن حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث إلا أن ينوي)ً * (مسألة) * (وإن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا حنث عند الخرقي ولم يحنث عند ابن أبي موسى)* (مسألة) * (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث) .* (مسألة) * (وإن حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه) .* (مسألة) * (وإن ذاقه ولم يبتلعه لم يحنث)* (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي ولم يحنث عند أبي الخطاب)ً * (مسألة) * (وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلان عليه فأقام معه فعلى الوجهين) *ً * (مسألة) * (وإن أقام لنقل أهله ومتاعه لم يحنث)
كتاب العتق
جارٍ التحميل