النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) قال الترمذي هذا حديث في إسناده مقال والعزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغير إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا قال قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم ولأن العبرة تقتضي مشروعية الشهادة فإن الحاجة داعية إليها لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها قال شريح القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فافرغ الشفاء على الداء، واشتقاق الشهادة من المشاهدة لأن الشاهد يخبر عما شاهده، وقيل لأن الشاهد يخبره ويجعل الحاكم كالشاهد للمشهود عليه وتسمى بينة لأنها تبين ما التبس وتكشف الحق في المختلف فيه (مسألة) (تحمل الشهادة واداؤها فرض على الكفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وإن لم يقم بها أحد تعينت على من وجد لقول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقال - ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات وقال اله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إذا ثبت هذا فإذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو عدة لزمته الإجابة قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) فإن قام بافرض في التحمل والأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا، وإنما يأثم
الممتنع إذا لم عليه ضرر وكانت شهادته تنفع، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لاتقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم تلزمه لقول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وإنه لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره وإذا كان ممن لا تقبل شادته لم تجب عليه لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه؟ فيه وجهان (أحدهما) يأثم لأنه قد تعين بدعاية ولأنه منهي عن الامتناع بقوله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (والثاني) لا يأثم لأن غيره يقوم مقامه فلم تتعين في حقه كما لو لم يدع إليها فأما قول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فقد قرئ بالقتح والرفع فمن رفع فهو خبر معناه النهي ويحتمل معنيين (أحدهما) أن يكون الكاتب فاعلا أي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه بألا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد بما لم يستشهد (والثاني) أن يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما (مسألة) (قال الخرقي ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد ولا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك) قد ذكرنا أن الشهادة من فروض الكفايات فإن تعينت عليه بأن لا يتحملها من يكفي فيها سواه لزمه القيام بها، وإن قام بها من يكفي غيره سقط عنه اداؤها إذا قبلها الحاكم فإن كان تحملها
جماعة فأداؤها واجب على الكل إذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات ودليل وجوبها قول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط - وفي آية أخرى - كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) ولأن الشهادة أمانة فلزمه أداؤها كالوديعة
(مسألة) (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين)
من له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لأنها أداء فرض فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا، وإن لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذ الجعل لأن النفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين فإن تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك أيضا واحتمل ألا يجوز لئلا يأخذ العوض عن أداء فروض الأعيان وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره؟ على وجهين (مسألة) (ومن كانت عنده شهادة في حد لله تعالى أبيح إقامتها ولم يستحب وللحاكم أن يعرض له بالوقوف عنها في أحد الوجهين)
يجوز للشاهد إقامة الشهادة في حدود الله تعالى من غير تقدم دعوى لأن أبا بكرة وأصحابه شهدوا على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم.
ولا يستحب أداؤها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ستر عورة ستره الله في الدنيا والآخرة) وللحاكم أن يعرض للشاهد بالوقوف عن الشهادة في أظهر الروايتين لما روى صالح في مسائله عن أبي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان والله لقد كدت أن يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد فأمر بأولئك النفر فجلدوا وفي رواية أنه لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي وأحد فقال عمر أرى شابا حسنا وأرجو أن لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذا تعريض ظاهر
(مسألة) (ومن كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله فإن لم يعلمها استحب له إعلامه بها وله إقامتها قبل ذلك)
إذا كان المشهود له يعلم له شهادة عند إنسان لم يقمها الشاهد حتى يسأله صاحبها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون) رواه البخاري فإن كان لا يعلمها استجب له إعلام صاحبها بها كالوديعة وله أداؤها قبل إعلامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) رواه أبو داود فيتعين حمل الحديث على هذه الصورة جمعا بين الخبرين
(مسألة) (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع)
وجملة ذلك أن الشهادة لا تجوز إلا بما يعلمه بدليل قول الله تعلى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر لأن مدرك
الشهادة الرؤية والسماع وهما بالبصر وقد روي عن ابن عباس أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة قال (هل ترى المشس؟) قال نعم قال (على مثلها فاشهد أو دع) رواه الخلال بإسناده في جامعه.
إذا ثبت هذا فإن مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب (مسألة) (والرؤية تخص بالأفعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرها) فهذا لا يتحمل الشهادة إلا بالرؤية لأنه تمكن الشهادة عليه قطعا ومن ذلك الصفات المرئية في المبيع ونحوها فلا يرجع إلى غير ذلك
(مسألة) (والسماع على ضربين سماع من المشهود عليه نحو الإقرار والعقود والطلاق) ونحو ذلك فيحتاج أن يسمع كلام المتعاقدين يقيناً ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ومالك، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه لأن الأصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط ولنا أنه عرف المشهود عليه يقيناً فجازت شهادته عليه كما لو رآه وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور، وإنما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقيناً، وقد يحصل العلم بالسماع يقيناً وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الأعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير محارمهن (فصل) إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه جاز أن يشهد عليه حاضرا كان أو غائبا، وإن لم يعرف ذلك لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته وجاز أن يشهد عليه حاضراً بمعرفة عينه نص عليه أحمد قال مهنا سألت أحمد عن رجل يشهد لرجل بحق له على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا إلا أنه يشهد له فقال إذ قال أشهد أن لهذا على هذا وهما شاهدان جميعاً فلا بأس وإذا كان غائباً فلا يشهد حتى يعرف اسمه، والمرأة كالرجل في أنه إذا عرف اسمها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها وإن لم يعرفها
لم يشهد عليها إلا في حال حضورها، قال أحمد في رواية الجماعة لا تشهد إلا لمن تعرف وعلى من تعرف ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها، وإن كانت ممن عرف اسمها ودعيت وذهبت وجاءت فليشهد وإلا فلا يشهد، فأما إن لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها ونظر إلى وجهها.
قال أحمد لا تشهد على امرأة حتى تنظر إلى وجهها وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها فأما من تيقن معرفتها ويعرف صوتها يقيناً فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها على ما قدمناه في المسألة قبلها فإن لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه فروي عن أحمد أنه قال لا يشهد على شهادة غيره إلا بمعرفته لها، وقال لا يجوز للرجل أن يقول للرجل أشهد أن هذه فلانة ويشهد على شهادته وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره وقال القاضي يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة وظاهر قوله المنع منه، وقال أحمد لا تشهد على امرأة إلا بإذن زوجها وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها إلا بإذن زوجها لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن على النساء بالاذن أزواجهن رواه أحمد في مسنده فأما الشهادة عليها في غير بيتها فجائزة لأن إقرارها صحيح وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به
(فصل) إذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر الشهادة فهل يجوز أن يشهد بذلك؟ على روايتين (إحداهما) لا يجوز، قال أحمد في رواية حرب فيمن يرى خطه وخاتمه ولا يذكر الشهاد: لا يشهد إلا بما يعلم، وقال في رواية يشهد إذا عرف خطه وكيف تكون الشهادة إلا هكذا؟ وقال في موضع آخر إذا عرف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخاً عنده موضوعاً تحت ختمه وحرزه فيشهد وإن لم يحفظ، وقال أيضاً إذا كان ردئ الحفظ يشهد ويكتبهما عنده وهذه رواية ثالثة وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة عنده بخطه في حرزه ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزله القاضي في إحدى الروايتين إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه ولا يمضيه إذا لم كن كذلك (مسألة) (الضرب الثاني سماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل وما أشبه ذلك) قال الخرقي وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به كالشهادة على النسب والولادة، أجمع أهل العلم على صحة الشهادة بالنسب قال إبن المنذر لا أعلم أحداً من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحداً من أقاربه، وقد قال الله تعالى (يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) وكذلك الولادة واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة فقال
أصحابنا هو تسعة أشياء النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل وبهذا قال أبو سعيد الاصطخري وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا تجوز في الوقف والولاء والعتق والزوجية لأن الشهادة ممكنة فيه بالقطع ولأنها شهادة بعقد فأشبه سائر العقود، وقال أبو حنيفة لا تقبل إلا في النكاح والموت ولا تقبل في الملك المطلق لأنها شهادة بمال فشابه الدين، وقال صاحباه تقبل في الولاء مثل عكرمة مولى ابن عباس ولنا أن هذه تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب قال مالك ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسماع وقال: السماع في الأحباس والولاء جائز وقال أحمد في رواية المروذي أشهد ان داريختان لبختان وإن لم يشهدك وقيل له تشهد أن فلانة امرأة فلان ولم تشهد فقال نعم إذا كان مستفيضاً فأشهد أقول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن خديجة وعائشة زوجتاه وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة، فإن قيل يمكنه العلم بذلك بمشاهدة السبب قلنا وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سبباً يقيناً فإنه يجوز أن يشتري ما ليس بملك البائع ويصطاد صيداً صاده غيره ثم انفلت منه وإن تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة على الوقف باللفظ لا يصح لأن الشهادة ليست بالعقود ههنا إنما يشهد بالوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء
وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك لأنها مرتبة عليه فوجب أن تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك سواء (مسألة) (ولا تقبل الاستفاضة إلا من عدد يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي وقال القاضي تسمع من عدلين فصاعداً) ذكره في المحرر لأن الحقوق تثبت بقول اثنين وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي والقول الأول هو الذي تقضيه لفظة الاستفاضة فإنها مأخوذة من فيض الماء لكثرته ولأنه لو اكتفي فيه بقول اثنتين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وإنما اكتفي بمجرد السماع وقد ذكر شيخنا في كتاب المقنع الخلع فيما يثبت بالاستفاضة ولم يذكره في المغني ولا في الكافي ولا رأيته في كتاب غيره ولعله قاسه على النكاح والأولى أنه لا يثبت قياساً على الطلاق والنكاح بخلاف الخلع (مسألة) (وإن سمع إنساناً يقر بنسب أب أو ابن فصدقة المقر له جاز أن يشهد له به وإن كذبه لم يشهد وإن سكت جاز أن يشهد ويحتمل ألا يشهد حتى يتكرر) إذا سمع رجلاً يقول للصبي هذا ابني جاز أن يشهد به لأنه مقر بنسبه وإن سمع الصبي يقول هذا أبي فسكت الأب جاز أيضاً لأن سكوت الأب إقرار له والإقرار يثبت به النسب فجازت الشهادة به وإنما أقيم السكوت ههنا مقام الإقرار لأن الإقرار على الانتساب الباطل غير جائز بخلاف سائر
الدعاوي ولأن النسب يغلب فيه الإثبات ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح؟ ويحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر ذكره أبو الخطاب لأن السكوت ليس بإقرار حقيقي وإنما أقيم مقامه فاعتبرت تقويته بالتكرار كما اعتبرت تقوية اليد في العقار بالاستمرار
(مسألة) (وإن رأى شيئاً في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك من النقض والبناء والإجارة والإعارة ونحوها جاز أن يشهد بالملك)
قال ذلك أبو عبد الله ابن حامد وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي ويحتمل أن لا يشهد الا باليد ولتصرف ذكره القاضي لأن اليد ليست منحصرة في الملك فإنه قد يكون باجارة
وإعارة وغضب ووكالة وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
ووجه الأول أن اليد دليل الملك واستمرارها من غير منازع يقويها فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها من غصب وإجارة أو نحو ذلك يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعاً كما لو شاهد سبب اليد فإن احتمال كون البائع غير المالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ههنا، فإن قيل فإذا بقي الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم، قلنا الظن يسمى علماً قال الله تعالى (فإن علمتموهن مؤمنات) ولا سبيل إلى العلم اليقيني ههنا فجاز بالظن (فصل) قال الشيخ رحمه الله ومن شهد بالنكاح فلابد من ذكر شروطه وأنه تزوجها بولي
مرشد وشاهدي عدل ورضاها لأن الناس يختلفون في شروطه فيجب ذكرها لئلا يكون الشاهد معتقداً صحة النكاح وهو فاسد فإن شهد بعقد سواه كالبيع والإجارة فهل يشترط ذكر شروطه؟ على روايتين مبنيتين على الروايتين فيما ادعاها وقد ذكرناه
(مسألة) (وإن شهد بالرضاع فلابد من ذكر عدد الرضعات وأنه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه)
لأن الناس يختلفون في الرضعات وفي الرضاع المحرم فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها ولابد من ذكران ذلك في الحولين (مسألة) (وإن شهد بالقتل احتاج أن يقول ضربه بالسيف أو جرحه فقتله أو مات من ذلك فان قال جرحه فمات لم يحكم به) لجواز أن يكون مات بغير هذا وقد روي عن شريح أنه شهد عنده رجل فقال اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال شريح فمات منه أو فقتله؟ فأعاد القول الأول فأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل فقتله ولا مات منه فقال له شريح قم فلا شهادة لك رواه سعيد (مسألة) (ومن شهد بالزنا فلا بد أن يذكر بمن زنى؟ واين زنى؟ وأنه رأى ذكره في فرجها) لأن اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الجد وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا فاعتبر ذكر صفته ليزول الاحتمال واعتبر ذكر المرأة لئلا تكون ممن تحل له أوله في وطئها شبهة وذكر المكان لئلا
تكون الشهادة منهم على فعلين ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان لأنه محل الفعل فلا يعتبر ذكره كالزمان والأول أولى والزمان ممنوع في أحد الوجهين فإنه يشترط ذكره لتكون شهادتهم على فعل واحد لجواز أن يكون ما شهد به أحدهما غير ما شهد به الآخر ولأن الناس اختلفوا في الشهادة في الحد مع تقادم الزمان فقال ابن أبي موسى لا تقبل لأن عمر قال من شهد على رجل بحد فلم يشهد حين يصيبه فإنما يشهد على ضغن وقال غيره من أصحابنا تقبل لأنها شهادة بحق فجازت مع تقادم الزمان كالقصاص ولأنه قد يعرض له ما يمنعه الشهادة في حينها ويتمكن منها بعد ذلك (مسألة) (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة) لاختلاف العلماء في ذلك
(مسألة) (وإن شهد بالقذف فلابد من ذكر المقذوف وصفة القذف) لذلك
(مسألة) (وإن شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لم يحكم به حتى يقولا ولدته في ملكه) إذا ادعى عبداً أنه له فشهد له شاهدان أنه ابن أمته أو ادعى ثمرة شجرة فشهدت له البينة أنها ثمرة شجرته لم يحكم له بها لجواز أن تكون ولدته قبل تملكها وأثمرت الشجرة هذه الثمرة قبل ملكه إياها، وإن قالت البينة ولدته في ملكه أو أثمرتها في ملكه حكم له بالولد والثمرة لأنها شهدت أنها نماء ملكه ما لم يرد سبب ينقله عنه فإن قيل فقد قلتم لا تقبل شهادة بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق
قلنا الفرق بينهما على تقديم التسليم أن النماء تابع للملك في الأصل فإثبات ملكه في الزمن الماضي على وجه التبع وجرى مجرى ما لو قال ملكته منذ سنة وأقام البينة بذلك فإن ملكه يثبت في الزمن الماضي تبعاً للحال فيكون له النماء فيما مضى، ولأن البينة ههنا شهدت سبب الملك وهو ولادتها أو وجودها في ملكه فقويت بذلك ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت أفرضه ألفاً أو باعه ثبت الملك وإن لم يذكره فمع ذكره أولى
(مسألة) (وإن شهدت أنه اشتراها من فلان أو وقفها عليه أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا وهي في ملكه)
لما ذكرنا في المسألة قبلها ولأنه يجوز أن يبيع ويقف ويعتق ما لا يملك (مسألة) (وإن شهدان هذا الغزل من قطنه والطائر من بيضته أو الدقيق من حنطته حكم له بها) لأنه لا يتصور أن يكون الطير من بيضته قبل ملكه البيضة وكذلك الغزل والدقيق ولأن الغزل عين القطن وإنما تغيرت صفته والدقيق أجزاء الحنطة تفرقت والطير هو البيض استحال فكأن البينة قالت هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك الولد والئمرة فأنهما غير الأم والشجرة ولو شهد أن هذه البيضة من طيره لم يحكم له يها حتى يقول باضها في ملكه لأن البيضة غير الطير وإنما هي من نمائه فهي كالولد ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرنا (فصل) وإذا مات رجل فادعى آخر أنه وارثه فشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً غيره سلم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا، وإن قالا لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها)
وجملة ذلك أن من ادعى أنه وارث فلان الميت فشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً غيره قبلت شهادتهما وسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري، وقال ابن أبي ليلى لا يقبل حتى يبينا أنه لا وارث له سواه ولنا أن هذا مما لا يمكن علمه فكفى فيه الظاهر من شهادة الأصل بعدم وارث آخر قال أبو الخطاب سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا وكذلك ذكره شيخنا ويحتمل أن لا يقبل إلا من أهل الخبرة الباطنة لأن عدم علمهم بوارث آخر ليس بدليل على عدمه بخلاف أهل الخبرة الباطنة فإن الظاهر أنه لو كان له وارث آخر لم يخف عليهم وهذا قول الشافعي فأما إن قالا لا نعلم له وارثاً بهذه البلدة أو بأرض كذا وكذا احتمل أن يسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة كما لو قالا لا نعلم له وارثاً وذكر ذلك مذهباً لأحمد واحتمل أن هذا ليس بدليل على عدم وارث سواه لأنهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الأرض ويعلمان له وارثاً في غيرها فلم تقبل شهادتهما كما لو قالا لا نعلم له وارثاً في هذا البيت وهذا قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو أولى إن شاء الله تعالى (فصل) إذا مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن الميت لا نعلم له وارثاً سواه وشهد آخران لاخران هذا الغلام بن هذا الميت لا نعلم له وارثاً سواه فلا تعارض بينهما وثبت نسب الغلامين منه ويكون الإرث بينهما لأنه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى.
(مسألة) (وتجوز شهادة المستخفي) المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره ولا يعلم به مثل أن بجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا إقراره به ثم يشهدا به فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة، وهو قول الشافعي وروى عن أحمد رواية أخرى لا تسمع شهادته اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وروي ذلك عن شريح والشعبي لأن الله تعالى قال (ولا تجسسوا) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة) يعني أنه لا يجوز لسامعه ذكره عنه لالتفاته وحذره وقال مالك إن كان المشهود عليه ضعيفاً ينخدع لم يقبلا عليه وإن لم يكن كذلك قبلت.
ولنا انهما شهدا بما سمعاه يقينا فقبلت شهادتهما كما لو علم بهما.
(مسألة) (ومن سمع رجلاً يقر بحق أو يشهد شاهداً بحق أو سمع حاكماً يحكم أو يشهد على حكمه وإنفاذه جاز أن يشهد به في أحدى الروايتين ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن سمع رجلاً يقر بحق فالمذهب أنه يجوز أن يشهد عليه وإن لم يقل للشاهد اشهد علي وهي التي ذكرها الخرقي وبه قال الشعبي والشافعي، وعن أحمد رواية ثانية لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كما لا يجوز أن يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها ويقول له أشهد على شهادتي وعنه رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإذا سمعه يقر بدين شهد، لأن المقر بالدين معترف أنه عليه والمقر بالقرض لا يعترف بذلك لجواز أن يكون قد وفاه وعنه
رواية رابعة إذا سمع شيئاً فدعي إلى الشهادة به فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد قال ولكن يجب عليه اذا شهد أن يشهد (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال إذا شهدوا وقال ابن أبي موسى إذا سمع رجلاً يقر لرجل بحق ولم يقل اشهد علي بذلك وسع الشاهد أن يشهد عليه فيقول أشهد أني حضرت إقرار فلان بكذا، وإن سمعه يقول اقترضت من فلان أو قبضت من فلان لم يجز أن يشهد وبه والصحيح الأول لأن الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز أن يشهد به كما يجوز أن يشهد بما رآه من الأفعال فأما الشهادة على الشهادة فهي ضعيفة فاعتبرت تقويتها بالاسترعاء وذكر القاضي أن في الأفعال روايتين (إحداهما) لا يشهد به حتى يقول له المشهود عليه اشهد، قال شيخنا وهذا إن أراد به العموم في جميع الأفعال فلا يصح لأن ذلك يؤدي إلى منع الشهادة عليه بالكلية فإن الغاصب لا يقول لأحد أشهد أني غصبت ولا السارق ولا الزاني وأشباه هؤلاء وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بالزنا فلم يقل عمر هل أشهدكم أولاً؟ ولا قاله للذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر ولا قاله عثمان للذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر ولم يقل هذا أحد من الصحابة ولا غيرهم ولا بلغنا عن حاكم من حكام المسلمين في قديم الدهر وحديثه أنه رد شهادة على فعل بكون الشاهد لم يحملها فحصل ذلك إجماعاً ولان الشاهد مخبر صادق وهذا يحصل من غير أن يقال له اشهد وكذلك إن سمع
الحاكم يحكم أو شهد على حكمه وإنفاذه جاز أن يشهد على ذلك في أظهر الروايتين والأخرى لا يجوز حتى يشهده ووجههما ما ذكرنا والله أعلم (فصل) ولو حضر شاهدان حساباً بين رجلين شرطا عليهما ان لا يحفظا عليهما شيئاً كان للشاهدين أن يشهدا بما سمعاه منهما ولم يسقط ذلك بشرطهما لأن للشاهد أن يشهد بما سمعه أو علمه وقد حصل ذلك سواء أشهده أو منعه وكذلك يشهدان على العقود بحضورهما وعلى الجنايات بمشاهدتهما ولا يحتاجان إلى إشهاد وبه قال ابن سيرين ومالك والثوري والشافعي (فصل) والحقوق على ضربين (أحدهما) حق لآدمي معين كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود والعقوبات كالقصاص وحد القذف والوقف على آدمي معين فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد الدعوى لأن الشهادة فيه حق لآدمي فلا يستوفى إلا بعد مطالبته واذنه ولانه حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقديمها عليها (الضرب الثاني) اما كان حقاً لآدمي غير معين كالوقوف على الفقراء والمساكين أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة والوصية لشئ من ذلك أو نحو هذا، وما كان حقاً لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى أو الزكاة الكفارة قلا تفتقر الشهادة إلى تقدم الدعوى لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدميين يدعيه ويطالب به ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فأجيزت شهادتهم
ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد كتحريم الزوجة بالطلاق أو الظهار أو إعتاق الرقيق تجوز الحسبة به ولا تعتبر فيه الدعوى فلو شهد شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء ثبت ذلك سواء صدقهما المشهود عليه أو لم يصدقهما وبهذا قال الشافعي وقال به أبو حنيفة في الأمة وقال في العبد لا يثبت ما لم يصدق العبد به ويدعيه لأن العتق حقه فاشبه سائر حقوق ولنا انها شهادة بعتق فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى كعتق الأمة وتخالف سائر حقوق الآدمي لأنه حق لله تعالى ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق ودليل ذلك الأمة وبه يبطل ما ذكروه فإن قال الأمة يتعلق بإعتاقها تحريم الوطئ قلنا هذا لا أثر له فإن البيع يوجب تحريمها عليه ولا تسمع الشهادة إلا بعد الدعوى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر وشهد آخر انه غصبه ثوباً أبيض أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت) متى كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما مثل أن يشهد أحدهما أنه غصبه ديناراً يوم السبت بدمشق ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر أو يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا ويشهد الآخر أنه غصبه ثوباً فلا تكمل الشهادة لأن كل فعل
لم يشهد به شاهدان.
وهكذا إن اختلفا في زمن القتل ومكانه أو صفته أو في شرب الخمر أو القذف
لم تكمل الشهادة لأن ما شهد به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر فلم يشهد بكل واحد من الفعلين إلا شاهد واحد فلم يقبل إلا على قول أبي بكر فإن هذه الشهادة تكمل ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان أو المكان، فأما إن اختلفا في صفة الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيساً أبيض وشهد الآخر أنه سرق مع الزوال كيساً أسود أو شهد أحدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد الآخر أنه سرقه عشياً لم تكمل الشهادة ذكره ابن حامد وقال أبو بكر تكمل الشهادة والأول أصح لأن كل فعل لم يشهده إلا واحد على ما قدمنا، فإن اختلفا في صفة المشهود به اختلافاً يوجب تغايرهما مثل أن يشهد أحدهما بثوب والآخر بدينار فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل لأنه لا يمكن إيجابهما جميعاً لأنه يكون إيجاب حق عليه بشهادة واحد ولا إيجاب أحدهما بعينه لأن الآخر لم يشهد به وليس أحدهما أولى من الآخر فأما إن شهد بكل فعل شاهدان واختلفا في المكان أو الزمان أو الصفة ثبتا جميعاً لأن كلاً منهما قد شهد به بينة عادلة لو انفردت أثبتت الحق وشهادة الأخرى لا تعارضها لإمكان الجمع بينهما إلا أن يكون الفعل مما لا يمكن تكراره كقتل رجل بعينه فتتعارض البينتان لعلمنا أن إحداهما كاذبة ولا نعلم أيتهما هي؟ بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه فإنهما يثبتان جميعاً إن أدعاهما وإن لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه دون ما لم يدعه، وإن شهد اثنان أنه سرق مع الزوال كيساً أسود وشهد آخران أنه سرق مع الزوال كيساً أبيض أو شهد اثنان أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخران أنه سرقه عشياً فقال القاضي يتعارضان وهو مذهب الشافعي كما لو كان المشهود به قتلاً، قال شيخنا والصحيح أن هذا لا تعارض فيه لأنه يمكن صدق البينتين بأن يسرق عند الزوال كيسين أبيض
وأسود وتشهد كل بينة بأحدهما ويمكن أن يسرق كيساً غدوةً ثم يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشياً ومع إمكان الجمع لا تعارض فلي هذا ان ادعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الأولى وأما في الصورة الثانية فيثبت له الكيس المشهود به حسب فإن المشهود به وإن كان فعلين لكنهما في محل
واحد فلا يجب أكثر من ضمانه، وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين ثبت له ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه، وإن شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم وشهد آخر بسرقة كيس في يوم آخر أو شهد أحدهما بسرقته من مكان وشهد آخر بسرقته في مكان آخر أو شهد أحدهما بغصب كيس أبيض وشهد آخر بغصب كيس أسود فادعاها المشهود له فله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له به لأنه مال قد شهد له شاهد وإن لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه ولم يثبت له الآخر لأنه لم يدعه.
(مسألة) (وإن شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس وشهد آخر انه أقر له بألف اليوم أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس وشهد آخر انه باعه إياها اليوم كملت البينة وثبت البيع والاقرار وكذلك كل شهادة على القول) أما إذا شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس وشهد آخر انه أقر له بألف اليوم كملت البينة، لأن الألف التي شهد بها أحدهما هي الألف التي شهد بها الآخر ولأن الشاهدين شهدا بألف وإن شهد أحدهما أنه باعه أمس وشهدا آخر انه باعه اليوم أو شهد أحدهما أنه طلقها أمس وشهد آخر انه طلقها
اليوم، فقال أصحابنا تكمل الشهادة وقال الشافعي لا تكمل لأن كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغضب في وقتين.
ووجه قول اصحابنا إن المشهود به شئ واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحداً فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه فلم يؤثر كما لو شهد أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية وكذلك الحكم في كل شهادة على قول فالحكم فيه كالحكم في البيع إلا النكاح فإنه كالفعل إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل الشهادة في قولهم جميعاً لأن النكاح أمس غير النكاح اليوم فلم يشهد بكل واحد من العقدين إلا شاهد واحد فلم يثبت كما لو كانت الشهادة على فعل.
(مسألة) (وكذلك القذف إذا شهد أحدهما أنه قذفه غدوة وشهد الآخر أنه قذفه عشية أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية وشهد الآخر أنه قذفه بالعجمية أو اختلفا في المكان لم يثبت القذف)
لأن القذف في مكان غير القذف في المكان الآخر وكذلك الاختلاف في الزمان وقال أبو بكر يثبت القذف لأن المشهود به واحد وإن اختلفت العبارة واختلف الزمان والأول المذهب (فصل) في الشهادة على الإقرار بالفعل مثل أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي يوم الخميس بدمشق
أنه قتله أو قذفه أو غصبه كذا أو أن له في ذمته كذا ويشهد الآخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص كملت شهادتهما، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال زفر لا تكمل شهادتهما لأن كل إقرار لم يشهد به إلا واحد فلم تكمل الشهادة كالشهادة على الفعل ولنا أن المقر به واحد وقد شهد اثنان بالإقرار به فكملت شهادتهما كما لو كان الإقرار بهما واحدا وفارق الشهادة على الفعل فإن الشهادة فيها على فعلين مختلفين فنظيره من الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة فإن شهادتهما لا تقبل ههنا ويحقق ما ذكرناه أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق كل واحد والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له فيمضي إليهم في أوقات منفردة وأماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره فإن كان الإقرار بفعلين مختلفين مثل أن يقول أحدهما أشهد أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وقال الآخرر أشهد أنه أقر عندي أنه قذفه بالعجمية لم تكمل الشهادة لأن الذي يشهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه فلم تكمل الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير وشهد الآخر أنه غصبه دراهم لم تكمل وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة في القتل والقذف لأن القذف بالعربية أو العجمية والقتل بالبصرة أو الكوفة ليس من المقتضي فلا تعتبر في الشهادة والأول أصح
(فصل) فإن شهد أحدهما أنه غصبه هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه كملت الشهادة ويحكم بها لأنه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي شهد الشاهد به فلم يختلف الفعل وكملت الشهادة كما لو شهدا في وقتين على إقراره بالغصب وقال القاضي لا تكمل الشهادة ولا يحكم بها وهو قول الشافعي لأنه يجوز أن يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد وهذا يبطل بالشهادة على إقرارين فإنه يجوز أن يكون ما أقر به عند أحد الشاهدين غير ما أقر به عند الآخر إذا كانا في وقتين مختلفين ولأنه إذا أمكن جعل الشهادة على فعل واحد لم يحمل على اثنين كالإقرارين وكما لو شهد بالغصب إثنان وشهد على الإقرار به إثنان فإن شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد من زيد أو أقر بغصبه منه وشهد الآخر أنه ملك زيد لم تكمل شهادتهما لأنهما لم يشهدا على شئ واحد وإن شهد أنه اخذه من يديه ألزمه الحاكم رده إلى يديه لأن اليد دليل الملك فيرده إلى يده لتكون دلالتها ثابتة له قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل ادعى داراً في يد رجل وأقام شاهدين شهد أحدهما قال أشهد أن هذه الدار لفلان وقال الآخر أشهد أن هذه الدار دار فلان قال شهادتهما جائزة (مسألة) (وإن شهد شاهد أنه أقر له بألفين وشهد آخر انه أقر له بألف ثبت الألف ويحلف على الآخر مع شاهده إن أحب) وجملة ذلك أنه إذا شهد احد الشاهدين بشئ وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به وهذا قول شريح ومالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد واسحاق وابي
عبيد وحكي عن الشعبي أنه شهد عنده رجلان شهد أحدهما أنه طلقها تطليقة وشهد آخر انه طلقها تطليقتين فقال قد اختلفتما قوما وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين لم تكمل الشهادة لأن الإقرار بالالف غير الاقرار بألفين ولم يشهد بكل إقرار إلا واحد.
ولنا أن الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يرد أحدهما على صاحبه وما ذكروه من أن كل إقرار إنما شهد به واحد يبطل بما إذا شهد أحدهما أنه أقر بألف غدوة وشهد الآخر أنه أقر بألف عشياً فإن الشهادة تكمل مع أن كل إقرار إنما شهد به واحد فأما ما انفرد به أحدهما فإن للمدعي أن يحلف معه ويستحق هذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين وهذا فيما إذا أطلقا الشهادة أو لم تختلف الأسباب والصفات.
(فصل) إذا شهد له شاهدان بألف وشاهدان بخمسمائة ولم تختلف الأسباب والصفات دخلت الخمسمائة في الألف ووجب له الألف بالشاهدين، وإن اختلفت الأسباب والصفات وجب له الألف والخمسمائة ولم يدخل أحدهما في الآخر لأنهما مختلفان
(مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً وشهد آخران له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين)
(أحدهما) : تكمل كالتي قبلها، (والثاني) : لا تكمل لأنه يحتمل أن يكون الألف المنفرد من غير الألفين.
(مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً من قرض وشهد آخران أن له عليه ألفاً من ثمن مبيع لم تكمل البينة) أما إذا اختلفت الأسباب والصفات مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع أو يشهد شاهد بألف بيض وآخر بألف سود أو يشهد أحدهما بألف دينار والآخر بألف درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها أو يحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به (مسألة) (وإن شهد شاهدان أن له عليه ألفاً وقال أحدهما قضاه بعضه بطلت شهادته نص عليه وإن شهد أنه أقرضه ألفاً وقال أحدهما قضاه نصفه صحت شهادتهما) إذا شهدا أن له عليه ألفاً ثم قال أحدهما قضاه نصفه بطلت شهادته وهكذا ذكره أبو الخطاب وذلك بأنه شهد بأن الألف جميعه عليه فإذا قضاه بعضه لم يكن الألف كله عليه فيكون كلامه متناقضاً فتفسد شهادته وفارق هذا ما لو شهد بألف ثم قال بل بخمسمائة لأن ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه وهذا لا يقول ذلك على وجه الرجوع والمنصوص عن أحمد أن شهادته تقبل بخمسمائه فإنه قال إذا شهد بألف ثم قال أحدهما قبل الحكم قضاه منه خمسمائه أفسد شهادته والمشهود له ما اجتمعا عليه وهو خمسمائه فصحت شهادته في نصف الألف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه لأنه بمنزلة الرجوع عن الشهادة به فأشبه ما لو قال أشهد بألف بل خمسمائه قال أحمد ولو جاء
بعد هذا المجلس فقال أشهد أنه قضاه منه خمسمائه لم يقبل منه لأنه قد أمضى الشهادة فهذا يحتمل أنه أراد إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه لأن الألف قد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا تقبل شهادته بانقضاء لأنه لا يثبت بشاهد واحد فألما إن شهد أنه أقرضه ألفاً ثم قال أحدهما قضاه منه خمسمائه قبلت شهادته في باقي الألف وجهاً واحداً لأنه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف
(مسألة) (وإن كانت له بينة بألف فقال أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز)
وعند أبي الخطاب يجوز قال أحمد إذ شهد على الف وكان الحاكم لا يحكم إلا على مائتين فقال له صاحب الحق أريد أن تشهدا لي على مائة لم يشهد إلا بألف قال القاضي وذلك أن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد قال الله تعالى (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ولأنه لو ساغ للشاهد أن يشهد ببعض ما أشهد لساغ للقاضي أن يقضي ببعض ما شهد به الشاهد وقال أبو الخطاب عندي يجوز بذلك لأن من شهد بألف فقد شهد به بمائة وإذا شهد بمائة لم يكن كاذباً في شهادته فجاز كما لو كان قد أقرضه مائة مرة وتسعمائة أخرى: قال شيخنا والأول أصح لما ذكر القاضي لأن شهادته بمائة ربما أوهمت أن هذه المائة غير التي شهدت بأصله فيؤدي إلى إيجابها عليه مرتين قال أحمد إذا
قال أشهد على مائة درهم ومائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة كره إلا أن يقول أشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان (فصل) قال أحمد إذا شهد بألف درهم ومائة درينار فله دراهم ذلك البلد ودنانيره قال القاضي لانه لما جاز آن يحمل مطلق العقد على ذلك جاز آن تحمل الشهادة عليه (فصل) إذا شهد شاهد انه باعه هذا العبد بألف وشهد آخر انه باعه إياه بخمسمائة لم تكمل البينة لاختلافهما في صفة البيع وله أن يحلف مع أحدهما ويثبت له ما حلف عليه فإن شهد بكل عقد شاهدان ثبت البيعان فإن أضافا البيع إلى وقت واحد مثل أن يشهدا أنه باعه هذا العبد مع الزوال بألف وشهد آخر انه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة تعارضت البينتان وسقطتا لأنه لا يمكن اجتماعهما وكل بينة تكذب الأخرى وان شهد بكل واحد من هذين شاهد واحد كان له أن يحلف مع أحدهما ولا يتعارضان لأن التعارض إنما يكون مع البينتين الكاملتين
(باب شروط من تقبل شهادته) وهي ستة أحدها البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان وعنه تقبل ممن هو في حال العدالة وعنه لا تقبل إلى في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فالمشهور عنه أنها لا تقبل شهادة الصبي ما لم يبلغ روي هذا عن ابن عباس وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن أبي ليلى والاوزاعي والثوري والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد رواية ثانية أن شهادته تقبل إذا كان ابن عشر قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد وروي عن علي رضي الله عنه أن شهادة بعضهم تقبل على بعض، وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي قال ابراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم قال المغيرة وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد.
وروى الإمام أحمد بإسناده عن مسروق قال كنا عند علي فجاءه خمسة غلمة فقالوا إنا كنا ست غلمة تتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الإثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة اخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى بنحو هذا مسروق وعنه رواية ثالثة أن شهادتهم لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم وهو قول مالك لأن الظاهر صدقهم وضبطهم ولا تقبل بعد الإفتراق لأنه يحتمل أن يلقنوا.
قال ابن الزبير إن أخذوا عند مصاب
ذلك فبالحري أن يعقلوا ويحفظوا وعن الزهري أن شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شئ لقول الله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقال سبحانه (ممن ترضون من الشهداء) والصبي لا يرضى وقال عزوجل (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبي لا يأثم فيدل على أنه ليس بشاهد ولأن الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعنه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولأن من لا يقبل قوله على نفسه في الاقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا أن الاقرار اوسع لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة ولا تصح الشهادة منهم ولأن من لا تقبل شهادته في المال لا تقبل في الجراح كالفاسق (والثاني) العقل فلا تقبل شهادة معتوه ولا مجنون إلا من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال إفاقته ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً قال إبن المنذر وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو صغر لأنه ليس بمحصل ولا تحصل الثقة بقوله فأما من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال إفاقته فتقبل شهادته لأنها شهادة من عاقل أشبه من يخنق
(الثالث) الكلام فلا تقبل شهادة الأخرس نص عليه أحمد قيل له وإن كتبها؟ قال لا أدري وهو قول أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي وابن المنذر تقبل إذا فهمت إشارته لفيامها مقام نطقه في كل أحكامه من كلامه ونكاحه وغير ذلك فكذلك في شهادته واستدل ابن المنذر بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار وهو جالس إلى الناس وهو قيام (أن اجلسوا فجلسوا) ولنا انها شهادة بالإشارة فلم تجز كإشارة الناطق لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفي بايماء الناطق ولا يحصل اليقين بالإشارة وإنما اكتفي بإشارته في أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ههنا وما استدل به ابن المنذر لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادراً على الكلام وعمل بإشارته إلى الصلاة ولو شهد الناطق بالإشارة والايماء لم تصح شهادته إجماعاً فعلم أن الشهادة تفارق غيرها من الأحكام ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فهمت إشارته لأن إشارته بمنزلة نطقه كما في سائر احكامه والأول أولى لأنا إنما قبلنا إشارته فيما يختص به للضرورة ولا ضرورة ههنا (الرابع) الإسلام فلا تقبل شهادة كافر إلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم ويحلفهم الحاكم بعد العصر لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وانها لوصية الرجل بعينه فإن عثر على أنهما استحقا إثما قام آخران من أولياء
الوصي فحلفا بالله لشهادتنا احق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضي لهم وعنه أن شهادة بعض أهل الذمة تقبل على بعض والأول المذهب وجملة ذلك أن شهادة أهل الكتاب لا تقبل في شئ على مسلم ولا كافر إلا في الوصية في السفر على ما نذكره ذكره الخرقي، وروي ذلك عن أحمد نحو من عشرين نفساً وممن قال لا تقبل شهادتهم الحسن وابن أبي ليلى والاوزاعي ومالك وأبو ثور ونقل حنبل عن أحمد أن شهادة بعضهم تقبل على بعض وخطأه الخلال في نقله هذا وقال صاحبه أبو بكر هذا غلط لا شك فيه وقال ابن حامد بل المسألة على ووايتين قال ابو حفص البرمكي تقبل شهادة السبي بعضهم على بعض في النسب إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه والمذهب الأول والظاهر غلط من روى خلاف ذلك وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن شهادة بعضهم على بعض تقبل ثم اختلفوا فمنهم من قال الكفر ملة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي هذا قول حماد وسوار والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وعن قتادة والحكم وأبي عبيد واسحاق تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودي ويروى عن الزهري والشعبي كقولنا وقولهم، واحتجوا بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه ولأن بعضهم يلي على بعض فتقبل شهادة بعضهم على بعض كالمسلمين ولنا قول الله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقال تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم -
إلى قوله - ممن ترضون من الشهداء) والكافر ليس بذي عدل ولا هو منا ولا من رجالنا ولا ممن نرضاه ولأنه لا تقبل شهادته على غير أهل دينه فلا تقبل على أهل دينه كالحربي والخبر يرويه أهل مجلد وهو ضعيف وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين فإنها تسمى شهادة قال الله تعالى في اللعان (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) وأما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة وقرابتهم ثابتة وشفقتهم كشفقة المسلمين وجازت لموضع الحاجة فإن غير أهل دينهم لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك لكثرتهم بخلاف الشهادة فإنها ممكنة من المسلمين، وقد روي عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقبل شهادة أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم (فصل) فأما شهادة أهل الكتاب بوصية المسافر الذي مات في سفره إذا شهد بها شاهدان من أهل الذمة قبلت شهادتهم إذا لم يوجد غيرهما من المسلمين ويستحلفان بعد العصر على ما ذكرنا في صدر المسألة قال إبن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين يعني الآية التي في سورة المائدة ومن قاله شريح والنخعي والأوزاعي ويحيى بن حمزة وقضى بذلك عبد الله بن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لأن من لا تقبل شهادته في غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق ولأن الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى واختلفوا في تأويل الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء ومنهم قال المراد بقوله من غيركم أي من عشيرتكم ومنهم من قال المراد بالشهادة اليمين
ولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت) الأية وهذا نص الكتاب وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى ابن عباس قال خرج رجل من بني تميم الداري وعدي بن زيد فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقد واجام فضة مخوصاً بالذهب فاحلفهما رسلو الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تيمم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا احق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم فنزلت فيهم (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) الآية وعن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وانها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما رواه أبو داود وروى الخلاف حديث أبي موسى باسناده وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين وقد فسره بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن
وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير وسليمان التيمي وغيرهم ودلت عليه الأحاديث التي رويناها ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لاقسامة عليهم وحملها على التحمل لا يصح لأنه أمر باحلافهم ولا أيمان في التحمل وحملها على اليمين لا يصح لقوله (فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله) ولأنه عطفها على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان وروى أبو عبيد في الناسخ المنسوخ أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان قال أحمد أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى من أين يعرفونه؟ فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الصحابة وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به سواء وافق القياس أو خالفه (الخامس) أن يكون ممن يحفظ فلا تقبل شهادة مغفل ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان لان الثقة لا تحصل بقوله لاحتمال أن يكون من غلطه وتقبل شهادة من يقل ذلك منه لأن أحداً لا يسلم من الغلط.
(فصل) قال رحمه الله (السادس) (العدالة وهي استواء احواله في دينه واعتدال اقواله وافعاله وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة ويعتبر له شيئان الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم وهو أن لا يرتكب كبيرة ولا يد من على صغيرة) فإن الله تعالى نهى ان تقبل شهادة القاذف
فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة ولا يخرجه عن العدالة فعل صغيرة لقول الله تعالى (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم) قيل اللمم صغار الذنوب ولان التحرز منها غير ممكن وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن تغفر اللهم تغفر جما واي عبد لك لا ألما) اي لم يلم فان لامع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل وقيل اللمم ان يلم بالذنب ولا يعود فيه والكبائر كل ذنب فيه حد والاشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين، وقد روى أبو بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس فقال - ألا وقول الزور وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه قال أحمد لا تجوز شهادة
آكل الربا والعاق وقاطع الرحم ولا من لا يؤدي زكاة ماله، وإذا اخرج في طريق المسلمين الاسطوانة والكنيف لا يكون عدلا ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذ من طريق المسلمين ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة.
وقال عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر على أخيه في عداوة ولا القاطع لاهل البيت ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ضنين في قرابة ولا ولاء) وقد رواه أبو داود (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولان ذي غمر على أخيه) فاما الصغائر فان كان مصرا عليها ردت شهادته وإن كان الغالب من امره الطاعات لم ترد لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه.
(مسألة) (ولا تقبل شهادة فاسق لقوله سبحانه وتعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم)
وقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) الآية والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه وقد روي في الحديث (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا ذي غمر على أخيه) رواه أبو عبيد وكان أبو عبيد لا يرى الخائن والخائنة مختصا بامانات الناس بل جميع ما فرض الله تعالى على العباد القيام به واجتنابه من كبير ذلك وصغيره قال الله تعالى (انا عرضنا على السموات والارض والجبال) الآية وروي عن عمر أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول ولان دين الفاسق لا يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره إذا تقرر هذا فالفسق نوعان: (احدهما) من جهة الأفعال فلا خلاف في رد شهادته (الثاني) من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضاً.
وبه قال مالك وشريك واسحاق وأبو عبيد وابو ثور قال شريك اربعة لا تجوز شهادتهم رافضي يزعم أنه له اماما مفترضة طاعته وخارجي يزعم ان الدنيا دار حرب وقد يزعم ان المشيثة إليه ومرجئ، ورد شهادة يعقوب وقال الا ارد شهادة قوم يزعمون ان الصلاة ليست من الأيمان؟ وقال أبو حامد من أصحاب الشافعي المختلفون على ثلاثة أضرب (ضرب) اختلفوا في الفروع
فهؤلاء لا يفسقون ولا ترد شهادتهم وقد اختلفت الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين
(الثاني) من نفسقه ولا نكفره وهو من سب القرابة كالخوارج أو من سب الصحابة كالروافض فلا تقبل لهم شهادة لذلك (الثالث) من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفى الرؤية واضاف المشيئة إلى نفسه فلا تقبل له شهادة وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال: وقال أحمد ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الاهواء وأجاز سوار شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال قال الشافعي إلا أن يكون ممن يرى الشهادة بالكذب كالخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعض بتصديقه ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الاسلام أشبه الاختلاف في الفروع ولان فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الافعال.
(مسألة) (ويتخرج قبول شهادة أهل الذمة على قبول شهادة الفاسق من جبة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقيه على مخالفيه كالخطابية.
وكذلك قال أبو الخطاب.
وروى عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية فكذلك الشهادة.
ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولأنه فاسق فترد شهادته للآية
(مسألة) (فأما من فعل شيئاً من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي أو شرب من النبيذ مالا يسكره أو أخر الحج مع امكانه ونحوه متأولاً فلا ترد شهادته)
وإن فعله معتقداً تحريمه ردت شهادته.
ويحتمل أن لا ترد بنص عليه أحمد في شارب النبيذ يحد ولا ترد شهادته.
وبهذا قال لشافعي وقال مالك ترد شهادته لأنه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه
فأشبه المتفق على تحريمه ولنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه ولا يفسقه ولأنه فرع مختلف فيه فلم ترد شهادة فاعله كالذي يوافقه عليه الحاكم، فأما إن فعله معتقداً تحريمه ردت شهادته إذا تكرر ويحتمل أن لا ترد وبه قال أصحاب الشافعي لأنه فعل لا يرد شهادة بعض الناس فلا يرد شهادة البعض الآخر كالمتفق على حله ووجه الأول أنه فعل محرم على فاعله ويأثم به فأشبه المتفق على تحريمه، وبهذا فارق معتقد حله وقد روي عن أحمد فيمن يجب عليه الحج فلا يحج ترد شهادته وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور فأما من يعتقد أنه على التراخي وبتركه بنية فعله فلا ترد شهادته كسائر ما ذكرنا وقيل ترد لأنه
روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لقد هممت أن أنظر في الناس فمن وجدته يقدر على الحج ولا يحج ضربت عليه الجزية ثم قال ما هم بمسلمين وما هم بمسلمين
(مسألة) الثاني (استعمال المروءة وهو فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه فلا تقبل شهادة المصانع، والمتمسخر، والمغني، والرقاص، واللاعب بالشطرنج، والنرد، والحمام والذي يتغدى في السوق ويمد رجليه في مجمع الناس ويحدث بمباضعته أهله وأمته ويدخل الحمام بغير مئزر ونحو ذلك) المروءات اجتناب الأمور الدنيئة المزرية به وذلك نوعان (أحدهما) في الأفعال كالأكل في السوق وهو الذي ينصب مائدة في السوق ويأكل والناس ينظرون إليه ولا يعني أكل شئ يسير كالكسرة ونحوها، وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يمد رجليه في مجمع الناس أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته أو أمته أو غيرهما بحضرة الناس الخطاب الفاحش أو يحدث الناس بمباضعته أهله أو نحو هذا من الأفعال الدنيئة فلا تقبل شهادته لأن هذا سخف ودناءة فمن