الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 37-76
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فهو أخوك " رواه الإمام أحمد ولأنها عبادة تختص المسلمين، فاذا صلى حكم باسلامه كالشهادتين، فأما الحج فان الكفار كانوا يفعلونه والصيام ترك المفطرات فقد يفعله من ليس بصائم، فأما صلاته في نفسه فأمر بينه وبين الله سبحانه وتعالى فان علم أنه كان قد أسلم ثم توضأ وصلى بنية صحيحة فهي صحيحة وإلا فعليه الإعادة، لأن الوضوء لا يصح من الكفار.
واذا لم يسلم قبل الصلاة كان حال شروعه فيها غير مسلم ولا متطهر فتصح منه والله أعلم

  • (فصل) * ولا تصح إمامة الأخرس بغير أخرس لأنه يترك ركناً وهو القراءة تركاً مأيوساً من زواله فلم تصح إمامته بقادر عليه كالعاجز عن الركوع والسجود.
    فأما إمامته بمثله فقياس المذهب صحتها قياساً على الأمي والعاجز عن القيام يؤم مثله وهذا في معناهما والله أعلم.
    وقال القاضي وابن عقيل لا تصح لأن الأمي غير مأيوس من نطقه والأول أولى * (فصل) * فأما الأصم فتصح إمامته لأنه لا يخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه

الأعمى، فان كان الأصم أعمى صحت إمامته كذلك.
وقال بعض أصحابنا لا تصح إمامته لأنه اذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا إشارة.
قال شيخنا والأولى صحتها لأنه لا يمنع من صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده كالمجنون حال إفاقته * (مسألة) * (ولا تصح إمامة من به سلس البول ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود) وجملة ذلك أنه لا تصح إمامة من به سلس البول ومن في معناه ولا المستحاضة بصحيح لانهم يصلون مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة.
فأما من عليه النجاسة فإن كانت على بدنه

فتيمم لها لعدم الماء جاز للطاهر الإئتمام به كما يجوز للمتوضئ الائتمام بالمتيمم للحدث، هذا اختيار القاضي وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به لأنه أوجب عليه الإعادة، وإن كانت على ثوبه لم يجز الائتمام به لتركه الشرط ولا يجوز إئتمام المتوضئ ولا المتيمم بعادم الماء والتراب ولا اللابس بالعاري ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه لأنه ما ترك لشرط يقدر عليه المأموم أشبه ائتمام المعافى بمن به سلس البول ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله لأن العراة يصلون جماعة وكذلك الأمي يجوز أن يؤم مثله كذلك هذا

  • (فصل) * ويصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم بغير خلاف نعلمه لأن عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره، وأم ابن عباس أصحابه متيمماً وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكروه ولأن طهارته صحيحة أشبه المتوضئ * (فصل) * ولا تصح إمامة العاجز عن شئ من أركان الأفعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان إمام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجوز لأنه

فعل أجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا أنه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالأمي.
وأما القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف أن المصلي خلف الضطجع لا يضطجع فأما إن أم مثله فقياس المذهب صحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في المطر بالايماء والعراة يصلون جماعة بالايماء، وكذلك حال المسايفة ولأن الأمي تصح إمامته بمثله كذلك هذا

  • (مسألة) * (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته) ولا تصح إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه إذا لم يكن إمام الحي رواية واحدة لأنه يخل بركن من أركان الصلاة أشبه العاجز عن الركوع، وتجوز إمامته بمثله كما يؤم الأمي مثله * (فصل) * فأما إمام الحي إذا عجز عن القيام فيجوز أن يؤم القادر عليه بشرط أن يكون ذلك لمرض يرجى زواله، لأن اتخاذ الزمن ومن لا ترجى قدرته على القيام إماماً راتباً يفضي الى تركهم القيام على الدوام وإلى مخالفة قوله عليه السلام " فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون " ولا حاجة إليه ولأن

الأصل في هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكان يرجى برؤه، فاذا وجد فيه هذان الشرطان فالمستحب له أن يستخلف لأن الناس مختلفون في صحة امامته ففي استخلافه خروج من الخلاف ولأن صلاة القائم أكمل وكمال صلاة الامام مطلوب، فإن قيل فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ولم يستخلف قلنا فعل ذلك لتبيين الجواز واستخلف مرة أخرى ولأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً أفضل من صلاة غيره قائماً فان صلى بهم قاعداً جاز وصلوا وراءه جلوساً يروي ذلك عن أربعة من أصحاب

النبي صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن فهد، وأبو هريرة، وهو قول الأوزاعي وحماد ابن زيد واسحق وابن المنذر، وقال مالك في إحدى الروايتين: لا تصح صلاة القادر على القيام خلف القاعد وهو قول محمد بن الحسن، قال الشعبي روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال " لا يؤمن أحد بعد جالساً " أخرجه الدارقطني.
ولأن القيام ركن لا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يصلون خلفه قياماً، لما روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ثم وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر

فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد.
متفق عليه وهذا أخير الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه ركن قدر عليه فلم يجز له تركه كسائر الاركان ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون " متفق عليه، وعن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

في بيته وهو شاك فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال " إنما جعل الإمام ليؤتم به فادا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالساً فصلو جلوساً أجمعون " أخرجه البخاري قال ابن عبد البر روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وابن عمر وعائشة كلها بأسانيد صحيحة فأما حديث الشعبي فمرسل ويرويه جابر الجعفي وهو متروك وقد فعله أربعة من

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وأما حديث الآخرين فليس فيه حجة قاله أحمد لأن أبا بكر كان ابتدأ الصلاة فلما أتمها قائماً فأشار أحمد إلى امكان الجمع بين الحديثين بحمل حديثهم على من ابتدأ الصلاة قائماً والثاني على من ابتدأ الصلاة جالساً ومتى أمكن الجمع بين الحديثين كان أولى من النسخ ثم

يحتمل أن أبا بكر كان الامام قاله ابن المنذر في بعض الروايات وقالت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه وقال أنس صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به، قال الترمذي كلا الحديثين حسن صحيح ولا يعرف للنبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر صلاة إلا في هذا الحديث.
وروى مالك الحديث عن ربيعة وقال كان أبو بكر الامام قال مالك العمل عندنا على حديث ربيعة هذا، فإن قيل لو كان أبو بكر الامام لكان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم.
قلنا يحتمل أنه فعل ذلك لأن وراءه صفاً والله أعلم * (مسألة) * قال (فإن صلوا قياماً صحت صلاتهم في أحد الوجهين) (أحدهما) لا تصح أومأ إليه أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس ونهاهم عن القيام فقال في حديث جابر " إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، ولا تقوموا والإمام جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها " فقعدنا، ولأنه ترك الاقتداء بإمامه مع القدرة عليه أشبه تارك القيام في حال

قيام إمامه (والثاني) يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وراءه قوم قياماً فلم يأمرهم بالإعادة، فعلى هذا يحمل الأمر على الاستحباب ولأنه تكلف القيام في موضع يجوز له الجلوس أشبه المريض اذا تكلف القيام، ويحتمل أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم كما قالوا في الذي ركع دون الصف

* (مسألة) * (فان ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً

لأن أبا بكر حين ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالساً أتموا قياماً ولم يجلسوا ولأن القيام هو الأصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالذي أحرم في الحضر ثم سافر (فصل) فان استخلف بعض الأئمة في وقتنا هذا فزال عذره فحضر فهل يجوز أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر؟ فيه ثلاث روايات (إحداها) ليس له ذلك قال أحمد في رواية أبي

داود وذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا أمر يخالف القياس فان انتقال الامام مأموماً وانتقال المأمومين من إمام الى آخر لا يجوز إلا لعذر يحوج اليه وليس في تقدم الامام الراتب ما يحوج الى هذا أما النبي صلى الله عليه وسلم فانه من الفضيلة وعظم المنزلة ما ليس لأحد ولذلك قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والثانية) يجوز نص عليه في رواية أبي الحارث فعلى هذا يكبر ويقعد الى جنب الامام ويبتدئ القراءة من حيث بلغ الامام لأن الأصل أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يكون جائزاً لأمته ما لم يقم على اختصاصه به دليل (والرواية الثالثة) إن ذلك يجوز للخليفة دون بقية الأئمة فإنه قال في رواية المروزي ليس هذا لأحد إلا الخليفة وذلك لأن رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الأئمة فلا يلحق بها غيرها وكان ذلك للخليفة وخليفة النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقامه

  • (مسألة) * ولا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى.
    لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقال أبو ثور لا إعادة على المصلي خلفها وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود وهذا عام ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤمن امرأة رجلاً رواه ابن ماجه ولأنها لا تؤذن رجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون وحديث أم ورقة انما أذن لها أن تؤم بنساء أهل الدار كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الحديث عليه وذلك لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذناً والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في المذهب أنها

لا تؤمهم في الفرائض فالتخصيص بالتروايح تحكم بغير دليل، ولو ثبت ذلك لأم ورقة لكان خاصاً بها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء اذان ولا إقامة فتختص بالامامة كما اختص بالأذان والإقامة (فصل) وأما الخنثى فلا يجوز أن يؤم رجلاً لاحتمال أن يكون امرأة ولا يؤم خنثى لجواز أن يكون الامام امرأة والمأموم رجلاً ولا أن تؤمه امرأة لجواز أن يكون رجلاً ويجوز له أنه يؤم المرأة لأن أدنى أحواله أن يكون امرأة وقال القاضي رأيت لأبي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة لأنه إن قام مع الرجال احتمل أن يكون امرأة وان قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجل وان أم الرجال احتمل أن يكون امرأة وان أم النساء فقام وسطهن احتمل أن يكون رجل وان قام أمامهن احتمل أنه امرأة، قال الشيخ ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة

وفي صورة أخرى وهو أن يقوم في صف الرجال مأموماً فإن المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها

* (مسألة) * (ولا إمامة الصبي لبالغ إلا في نفل على إحدى الروايتين)

ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض نص عليه أحمد وهو قول ابن مسعود وابن عباس وبه قال عطاء والشعبي ومالك والثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وأجازه الحسن والشافعي واسحق وابن المنذر وذكر أبو الخطاب رواية في صحة امامته في الفرض بناء على إمامة المفترض بالمتنفل وقال ابن عقيل يخرج في صحة إمامة ابن عشر سنين وجهاً بناء على القول بوجوب الصلاة عليه ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى " فيدخل في عموم ذلك وروي عن عمر بن سلمة الجرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه " يؤمكم أقرؤكم " قال فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين او ثمان سنين رواه البخاري وأبو داود وغيرهم ولنا قول ابن مسعود وابن عباس ولأن الامامة حال كمال والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة ولأنه لا يؤمن من الصبي الاخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الاسرار فأما حديث عمرو بن سلمة فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة وقال مرة دعه ليس بشئ قال أبو داود قيل لأحمد حديث عمرو بن سلمة قال لا أدري أي شئ هذا ولعله إنما توقف

عنه لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فانه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث وكنت اذا سجدت خرجت استي وهذا غير سائغ (فصل) فاما إمامته في النفل ففيها روايتان (إحداهما) لا تصح لذلك (والثانية) تصح لأنه متنفل يؤم متنفلين ولأن النافلة يدخلها التخفيف ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما

ً * (مسألة) * ولا تصح إمامة محدث ولا نجس يعلم ذلك

فإن جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده ومتى أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه لم تصح صلاته لاخلاله بالشرط فان صلى محدثاً وجهل الحدث هو والمأموم حتى قضوا الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة وصلاة الامام باطلة وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومالك والاوزاعي والشافعي وعن علي أنهم يعيدون جميعاً وبه قال ابن نصر والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه لأنه صلى بهم محدثاً أشبه ما لو علم ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فروي أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاماً فأعاد ولم يعد الناس، وعن عثمان أنه صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار اذا هو بأثر الجنابة فقال كبرت والله كبرت والله.
وأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا، وعن ابن عمر نحو ذلك.
رواه كله الاثرم وعن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى الجنب بقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم " رواه أبو سليمان محمد بن الحسين الحراني ولأن الحدث مما يخفى ولا سبيل إلى معرفته من الامام للمأموم فكان معذوراً في الاقتداء به ويفارق ما إذا علم الامام حدث نفسه لأنه يكون مستهزئاً بالصلاة فاعلاً ما لا يحل واذا علمه المأموم لم يعذر في الاقتداء به وما نقل عن علي لا يثبت بل قد نقل عنه كما ذكرنا عن غيره من الصحابة والحكم في النجاسة كالحكم في الحدث لأنها في معناها في خفائها على الامام والمأموم، على أن في النجاسة رواية أخرى أن الامام أيضاً لا تلزمه الاعادة وقد ذكرناه * (فصل) * فإن علم حدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة.
قال الأثرم سألت أبا عبد الله: رجل صلى بقوم على غير طهارة بعض الصلاة فذكر؟ قال يعجبني أن يبتدئوا الصلاة قلت يقول لهم استأنفوا الصلاة؟ قال لا، ولكن ينصرف ويتكلم ويبتدئون الصلاة.
وذكر ابن عقيل

رواية اذا علم المأمومون أنهم يبنون على صلاتهم، وقال الشافعي يبنون على صلاتهم سواء علم بذلك أو علم المأمومون لأن ما مضى عى صلاتهم صحيح فكان لهم البناء عليه كما لو أقام الى خامسة فسبحوا به فلم يرجع.
ولنا أنه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما أشبه ما لو ائتم بامرأة، وإنما خولف هذا اذا استمر الجهل منهما للإجماع ولأن وجوب الاعادة على المأمومين في حالة استمرار الجهل يشق لتفرقهم بخلاف ما إذا علموا في الصلاة، وإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أن صلاة الجميع تفسد والأولى يختص البطلان بمن علم دون من جهل لأنه معنى مبطل اختص به فاختص بالبطلان كحدث نفسه * (فصل) * قال أحمد في رجلين أم أحدهما الآخر فشم كل واحد منهما ريحاً أو سمع صوتاً يعتقده من صاحبه يتوضآن ويعيدان الصلاة لأن كل واحد منهما يعتقد فساد صلاة صاحبه، وهذا إذا قلنا تفسد صلاة كل واحد من الامام والمأموم بفساد صلاة الآخر بكونه صار فذاً، وعلى الرواية المنصورة ينوي كل واحد منهما الانفراد ويتم صلاته، ويحتمل أنه إنما قضى بفساد صلاتهما إذا أئتما الصلاة على ما كانا عليه من غير فسخ النية، فان المأموم يعتقد أنه مؤتم بمحدث والامام يعتقد أنه يؤم محدثاً.
وأما قوله يتوضآن فلعله أراد لتصح صلاتهما جماعة إذ ليس لأحدهما أن يأتم بالآخر مع اعتقاده حدثه واحتياطاً: أما اذا صليا منفردين فلا يجب الوضوء على واحد منهما لأنه متيقن للطهارة شاك في الحدث * (فصل) * فان اختل غير ذلك من الشروط في حق الامام كالستارة واستقبال القبلة لم يعف عنه في حق المأموم لأن ذلك لا يخفي غالباً بخلاف الحدث والنجاسة، وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن فسدت صلاتهم نص عليه أحمد فيمن ترك القراءة يعيد ويعيدون وكذلك لو ترك تكبيرة الاحرام * (مسألة) * (ولا تصح إمامة الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفاً أو يلحن لحنا يحيل المعنى إلا بمثله) والكلام في هذه المسألة في فصلين (أحدهما) ان الامي لا تصح إمامته بمن يحسن قراءة الفاتحة، وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وقيل عنه يصح أن يأتم القارئ بالامي في صلاة الاسرار دون الجهر وعنه يصح أن يأتم به في الحالين ولنا أنه ائتم بعاجز عن ركن وهو قادر عليه فلا تصح كالعاجز عن الركوع والسجود وقياسهم يبطل بالأخرس والعاجز عن الركوع والسجود وأما القيام فهو ركن أخف من غيره بدليل أنه يسقط في النافلة مع القدرة عليه بخلاف القراءة فان صلى بأمي وقارئ صحت صلاة الامي والامام.
وقال أبو حنيفة تفسد صلاة الامام أيضاً لأنه يتحمل القراءة عن المأموم وهو عاجز عنها ففسدت صلاته ولنا أنه أم من لا يصح ائتمامه به فصحت صلاة الإمام كما لو أمت امرأة رجلاً ونساء، وقولهم ان المأموم يتحمل عنه الامام القراءة قلنا إنما يتحملها مع القدرة، فأما من يعجز عن القراءة عن نفسه فعن غيره أولى

  • (الفصل الثاني) * أنه تصح إمامته بمثله لانه يساويه فصحت إمامته به كالعاجز عن القيام * (فصل) * قوله أو يبدل حرفاً هو كالألثغ الذي يبدل الراء غيناً والذي يلحن لحنا يحيل المعنى كالذي يكسر كاف إياك أو تاء أنعمت أو يضمها إذا كان لا يقدر على إصلاح ذلك يصح ائتمامه بمثله كاللذين لا يحسنان شيئاً وإن كان يقدر على إصلاح ذلك لم تصح صلاته ولا صلاة من يأتم به لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة مع القدرة عليه أشبه تارك الركوع * (فصل) * فإن صلى القارئ خلف من لا يعلم حاله في صلاة الأسرار صحت صلاته لأن الظاهر أنه إنما يتقدم من يحسن القراءة، وان كان يسر في صلاة الجهر ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاة القارئ، ذكره القاضي وابن عقيل لأن الظاهر أنه لو أحسن القراءة لجهر، والثاني تصح لأن الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة، والاسرار يحتمل أن يكون لجهل أو نسيان، فان قال قد قرأت صحت الصلاة على الوجهين لأن الظاهر صدقه، وتستحب الاعادة احتياطاً، ولو أسر في صلاة الاسرار ثم قال ما كنت قرأت الفاتحة لزمه ومن وراءه الاعادة، لأنه روي عن عمر أنه صلى بهم المغرب فلما سلم قال ما سمعتموني قرأت.
    قالوا لا قال فما قرأت في نفسي فأعاد بهم الصلاة * (فصل) * وإذا كان رجلان لا يحسنان الفاتحة أو أحدهما يحسن سبع آيات من غيرها والآخر لا يحسن شيئاً فلكل واحد منهما الائتمام بالآخر لأنهما أميان والمستحب تقديم من يحسن السبع آيات لانه اقرأ، وعلى هذا كل من لا يحسن الفاتحة يجوز أن يؤم من لا يحسنها سواء استويا في الجهل أو تفاوتا فيه * (مسألة) * (وتكره إمامة اللحان والفأفاء الذي يكرر الفاء والتمتام الذي يكرر القاف ومن لا يفصح ببعض الحروف) أما الذي يلحن لحنا يحيل المعنى فقد ذكرناه، وتكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى نص عليه وتصح صلاته بمن لا يلحن لأنه أتى بفرض القراءة فان أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده فيبطل صلاتهما، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالقاف والضاد فقال القاضي تكره إمامته وتصح أعجمياً كان أو عربياً.
    وقيل فمن قرأ ولا الضالين بالظاء لا تصح صلاته لأنه يحيل المعنى يقال ظل يفعل كذل اذا فعله نهاراً فهو كالألثغ وتكره إمامة الفأفاء والتمتام، وتصلح لأنهما يأتيان بالحروف على وجهها ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها فعفي عنها ويكره تقديمهما لهذه الزيادة

* (مسألة) * (ويكره أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن)

لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الاجنبية ولا بأس أن يؤم ذوات محارمه، وأن يؤم النساء مع الرجل فقد كن النساء يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أم أنساً واليتيم وأمه * (مسألة) * (ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون)

لما روى أبو أمامة قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " حديث حسن غريب.
وعن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ثلاثة لا يقبل منهم صلاة من تقدم قوماً وهم له كارهون، ورجل يأتي الصلاة دباراً - والدبار أن يأتي بعد أن يفوت الوقت - ورجل اعتبد محرراً " رواه أبو داود.
وقال علي لرجل أم قوماً وهم له كارهون أنك لخروط قال أحمد إذا كرهه اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثرهم، فإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته.
قال منصور أما إنا سألنا عن ذلك فقيل لنال إنما عنى بهذا الظلمة، فأما من أقام السنة فانما الاثم على من كرهه، قال القاضي والمستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه وان استوى الفريقان فالأولى أن لا يؤمهم أراد بذلك الاختلاف والله أعلم

* (مسألة) * (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي اذا سلم دينهما)

لا بأس بإمامة ولد الزنا وهو قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن والنخعي والزهري وعمرو ابن دينار واسحاق وقال أصحاب الرأي ولا تجزي الصلاة خلفه، وكره مالك أن يتخذ إماماً راتباً وقال الشافعي يكره مطلقاً لأن الإمامة منصب فضيلة فكره تقديمه فيها كالعبد ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرؤهم " وقالت عائشة ليس عليه من وزر أبوية شئ قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال سبحانه (وإن أكرمكم عند الله أتقاكم " والعبد لا نكرة إمامته لكن الحر أولى منه ولو سلم ذلك فالعبد ناقص في أحكامه لا يلي النكاح ولا المال بخلاف هذا ولا بأس بإمامة الجندي والخصي اذا كانا مرضيين لأنه عدل يصلح للامامة أشبه غيره * (فصل) * ولا بأس بإمامة الاعرابي إذا كان يصلح نص عليه وهو قول عطاء والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي، وقد روي عن أحمد أنه قال لا نعجبني إمامة الاعرابي إلا أن يكون قد سمع وفقه لأن الغالب عليهم الجهل، وكره ذلك أبو مجاز وقال مالك لا يؤمهم لقول الله تعالى

(الأعراب أشد كفرا) الآية.
ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " ولأنه مكلف عدل تصح صلاته لنفسه أشبه المهاجر * (فصل) * والمهاجر أولى منه لا يقدم على المسبوق بالهجرة فمن لا هجرة له أولى.
قال أبو الخطاب والحضري أولى من البدوي لأنه مختلف في إمامته ولأن الغالب عليهم الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى

* (مسألة) * (ويصح ائتمام مؤدي الصلاة بمن يقضيها)

مثل أن يكون عليه ظهر أمس فأراد قضاءها فائتم به رجل عليه ظهر اليوم ففيه روايتان.
أصحهما أنه يصح نص عليه، وفي رواية ابن منصور وهذا اختيار الخلال وقال المذهب عندي في هذا رواية واحدة وغلط من نقل غيرها لأن القضاء يصح بنية الاداء فيما اذا صلى فبان بعد خروج الوقت، وكذلك من يقضي الصلاة يصلى خلف من يؤديها لأنه في معناه، والرواية الثانية لا يصح، نقلها صالح لأن نيتهما مختلفة هذا ينوي قضاء وهذا أداء * (فصل) * ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في إحدى الروايتين وفي الأخرى لا تصح فيهما.
اختلف عنه في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل فنقل عنه حنبل وأبو الحارث لا يصح، اختاره أكثر الأصحاب وهو قول الزهري ومالك وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " متفق عليه، ولأن صلاة المأموم لا تتأدى

بنية الامام أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر.
والثانية تصح نقلها عنه اسماعيل بن سعيد وأبو داود وهذا قول عطاء والاوزاعي والشافعي وأبي ثور وابن المنذر.
قال شيخنا وهي أصح لأن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة متفق عليه وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم رواه أبو داود والاثرم وهو في الثانية متنفل مفترضين ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى كالمتنفل خلف المفترض.
فأما حديثهم فالمراد به لا تختلفوا عليه في الأفعال لأنه انما ذكر في الحديث الأفعال فقال فاذا سجد فاسجدوا ولهذا صح ائتمام المتنفل بالمفترض وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة إذا أدرك أقل من ركعة فنوى الظهر خلف من يصلي الجمعة * (فصل) * فأما صلاة المتنفل خلف المفترض فلا نعلم في صحتها خلافاً وقد دل عليه قوله عليه السلام " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه " * (فصل) * فأما صلاة الظهر خلف من يصلي العصر ففيه روايتان وكذلك صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح أحدهما يجوز نقلها عنه اسماعيل بن سعيد فإنه قال له ما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح قال يجزيه ذلك من المكتوبة.
والثانية لا يجوز نقلها عنه المروذي لأن أحدهما لا يتأدى بنية الأخرى كصلاة الجمعة والكسوف خلف من يصلي غيرهما أو صلاة غيرهما

خلف من يصليهما لم تصح رواية واحدة لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال فيدخل في عموم قوله عليه السلام " فلا تختلفوا عليه " * (فصل) * ومن صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا لزمته الاعادة وله أن يؤم فيها من لم يصل، وقال بعض أصحابنا تخرج على الروايتين في إمامة المتنفل بالمفترض والصحيح الأول لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب أفعالها فأشبه ما لو شك هل صلى أو لا، ولو فاتت المأموم ركعة فصلى الامام خمساً ساهياً فقال ابن عقيل لا يعتد للمأموم بالخامسة لأنها سهو وغلط، وقال القاضي هذه الركعة نافله للإمام وفرض للمأموم فيخرج فيها الروايتان.
وقد سئل أحمد عن هذه المسائل فتوقف فيها.
قال شيخنا والأولى أنه يحتسب له بها لأنه لو لم يحتسب له بها لزمه أن يصلي خمساً مع علمه بذلك ولأن الخامسة واجبة على الامام عند من يوجب عليه البناء على اليقين، ثم إن كانت نفلاً فقد ذكرنا أن الصحيح صحة الائتمام فيه، وإن صلى بقوم الظهر يظنها العصر فقال أحمد يعيد ويعيدون وهذا على الرواية التي منع فيها ائتمام المفترض بالمتنفل، فان ذكر الامام وهو في الصلاة فأتمها عصراً كانت له نفلا وإن قلب بنية إلى الظهر بطلت صلاته لما ذكرنا متقدماً، وقال ابن حامد يتمها والفرض باق في ذمته

  • (فصل في الموقف) * السنة أن يقف المأمومون خلف الامام اذا كان المأمومون جماعة، فالسنة أن يقفوا خلف الامام رجالاً كانوا أو نساء لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه فيقومون

خلفه ولأن جابراً وجباراً لما وقفا عن يمينه وشماله ردهما الى خلفه وان كانا اثنين، فكذلك لما روى جابر قال سرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فقام يصلي فتوضأت ثم جئته حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره فأخذنا جميعاً بيديه فأقامنا خلفه رواه أبو داود وهذا قول عمر وعلي وجابر بن زيد والحسن ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وكان ابن مسعود يرى أن يقفا من جانبي الامام لأنه يروى عنه أنه صلى بين علقمة والأسود وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، رواه أبو داود ولنا الحديث الذي ذكرناه فإنه أخرهما الى خلفه ولا ينقلهما إلا الى الأكمل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنس واليتيم فجعلهما خلفه.
وحديث ابن مسعود يدل على الجواز فإن كان أحدهما صبياً فذلك في أصح الروايتين أن كانت الصلاة تطوعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أنساً واليتيم وراءه، وإن كان فرضا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره كما في حديث ابن مسعود أو جعلهما عن يمينه، وان جعلهما خلفه فقال بعض أصحابنا لا يصح لأنه لا يصح أن يؤمه فيه كالمرأة ويحتمل أن يصح لأنه بمنزلة المتنفل والمتنفل يصاف المفترض * (مسألة) * (فإن وقفوا قدامه لم يصح)

وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقال مالك واسحاق يصح لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به فأشبه من خلفه، ولنا قوله عليه السلام " إنما جعل الإمام ليؤتم به " ولأنه يحتاج في الاقتداء الى الالتفات الى ورائه ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الامام، ويفارق من خلف الامام فإنه لا يحتاج في الاقتداء الى الالتفات بخلاف هذا، وقد قال بعض أصحابنا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة التراويح ويكونون بين يديها.
وقد ذكرنا فساد ذلك فيما مضى، وإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح لما ذكرنا من حديث ابن مسعود ولأن وسط الصف موقف لإمام العراة وللمرأة اذا أمت النساء، ويصح أن يقفوا عن يمينه لأنه موقف للواحد على ما نذكره إن شاء الله

* (مسألة) * (وإن كان واحد وقف عن يمينه رجلا كان أو غلاماً)

لما روينا من حديث جابر وروى ابن عباس قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت ووقفت عن يساره فأخذ بذؤابتي فأدارني عن يمينه متفق عليه * (مسألة) * (وإن وقف خلفه أو عن يساره لم تصح) وجملة ذلك أنه من صلى وحده خلف الامام ركعة كاملة لم تصح صلاته وهذا قول النخعي

واسحق وابن المنذر وغيرهم، وأجازه الحسن ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لأن أبا بكرة ركع دون الصف فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة ولأنه موقف للمرأة فكان موقفاً للرجال كما لو كان مع جماعة ولنا ما روى وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد، رواه أبو داود وغيره وقال ابن المنذر ثبت الحديث وفي لفظ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى وراء الصف وحده فقال يعيد رواه تمام في الفوائد، وعن علي بن شيبان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسلم فانصرف ورجل فرد خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم " استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف " رواه الأثرم وقال قلت لأبي عبد الله حديث ملازم ابن عمرو يعني هذا الحديث أيضاً حسن؟ قال نعم.
ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدام الامام.
فأما حديث أبي بكرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه فقال " لا تعد " والنهي يقتضي الفساد وعذره فيما فعله لجهله وللجهل تأثير في العفو ولا يلزم من كونه موقفاً للمرأة أن يكون موقفاً للرجل بدليل اختلافهما في كراهة الوقوف واستحبابه * (فصل) * وإن وقف عن يسار الامام وكان عن يمين الامام أحد صحت صلاته لما ذكرنا من حديث ابن مسعود ولأن وسط الصف موقف لإمام العراة وإن لم يكن عن يمينه أحد فصلاته فاسدة، وكذلك

إن كانوا جماعة وأكثر أهل العلم يرون ان الأولى للواحد أن يقف عن يمين الامام.
روي عن سعيد ابن المسيب أنه كان إذا لم يكن معه إلا واحد جعله عن يساره، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي تصح صلاة من وقف عن يسار الامام لأن ابن عباس لما أحرم عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه ولم تبطل تحريمته ولو لم يكن موقفاً لزمه استئنافها كقدام الامام ولأنه أحد الجانبين أشبه اليمين وكما لو كان عن يمينه أحد ولنا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه، وكذلك حديث جابر وقولهم لم يأمره بابتداء التحريمة لأن ما فعله قبل الركوع لا يؤثر فان الامام يحرم قبل المأمومين وكذلك المأمومون يحرم بعضهم قبل بعض الباقين، ولا يضر انفراده ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة.
قولهم هو موقف إذا كان أحد عن يمينه قلنا لا يلزم من كونه موقفاً في صورة أن يكون موقفاً في غيرها بدليل ما وراء الامام فانه موقف للاثنين وليس موقفاً للواحد، وان منعوه فقد دل عليه الحديث المذكور والقياس أنه يصح كما لو كان عن يمينه وكون النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابراً يدل على الفضيلة لا على عدم الصحة بدليل رد جابر وجبار الى وراءه مع صحة صلاتهما عن جانبه * (فصل) * فإن كان خلف الامام صف فهل تصح صلاة من وقف عن يساره؟ فيه احتمالان.
أحدهما يصح لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى وأبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر

الامام وكان مع الامام ولأن مع الإمام من تنعقد صلاته به فصح كما لو كان عن يمينه أحد، والثاني لا تصح لأنه ليس بموقف إذا لم يكن صف فلم يكن موقفاً مع الصف كإمام الامام وفارق إذا كان معه آخر لأنه معه في الصف فكان صفاً واحداً فهو كما لو وقف معه خلف الصف

* (مسألة) * (وإن أم امرأة وقفت خلفه)

لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أخروهن من حيث أخرهن الله " وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا رواه مسلم، وإن أم رجلاً وامرأة وقف الرجل عن يمينه ووقفت المرأة خلفهما لما ذكرنا، وإن كانا رجلين وقفا خلفه والمرأة خلفهما كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فصففت أنا واليتيم وراءه والمرة خلفنا فصلى لنا رسول الله ركعتين متفق عليه، وكان الحسن يقول في ثلاثة أحدهم امرأة يقوم بعضهم وراء بعضهم وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه فيه، واتباع السنة أولى * (فصل) * فإن وقفت المرأة في صف الرجال كره لها ذلك ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو بكر تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها وهو قول أبي حنيفة لأنه منهي عن الوقوف الى جانبها أشبه الوقوف أمام الامام.
ولنا أنها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته كذلك في الصلاة، وقد ثبت ان عائشة كانت تعترض بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي

قولهم: وهو منهي عنه، قلنا هي منهية عن الوقوف مع الرجال فاذا لم تبطل صلاتها فصلاتهم أولى وقال ابن عقيل الأشبه بالمذهب عندي بطلان صلاتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أخروهن " وهو موقف منهي عنه أشبه موقف الفذ خلف الامام والصف

* (مسألة) * (وان اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء)

لما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فصف الرجال ثم صف خلفهم الغلمان.
وتقدم الخناثى على النساء لجواز أن يكون رجلاً (وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم) وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى

* (مسألة) * (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فذ، وكذلك الصبي إلا في النافلة)

أما إذا وقف معه كافر ومحدث يعلم حدثه لم تصح صلاته لأن وجوده وعدمه واحد وكذلك اذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته لما ذكرنا.
وقد روي عن أحمد أنه قال إذا أم رجلين أحدهما غير طاهر أتم الطاهر معه، وهذا يحتمل أنه أراد اذا علم المحدث حدث نفسه أتم الآخر إن كان عن يمين الامام وإن لم يكن عن يمينه تقدم فصار عن يمينه.
فأما إن كانا خلفه وأتم الصلاة مع علم المحدث بحدثه لم تصح وإن لم يعلمه صح لأنه لو كان إماماً صح الائتمام به فصحة مصافته أولى * (فصل) * فإن لم يقم معه إلا امرأة فقال ابن حامد لا تصح صلاته لأنها لا تؤمه فلا تكون معه

صفاً ولأنها من غير أهل الوقوف معه فوجودها كعدمها، وقال ابن عقيل تصح على أصح الوجهين لأنه وقف معه مفترض صلاته صحيحة أشبه ما لو وقف معه رجل، وليس من شرط المصافة أن يكون ممن تصح إمامته بدليل القارئ مع الامي والفاسق والمفترض مع المتنفل، وإن وقف معه خنثى مشكل لم يكن معه صفاً على قول ابن حامد لأنه يحتمل أن يكون امرأة * (فصل) * وإن وقف معه فاسق أو متنفل صار صفاً لأن صلاتهم صحيحة، وكذلك لو وقف قارئ مع أمي أو من به سلس البول مع صحيح أو قائم مع قاعد كانا صفاً لما ذكرنا * (فصل) * اذا وقف مع البالغ وخلفه صبي فان كان في النافلة صح لما ذكرنا من حديث أنس وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا يصح بناء على إمامته في النفل، وإن كان في الفرض فقد روى الأثرم عن أحمد أنه توقف في هذه المسألة وقال ما أدري فذكر له حديث أنس فقال ذلك في التطوع واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم لا يصح لأنه لا يصلح إماماً للرجال في الفرض كالمتنفل، ولا يشترط لصحة مصالته صلاحيته للامامة بدليل الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة والأصل المقيس عليه ممنوع * (فصل) * إذا أم الرجل خنثى مشكلاً وحده فالصحيح أنه يقف عن يمينه لأنه إن كان رجلاً فهذا موقفه وان كان امرأة لم تبطل صلاتها بوقوفها مع الإمام كما لو وقفت مع الرجال، ولا يقف وحده لجواز أن يكون رجلاً فإن كان معهما رجل وقف الرجل عن يمين الامام والخنثى عن يساره

أو عن يمين الرجل ولا يقفان خلفه لجواز أن يكون امرأة إلا عند من أجاز للرجل مصافة المرأة، فان كان معهم رجل آخر وقف الثلاثة خلفه صفاً لما ذكرنا، وإن كانا خنثيين مع الرجلين فقال أصحابنا يقف الخنثيان صفاً خلف الرجلين لاحتمال أن يكونا امرأتين، ويحتمل أن يقفا مع الرجلين لأنه يحتمل أن يكون أحدهما رجلاً فلا تصح صلاته، وإن كان معهم نساء وقفن خلف الخناثى على ما ذكرنا

  • (فصل) * وإذا كان المأموم واحداً فكبر عن يسار الامام أداره الامام عن يمينه ولم تبطل تحريمته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس، وإن كبر وحده خلف الامام ثم تقدم عن يمينه أو جاء آخر فوقف معه أو تقدم الى الصف بين يديه أو كانا اثنين فكبر أحدهما وتوسوس الآخر ثم كبر قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو كبر واحد عن يمين الامام فأحس بآخر فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم أو أحرم عن يسار الامام فجاء آخر فوقف عن يمينه قبل رفع الامام رأسه من الركوع صحت صلاتهم وقد نص عليه أحمد في رواية الأثرم في الرجلين يقومان خلف الامام ليس خلفه غيرهما خاف أن يدخل في الصلاة خلف الصف فقال ليس هذا من ذاك، ذاك في الصلاة بكمالها أو صلى ركعة كاملة وما أشبه هذا، فأما هذا فارجو أن لا يكون به بأس، ولو أحرم رجل خلف الصف ثم خرج من الصف رجل فوقف معه صح لما ذكرنا * (فصل) * وإن كبر رجل عن يمين الامام وجاء آخر فكبر عن يساره أخرجهما الامام الى

ورائه كفعل النبي صلى الله عليه وسلم بجابر وجبار، ولا يتقدم الإمام إلا أن يكون وراءه ضيق وإن تقدم جاز وإن كبر الثاني مع الأول عن اليمين وخرجا جاز، وان دخل الثاني وهما في التشهد كبر وجلس عن يسار الامام أو عن يمين الآخر ولا يتأخران في التشهد لأن فيه مشقة * (فصل) * وإن أحرم اثنان وراء الامام فخرج أحدهما لعذر أو لغيره دخل الآخر في الصف أو نبه رجلاً فخرج معه أو دخل فوقف عن يمين الإمام فإن لم يمكنه شئ من ذلك نوى الانفراد وأتم منفرداً لأنه عذر حدث له أشبه ما لو سبق إمامه الحدث.

  • (مسألة) * ومن جاء فوجد فرجة وقف فيها فإن لم يجد وقف عن يمين الامام ولم يجذب رجلاً ليقوم معه فان لم يمكنه ذلك نبه رجلاً ليقوم معه 1 فخرج فوقف معه وهذا قول عطاء والنخعي وكره ذلك مالك والاوزاعي واستقبحه أحمد وإسحق، قال ابن عقيل جوز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفاً قال وعندي أنه لا يفعل لما فيه من التصرف بغير إذنه.
    قال شيخنا والصحيح جواز ذلك لأن الحاجة داعية إليه فجاز كالسجود على ظهر إنسان أو قدمه حال الزحام وليس هذا تصرفاً فيه بل هو تنبيه له فجرى مجرى مسألته أن يصلي معه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لينوا في أيدي إخوانكم " يريد ذلك فإن امتنع من الخروج وحده معه صلى وحده

* (مسألة) * (فان صلى فذاً ركعة لم تصح)

لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لفرد " رواه الأثرم

* (مسألة) * (وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الامام صحت صلاته وإن رفع ولم يسجد صحت، وقيل إن علم النهي لم تصح وإن فعله لغير عذر لم تصح)

من ركع دون الصف ثم دخل في الصف لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يصلي ركعة ثم يدخل فلا تصح صلاته لما ذكرنا (الثاني) أن يمشي وهو راكع ثم يدخل في الصف قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو يأتي آخر فيقف معه قبل رفع الامام رأسه فتصح صلاته لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة، وممن رخض في ذلك زيد بن ثابت وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب وعروة وسعيد بن جبير وجوزه الزهري والاوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريبا من الصف (والحال الثالث) أن لا يدخل في الصف الا بعد رفع الامام رأسه من الركوع أو يقف معه آخر في هذه الحال ففيه ثلاث روايات إحداهن تصح صلاته وهذا مذهب مالك والشافعي لأن أبا بكرة فعل ذلك وفعله من ذكرنا من الصحابة ولأنه لم يصل ركعة كاملة أشبه ما لو أدرك الركوع، والثانية تبطل صلاته بكل حال لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة

أشبه ما لو صلى ركعة كاملة، والثالثة أنه إن كان جاهلاً بتحريم ذلك صحت صلاته وإلا لزمته الاعادة اختارها الخرقي لما روى أن أبا بكرة انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل الى الصف فذكر ذلك للنبي الله صلى عليه وسلم فقال " زادك الله حرصاً ولا تعد " رواه البخاري فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد، ولم يفرق القاضي والخرقي في هذه المسألة بين من دخل قبل رفع رأسه من الركوع أو بعد الرفع، وذلك منصوص أحمد والدليل يقتضي التفريق فيحصل كلامهم عليه وقد ذكره أبو الخطاب على نحو ما ذكرنا * (فصل) * فإن فعل ذلك لغير عذر ولا خشي الفوات لم تصح صلاته في أحد الوجهين لأنه فاته ما تفوته الركعة بفواته وإنما أبيح للمعذور لحديث أبي بكرة فيبقى فيما عداه على قضية الدليل، والثاني تصح لأن الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه كما لو فاتته الركعة كلها * (فصل) * السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والأسن وأن يلي الامام أكملهم وأفضلهم قال أحمد يلي الامام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان لما روى أبو سعيد الأنصاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليلني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين

يلونهم " 1 وقال أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً فقال " تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل " رواهما أبو داود.
وعن قيس بن عبادة قال أتيت المدينة للقاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال يا بني لا يسؤك الله فإني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا " كونوا في الصف الذي يليني " وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك.
وكان الرجل أبي بن كعب رواه أحمد والنسائي * (فصل) * والصف الأول أفضل للرجال، وللنساء بالعكس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه أبو داود وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتموا الصف الأول فما كان من نقص فليكن في الصف الآخر " رواه أبو داود، وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه " رواه الإمام أحمد، وميامن الصفوف أفضل لقول عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله وملائكته يصلون على ميامن

الصفوف " رواه أبو داود، ويستحب أن يقف الامام في مقابلة وسط الصف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وسطوا الإمام وسدوا الخلل " (1) * (مسألة) * وإذا كان المأموم يرى من وراء الامام صحت صلاته اذا اتصلت الصفوف، وإن لم ير من وراءه لم تصح وعنه تصح إذا كان في المسجد) وجملة ذلك أنه إذا كان الإمام والمأموم في المسجد يعتبر اتصال الصفوف.
قال الآمدي لا خلاف في المذهب أنه إذا كان في أقصى المسجد وليس بينه وبين الامام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة أنه يصح اقتداؤه به وإن لم تتصل الصفوف وهذا مذهب الشافعي، وذلك لأن المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة، فإن كان المأموم خارج المسجد أو كانا جميعاً في غير المسجد صح أن يأتم به بشرط أمكان المشاهدة واتصال الصفوف وسواء كان المأموم في درجة المسجد أو في دار أو على سطح والامام على سطح آخر، أو كان في صحراء أو في سفينتين وهذا مذهب الشافعي إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين.
ولنا أن هذا لا تأثير له في المنع مع الاقتداء بالامام ولم يرد فيه نهي ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفعل اليسير إذا ثبت هذا فان معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به بحيث يمنع امكان " 1 " رواه أبو داود عن أبي هريرة وفيه علتان، وان سكت عنه هو والمنذري

الاقتداء، وحكي عن الشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاثمائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف ولا نعلم في هذا نصاً ولا إجماعاً يعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفريق والاحراز * (فصل) * فإن كان بين المأموم والامام حائل يمنع رؤية الامام ومن وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها لا تصلين بصلاة الامام فانكن دونه في حجاب ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، والثانية تصح قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لأنه يمكنه الاقتداء بالامام فصح من غير مشاهدة كالأعمى ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الامام والعلم استماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، وعنه أنه يصح إذا كان في المسجد دون غيره لأن المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب ولأنه لا يشترط فيه اتصال الصفوف، لذلك فجاز أن لا يشترط الرؤية واختار شيخنا التساوي فيهما لاستوائهما في المعنى المجوز أو المانع فوجب استواؤهما في الحكم وإنما صح مع عدم المشاهدة لأنه يشترط أن يسمع التكبير فإن لم يسمعه لم يصح ائتمامه بحال لأنه لا يمكنه الاقتداء * (فصل) * وكل موضع اعتبرنا المشاهدة فانه يكفي مشاهدة من وراء الامام من باب إمامه أو عن يمينه أو عن يساره ومشاهدة طرف الصف الذي وراءه لأنه يمكنه الاقتداء بذلك، وإن حصلت

المشاهدة في بعض أحوال الصلاة كفاه في الظاهر لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته والحديث رواه البخاري، والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه * (فصل) * فإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا تصح اختاره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لأن الطريق ليست محلا للصلاة أشبه ما يمنع لاتصال والثاني تصح اختاره شيخنا وهو مذهب مالك والشافعي لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في المعنى المنصوص لأنه لا يمنع الاقتداء والمؤثر في المنع ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما قولهم إن بينهما ما ليس محلا للصلاة ممنوع وإن سلم في الطريق فلا يصح في النهر بدليل صحة الصلاة عليه في السفينة وحال جموده ثم كونه ليس محلاً للصلاة إنما يؤثر في منع الصلاة فيه، أما في صحة الاقتداء بالامام فتحكم محض لا يلزم المصير إليه، فأما إن كانت صلاته جمعة أو عيداً أو جنازة لم يؤثر ذلك فيها لأنها تصح في الطريق، وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الامام وبينهما طريق والله أعلم * (مسألة) * (ولا يكون الامام أعلى من المأموم، فإن فعل وكان كثيراً فهل تصح صلاته؟ وجهين) :

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل