الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 455-494
أهل الأثرالأرشيف العلمي

في الوصية الأولى وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وطاوس وداود وصيته للأخير منهما لأنه وصى للثاني بما وصى به للأول فكان رجوعاً كما لو قال ما وصيت به لفلان فهو لفلان ولأن الثانية تنافي الأولى فإذا أتى بها كان رجوعاً كما لو قال هذا لورثتي ولنا أنه وصى بها لهما فاستويا فيها كما لو قال وصيت لكما بهذه العين وما قاسوا عليه صرح فيه بالرجوع عن وصيته للأول وفي مسئلتنا يحتمل أنه قصد التشريك فلم تبطل وصية الآخر بالشك (فصل) إذا وصى بعبد لرجل ثم وصى لآخر بثلثه فهو بينهما أرباعاً وعلى قول الآخرين ينبغي أن يكون للثاني ثلثه كاملاً وإن وصى بعبده لاثنين فرد أحدهما وصيته فللآخر نصفه وإن وصى لاثنين بثلثي ماله فرد الورثة ذلك ورد أحد الوصيين وصيته فللآخر الثلث كاملاً لأنه وصى له به منفرداً وزالت المزاحمة فكمل له كما لو انفرد به (فصل) إذا أقر الوارث أن أباه وصى بالثلث لرجل وأقام آخر شاهدين أنه أوصى له بالثلث، فرد الوارث الوصيين وكان الوارث رجلاً عدلاً وشهد بالوصية حلف معه الموصى له واشتركا في

الثلث، وبهذا قال أبو ثور، وهو قياس قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي لا يشاركه المقر له بناء منهم على أن الشاهد واليمين ليس بحجة شرعية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين رواه مسلم، وإن كان المقر ليس بعدل أو كان امرأة فالثلث لمن شهدت له البينة، لأن وصيته ثابتة ولم تثبت وصية الآخر وإن لم يكن لواحد منهما بينة فأقر الوراث أنه أقر لفلان بالثلث أو بهذا العبد، أو أقر لآخر به بكلام متصل فالمقر به بينهما، وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً وإن أقر به لواحد ثم أقر به لآخر في مجلس آخر لم يقبل إقراره لأنه ثبت للأول بإقراره فلا يقبل قوله فيما ينقص به حق الأول إلا أن يكون عدلاً فيشهد بذلك ويحلف معه المقر له فيشاركه كما لو ثبت للأول ببينة، وإن أقر للثاني في المجلس بكلام منفصل ففيه وجهان (أحدهما) لا يقبل لأن حق الأول ثبت في الجميع فأشبه ما لو أقر له في مجلس آخر (والثاني) يقبل لأن المجلس الواحد كالحال الواحدة.

  • (مسألة) * (وإن باعه أو وهبه أو رهنه كان رجوعاً) إذا وهب الموصى به أو تصدق به أو أكله أو أطعمه أو أتلفه أو كان ثوباً ففصله ولبسه

أو جارية فأحبلها أو ما أشبه ذلك فهو رجوع.
قال إبن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أنه إذا أوصى لرجل بطعام فأكله أو بشئ فأتلفه أو وهبه أو تصدق به أو بجارية فأحبلها أو أولدها فإنه يكون رجوعاً، وكذلك إن باعها، وحكي عن أصحاب الرأي إن بيعه ليس برجوع لأنه أخذ بدله بخلاف الهبة.
ولنا أنه أزال ملكه عنه، فكان رجوعاً كما لو وهبه وإن عرضه على البيع أو وصى ببيعه أو أوجب الهبة فلم يقبلها الموهوب له كان رجوعاً لأنه يدل على اختياره للرجوع ووصيته ببيعه أو إعتاقه رجوع لكونه وصى بما ينافي الوصية الأولى وإن رهنه كان رجوعاً لأنه علق به حقاً يجوز بيعه، فكان أعظم من عرضه على البيع، وفيه وجه آخر أنه ليس برجوع، وهو وجه لأصحاب الشافعي لأنه لا يزيل الملك أشبه إجارته * (مسألة) * (وإن كاتبه أو دبره أو جحد الوصية فعلى وجهين) (أحدهما) يكون رجوعاً لأن الكتابة بيع والتدبير أقوى من الوصية لأنه ينتجز بالموت فسبق أخذ الموصى له وجحد الوصية رجوع لأنه لا يدل على الرجوع ولأن جحده يدل على أنه لا يريد إيصاله إلى الموصى له.

و (الثاني) لا يكون رجوعاً لآل الكتابة والتدبير لا يخرج بهما عن ملكه ولأن الوصية عقد فلا تبطل بالجحود كسائر العقود وهو رواية عن أبي حنيفة.

  • (مسألة) * (وإن خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه كان رجوعاً) لأنه يتعذر تسليمه فيدل على رجوعه، وإن خلطه بما يتميز منه لم يكن رجوعاً، لأنه لا يمنع التسليم وإن أزال اسمه فطحن الحنطة أو عجن الدقيق أو خبز الحنطة أو جعل الخبز فتيتاً فهو رجوع لأنه أزال اسمه وذكره القاضي لأنه أزال اسمه وعرضه للاستعمال، وذلك دليل على رجوعه وبهذا قال الشافعي، وعلى قياس ذلك إذا نجر الخشبة باباً ونحوه لأنه أزال اسمه فهو في معناه، وإن كان قطناً أو كتاناً فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو ثوباً فقطعه، أو بقرة فضربها، أو شاة فذبحها كان رجوعاً، وبه قال أصحاب الرأي والشافعي في ظاهر مذهبه، واختار أبو الخطاب أنه ليس برجوع وهو قول أبو ثور لأنه لا يزيل اسمه ولنا أنه عرضه للاستعمال فكان رجوعاً لأن فعله يدل على الرجوع، وقولهم انه لا يزيل اسمه لا يصح فإن الثوب لا يسمى غزلاً، والغزل لا يسمى كتاناً.
    (فصل) وإن حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من فعل الموصي مثل أن سقط الحب في الأرض

فصار زرعاً أو انهدمت الدار فصارت فضاء في حياة الموصي بطلت الوصية بها لأن الباقي لا يتناوله الإسم وهو اختيار القاضي وذكر أبو الخطاب في الدار إذا انهدمت وزال اسمها وجهاً أنه لا يكون رجوعاً لأن الموصي لم يقصد ذلك والأول أولى وإن كان انهدام الدار لا يزيل اسمها سلمت إليه.

  • (مسألة) * (وان زاد في الدار عمارة أو انهدام بعضها فهل يستحقه الموصى له؟ على وجهين: (أحدهما) : لا يستحقه لأن الزيادة لم تتناولها الوصية والأنقاض لا تدخل في مسمى الدار وإنما يتبع الدار في الوصية وما يتبعها في البيع.
    و (الوجه الآخر) : يدخلان في الوصية لأن الزيادة تابعة للموصى به فأشبه سمن العبد وتعليمه والمنهدم قد دخل في الوصية فتبقى الوصية ببقائه.
  • (مسألة) * (وإن وصى له بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بأخرى لم يكن رجوعاً سواء خلطها بمثلها أو خير منها أو دونها لأنه كان مشاعاً وبقي مشاعاً وقيل أن خلطه بخير منه كان رجوعاً لأنه لا يمكنه تسليم الموصى به إلا بتسليم خير منه ولا يجب على الوارث تسليم خير منه فصار متعذر التسليم بخلاف ما إذا خلطه بمثله أو دونه.
    (فصل) نقل الحسن بن ثواب عن أحمد في رجل قال هذا ثلثي لفلان ويعطي فلان منه مائة

في كل شهر الى أن يموت فهو للآخر منهما ويعطى هذا مائة في كل شهر فإن مات وفضل شئ رد إلى صاحب الثلث فحكم بصحة الوصية وإنفاذها على ما أمر به الموصى.

  • (مسألة) * (وإن وصى لرجل بشئ ثم قال إن قدم فلان فهو له، فقدم في حياة الموصي فهو له لأنه جعله له بشرط قدومه وقد وجد الشرط، وإن قدم بعد موت الموصي فهو للأول في أحد الوجهين، لأنه لما مات قبل قدومه انتقل إلى الأول لعدم الشرط في الثاني وقدم وقدم الثاني بعد ملك الأول له وانقطاع حق الموصي منه فيبقى للأول، ذكره القاضي، وفي الوجه الثاني هو للقادم لأنه مشروط له بقدومه فأشبه ما لو قال إن حملت نخلتي بعد موتي فهو لفلان، فحملت بعد موته فإنه يستحق حملها، بعد ملك الورثة لأصلها.
    (فصل) إذا أوصى بأمة لزوجها الحر فقبلها انفسخ النكاح، لأن النكاح لا يجتمع مع ملك اليمين وظاهر المذهب أن الموصى له إنما ملك الموصى به بالقبول فحينئذ ينفسخ النكاح، وفيه وجه آخر أنه إذا قبل تبينا أن الملك كان ثابتاً من حين موت الموصي فتبين أن النكاح انفسخ من حين موت الموصي فإن أتت بولد لم يخل من ثلاثة أحوال.

(أحدها) أن تكون حاملاً حين الوصية ويعمل ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر منذ أوصى فالصحيح أنه يكون موصى به معها لأن للحمل حكماً ولهذا تصح الوصية به وله وإذا صحت الوصية به منفرداً صحت به مع أمه فيصير كما لو كان منفصلاً فأوصى بهما جميعاً وفيه آخر لا حكم للحمل فلا يدخل في الوصية وإنما يثبت له الحكم عند انفصاله كأنه حدث حينئذ فعلى هذا إن انفصل في حياة الموصي فهو كسائر كسبها، وإن انفصل بعد موته وقبل القبول فهو للورثة على ظاهر المذهب وإن انفصل بعده فهو للموصي.
(الحال الثاني) أن تحمل به بعد الوصية ويعلم ذلك بأن تضعه بعد ستة أشهر من حين أوصى لأنها ولدته لمدة الحمل بعد الوصية فيحتمل أنها حملته بعدها فلم تتناوله والأصل عدم الحمل حال الوصية فلا نثبته بالشك فيكون مملوكاً للموصي إن ولدته في حياته وإن ولدته بعده وقلنا للحمل حكم فكذلك وإن قلنا لا حكم له فهو للورثة إن ولدته قبل القبول ولأبيه إن ولدته بعده وكل موضع كان الولد للموصى له فإنه يعتق عليه بأنه ابنه وعليه ولاء لأبيه لأنه عتق عليه بالقرابة وأمه أمة ينفسخ نكاحها بالملك ولا تصير أم ولد لأنها لم تعلق منه بحر في ملكه

(الحال الثالث) أن تحمل بعد موت الموصي وقبل القبول ويعلم ذلك بأن تضعه لأكثر من ستة أشهر من حين الموت فإن وضعته قبل القبول فهو للوارث في ظاهر المذهب لأن الملك إنما يثبت للموصى له بعد القبول وعلى الوجه الآخر يكون للموصي له، وإن وضعته بعد القبول فكذلك لأن الظاهر أن للحمل حكماً فيكون حادثاً على ملك الوارث وعلى الوجه الآخر يكون للموصي له فعلى هذا يكون حراً لا ولاء عليه لأنها أم ولد لكونها علقت منه بحر في ملكه فهو كما لو حملت به بعد القبول ومذهب الشافعي في هذا الفصل قريب مما قلناه، وقال أبو حنيفة إذا وضعته بعد موت الموصي دخل في الوصية بكل حال لأنها تستقر بالموت وتلزم فوجب أن تسري إلى الولد كالاستيلاد ولنا أنها زيادة منفصلة حادثة بعد عقد الوصية فلا تدخل فيها كالكسب وكما لو وصى بعتق جارية فولدت ويفارق الاستيلاد لأن له تغليباً وسراية وهذا التفريع فيما إذا خرجت من الثلث وإن لم تخرج من الثلث ملك منها بقدر الثلث وانفسخ النكاح لأن ملك بعضها يفسخ النكاح كملك جميعها وكل موضع يكون الولد لابيه فان يكون له منه ههنا بقدر ما ملك من أمه ويسري العتق إلى باقيه إن كان موسراً وإن كان معسراً فقد عتق منه ما ملك وحده وكل موضع قلنا تكون أم ولد فإنها تصير أم ولد ههنا

سواء كان موسراً أو معسراً على قول الخرقي كما إذا استولد الأمة المشتركة وقال القاضي يصير منها أم ولد بقدر ما ملك منها وهذا مذهب الشافعي والله أعلم (فصل) قال رضي الله عنه (وتخرج الواجبات من رأس المال أوصى بها أو لم يوص كقضاء الدين والحج والزكاة) لأن حق الورثة بعد اداء الدين لقوله سبحانه (من بعد وصية يوصى بها أو دين) وقال علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية رواه الترمذي والواجب لحق الله سبحانه بمنزلة الدين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " دين الله أحق أن يقضى " فإن وصى معها بتبرع اعتبر الثلث من الباقي فيخرج الواجب أولا من رأس المال ثم يخرج ثلث الباقي كمن تكون تركته أربعين فيوصي بثلث ماله وعليه دين عشرة فتخرج العشرة أولا وتدفع إلى الموصى له بالثلث عشرة وهي ثلث الباقي بعد الدين * (مسألة) * (وإن قال أخرجوا الواجب من ثلثي أخرج من الثلث وتمم من رأس المال على ما قال الموصي كأنه قصد إرفاق ورثته بذلك فإن كان معها وصية بتبرع فقال القاضي يبدأ بالواجب فإن فضل عنه من الثلث شئ فهو لصاحب التبرع وإن لم يفضل منه شئ سقط وذلك لأن الدين تجب

البداءة به قبل الميراث والتبرع فإذا عينه في الثلث وجب البداية به وما فضل للتبرع فإن لم يفضل شئ سقط لأنه لم يوص له بشئ إلا أن يجيز الورثة فيعطى ما أوصى له به وقال أبو الخطاب يزاحم به أصحاب الوصايا فيحتمل ما قاله القاضي ويحتمل أن يقسم الثلث بين الواجب والتبرع بالحصة فما بقي من الواجب تمم من الثلثين فيدخله الدور ويحتاج إلى العمل بطريق الخبر فلو كان المال ثلاثين فالواجب عشرة والوصية عشرة فاجعل تتمة الواجب شيئاً يبقى ثلاثون إلا شيئاً فثلثه عشرة إلا ثلث شئ اقسمها بين الواجب والتبرع يحصل للواجب خمسة إلا سدس شئ فإذا أضفت إليها الشئ الذي هو تتمة الواجب كان عشرة فأجبر الخمسة من الشئ بسدسه يبقى خمسة أسداس شئ تعدل خمسة فتبين ان الشئ ستة وللوصي الآجر وهو صاحب التبرع أربعة (فصل) فإن كان عليه دين خمسة أيضاً عزلت تتمة الواجب شئ وتتمة الدين نصف شئ بقي ثلث المال عشرة إلا نصف شئ فاقسمه بين الوصايا فيحصل للواجب أربعة الا خمس شئ اضمم إليها تتمته يصير شيئاً وأربعة الا خمس شئ تصير عشرة وبعد الجبر تصير أربعة أخماس تعدل ستة فرد على الستة ربعها تكن سبعة ونصفها تعدل شيئاً فالشئ سبعة ونصف ونصف الشئ ثلاثة ونصف وربع

وبقية المال ثمانية عشر وثلاثة أرباع ثلثها ستة وربع للدين خمسها أحد وربع إذا ضمت إليه تتمته كمل خمسة وللواجب اثنان ونصف يكمل بتتمته وللصدقة اثنان ونصف، وفي عملها طريق آخر وهو أن يقسم الثلث بكماله بين الوصايا بالقسط ثم ما بقي من الواجب أخذته من الورثة وصاحب التبرع بالقسط ففي المسألة الأولى يحصل للواجب خمسة يبقى له خمسة يأخذ من صاحب التبرع ديناراً ومن الورثة أربعة وفي المسألة الثانية حصل للواجب أربعة وبقي له ستة وحصل للدين دينار وبقي له ثلاثة فيأخذان ما بقي لهما وذلك تسعة من الورثة نصفها وثلثها وذلك سبعة ونصف ومن صاحب التبرع سدسها دينار ونصفها للواجب منها ثلثاها وللدين ثلثها فإن أوصى بالواجب وأطلق فهو من رأس المال فيبدأ بإخراجه قبل التبرعات والميراث فإن كانت وصية ثم بتبرع فلصاحبها ثلث الباقي وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذهب بعضهم إلى أن الواجب من الثلث كالقسم الذي قبله لأنه إنما يملك الوصية بالثلث.
ولنا أن الواجب من رأس المال وليس في وصيته ما يقتضي تغييره فيبقى على ما كان عليه كما لو لم يوص به وقولهم لا يملك الوصية إلا بالثلث قلنا في التبرع وأما في الواجبات فلا ينحصر في الئلث

ولا يتقيد به فإن أوصى بالواجب وقرن به الوصية بتبرع مثل أن يقول حجوا عني وأدوا ديني وتصدقوا عني ففيه وجهان (أصحهما) أن الواجب من رأس المال لأن الاقتران في اللفظ لا يدل على الاقتران في الحكم ولا في كيفيته ولذلك قال الله تعالى (كلوا من ثمره إذا اثمر وآتو حقه يوم حصاده) والأكل لا يجب والإيتاء يجب ولأنه ههنا قد عطف غير الواجب عليه فكما لم يستويا في الوجوب لا يلزم استواءهما في محل الإخراج (والثاني) أنه من الثلث لأنه قرن به ما مخرجه من الثلث والله سبحانه وتعالى أعلم.
(باب الموصى له) تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم وذمي وحربي ومرتد، أما صحة الوصية للمسلم والذمي فلا نعلم فيه خلافاً وبه قال شريح والشعبي والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي قال محمد بن الحنفية في قوله تعالى (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً) هو وصية المسلم لليهودي والنصراني ولأن الهبة تصح له فصحت الوصية كالمسلم وتصح وصية الذمي للمسلم لأنه إذا صحت وصية المسلم للذمي

فوصية الذمي للمسلم أولى وحكم وصية الذمي حكم وصية المسلم فيما ذكرنا، وتصح الوصية للحربي وإن كان في دار الحرب نص عليه أحمد وبه قال مالك وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم لا تصح وهو قول أبي حنيفة لأن الله تعالى قال (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) الآية إلى قوله (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم) الآية فدل على أن من قاتلنا لا يحل بره ولنا أنه تصح هبة فصحت الوصية له كالذمي وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عمر حلة من حرير فقال يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت فقال " إني لم أعطكها لتلبسها " فكساها عمر خاله مشركاً بمكة وعن أسماء بنت أبي بكر قالت أتتني أمي وهي راغبة تعني عن الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أتتني أمي وهي راغبة أفأصلها؟ قال " نعم " وهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم والآية حجة لنا فيمن لم يقاتل فأما المقاتل فإنما نهى عن توليه لا عن بره ولا الوصية له وإن احتج بالمفهوم فهو لا يراه حجة ثم قد حصل الإجماع على صحة الهبة للحربي والوصية في معناها.

  • (مسألة) * (وتصح للمرتد كما تصح الهبة له) ذكره أبو الخطاب وقال ابن أبي موسى لا تصح لأن ملكه غير مستقر ولا يرث ولا يورث فهو كالميت ولأن ملكه يزول عن ماله بردته في قول أبي بكر وجماعة فلا يثبت له الملك بالوصية * (مسألة) * (وتصح لمكاتبه ومدبره وأم ولده) تصح الوصية للمكاتب سواء كان مكاتبه أو مكاتب وارثه أو مكاتب أجنبي سواء وصى له يجزء شائع أو معين لأن ورثته لا يستحقون المكاتب ولا يملكون ماله ولأنه يملك المال بالعقود فصحت الوصية له كالحر، فإن قال ضعوا عن مكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا ما شاؤا وإن قال ضعوا عنه نجماً من نجومه فلهم أن يضعو اي نجم شاؤا وسواء كانت نجومه متفقة أو مختلفة لتناول اللفظ له فإن قال ضعوا عنه أي نجم شاء رجع إلى مشيئته لأن سيده جعل المشيئة إليه وإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضعوا عنه أكثرها مالاً لأنه أكبرها قدراً، وإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضعوا عنه أكثر من نصفها لان اكثر الشئ يزيد على نصفه فإن كانت نجومه خمسة وضعوا ثلاثة وإن كانت ستة وضعوا أربعة ويحتمل أن يصرف إلى واحد منها أكثرها مالاً فإن كانت نجومه سواء تعين القول الأول فإن قال ضعوا عنه أوسط نجومه ولم يكن فيها إلا وسط واحد تعين مثل أن تكون نجومه متساوية القدر والأجل وعددها مفرد فيتعين الأوسط في العدد فإن كانت خمسة تعين الثالث، وإن كانت

سبعة فالرابع فإن كان عددها مزدوجاً وهي مختلفة المقدار فبعضها مائة وبعضها مائتان وبعضها ثلاثمائة فأوسطها المائتان فيتعين وإن كانت متساوية القدر مختلفة الأجل مثل أن يكون اثنان إلى شهر شهر وواحد إلى شهرين وواحد الى ثلاثة أشهر تعنيت الوصية في الذي إلى شهرين، وإن اتفقت هذه المعاني في واحد تعين، وإن كان لها أوسط في القدر وأوسط في الأجل وأوسط في العدد يخالف بعضها بعضاً رجع إلى قول الورثة، وإن اختلفت الورثة والمكاتب في إرادة الموصي منها فالقول قول الورثة مع أيمانهم أنهم لا يعلمون ما أراد، ومتى كان العدد وتراً فأوسطه واحد وإن كانت شفعاً كأربعة فأوسطه اثنان وهكذا القول فيما اذا أوصى بأوسط نجومه، وإن قال ضعوا عنه ما يخف أو ما يثقل أو ما يكثر رجع إلى تقدير الورثة لان كل شئ يخف إلى حيث ما هو أثقل منه، ويثقل إلى حيث ما هو أخف منه،

كما قال أصحابنا فيما إذا أقر بمال عظيم أو كثير أو ثقيل أو خفيف، وإن قال ضعوا عنه أكثر ما عليه وضع عنه النصف وأدنى زيادة وإن قال ضعوا عنه أكثر ما عليه ومثل نصفه فذلك ثلاثة أرباع وأدنى زيادة وإن قال ضعوا أكثر ما عليه ومثله فذلك الكتابة كلها وزيادة عليها فيصح في الكتابة ويبطل في الزيادة لعدم محلها وإن قال ضعوا عنه ما شاء فشاء وضع كل ما عليه وضع لتناوله اللفظ فإن قال ضعوا عنه ما شاء من مال الكتابة لم يضعوا عنه الكل، لأن من للتبعيض ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا في هذا الفصل.

  • (مسألة) * (وتصح الوصية لمدبره) لأنه يصير حراً حين لزوم الوصية فصحت الوصية له كأم الولد فان لم يخرج من الثلث هو والوصية جميعاً قدم عتقه على الوصية لأنه أنفع له، وقال القاضي يعتق بعضه ويملك من الوصية بقدر ما عتق منه.
    ولنا أنه وصى لعبده وصية صحيحة فيقدم عتقه على ما يحصل له من المال كما لو وصى لعبده القن بمشاع من ماله.
  • (مسألة) * (وتصح الوصية لأم ولده لأنها حرة حين لزوم الوصية) وقد روى ذلك عن عمر رضي الله عنه انه أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف أربعة آلاف، رواه سعيد وروي ذلك عن عمران بن حصين، وبه قال ميمون بن مهران، والزهري، ويحيى الانصاري، ومالك، والشافعي، واسحق.
  • (مسألة) * (وتصح لعبد غيره) وتكون الوصية لسيده والقبول من العبد لأن العقد مضاف إليه أشبه ما لو وهبه شيئاً فإذا قبل نثبت لسيده لأنه من كسب عبده وكسب العبد للسيد ولا يفتقر في القبول إلى إذن السيد لأنه كسب من غير إذن سيده كالاحتطاب وهذا قول أهل العراق والشافعي ولأصحابه وجه آخر أنه يفتقر إلى إذن السيد لأنه تصرف العبد فهو كبيعه وشرائه ولنا أنه تحصيل مال بغير عوض فلم يفتقر إلى إذنه كقبول الهبة وتحصيل المباح (فصل) وإن وصى لعبد وارثه فهي كالوصية لوارثه تقف على إجازة الورثة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال مالك إن كان يسيراً جاز لأن العبد يملك وإنما لسيده أخذه من يده فإذا أوصى له بشئ يسير علم أنه قصد بذلك العبد دون سيده.

ولنا أنها وصية لعبد وارثه أشبه الوصية بالكثير وما ذكره من ملك العبد ممنوع لا اعتبار به فإنه مع هذا القصد يستحق سيده أخذه فهو كالكثير.
(فصل) وإذا وصى بعتق أمته على أن لا تتزوج ثم مات فقالت لا أتزوج عتقت فإن تزوجت بعد ذلك لم يبطل عتقها وهذا مذهب الأوزاعي والليث وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لأن العتق إذا وقع لم يمكن رفعه فإن وصى لأم ولده بألف على أن لا تتزوج أو على أن تبيت مع ولده ففعلت وأخذت الألف ثم تزوجت أو تركت ولده ففيها وجهان (أحدهما) تبطل وصيتها لأنه فات الشرط ففاتت الوصية، وفارق العتق فإنه لا يمكن رفعه (والثاني) لا تبطل وصيتها وهو قول أصحاب الرأي لأن وصيتها صحت فلم تبطل بمخالفة ما شرط عليها كالأولى * (مسألة) * (وتصح لعبده بمشاع كثلثه فإن خرج العبد من الوصية عتق واستحق باقيه وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث) وبهذا قال الحسن وابن سيرين وأبو حنيفة إلا أنهم قالوا إن لم يخرج من الثلث سعى في قيمة باقيه

وقال الشافعي الوصية باطلة إلا أن يوصي بعتقه لأنه أوصى لمال يصير للورثة فلم يصح كما لو وصى له بمعين.
ولنا أن الجزء الشائع يتناول نفسه أو بعضها لأنه من جملة الثلث الشائع والوصية له بنفسه تصح ويعتق وما فضل استحقه لأنه يصير حراً فملك الوصية فيصير كأنه قال أعتقوا عبدي من ثلثي وأعطوه ما فضل منه، وفارق ما إذا وصى له بمعين لأنه لا يتناول شيئاً منه على أن لنا في الأصل المقيس عليه منعاً.

  • (مسألة) * (وإن وصى له بمعين كثوب أو دار أو مائة لم تصح الوصية في قول الأكثرين منهم الثوري وأصحاب الرأي والشافعي واسحاق وذكر ابن أبي موسى رواية عن احمد أنها تصح وهو قول مالك وأبي ثور وقال الحسن وابن سيرين إن شاء الورثة أجازوا وإن شاءوا ردوا ولنا أن العبد يصير ملكاً للورثة فما وصى به له فهو لهم فكأنه أوصى لورثته بما يرثونه فلا فائدة فيه، وفارق ما إذا وصى له بمشاع لما ذكرناه.
  • (مسألة) * (وتصح الوصية للحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية بأن تضعه لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج أو سيد يطؤها أو لأقل من أربع سنين إن لم يكن كذلك في أحد الوجهين) وفي الآخر لأقل من سنتين لا نعلم في صحة الوصية للحمل خلافاً وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي

وذلك لأن الوصية جرت مجرى الميراث من حيث كونها انتقال المال من الإنسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض كانتقاله إلى وارثه، وقد سمى الله تعالى الميراث وصية بقوله سبحانه (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاثنين) وقال سبحانه (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله) والحمل يرث فتصح الوصية له ولأن الوصية أوسع من الميراث لأنها تصح للمخالف في الدين والعبد بخلاف الميراث فإذا ورث الحمل فالوصية له أولى ولأن الوصية تتعلق بخطر وغرر فصحت للحمل كالعتق فإن انفصل الحمل ميتاً بطلت الوصية لأنه لا يرث ولأنه يحتمل أن لا يكون حياً حين الوصية فلا تثبت له الوصية والميراث بالشك، وسواء مات لعارض من ضرب البطن أو شرب دواء أو غيره لما بينا من أنه لا يرث وإن وضعته حياً صحت الوصية له إذا حكمنا بوجوده حال الوصية بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر ان كانت المرأة فراشاً لزوج أو سيد يطؤها فإنا نعلم وجوده حين الوصية فإن أتت به لأكثر منها لم تصح الوصية لاحتمال حدوثه بعد الوصية، وإن كانت بائناً فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية لم تصح الوصية له وإن أتت به لأقل من ذلك صحت الوصية لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين

الفرقة وهذا مذهب الشافعي، وإن وصى لحمل امرأة من زوجها أو سيدها صحت الوصية له مع اشتراط إلحاقه به، فإن كان منفياً باللعان أو دعوى الاستبراء لم تصح الوصية له لعدم نسبه المشترط في الوصية فإن كانت المرأة فراشاً لزوج أو سيد إلا أنه لا يطؤها لكونه غائباً في بلد بعيد أو مريضاً مرضاً يمنع الوطئ أو كان أسيراً أو محبوساً أو علم الورثة أنه لم يطأها أو أقروا بذلك فإن أصحابنا لم يفرقوا بين هذه الصور وبين ما إذا كان يطؤها لأنهما لم يفترقا في لحوق النسب بالزوج والسيد فكانت في حكم من يطؤها، قال شيخنا ويحتمل أنها متى أتت به في هذه الحال أو لوقت يغلب على الظن أنه كان موجوداً حال الوصية مثل أن تضعه لأقل من غالب مدة الحمل أو تكون أمارات الحمل ظاهرة أو أتت به على وجه يغلب على الظن أنه كان موجوداً بأمارات الحمل بحيث يحكم لها بكونه حاملاً صحت الوصية له لأنه يثبت له أحكام الحمل في غير هذا الحكم وقد انتفت أسباب حدوثه ظاهراً فنبغى أن تثبت له الوصية، والحكم بإلحاقه بالزوج والسيد في تلك الصور إنما كان احتياطاً للنسب فإنه يلحق بمجرد الاحتمال وإن كان بعيداً، ولا يلزم من إثبات النسب بمطلق الاحتمال نفي استحقاق الوصية فإنه لا يحتاط لإبطال الوصية كما يحتاط لإثبات النسب فلا يلزم إلحاق ما لا يحتاط له بما يحتاط له مع ظهور ما يثبته

ويصححه، وفيه وجه آخر أنه إذا أتت به لأكثر من سنتين إذا كانت بائناً لا تثبت له الوصية بناء على أن أكثر مدة الحمل سنتان * (مسألة) * (وإن وصى لما تحمل هذه المرأة لم يصح) وقال بعض أصحاب الشافعي تصح كما تصح الوصية بما تحمل هذه الجارية ولنا أن الوصية تمليك فلا تصح للمعدوم بخلاف الموصى به فإنه يملك فلم يعتبر وجوده ولأن الوصية جرت مجرى الميراث ولو مات إنسان لم يرثه من الحمل إلا من كان موجوداً كذلك الوصية، ولو تجدد للميت مال بعد موته بأن يسقط في شبكته صيد لورثه ورثته ولذلك قضينا بثبوت الإرث في ديته وهي تتجدد بعد موته فجاز أن تملك بالوصية.
فإن قيل فلو وقف على من يحدث من ولده أو ولد فلان صح فالوصية أولى لأنها تصح بالمعدوم والمجهول بخلاف الوقف، قلنا الوصية أجريت مجرى الميراث ولا يحصل الميراث إلا لموجود فكذلك الوصية، والوقف يراد للدوام فمن ضرورته إثباته للمعدوم.
(فصل) وإذا وصى لحمل امرأة فولدت ذكراً وانثى فالوصية لهما بالسوية لأن ذلك عطية وهبة فأشبه ما لو وهبهما شيئاً بعد ولادتهما، وإن فاضل بينهما فهو على ما قال كالوقف وإن قال إن كان في

بطنها غلام فله ديناران وإن كانت فيه جارية فلها دينار فولدت غلاماً وجارية فلكل منهما ما وصى له به لأن الشرط وجد فيه، وإن ولدت أحدهما منفرداً فله وصيته، ولو قال إن كان حملها أو إن كان ما في بطنها غلاماً فله ديناران وإن كانت جارية فلها دينار فولدت أحدهما منفرداً فله وصيته، وإن ولدت غلاماً وجارية فلا شئ لهما لأن أحدهما ليس هو جميع الحمل ولا كل ما في البطن، وبه قال أصحاب الرأي والشافعي وأبو ثور.

  • (مسألة) * (وان قتل الوصي الموصي بطلت الوصية وإن جرحه ثم أوصى له فمات من الجرح لم تبطل في ظاهر كلامه وقال أصحابنا في الوصية للقاتل روايتان) اختلف أصحابنا في الوصية للقاتل على ثلاثة أوجه، فقال ابن حامد تجوز الوصية له واحتج بقول أحمد فيمن جرح رجلاً خطأ فعفا المجروح فقال أحمد تعتبر من الثلث قال وهذه وصية لقاتل وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر وأظهر قولي الشافعي لأن الهبة له تصح فصحت الوصية له كالذمي وقال أبو بكر لا تصح الوصية له فإن أحمد قد نص على أن المدبر إذا قتل سيده بطل تدبيره والتدبير وصية وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية

أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث فمنعها ما يمنعه وقال أبو الخطاب إن وصى له بعد جرحه صح وإن وصى له قبل ثم طرأ القتل على الوصية أبطلها جمعها بين نصي أحمد في الموضعين، وهو قول الحسن بن صالح وهذا قول حسن، لأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها لم يطرأ عليه ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت فإن القتل طرأ عليها فأبطلها فإنه يبطل ما هو آكد منها، يحققه أن القتل إنما يمنع الميراث لكونه بالقتل استعجل الميراث الذي انعقد سببه فعورض بنقيض قصده وهو منع الميراث دفعاً لمفسدة قتل الموروثين ولذلك بطل التدبير بالقتل قبل الطارئ عليه أيضاً وهذا المعنى متتحقق في القتل الطارئ على الوصية فإنه ربما استعجلها بقتله وفارق القتل قبل الوصية لأنه لم يقصد به استعجال مال لعدم انعقاد سببه والموصي راض بالوصية له بعد ما صدر منه في حقه وعلى هذا لا فرق بين الخطأ والعمد كما لا تفترق الحال بذلك في الميراث.

  • (مسألة) * (وإن وصى لصنف من أصناف الزكاة أو لجميع الأصناف صح) لأنهم من أبواب البر فصحت لهم كغيرهم ويعطي كل واحد منهم القدر الذي يعطاه من الزكاة قياساً عليها، لأن المطلق من كلام الآدمي يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ولما أطلق الله تعالى أعطاهم من الزكاة حمل على ذلك كذلك هذا

قال شيخنا وإذا وصى لأصناف الزكاة المذكورين في القرآن فهم الذين يستحقون الزكاة وينبغي أن يجعل لكل صنف ثمن الوصية، كما لو وصى لثمان قبائل، والفرق بين هذا وبين الزكاة حيث يجوز الاقتصار على صنف واحد أن آية الزكاة أريد بها بيان من يجوز الدفع إليه والوصية أريد بها بيان من يجب الدفع إليه، ويجوز الاقتصار من كل صنف على واحد في ظاهر المذهب لأنه لا يمكن استيعابهم وحكي هذا عن أصحاب الرأي وعن محمد بن الحسن أنه قال لا يجوز الدفع إلى أقل من اثنين، وعن أحمد رواية ثانية أنه لا يجوز الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف حكاها أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي وقد ذكرنا ذلك وأدلته في الزكاة ولا يجوز الصرف إلا إلى المستحق من أهل بلده كما ذكرنا في الزكاة (فصل) وإذا أوصى للفقراء وحدهم دخل فيه المساكين وكذلك إن أوصى للمساكين دخل فيهم الفقراء لأنهم صنف واحد في غير الزكاة إلا أن يذكر الصنفين جميعاً فيدل ذلك على أنه أراد المغايرة بينهما، ويستحب تعميم من أمكن منهم والدفع إليهم على قدر الحاجة والبداءة بأقارب الموصي كما ذكرنا في الزكاة.

  • (مسألة) * (وإن وصى لكتب القرآن أو العلم أو لمسجد أو لفرس حبيس ينفق عليه صح لأن ذلك قربة يصح بذل المال فيه، فصحت الوصية له كالوصية للفقراء فإن مات الفرس رد الموصى به

أو باقيه إلى الورثة لأنه عين للوصية جهة فإذا فاتت عادت إلى الورثة كما لو وصى أن يشترى عبد زيد فيعتق فمات العبد أو لم يبعه سيده أو تعذر شراؤه، وإن أنفق بعض الدراهم ثم مات الفرس بطلت الوصية في الباقي كما لو وصى بشراء عبدين معينين فاشترى أحدهما ومات الآخر قبل شرائه قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل أوصى بألف درهم في السبيل أيجعل في الحج منها؟ قال لا، إنما يعرف الناس السبيل الغزو.
(فصل) إذا قال يخدم عبدي فلان سنة ثم هو حر صحت الوصية فإن قال الموصى له بالخدمة لا أقبل الوصية أو قال قد وهبت الخدمة لم يعتق في الحال وبهذا قال الشافعي، وقال مالك إن وهب الخدمة للعبد عتق في الحال.
ولنا أنه أوقع العتق بعد مضي السنة فلم يقع قبله كما لو رد الوصية (فصل) وإن وصى أن يشترى عبد زيد بخمسمائة فيعتق فلم يبعه سيده فالخمسائة للورثة وكذلك إن امتنع عن بيعه بالخمسمائة أو تعذر شراؤه بموته أو لعجز الثلث عن ثمنه فالثمن للورثة لأن الوصية بطلت

لتعذر العمل بها فأشبه ما لو وصى لرجل فمات قبل موت الموصي أو بعده ولم يدع وارثاً ولا يلزم الورثة شراء عبد آخر لأن الوصية لمعين فلا تصرف إلى غيره فإن اشتروه بأقل من ذلك فالباقي للورثة وقال الثوري يدفع جميع الثمن إلى سيد العبد لأنه قصد إرفاقه بالثمن ومحاباته فأشبه ما لو قال بيعوه عبدي بخمسمائة وقيمته أكثر منها وكما لو وصى أن يحج عنه فلان بخمسمائة وهي أكثر من أجر المثل وقال إسحاق يجعل بقية الثمن في العتق كما لو وصى أن يحج عنه بخمسمائة رد ما فضل في الحج ولنا أنه أمر بشرائه بخمسمائة فكان ما فضل من الثمن راجعاً إليه كما لو وكل في شرائه في حياته وفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه رجل بخمسمائة لأن القصد ثم إرفاق الذي يحج بالفضلة، وفي مسئلتنا المقصود العتق، ويفارق ما إذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة لغير معين لأن الوصية ثم للحج مطلقاً فتصرف جميعها فيه وههنا لمعين فلا تتعداه، وقوله أنه قصد إرفاق زيد ومحاباته به قلنا إن كان ثم قرينة تدل على ذلك إما لكون البائع صديقه أو ذا حاجة أو من أهل الفضل الذين يقصدون بهذا أو كان يعلم حصول العبد بدون الخمسمائة لقلة قيمته فنه يدفع جميع الثمن إلى زيد كما لو صرح بذلك فقال ادفعوا إليه جميعها

وإن بذله بدونها وإن عدمت هذه القرائن فالظاهر أنه إنما قصد العتق وقد حصل فكان الثمن عائداً إلى الورثة كما لو أمره بالشراء في حياته قال شيخنا وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى (فصل) ولو وصى أن يشترى عبد بألف فيعتق عنه فلم يخرح من ثلثه اشتري عبد بالثلث وبه قال الشافعي، وقال أبوحينفة تبطل الوصية لأنه أمر بشراء عبد بألف فلا يجوز للمأمور الشراء بدونه كالوكيل.
ولنا أنها وصية يجب تنفيذها إذا احتملها الثلث فإذا لم يحملها وجب تنفيذها فيما حمله كما لو وصى بعتق عبد فلم يحمله الثلث، وفارق الوكالة فإنه لو وكله في إعتاق عبد لم يملك إعتاق بعضه، ولو وصى إليه بإعتاق عبد أعتق منه ما يحتمله الثلث فإن حمله الثلث فاشتراه وأعتقه ثم ظهر على الميت دين يستغرق المال فالوصية باطلة ويرد العبد إلى الرق إن كان اشتراه بعين المال لأننا تبينا أن الشراء باطل لكونه اشتري بمال مستحق للغرماء بغير إذنهم وإن كان اشتراه في الذمة صح الشراء ونفذ العتق وعلى المشتري غرامة ثمنه لا يرجع به على أحد لأن البائع ما غره إنما غره الموصي ولا تركه له فيرجع عليها وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحتمل أن يشارك الغرماء في التركة ويضر ب معهم بقدر دينه لأن الدين غرمه بتغرير الموصي فيرجع به عليه فإذا كان ميتاً لزمه في تركته كأرش جنايته

(فصل) وإن وصى بشراء عين وأطلق أو ببيع عبده وأطلق فالوصية باطلة لأن الوصية لا بد لها من مستحق ولا مستحق ههنا فإن وصى ببيعه بشرط العتق صحت الوصية وبيع كذلك لأن في البيع نفعاً للعبد بالعتق فإن لم يوجد من يشتريه كذلك بطلت الوصية لتعذرها كما لو وصى بشراء عبد يعتق فلم يبعه سيده، وإن وصى ببيعه لرجل بعينه بثمن معلوم بيع لأنه قصد إرفاقه بذلك في الغالب وإن لم يسم ثمناً بيع بقيمته وتصح الوصية لكونه قصد إيصال العبد المعين إلى رجل بعينه فيحتمل أن يتعلق الغرض بإرفاق العبد بإيصاله إلى من هو معروف بحسن الملك وإعتاق الرقاب ويحتمل أن يريد إرفاق المشتري لمعنى يحصل له من العبد فإن تعذر بيعه لذلك الرجل أو أبى أن يشتريه بالثمن أو بقيمته إن لم يعين الثمن بطلت الوصية * (مسألة) * (وإن وصى في أبواب البر فقال شيخنا يصرف في القرب كلها) لأن اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه ولا يجوز تخصيص العموم بغير دليل، وقيل عن أحمد تصرف في أربع جهات في الأقارب والمساكين والحج والجهاد، وعنه فداء الأسرى مكان الحج لأن الصدقة على الأقارب صدقة وصلة والمساكين مصارف الصدقات والزكاة والحج والجهاد من أكبر

شعائر الإسلام وفداء الأسرى من أعظم القربات، وقد نقل المروذي عن أحمد فيمن أوصى بثلثه في أبواب البر يجزأ ثلاثة أجزاء جزءاً في الجهاد وجزءاً يتصدق به في أقاربه وجزءاً في الحج وقال في رواية أبي داود الغزو يبدأ به وحكي عنه أنه جعل جزءاً في فداء الأسرى، قال شيخنا وهذا والله أعلم ليس على سبيل اللزوم والتحديد بل يجوز صرفه في جهات البر كلها لأن اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه ولأنه ربما كان غير هذه الجهات أحوج من بعضها وأحق فقد تدعو الحاجة إلى تكفين ميت وإصلاح طريق وإعتاق رقبة وقضاء دين وإغاثة ملهوف أكثر من دعائها إلى حج من لا يجب عليه الحج فيكلف وجوب ما لم يكن عليه واجباً وتعباً كان الله تعالى قد أراحه منه من غير مصلحة تعود على أحد من خلق الله تعالى فتقديم هذا على ما مصلحته ظاهرة والحاجة إليه داعية بغير دليل تحكم لا معنى له (فصل) وإن قال ضع ثلثي حيث أراك الله فله صرفه في أي جهة من جهات القرب رأى وضعه فيها عملاً بمقتضى وصيته وذكر القاضي أنه يجب صرفه إلى الفقراء والمساكين، والأفضل صرفه إلى فقراء أقاربه فان لم يجد فإلى محارمه من الرضاع فإن لم يكن فإلى جيرانه وقال أصحاب الشافعي يجب ذلك لأنه رده إلى اجتهاده فيما فيه الحظ وهذا أحظ ولنا أنه قد يرى غير هذا أهم منه وأصلح فلا يجوز تقييده بالتحكم ونقل أبو داود عن أحمد

أنه سئل عن رجل أوصى بثلثه في المساكين وله أقارب محاويج فلم يوص لهم بشئ ولم يرثوا فإنه يبدأ بهم فإنهم أحق قال وسئل عن النصراني يوصي بثلثه للفقراء من المسلمين أيعطى إخوته وهم فقراء؟ قال نعم هم أحق يعطون خمسين درهماً لا يزادون على ذلك يعني لا يزاد كل واحد منهم على ذلك لأنه القدر الذي يحصل به الغنى * (مسألة) * (وإن وصى أن يحج عنه بألف صرف في حجة بعد أخرى حتى ينفذ) إذا أوصى أن يحج عنه بقدر من المال صرف جميع ذلك في الحج إذا حمله الثلث لأنه وصى به في جهة قربة فوجب صرفه فيها كما لو وصى في سبيل الله تعالى وليس للوصي أن يصرف إلى من يحج أكثر من نفقة المثل لأنه أطلق له التصرف في المعاوضة فاقتضى عوض المثل كالتوكيل في البيع ثم لا يخلو إما أن يكون بقدر نفقة المثل لحجة واحدة فيصرف فيها أو ناقصاً فيحج به من حيث يبلغ في ظاهر نصوص أحمد فإنه قال في رواية حنبل في رجل أوصى أن يحج ولا تبلغ النفقة فقال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من أهل مدينته وهذا قول العنبري وقال القاضي يعان به في الحج وهو قول سوار القاضي حكاه عنه العنبري وعن أحمد أنه مخير في ذلك فإنه قال في

رواية أبي داود في امرأة أوصت بحج لا يجب عليها: أرى أن يؤخذ ثلث مالها فيعان به في الحج أو يحج به من حيث يبلغ فإن كان يفضل عن الحجة دفع في حجة ثانية وثالثة إلى أن ينفذ أو يبقى مالاً يبلغ حجة فيحج به من حيث يبلغ أو يعان به في الحج على ما ذكرنا من الخلاف فيه ولا يستنيب في الحج مع الإمكان إلا من بلد المحجوج عنه لأنه نائب عن الميت وقائم مقامه فينوب عنه من موضع لو حج المنوب عنه لحج منه فإن كان الموصى به لا يحمله الثلث لم يخل من أن يكون الحج فرضاً أو تطوعاً فإن كان فرضاً أخذ أكثر الأمرين من الثلث أو القدر الكافي الحج الفرض إن كان قد أوصى بالثلث فإن كان الثلث أكثر أخذ ثم يصرف منه في الفرض قدر ما يكفيه ثم يحج بالباقي تطوعاً حتى ينفذ كما ذكرنا من قبل، وان كان الثلث أقل تمم قدر ما يكفي الحج من رأس المال وبهذا قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب والزهري والشافعي واسحاق قال سعيد بن المسيب والحسن كل واجب من رأس المال، وقال ابن سيرين والنخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو حنيفة وداود ابن أبي هند إن وصى بالحج من ثلثه وإلا فليس على ورثته شئ فعلي قولهم إن لم يف الثلث بالموصى به وإلا لم يزد على الثلث لأن الحج عبادة فلا يلزم الوارث كالصلاة

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال نعم قال " فدين الله أحق أن يقضى " والدين من رأس المال فما هو أحق منه أولى ولأنه واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن كان تطوعاً أخذ الثلث لا غير إذا لم يجز الورثة ويحج به على ما ذكرنا * (مسألة) * (وإن وصى أن يحج عنه حجة بألف دفع الكل إلى من يحج) إذا وصى أن يحج عنه حجة واحدة بقدر من المال وكان فيه فضل عما يحج به فهو لمن يحج لأنه قصد إرفاقه بذلك فكأنه صرح فقال حجوا عني حجة واحدة بألف وما فضل منها فهو لمن يحج * (مسألة) * (فإن عينه في الوصية فقال يحج عني فلان بألف صرف ذلك إليه وإن لم يعين فللموصى إليه صرفه إلى من شاء) لأنه فوض إليه الاجتهاد إلا أنه لا يملك صرفها إلى وارث إذا كان فيها فضل إلا بإذن الورثة وإن لم يكن فيها فضل جاز لأنه لا محاباة فيها ثم ينظر فإن كان الحج الموصى به تطوعاً اعتبر من الثلث وإن كان واجباً فالزائد عن نفقة المثل معتبر من الثلث وإن لم يف الموصى به بالحج أتم من رأس المال وفيه من الخلاف ما ذكرنا

  • (مسألة) * (فإن أبى الحج وقال اصرفوا لي الفضل لم يعطه وبطلت الوصية في حقه) إذا قال المعين ذلك بطل التعيين ويحج عنه بأقل ما يمكن إنسان ثقة سواه ويصرف الباقي اللى الورثة ويحتمل أن تبطل الوصية إن كان الحج تطوعاً لأنه عين لها جهة فإذا لم يقللها بطلت كما لو قال بيعوا عبدي لفلان بمائة فأبى شراءه والظاهر أنها لا تبطل لأنه قصد القربة والتعيين فإذا بطل التعيين لم تبطل القربة كما لو قال بيعوا عبدي لفلان وتصدقوا بثمنه فلم يقبل فلان فإنه يباع من غيره ويتصدق بثمنه فإن قال المعين اصرفوا لي الفضل عن نفقة الحج لأنه موصى لي به لم يصرف إليه شئ لأنه إنما أوصى له بالزيادة بشرط أن يحج فإذا لم يوجد الشرط لم يستحق شيئاً (فصل) فإذا قال حجوا عني حجة ولم يذكر قدراً من المال فإنه لا يدفع إلى من يحج إلا قدر نفقة المثل لما ذكرنا والباقي للورثة وهذا ينبني على أنه يجوز الاستئجار عليه إنما ينوب عنه نائب فما ينفق عليه فيما يحتاج إليه فهو من مال الموصي وما بقي للورثة فإن تلف المال في الطريق فهو من مال الموصي وليس على النائب إتمام الحج وإن قلنا يجوز الاستئجار على الحج فلا يستأجر إلا ثقة بأقل ما

يمكن وما فضل فهو للأجير لأنه ملك ما أعطي بعقد الإجارة وإن تلف المال في الطريق بعد قبض الأجير له فهو من ماله ويلزمه إتمام الحج، وإن قال حجوا عني ولم يقل حجة واحدة لم يحج عنه إلا حجة ولأنه أقل ما يقع عليه الاسم فإن عين مع هذا فقال يحج عني فلان دفع إليه بقدر نفقته من بلده إذا خرج من الثلث فإن أبى الحج إلا بزيادة تصرف إليه فينبغي أن يصرف إليه أقل قدر يمكن أن يحج به غيره فإن أبى الحج وكان واجباً استنيب غيره بأقل ما يمكن استنابته والله أعلم (فصل) وإن وصى أن يحج عنه زيد بمائة ولعمرو بتمام الثلث ولسعد بثلث ما له فأجاز الورثة أمضيت على ما قال الموصي فإن لم يفضل عن المائة شئ فلا شئ لعمرو لأنه إنما وصى له بالفضل ولا فضل وإن رد الورثة قسم الثلث بينهم نصفين لسعد السدس ولزيد مائة وما فضل من الثلث فلعمرو فإن لم يفضل منه شئ فلا شئ لعمر ولانه إنما وصى له بالزيادة ولا زيادة ولا تمتنع المزاحمة به ولا يعطى شيئاً كولد الأب مع ولد الأبوين في مزاحمة الجد ويحتمل أنه متى كان في الثلث فضل عن المائة أن يرد كل واحد إلى نصف وصيته لأن زيداً إنما استحق المائة بالإجازة فمع الرد يدخل عليه من النقص بقدر وصيته كسائر الوصايا

(فصل) وإن وصى لزيد بعبد بعينه ولعمرو ببقية الثلث قوم العبد يوم موت الموصي لأنه حال نفوذ الوصية ودفع إلى زيد ودفع إلى بقية الثلث إلى عمرو فإن لم يبق من الثلث شئ بطلت وصية عمرو، وإن مات العبد بعد موت الموصي قومنا التركة حال موت الموصي بدون العبد ثم نقوم العبد لو كان حياً فإن بقي من الثلث بعد قيمته شئ فهو لعمرو وإلا بطلت وصيته، لو قال لأحد عبديه أنت مدبر ثم قال لآخر أنت مدبر في زيادة الثلث عن قيمة الأول ثم بطل تدبير الأول بموته فهي كالتي قبلها على ما ذكرنا أو رجوعه فيه أو خروجه مستحقاً أو غير ذلك * (مسألة) * (وإن وصى لأهل سكته فهو لأهل دربه) لأن السكة الطريق والدرب مضاف إليه * (مسألة) * (وإن وصى لجيرانه تناول أربعين داراً من كل جانب) نص عليه أحمد وبه وقال الاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة الجار الملاصق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الجار أحق بصقبه " يعني الشفعة وإنما يثبت للملاصق ولأن الجار مشتق من المجاورة وقال قتادة الجار الدار والداران وروي عن علي عليه السلام في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد قال من سمع النداء وقال سعيد بن عمرو بن جعدة من سمع الإقامة وقال أبو يوسف الجيران أهل المحلة أن جمعهم مسجد فإن تفرق أهل المحلة في مسجدين صغيرين متقاربين فالجميع جيران وإن كانا عظيمين فكل أهل مسجد جيران وأما الأمصار التي فيها القبائل فالجوار على الأفخاذ

ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا وهكذا " وهذا نص لا يجوز العدول عنه إن صح وإن لم يثبت الخبر فالجار هو المقارب ويرجع في ذلك إلى العرف وقال أبو بكر مستدار أربعين داراً من كل جانب والحديث يحتمله * (مسألة) * (وإن وصى لأقرب قرابته أو لأقرب الناس إليه أو أقربهم به رحماً لم يدفع بنفسه من غير واسطة والأخ والجد سواء) لأن كل واحد يدلي إلى الأبعد مع وجود الأقرب فإن كان له أب وابن فهما سواء، لأن كل واحد منهما يدلي بالأب من غير واسطة ويحتمل تقديم الابن على الأب لأنه يسقط تعصيبه والأولى أولى لأن إسقاط تعصيبه لا يمنع مساواته في القرب ولا كونه أقرب مه بدليل أن ابن الابن يسقط تعصيبه مع بعده ويحتمل تقديم الأخ على الجد لأن الأخ يدلي ببنوة الأب والجد يدلي بالأبوة فهما كالأب والابن والأول أولى ولا يصح قياس الأخ على الابن لأنه لا يسقط تعصيب الجد بخلاف الابن ويقدم الابن على الجد والأب على ابن الابن وقال أصحاب الشافعي يقدم ابن الابن على الأب في وجه لأنه يسقط تعصيبه ولنا أن الأب يدلي بنفسه ويلي ابنه من غير حاجز ولا يسقط ميراثه بحال بخلاف ابن الابن والأب والأم سواء وكذلك الابن والبنت والجد أبو الأب وأبو الأم وأم الأب وأم الأم كلهم سواء

هكذا ذكره شيخنا ويحتمل تقديم أبي الأب على أب الام لأنه يسقطه ثم بعد الأولاد أولاد البنين وإن سفلوا الأقرب فالأقرب الذكور والإناث وفي أولاد البنات وجهان بناء على دخولهم في الوقف ثم من بعد الولد الأجداد الاقرب منهم فالأقرب لأنهم العمود الثاني ثم الأخوة والأخوات ثم ولدهم وان سفلوا ولا شئ لولد الأخوات إذا قلنا لا يدخل ولد البنات * (مسألة) * (والأخ من الأب والأخ من الأم سواء والأخ من الأبوين أحق منهما) الأخ من الأب والأخ من الأم سواء لأنهما على درجة واحدة وكذلك ولداهما والأخ من الأبوين أحق منهما لأن له قرابتين فهو أقرب ممن له قرابة واحدة (فصل) والأخ للأب أولى من ابن الأخ من الأبوين كما في الميراث ثم بعدهم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ويستوي العم من الأب والعم من الأم وعلى الاحتمال الذي ذكرناه في تقديم أبي الأب على أبي الأم تقديم العم من الأب على العم من الأم وكذلك أبناؤهما وعلى هذا الترتيب ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي إلا أنه يرى دخول ولد البنات والأخوات والأخوال والخالات وهذا القول يخرج

على مذهب أحمد على الرواية التي تجعل القرابة فيها كل من يقع عليه اسم القرابة فأما على الرواية التي تقول إن اسم القرابة يختص من كان من اولاد الآباء وهي التي اختارها الخرقي فلا تدخل فيه الأم ولا أقاربها لأن من لم يكن من القرابة لم يكن من أقرب القرابة فعلى هذا تتناول الوصية من كان أقرب من أولاد الموصي وأولاد آبائه إلى أربعة آباء ولا تعدوهم فإن وصى لجماعة من أقرب الناس إليه أعطي ثلاثة من أقرب الناس إليه فإن وجد أكثر من ثلاثة في درجة واحدة كاخوة فالوصية لجميعهم لأن بعضهم ليس بأولى من بعض والاسم يشملهم وإن لم يوجد ثلاثة في درجة واحدة كملت من الثانية فان كان في الدرجة الثانية جماعة سوي بينهم لما ذكرنا في الدرجة الأولى، وإن لم يكمل من الثانية فمن الثالثة فإذا وجد ابن وأخ وعم فالوصية بينهم أثلاثاً وكذلك إن كان ابن وإخوان وإن كان ابن وثلاثة اخوة دخل جميعهم في الوصية وينبغي أن يكون للابن ثلث الوصية ولهم ثلثاها فإن كان الابن وارثاً سقط حقه من الوصية إن لم يجز له والباقي للاخوة وإن وصى لعصبته فهو لمن يرثه بالتعصيب في الجملة سواء كان من يرث في الحال أو يكن ويسوي بين قريبهم وبعيدهم لشمول اللفظ لهم ولا خلاف في أنهم لا يكونون من جهة الأم بحال * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (ولا تصح الوصية لكنيسة ولا بيت نار ولا لعمارتهما والإنفاق

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل