يعمل في سياقة الغنم قال لم يزل أهل الشام يفعلون هذا وقد يكون في رجوعهم إلى الساقة وسياقة الغنم منفعة، قيل له فإن أغار على قرية فنزل فيها والسبي والدواب والخرثي معهم في القرية ويمنع الناس من جمعه الكسل لا يخافون عليه العدو فيقول الإمام من جاء بعشرة أثواب فله ثوب ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس قال أرجو أن لا يكون به بأس، قيل له فإن قيل من جاء بعدل من دقيق الروم فله دينار يريده لطعام السبي ما ترى في أخذ الدينار؟ فما رأى به بأساً، قيل فالامام يخرج السرية وقد نفلهم جميعاً فلما كان يوم المغار نادى من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن جاء بكذا فله كذا فذهب الناس فطلبوا فما ترى في هذا النفل؟ قال لا بأس به إذا كان يحرضهم على ذلك ما لم يستغرق الثلث قلت لا بأس بنفلين في شئ واحد قال نعم ما لم يستغرق الثلث سمعته غير مرة يقول ذلك (فصل) قال أحمد والنفل من أربعة أخماس الغنيمة، هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى بن جابر والاوزاعي وبه قال إسحاق وأبو عبيد قال أبو عبيد والناس اليوم على هذا، قال أحمد وكان سعيد بن المسيب ومالك بن أنس يقولان لا نفل إلا من الخمس فكيف خفي عنهما هذا مع علمهما؟ وقال النخعي وطائفة إن شاء الإمام نفلهم قبل الخمس وإن شاء بعده وقال أبو ثور إنما النفل قبل الخمس واحتج من ذهب إلى هذا بحديث ابن عمر الذي أوردناه
ولنا ماروى معن بن يزيد السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا نفل إلا بعد الخمس) رواه أبو داود وابن عبد البر وهذا صريح وحديث حبيب بن أبي مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس وحديث جرير حين قال له عمر لك الثلث بعد الخمس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الثلث ولا يتصور إخراجه من الخمس ولأن الله تعالى قال (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) يقتضي أن يكون الخمس خارجاً من الغنيمة كلها وأما حديث ابن عمر فقد رواه شعيب عن نافع عن ابن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد وابتعث سرية من الجيش فكان سهمهمان الجيش اثني عشر بعيراً ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا فهذا يمكن أن يكون نفلهم من أربعة أخماس الغنيمة دون بقية الجيش كما يفعل السرايا ويتعين حمل هذا الخبر على هذا لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلا وكان قد قسم لهم أكثر من أربعة الاخماس وخو خلاف الآية والأخبار (فصل) وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام لعموم الخبر فيه ويحتمل أن يحمل على
القسمين الأولين من النفل، فأما القسم الثالث وهو أن يقول من جاء بشئ فله كذا أو من جاء بعشرة رؤوس فله رأس منها فيحتمل أن يستحق ذلك من الغنيمة كلها لأنه ينزل منزلة الجعل فأشبه السلب فإنه غير مخموس ويحتمل في القسم الثاني وهو زيادة بعض الغانمين على سهمه أن يكون من خمس الخمس المعد للمصالح لأن عطية هذا من المصالح والمذهب الأول لأن عطية سلمة بن الأكوع سهم الفارس زيادة على سهمه إنما كان من أربعة الأخماس (فصل) قال الخرقي ويرد من نفل على من معه في السرية إذ بقوتهم صار إليه ومعناه إذا بعث سرية ونفلها الثلث أو الربع فخص به بعضهم أو جاء بعضهم بشئ فنفله ولم يأت بعضهم بشئ فلم ينفله شارك من نفل من لم ينفل، وقد نص أحمد على هذا لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء ولأنهم استحقوا النفل على وجه الإشاعة بينهم بالشرط السابق فلم يختص به واحد منهم كالغنيمة، فأما النفل في القسمين الأخيرين مثل أن يخص بعض الجيش بنفل لغنائه أو يجعله له كقوله من جاء بعشر رؤوس فله رأس فجاء واحد بعشرة دون سائر الجيش فيختص بنفله دون غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خص من قتل بسلب قتيله اختص به ولما خص سلمة بن الأكوع بسهم الفارس والراجل اختص به ولذلك اختص بالمرأة التي نفلها إياه أبو بكر دون الناس ولأن هذا جعل تحريضاً على القتال وحثاً على فعل ما يحتاج المسلمون إليه لتحمل فاعله كلفة فعله رغبة فيما جعل له فلو لم يختص به فاعله ما خاطر أحد بنفسه فيه ولا حصلت مصلحة النفل فوجب أن يختص الفاعل لذلك بنفله كثواب الآخرة
(فصل) قال رضي الله عنه ويلزم الجيش طاعة الأمير والنصح له والصبر معه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني) رواه النسائي.
(مسألة) (ولا يجوز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز ولا يخرج من العسكر ولا تحدث حدثا إلا بإذن الأمير) يعني لا يحرج لتعلف وهو تحصيل العلف ولا احتطاب ولا غيره إلا بإذن الأمير لقول الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكامنهم وقربهم وبعدهم فإذا خرج أحد بغير إذنه
لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه أو يرحل الأمير ويدعه فيهلك فإذا كان بإذن الأمير لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم (فصل) فأما المبارزة فتجوز بإذن الأمير في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه كرهها.
ولنا أن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وبارز على عمرو بن عبدود في غزوة الخندق وبارز مرحباً يوم خيبر وقيل بارزه محمد بن مسلمة وبارز البراء بن مالك مرزبان المرازبة فقتله
وأخذ سلبه فبلغ ثلاثين ألفاً، وروي عنه أنه قال قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة سوى من شاركت فيهم ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم ينكره منكر فكان إجماعاً وكان أبو ذر يقسم أن قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر وهم حمزة وعلي وعبيدة، بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة رواه البخاري.
إذا ثبت هذا فإنه ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن وبه قال الثوري وإسحاق ورخص فيها مالك والشافعي وابن المنذر لأن أبا قتادة قال بارزت رجلاً يوم حنين وقتلته ولم يعلم أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أكثر من حكينا عنهم المبارزة لم نعلم منهم استئذاناً ولنا أن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان عدوه، ومتى برز الإنسان لمن لا يطيقه كان معرضاً نفسه للهلاك فتنكسر قلوب المسلمين فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام ليختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون أقرب إلى الظفر وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب الكافرين، فإن قيل فقد أبحتم له أن ينغمس في الكفار وهو سبب قتله قلنا إذا كان مبارزاً تعلقت قلوب الجيش به وارتقبوا ظفره، فإن ظفر جبر قلوبهم وسرهم وكسر قلوب الكافرين وإن قتل كان بالعكس والمنغمس يطلب الشهادة لا يترقب منه ظفره ولا مقاومته
فافترقا وأمبارزة (وأما مبارزة) أبي قتادة فغير لازمة فإنها كانت بعد التحام الحرب رأى رجلاً يريد أن يقتل مسلماً فضربه أبو قتادة فالتفت إلى أبي قتادة فضمه ضمه كاد يقتله وليس هذا هو المبارزة المختلف فيها بل المبارزة المختلف فيها أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب يدعو إلى المبارزة فهذا هو الذي
يتعين له إذن الإمام لأن أعين الطائفتين تمتد إليهما وقلوب الفريقين تتعلق بهما بخلاف غير ذلك.
(مسألة) (فإن دعي كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه بإذن الأمير) .
المبارزة تنقسم ثلاثة أقسام مستحبة ومباحة ومكروهة (فالمستحبة) إذا خرج كافر يطلب البراز فيستحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة أن يبارزه بإذن الأمير، لأن فيه رداً عن المسلمين وإظهارا لقوتهم (والمباحة) أن يبتدئ الرجل الشجاع فيطلبها فتباح ولا تستحب لأنه لا حاجة إليها ولا يؤمن أن يغلب فيكسر فلوب المسلمين إلا أنه لما كان شجاعاً واثقاً من نفسه أبيحت له لأنه بحكم الظاهر غالب، (والمكروهة) أن يبرز الضعيف البنية الذي لا يثق من نفسه فتكره له المبارزة لما فيه من كسر قلوب المسلمين بقتله ظاهرا.
(مسألة) (فإن شرط الكافر أن لا يقاتله غير الخارج إليه فله شرطه) إذا خرج كافر يطلب البراز فشرط أن لا يعين الذي يبارزه غيره فله شرطه لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون عند شروطهم) ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة لأنه كافر لاعهد له ولا أمان فأبيح قتله كغيره إلا أن تكون العادة جارية بينهم أن من خرج يطلب المبارزة لا يعرض له فيجري ذلك مجرى الشرط.
(مسألة) (فإن انهزم المسلم أو أثخن بالجراح جاز الدفع عنه) إذا انهزم المسلم تاركاً للقتال أو مثخناً بالجراح جاز لكل أحد قتال الكافر لأن المسلم إذا صار إلى هذه الحال فقد انقضى قتاله والأمان إنما كان حال القتال وقد زال وإن كان المسلم شرط عليه أن لا يقاتل حتى يرجع إلى صفة وفي له بالشرط إلا أن يترك قتاله أو يثخنه بالجراح فيتبعه ليقتله أو يجهز عليه فيجوز أن يحولوا بينه وبينه، وإن قاتلهم قاتلوه لأنه إذا منعهم انقاذه فقد نقض أمانه وإن أعان الكفار صاحبهم فعلى المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه ولا يقاتلون المبارز لأنه ليس بسبب من جهته فإن كان قد استنجدهم أو علم منه الرضا بفعلهم انتقض أمانه وجاز قتله وذكر
الأوزاعي أنه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم وإن أثخن بالجراح قيل له فخاف المسلمون على صاحبهم قال وإن، لأن المبارزة إنما تكون هكذا ولكن لو حجزوا بينهما وخلوا سبيل العلج قال فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم ولنا أن حمزة وعلياً أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين ثخن عبيدة.
(فصل) وتجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الحرب خدعة وهو حديث حسن صحيح، وروي أن عمرو بن عبدود لما بارز علياً رضي الله عنه قال علي ما برزت لا قاتل اثنين فالتفت عمرو فوثب عليه فضربه فقال عمرو خدعتني فقال الحرب خدعة.
(فصل قال أحمد وإذا غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل يستأذن الوالي الذي هو على جميع المراكب ولا يكفيه أن يستأذن الوالي الذي في مركبه.
(مسألة) (وإن قتله المسلم فله سلبه) .
أما استحقاق سلب القتيل في الجملة فلا نعلم فيه خلافاً وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم من قتل كافراً فله سلبه، رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أنس وسمرة بن جندب وغيرهما، وروي أبو قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة فأدركه الموت ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه) قال فقمت فقلت من يشهد لي؟ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك يا أبا قتادة، فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول سلب ذلك القتيل عندي فارضه منه فقال أبو بكر الصديق لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسول الله يعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صدق فأسلمه إليه) قال فأعطانيه متفق عليه، وعن أنس قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (من قتل قتيلا فله سلبه) فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا
فأخذ أسلابهم، رواه أبو داود.
(مسألة) (وكل من قتل قتيلا فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكا على القتال غير مثخن وغرر بنفسه في قتله وعنه لا يستحقه إلا من شرط له) .
الكلام في هذه المسألة في فصول (إحداها) في أن القاتل يستحق السلب وقد ذكرناه (الثاني) أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك وقال ابن أبي موسى من بارز بغير إذن الإمام لم يستحق السلب ذكره في الإرشاد وروي عن ابن عمر أن العبد إذا بارز بإذن مولاه لم يستحق السلب ويرضخ له منه وللشافعي فيمن لا سهم له قولان (أحدهما) لا يستحق السلب لأن السهم آكد منه للإجماع عليه فإذا لم يستحقه فالسلب أولى ولنا عموم الخبر ولأنه قاتل من أهل الغنيمة فاستحق السلب كذي السهم ولأن الأمير لو جعل جعلا لمن منع شيئاً فيه نفع للمسلمين لاستحقه فاعله من هؤلاء فالذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أولى وفارق السهم لأنه علق على المظنة ولهذا يستحق بالحضور ويستوي فيه الفاعل وغيره والسلب يستحق بحقيقة الفعل وقد وجد منه ذلك فاستحقه كالمجعول له جعلا على فعل إذا فعله فإن كان القاتل ممن لا يستحق سهما ولا رضخاً كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب وإن قل وهو قول الشافعي لأنه
ليس من أهل الجهاد وكذلك إن بارز العبد بغير إذن مولاه لا يستحق السلب لأنه عاص وكذلك كل عاص مثل من دخل بغير إذن الأمير وعن أحمد فيمن دخل بغير إذن أنه يؤخذ منه الخمس وباقيه له كالغنيمة ويخرج مثل ذلك في العبد المبارز بغير إذن سيده ويحتمل أن يكون سلب قتيل العبد له على كل حال لأن ما كان له فهو لسيد ففي حرمانه حرمان سيده ولم يعص (الفصل الثالث) السلب للقاتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو وبه قال الشافعي وابو ثور وداود وابن المنذر وقال مسروق إذا التقى الزحفان فلا سلب له إنما النفل قبل وبعد ونحوه قول نافع وكذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم: السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد ولنا عموم قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه ولأن أبا قتادة إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين ألا تراه يقول فلما التقينا رأيت رجلا من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين؟ وكذلك قول أنس قتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وكان ذلك بعد التقاء الزحفين لأن هوازن لقوا المسلمين فجأة فألحموا الحرب قبل تقدم مبارزة
(الفصل الرابع) أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة [أحدها] أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبياً أو شيخا فاينا أو ضعيفاً مهيناً ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافاً وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لجواز قتله ومن قتل أسيراً له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك [الثاني] أن يكون المقتول فيه منعه غير مثخن بالجراح فإن كان مثخناً فليس لقاتله شئ من سلبه وبهذا قال مكحول وجرير بن عثمان والشافعي لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط ابن مسعود شيئاً [الثالث] أن يقتله أو يثخنه بالجراح فيعجله في حكم المقتول فيستحق سلبه لحديث معاذ ابن عمرو بن الجموح [الرابع] أن يغرر بنفسه في قتله فإن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له قال أحمد السلب للقاتل إنما هو في المبارزة لا يكون في الهزيمة وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه فسلبه غنيمة لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله (فصل) وإنما يستحق السلب إذا قتله حال الحرب فإن انهزم الكفار كلهم فأدرك انسانا منهزما
فقتله فلا سلب له لأنه لم يغرر في قتله، وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحدهم فقتله انسان فله سلبه لان الحرب كروفر وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار وهو منهزم وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من
قتله؟) قالوا ابن الأكوع قال (له سلبه أجمع) وبهذا قال الشافعي وقال أبو ثور وداود وابن المنذر السلب لكل قاتل لعموم الخبر واحتجاجا بحديث سلمة هذا ولنا أن ابن مسعود ذفف على أبي جهل فلم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم سلبه وأمر بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر ابن الحارث صبراً ولم يعط سلبهما من قتلهما وقتل بني قريظة صبراً فلم يعط من قتلهم أسلابهم وإنما أعطي السلب من قتل مبارزاً وكفى المسلمين شره وغرر في قتله والمنهزم بعد انقضاء الحرب قد كفى المسلمين شر نفسه ولم يغرر قاتله بنفسه في قتله فهو كالأسير وأما الذي قتله سلمة فكان متحيزاً إلى فئة وكذلك من قتل حال قيام الحرب فإنه وإن كان منهزماً فهو متحيز إلى فئة وراجع إلى القتال فأشبه الكار فان القتال كر وفر.
إذا ثبت هذا فانه لا يشترط في استحقاق السلب أن تكون المبارزة بإذن الأمير لأن كل من قضي له بالسلب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة مع أن عموم الخبر يقتضي استحقاق السلب لكل قاتل إلا من خصه الدليل (الفصل الخامس) أن السلب لا يخمس روى ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وبه قال الشافعي وابن المنذر وقال ابن عباس يخمس وبه قال الأوزاعي ومكحول لعموم قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) وقال إسحاق أن استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه لما روى ابن سيرين أن البراء ابن مالك بارز مرزبان المرازبه بالبحرين فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره فقال إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسة، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء.
رواه سعيد في السنن وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفاً ولنا ماروى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.
رواه أبو داود، وخبر عمر حجة لنا فإنه قال إنا كنا لا نخمس السلب وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صدراً من خلافته لم يخمسوا سلباً واتباعهم أولى، قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شئ سبق فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ
إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية إذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك يحسب من خمس الخمس ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به للقاتل مطلقاً ولم ينقل عنه أنه احتسب به من خمس الخمس، ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الراجل والفارس
(الفصل السادس) أن القاتل يستحق السلب قال الإمام ذلك أو لم يقله وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقال أبو حنيفة والثوري لا يستحقه إلا أن يشرطه الإمام وكذلك قال مالك ولم ير أن يقول الإمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب على ما تقدم من مذهبه في النفل وجعلوا السلب ههنا من جملة الأنفال، وقد روي عن أحمد مثل قولهم وهو اختيار أبي بكر لما روى عوف بن مالك أن مددياً تبعهم فقتل علجاً فأخذ خالد بعض سلبه وأعطاه بعضه فذكر ذلك لرسول الله (ص) فقال (لا تعطه يا خالد) رواه سعيد وأبو داود بمعناه بأطول من هذا وروينا بإسنادهما عن شبر بن علقمة قال بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت به سعداً فخطب سعد أصحابه وقال إن هذا سلب شبر خير من اثني عشر ألفاً وإنا قد نفلناه إياه ولو كان حقاً لم يحتج أن ينفله ولأن عمر أخذ الخمس من سلب البراء ولو كان حقاً له لم يجز أن يأخذ منه شيئاً ولان النبي (ص) دفع سلب أبي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) وهذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده، وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك فإن عوف بن مالك احتج على خالد حين أخذ بعض سلب المددي فقال له عوف أما تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال
بلى، وقول عمر إنا كنا لا نخمس السلب يدل على أن هذه قضية عامة في كل غزوة وحكم مستمر لكل قاتل وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن لا يرد على المددي عقوبة حين أغضبه عوف بتقريعه خالداً بين يديه وقوله قد أنجزت لك ما ذكرت لك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه، وأما أبو قتادة فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم إذا ثبت هذا فإن أحمد قال لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإمام وهو قول الأوزاعي، وقال ابن المنذر والشافعي له أخذه بغير إذن لأنه استحقه بجعل النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك ولا يأمن أن أظهره عليه أن لا يعطاه ووجه قول أحمد أنه فعل مجتهد فيه فلم ينفذ أمره فيه إلا بإذن الإمام كأخذ سهمه، ويحتمل أن يكون هذا من حمد على سبيل الاستحباب ليخرج من الخلاف لا على سبيل الإيجاب، فعلى هذا إن أخذه بغير إذن ترك الفضيلة وله ما أخذه (مسألة) (وان قطع أربعته وقتله آخر فسلبه للقاطع دون القاتل) لان القاطع هو الذي كفى المسلمين شره ولأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل وذفف عليه ابن مسعود فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ
(مسألة) (وإن قتله اثنان فسلبه غنيمة) هذا ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية حرب له السلب إذا انفرد بقتله.
وقال القاضي إنهما يشتركان في سلبه لقوله (من قتل قتيلا فله سلبه) وهو يتناول الاثنين، ولأنهما اشتركا في السبب فاشتركا في السلب ولنا أن السلب إنما يستحق بالتغرير في قتله ولا يحصل ذلك بقتل الاثنين أشبه مالو قتله جماعة ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين اثنين في سلب، فإن اشترك اثنان في ضربه وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له لأن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل وأتيا النبي
صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح (مسألة) (وإن أسره وقتله الإمام فسلبه غنيمة) إذا أسر رجلا لم يستحق سلبه سواء قتله الإمام أو لم يقتله، وقال مكحول: لا يكون السلب إلا لمن أسر علجاً أو قتله وقال القاضي إذا أسر رجلا فقتله الإمام صبراً فسلبه لمن اسره لان الأسر أصعب من القتل فإذا استحق سلبه بالقتل كان تنبيها على استحقاقه بالأسر قال وان استبقاه الإمام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه لأنه كفى المسلمين شره ولنا أن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر فقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة والنضر بن الحارث
واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم أسلابهم ولا فداءهم وكان فداؤهم غنيمة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل السلب للقاتل وليس الأسر بقتل ولأن الإمام مخير في الاسرى ولو كان لمن أسره كان أمره إليه دون الإمام (مسألة) (وان قطع يده ورجله وقتله آخر فسلبه غنيمة وقيل هو للقاتل) إذا قطع يده ورجله وقتله آخر فالسلب للقاطع في أحد الوجهين لأنه عطله فأشبه الذي قتله (والثاني) هو غنيمة لأنه لم ينفرد أحدهما بقتله ولا يستحقه القاتل لأنه مثخن بالجراح وقيل هو للقاتل لعموم الخبر وكذلك إن قطع يديه أو رجليه وإن قطع إحدى يديه أو إحدى رجليه ثم قتله آخر احتمل أن يكون سلبه غنيمية لأنهما اشتركا في قتله فلم ينفرد به أحدهما واحتمل أنه للقاتل لأنه قتل من لم يكتف المسلمون شره وإن عانق رجلاً فقتله آخر فالسلب للقاتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي هو للمعانق ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلا فله سلبه) ولأنه كفى المسلمين شره أشبه ما لو لم يعانقه الآخر وكذلك لو كان الكافر مقبلاً على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله فسلبه لقاتله بدليل قصة قتيل أبي قتادة
(فصل) ولا تقبل دعوى القتل إلا ببينة وقال الأوزاعي يعطي السلب إذا قال أنا قتلته ولا يسأل بينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول أبي قتادة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه) متفق عليه وأما أبو قتادة فإن خصمه اعترف له فاكتفى بإقراره قال أحمد لا يقبل إلا شاهدان وقالت طائفة من أهل الحديث يقبل شاهد ويمين لأنها دعوى في المال ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول الذي شهد لابي قتادة من غير يميز ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البينة واطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولأنها دعوى للقتل فاعتبر شاهدان كدعوى قتل العمد (مسألة) (والسلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدابة بآلتها وعنه أن الدابة ليست من السلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة) سلب القتيل ما كان لابسه من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية لأن المفهوم من السلب اللباس وكذلك السلاح من السيف والرمح واللت والقوس ونحوه لأنه يستعين به في قتال فهو أولى بالأخذ من اللباس فأما المال الذي معه في هميانه وخريطته فليس بسلب لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب وكذلك
رحله وإناؤه وما ليست يده عليه من ماله وبه قال الأوزاعي ومكحول والشافعي إلا أن الشافعي قال مالا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته ولنا أن البراء بارز مرزبان المرازبة فقتله فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفاً فخمسه عمر ودفعة إليه وفي حديث عمرو بن معدي كرب أنه حمل على سوار فطنعه فدق صلبه فصرعه فنزل إليه فقطع يده وأخذ سوارين كانا عليه ويلقاً من ديباج وسيفاً ومنطقة فسلم ذلك إليه ولأنه من ملبوسة أشبه ثيابه ولأنه داخل في اسم السلب أشبه الثياب والمنطقة ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم (فله سلبه) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الدابة فنقل عنه أنها ليست من السلب اختاره أبو بكر لأن السلب ما كان على بدنه والدابة ليست كذلك فلا تدخل في الخبر وذكر أبو عبد الله حديث عمرو بن معدي كرب فأخذ سواريه ومنطقته يعني ولم يذكر الدابة ونقل عنه أنها من السلب وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي لما روى عوف بن مالك قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه ققتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال بلى رواه الأثرم وفي حديث شبر بن علقمة أنه أخذ فرسه كذلك قال أحمد كقوله فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح وما ذكروه يبطل بالرمح والقوس واللت فإنها من السلب وليست ملبوسة إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتحقيبها وحلية إن كانت عليه وجميع آلتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب وإنما تكون من السلب إذا كان راكباً عليها فإن كانت في منزلة أو مع غيره أو منقلبة لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب وهذا قول الأوزاعي وإن كان ممسكاً بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان (إحداهما) هي سلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه ورمحه في يده (والثانية) ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه ليس براكب عليها فاشبه مالو كانت مع غلامه وان كان على فرس وفي يده جنيبه لم تكن الجنيبة من السلب لان لا يمكنه ركوبهما معاً (فصل) ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة وهذا قول الأوزاعي وكرهه الثوري وابن المنذر لما فيه من كشف عوراتهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل سلمة بن الاكوع له سلبه أجمع وقال (من قتل قتيلا فله سلبه) وهذا يتناول جميعه (فصل) ويكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سلمة
ابن جندب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة وعن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن أعف الناس قتلة أهل الإيمان) رواهما أبو داود وعن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله كتب الاحسان على كل شئ فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) رواه النسائي وعن عقبة بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس بباق البطريق فأنكر ذلك فقال يا خليفة رسول فإنهم يفعلون ذلك بنا قال (فاستنان بفارس والروم) لا يحمل إلي رأس فإنما يكفي الكتاب والخبر وقال الزهري لم يحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رأس قط وحمل إلى أبي بكر فأنكره وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير ويكره رميها في المنجنيق نص عليه أحمد وإن فعلوا ذلك لمصلحة جاز لما روينا أن عمرو بن العاص حين حاصر الاسكندرية ظفر أهلها برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمراً متعصبين فقال لهم عمرو خذوا رجلاً منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الاسكندرية رأس المسلم إلى قومه (فصل) ولا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه) إذا جاء العدو لزم جميع الناس ممن هو من أهل القتال الخروج إليهم إذا احتيج إليهم ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى التخلف لحفظ المكان والأهل والمال ومن يمنعه الأمير الخروج ومن لا قدرة له على الخروج لقول الله تعالى (انفروا خفافا وثقالا) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا استنفرتم فانفروا) وقد ذم الله
تعالى الذين أرادوا الرجوع إلى منازلهم يوم الأحزاب فقال (ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وماهي بعورة إن يريدون إلا فرارا) ولأنهم يصير الجهاد عليهم فرض عين إذا جاء العدو فلا يجوز لأحد التخلف عنه.
إذا ثبت هذا فانهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بقلة العدو وكثرتهم ومكامنهم وكيدهم فينبغي أن يرجع إلى رأيه لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم فلا يجب استئذانه حينئذ لأن المصلحة تتعين في قتالهم
والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة ابن الأكوع خارجاً من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال (خير رجالنا سلمة بن الاكوع) وأعطاه سهم فارس وراجل وكذلك إن عرضت لهم فرصة يخافون فوتها إن تركوها حتى يستأذنوا الأمير فلهم الخروج بغير إذنه لئلا تفوتهم (فصل) وسئل أحمد عن الإمام إذا غضب على الرجل فقال أحرج عليك أن لا تصحبني فنادى بالنفير يكون اذنا له؟ قال لا إنما قصد له وحده فلا يصحبه حتى يأذن له، قال وإذا نودي بالصلاة والنفير فإن كان العدو بالبعد إنما جاءهم طليعة العدو صلوا ونفروا إليهم وإذا استغاثوهم وقد جاء العدو أغاثوا ونصروا وصلوا على ظهور دوابهم ويؤمون الغياث عندي أفضل من صلاة الجماعة والطالب والمطلوب في هذا الموضع يصلي على ظهر دابته وهو يسير إن شاء الله وإذا سمع النفير وقد أقيمت الصلاة يصلي ويخفف ويتم الركوع والسجود ويقرأ بسور قصار وقد نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو جنب
يعني حنظلة بن الراهب غسيل الملائكة قال ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها، وإذا جاء النفير والإمام يخطب يوم الجمعة لا نرى أن ينفروا قال ولا تنفر الخيل الا على حقيقة ولا تنفر على الغلام إذا أبق إذا نفروهم ولا يكون هلاك الناس بسبب غلام وإذا نادى الإمام الصلاة جامعة لأمر يحدث فيشاور فيه لم يتخلف عنه أحد إلا لعذر (فصل) وسئل أحمد عن الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه يركب هذا عقبة وهذا عقبة فقال ما سمعت فيه بشئ وأرجو أن لا يكون به بأس قيل له أيما أحب إليك يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال يرافق هذا أرفق يتعاونون وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره ولا بأس بالنهد قد تناهد الصالحون كان الحسن إذا سافر ألقى معهم ويزيد أيضاً بعدما يلقي ومعنى النهد أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئاً من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعاً وكان الحسن يدفع إلى وكيلهم مثل واحد منهم ثم يعود فيأتي سراً بمثل ذلك يدفعه إليه قال احمد ما أرى أن يغزو ومعه مصحف يعني لا يدخل به أرض العدو لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو
رواه أبو داود والاثرم.
(فصل) ومن أعطي شيئاً يستعين به في غزاته فما فضل فهو له إذا كان قد أعطي لغزوة بعينها
هذا قول عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب وكان ابن عمر إذا أعطي شيئاً في الغزو يقول لصاحبه إذا بلغت وادي القرى فشأنك به ولأنه أعطاه على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان الفاضل له كما لو وصى له أن يحج عنه فلان حجة بألف وإن أعطاه شيئاً لينفقه في سبيل الله أو في الغزو مطلقاً ففضل منه فضل أنفقه في غزاة أخرى لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه انفاق الجميع فيها كما لو وصى أن يحج عنه بألف.
(فصل) ومن أعطي شيئاً يستعين به في الغزو فقال أحمد لا يترك لأهله منه شيئاً لأنه ليس بملكه إلا أن يصير إلى رأس مغزاة فيكون كهيئة ماله فيبعث إلى عياله منه ولا يتصرف فيه قبل الخروج لئلا يتخلف عن الغزو فلا يكون مستحقاً لما أنفقه إلا أن يشتري منه سلاحاً أو آلة الغزو فإن قصد اعطاءه لمن يغزو به فقال أحمد لا يتخذ منها سفرة فيها طعام فيطعم منها أحداً لأنه إنما أعطيها لينفقها في جهة مخصوصة وهي الجهاد.
(فصل) وإذا أعطي الرجل دابة ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون عارية فتكون لصاحبها أو حبساً فيكون حبساً بحاله قال عمر رضي الله عنه حملت على فرس عتيق في سبيل الله فأضاعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن اشتريه وظنت أنه بائعه برخص فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) متفق عليه، وهذا يدل على أنه ملكه لولا ذلك ما باعه
ويدل على أنه ملكه بعد الغزو لأنه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر ثم يقيمه للبيع في الحال فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه ذكر أحمد نحو هذا الكلام وسئل متى تطيب له الفرس؟ قال إذا غزا عليه قيل له فإن العدو جاءنا فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى خمس فراسخ ثم رجع؟
قال لا حتى يكون غزا قيل له فحديث ابن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به قال ابن عمر كان يضع ذلك في ماله وروي أنه إنما يستحقه إذا غزا عليه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن المسيب ومالك وسالم والقاسم والانصاري والليث والثوري ونحوه عن الأوزاعي قال إبن المنذر ولم أعلم أن أحداً قال له أن يبيعه في مكانه وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله إلا أن يقول له شأنك به ما أردت.
ولنا أن حديث عمر ليس فيه ما اشترط مالك فأما إن قال هي حبس فلا يجوز بيعها وسنذكر ذلك في الوقف إن شاء الله تعالى، (فصل) قال أحمد لا يركب دواب السبيل في حاجة ويركبها ويستعملها في سبيل الله ولا يركب في الأمصار والقرى ولا بان يركبها ويعلفها وأكره سباق الرمك على الفرس الحبس وسهم الفرس الحبيس لمن غزا عليه، وإذا أراد أن يشتري فرساً ليحمل عليه فقال أحمد يستحب شراؤها من غير الثغر ليكون توسعه على أهل الثغر في الجلب
(مسألة) (وإن دخل قوم لا منعه لهم دار الحرب بغير إذن الإمام فغنموا فعن أحمد فيها ثلاث روايات) [إحداهن] أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسه الإمام ويقسم باقيه بينهم هذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي لعموم قوله سبحانه (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) الآية، والقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام [والثانية] هو لهم من غير أن يخمس وهو قول أبي حنيفة لأنه اكتساب مباح من غير جهاد فأشبه الاحتطاب فإن الجهاد بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعه وقوة، فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب [الثالثة] أنه لا حق لهم فيه قال أحمد في عبد أبق إلى الروم ثم رجع ومعه متاع: العبد لمولاه وما معه من المتاع والمال فهو للمسلمين، لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى قال الأوزاعي لما أقفل عمر بن عبد العزيز الجيش الذين كانوا مع مسلمة كسر مركب بعضهم فأخذ المشركون ناساً من القبط فكانوا خدماً لهم فخرجوا يوما إلى عيد لهم وخلفوا القبط في مركبهم وشرب الآخرون ورفع القبط القلع وفي المركب متاع الآخرين وسلاحهم فلم يضعوا قلعهم حتى
أتوا بيروت فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر نفلوهم القلع وكل شئ جاءوا به إلا الخمس، رواه سعيد والاثرم، فإن كانت الطائفة ذات منعه غزوا بغير إذن الإمام ففيهم روايتان (إحداهما) لا شئ لهم وهو فئ المسلمين (والثانية) يخمس والباقي لهم وهي أصح، ووجه الروايتين ما تقدم ويخرج فيه وجه كالرواية الثالثة وهو أن الجميع لهم لكونه اكتساباً مباحاً من غير جهاد (فصل) قال الخرقي ولا يتزوج في أرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة ويعزل عنها ولا يتزوج منهم ومن اشترى جارية لم يطأها في الفرج وهو في أرضهم قال شيخنا رحمه الله تعالى يريد والله أعلم من دخل أرض العدو بأمان، فأما إن كان في جيش المسلمين فله أن يتزوج لما روي عن سعيد عن أبي هلال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج أسماء بنت عميس أبا بكر وهم تحت الرايات، أخرجه سعيد ولأن الكفار لا يد لهم عليه أشبه من في دار الإسلام، وأما الأسير فظاهر كلام أحمد أنه لا يحل له التزوج ما دام أسيراً لأنه منعه من وطئ امرأته إذا أسرت معه مع صحة نكاحهما وهذا قول الزهري فإنه قال لا يحل للأسير أن يتزوج ما كان في أرض المشركين ولأن الأسير إذا ولد له ولد كان رقيقاً لهم ولا يأمر أن يطأ امرأته غيره منهم، وسئل أحمد عن أسير أسرت معه امرأته أيطؤها؟ فقال كيف يطؤها ولعل غيره منهم يطؤها؟ قال الأثرم قلت له فلعلها تعلق بولد فيكون معهم فقال وهذا أيضاً وأما الذي يدخل إليهم بأمان كالتاجر ونحوه فهو الذي أراد الخرقي إن شاء الله تعالى فلا ينبغي
له أن يتزوج لأنه لا يأمن أن تأتي امرأته بولد فيستولي عليه الكفار وربما نشأ بينهم فيصير على دينهم فإن غلبت عليه الشهوة أبيح له نكاح مسلمة لأنه حال ضرورة ويعزل عنها كيلا تأتي بولد ولا يتزوج منهم لأنها تغلبه على ولدها فيتبعها على دينها قال القاضي قول الخرقي هذا نهي كراهة لا نهي تحريم لأن الله تعالى قال (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ولأن الأصل الحل فلا يحرم بالشك والتوهم وإنما كرهنا له التزوج منهم مخافة أن يغلبوا على ولده فيسترقوه ويعلموه الكفر ففي تزويجه تعريضه لهذا الفساد العظيم وازدادت الكراهة إذا تزوج منهم لأن الظاهر أن امرأته تغلبه على ولدها فتكفره كما أن حكم الإسلام يغلب للإسلام فيما إذا أسلم أحد الأبوين أو تزوج مسلم ذمية، وإذا اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج في أرضهم مخافة أن يغلبوه على ولدها فيسترقوه ويكفروه (مسألة) (ومن أخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلف دابته بغير إذن وليس له بيعه فإن باعه رد ثمنه في المغنم) أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا ما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من علفهم منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والاوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الزهري لا يؤخذ إلا بإذن الإمام وقال سليمان بن موسى لا يترك إلا أن ينهى عنه الإمام فيتبع نهيه
ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا طعاماً يوم خيبر فكان الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف.
رواه سعيد وأبو داود وروي أن صاحب جيش الشام كتب الى عمر إنا أصبنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شئ من ذلك فكتب إليه دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين، رواه أبو سعيد وقد روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحداً منه شيئاً فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فاستحييت منه، متفق عليه، ولأن الحاجة تدعو إلى هذا وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم فإنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار
الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه ولا يمكن قسمه ما يأخذه الواحد منهم ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شئ ينتفع به ولا يدفع به حاجته فأبيح لهم ذلك فمن أخذ من الطعام شيئاً مما يقتات أو يصلح به القوت من الأدم أو غيره أو العلف لدابته فهو أحق به سواء كان له ما يستغني به عنه أولا.
ويكون أحق بما يأخذه من غيره فإن فضل منه مالا حاجة به اليه رده على المسلمين لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه، وإن أعطاه أحد من أهل الجيش ما يحتاج إليه جاز له أخذه وصار أحق به من غيره
وإن باع شيئاً من الطعام أو العلف رد قيمته في الغنيمة لما ذكرنا من حديث عمر وبه قال سليمان بن موسى والثوري والشافعي، وكره القاسم وسالم ومالك بيعه، وقال القاضي لا يخلو إما أن يبيعه من غاز أو غيره فإن باعه لغيره فالبيع باطل لأنه باع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة فيجب رد المبيع ورفض البيع فإن تعذر رده رد قيمته أو ثمنه إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم وإن باعه لغاز لم يخل من أن يبدله بطعام أو علف مما له الانتفاع به أو بغيره فإن باعه بمثله فليس هذا بيعاً في الحقيقة إنما سلم إليه مباحاً وأخذ مثله مباحاً، ولكل واحد منهما الانتفاع بما أخذه وصار أحق به من غيره لثبوت يده عليه، فعلى هذا لو باع صاعاً بصاعين أو افترقا قبل القبض جاز، وإن باعه به نسيئة أو أقرضه إياه فأخذه فهو أحق به ولا يلزمه ايفاؤه فإن وفاه ورده إليه عادت اليد إليه وإن باعه بغير الطعام والعلف فالبيع غير صحيح ويصير المشتري أحق به لثبوت يده عليه ولا ثمن عليه وإن أخذه منه وجب رده إليه (فصل) (وإن وجد دهنا فهو كسائر الطعام) لما ذكرنا من حديث عبد الله بن مغفل ولأنه طعام فأشبه البر والشعير وإن كان غير مأكول فاحتاج أن يدهن به أو يدهن دابته فظاهر كلام أحمد جوازه إذا كان من حاجة قال في زيت الروم إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس فأما التزين فلا يعجبني وقال الشافعي ليس له دهن دابته من جرب إلا بالقيمة لأن ذلك لا تعم الحاجة إليه ويحتمل
كلام أحمد مثل هذا لأنه ليس بطعام ولا علف ووجه الأول أن هذا مما يحتاج إليه لاصلاح نفسه ودابته أشبه الطعام والعلف وله أكل ما يتداوى به ويشرب الشراب من الجلاب والسكنجبين وغيرهما عند الحاجة إليه لأنه من الطعام وقال أصحاب الشافعي ليس له تناوله لأنه ليس من القوت ولا يصلح به القوت ولأنه لا يباح مع عدم الحاجة إليه فلم يبح مع الحاجة كغير الطعام ولنا أنه طعام احتيج إليه أشبه الفواكه وما ذكروه يبطل بالفاكهة وإنما اعتبرنا الحاجة ههنا لأن هذا لا يتناول في العادة إلا عند الحاجة إليه (فصل) وللغازي أن يطعم دوابه ورقيقه مما يجوز له الأكل منه سواء كانوا للقنية أو للتجارة قال أبو داود قلت لأبي عبد الله يشتري الرجل السبي في بلاد الروم يطعمهم من طعام الروم؟ قال نعم وروى عنه ابنه عبد الله أنه قال سألت أبي عن الرجل يدخل بلاد الروم ومعه الجارية والدابة للتجارة أيطعمها يعني الجارية وعلف الدابة؟ قال لا يعجبني ذلك فإن لم يكن للتجارة فلم ير به بأساً فظاهر هذا أنه لا يجوز إطعام ما كان للتجارة لأنه ليس مما يستعين به على الغزو وقال الخلال رجع أحمد عن هذه الرواية وروى عنه جماعة بعد هذا أنه لا بأس به وذلك لأن الحاجة داعية إليه فاشبه مالا يراد به التجارة (فصل) قال أحمد ولا يغسل ثوبه بالصابون لأن ذلك ليس بطعام ولا علف ويراد للتحسين والزينة ولا يكون في معناهما ولو كان مع الغازي فهد وكلب للصيد لم يكن له إطعامه من الغنيمة
فإن أطعمه غرم قيمة ما أطعمه لأن هذا يراد للتفرج والزينة وليس مما يحتاج إليه في الغزو بخلاف الدواب (فصل) ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من دواب المغنم لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا اخلقه رده فيه) رواه سعيد (فصل) ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب (والجورب) منها ولا الخيوط ولا الحبال وبهذا
قال ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير واسماعيل بن عياش والشافعي ورخص في اتخاد الجرب من جلود الغنم سليمان بن موسى ورخص مالك في الإبرة وفي الحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر.
ولنا ماروى قيس بن أبي حازم أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمنة شعر من المغنم فقال يا رسول الله إنا نعمل الشعر فهبها لي فقال (نصيبي منها لك) رواه سعيد وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أدوا الخيط والمخيط فإن الغلول نار وشنان يوم القيامة) ولأن ذلك من الغنيمة ولا تدعو إلى أخذه حاجة عامة فأشبه الثياب (فصل) فأما كتبهم فإن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة وإن كانت
مما لا ينتفع به ككتب التوراة والانجيل وأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله غسل وهو غنيمة وإلا فلا ولا يحوز بيعها (فصل) وإن أخذوا من الكفار جوارح للصيد كالفهد والبزاة فهي غنيمة تقسم وإن كانت كلابا لم يجز بيعها وإن لم يردها أحد من الغانمين جاز إرسالها وإعطاوها غير الغانمين وإن رغب فيها بعض الغانمين دون بعض دفعت إليه ولم تحسب عليه لأنها لا قيمة لها وإن رغب فيها الجميع أو جماعة كثيرة فأمكن قسمتها قسمت عدداً من غير تقويم، وإن تعذر ذلك أو تنازعوا في الجيد منها فطلبه كل واحد منهم أقرع بينهما وإن وجدوا خنازير قتلوها لأنها مؤذية ولا نفع فيها وإن وجدوا خمراً أراقوه فان كان في أوعيته نفع للمسلمين أخذوها وإلا كسروها لئلا يعودوا إلى استعمالها (مسألة) فإن فضل معه منه شئ فأدخله البلد رده في الغنيمة إلا أن يكون يسيراً فله أكله في إحدى الروايتين) أما الكثير فيجب رده بغير خلاف علمناه لأن ما كان مباحا له في حال الحرب فإذا أخذه على وجه ففضل منه كثير إلى دار الإسلام فقد أخذ مالا يحتاج إليه فيلزمه رده لأن الأصل تحريمه لكونه مشتركا بين الغانمين فهو كسائر المال وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه فما زاد يبقى على أصل التحريم ولهذا لم يبح بيعه وأما اليسير ففيه روايتان
(إحداهما) يجب رده أيضاً اختاره أبو بكر وهو قول أبي حنيفة وابن المنذر وأبي ثور وهو أحد قولي الشافعي لما ذكرنا في الكثير ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أدوا الخيط والمخيط) ولأنه من الغنيمة ولم يقسم فلم يبح في دار الإسلام كالكثير وكما لو أخذه في دار الإسلام (والثانية) يباح وهو قول مكحول وخالد بن معدان وعطاء الخراساني ومالك والاوزاعي، قال أحمد أهل الشام يتساهلون في هذه وقد روى القاسم بن عبد بن الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا منه مملوءة رواه أبو داود وسعيد، وعن عبد الله بن يسار السلمي قال دخلت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إلى تميراً من تمير الروم فقلت لقد سبقت الناس بهذا؟ قال ليس هذا من العام هذا من العام الأول رواه الأثرم في سننه، وقال الأوزاعي أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة، وهذا نقل للإجماع ولأنه أبيح إمساكه عن القسمة فأبيح في دار الإسلام كمباحات دار الحرب التي لا قيمة لها فيها ويفارق الكثير لأنه لا يجوز إمساكه عن القسمة ولأن اليسير تجري فيه المسامحة ونفعه قليل بخلاف الكثير
(فصل) وإذا جمعت المغانم وفيها طعام أو علف لم يجز لأحد أخذه إلا للضرورة لأننا إنما أبحنا أخذه قبل جمعه لأنه لم يثبت فيه ملك المسلمين بعد فأشبه المباحات من الحطب والحشيش فإذا جمعت ثبت ملك المسلمين فيها فخرجت عن حيز المباحات وصارت كسائر أملاكهم فلم يجز الأكل منها إلا لضرورة وهو أن لا يجدوا ما يأكلونه فحينئذ يجوز لأن حفظ نفوسهم ودوابهم أهم وسواء حيزت في دار الحرب أو في دار الإسلام، وقال القاضي يجوز الأكل منها ما كانت في دار الحرب، وإن حيزت لأن دار الحرب مظنة الحاجة لعسر نقل الميرة إليها بخلاف دار الإسلام والأولى أولى لأن ما ثبت عليه أيدي المسلمين وتحقق ملكهم له لا ينبغي أن يؤخذ إلا برضاهم كسائر أملاكهم ولأن حيازته في دار الحرب تثبت الملك فيه بدليل يجواز قسمته وثبوت أحكام الملك فيه بخلاف ما قبل الحيازة فإن الملك لم يثبت فيه بعد (مسألة) (ومن أخذ سلاحاً فله أن يقاتل به حتى تنقضي الحرب ثم يرده وليس له ركوب الفرس في إحدى الروايتين) إذا دعت الحاجة الى القتال بسلاحهم فلا بأس قال أحمد إذا كان أبلى فيهم أو خاف على نفسه فنعم وذكر ما روي عن عبد الله بن مسعود قال انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله
فقلت الحمد لله الذي أخزاك يا أبا جهل فأضربه بسيف معي غير طائل فوقع سيفه من يده فأخذت سيفه فضربته به حتى برد رواه الأثرم ولأنهم أجمعوا على أنه يجوز أن يلتقط النشاب ثم يرمي به العدو وهذا أبلغ من الذي يقاتل بسيف ثم يرده إلى المغنم أو يطعن برمح ثم يرده لأن النشاب يرمي به فلا يرجع إليه والسيف يرده في الغنيمة وفي ركوب الفرس للجهاد عليه روايتان (إحداهما) يجوز كالسلاح (والثانية) لا يجوز لحديث رويفع بن ثابت ولأنها تتعرض للعطب غالباً وقيمتها كثيرة بخلاف السلاح والله تعالى أعلم (باب قسمة الغنائم) الغيمة كل ما أخذ من المشركين قهراً بالقتال واشتقاقها من الغنم وهي الفائدة وخمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين لقول الله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) فأضافها إليهم ثم جعل خمسها لله فدل على أن أربعة أخماسها لهم ثم قال (فكلوا مما غنتم حلالا طيبا) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم كذلك (فصل) ولم تكن الغنائم تحل لمن مضى بدليل قوله عليه السلام (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي) فذكر منها (أحلت لي الغنائم) متفق عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس غيركم كانت تنزل نار من السماء تأكلها) متفق عليه ثم كانت في أول الإسلام لرسول الله بقوله تعالى (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) ثم صار أربعة أخماسها للغانمين وخمسها لغيرهم لما ذكرنا وقال تعالى (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) (مسألة) (وإن أخذ منهم مال مسلم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسوماً فهو أحق به بثمنه وعنه لا حق لهم فيه، وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمن فصاحبه أحق به بثمنه وإن أخذه بغير عوض فصاحبه أحق به بغير شئ) إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم أخذها المسلمون منهم قهراً فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شئ في قول عامة أهل العلم منهم عمر رضي الله عنه وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال الزهري لا يرد إليه وهو للجيش ونحوه عن عمرو بن دينار لأن الكفار ملكوه باستيلائهم فصار غنيمة كسائر أموالهم ولنا ما روى بن عمران غلاماً له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده النبي صلى الله عليه وسلم الى ابن عمر ولم يقسم وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رواهما أبو داود وعن رجاء بن حيوة أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثم ظهر المسلمون عليه بعد قال من وجد ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم رواه سعيد والاثرم
وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسمه وجب رده وصاحبه أحق به بغير شئ لأن قسمته كانت باطلة من أصلها فهو كما لو لم يقسم فأما إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان (إحداهما) يكون صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والاوزاعي ومالك لما روى ابن عباس أن رجلا وجد بعيراً له كان المشركون أصابوه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة) ولأنه إنما امتنع أخذه له بشئ كيلا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثمن على المشتري وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع إلا أن المحكي عن مالك وأبي حنيفة أنه يأخذه بالقيمة ونحوه عن مجاهد (والرواية الثانية أنه لا حق له فيه بعد القسم بحال نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث قال أحمد أما قول من قال فهو أحق به بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد وقال الشافعي وابن المنذر يأخذه صاحبه قبل القسمة و؟ ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحق أخذه بغير شئ كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان أخذه حقه من الغنيمة وجعل من بهم؟ المصالح لأن هذا منها
ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى السائب أيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعدما اقتسم فلا سبيل إليه وقال سلمان بن ربيعة إذا قسم فلا حق له فيه رواهما سعيد في سننه ولأنه إجماع قال أحمد إنما قال الناس فيها قولين إذا اقتسم فلا شئ له وقال قوم إذا اقتسم فهو له بالثمن فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك فلم يقله أحد ومتى انقسم أهل العصر على قولين في حكم لم يجز إحداث قول ثالث لمخالفته الإجماع وقد روى أصحابنا عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أدرك ماله قبل أن يقسم فهو له) وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شئ والمعول على ما ذكرنا من الإجماع وقولهم لم يزل ملك صاحبه ممنوع (فصل) فإن أخذه أحد من الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شئ فصاحبه أحق به بغير شئ وقال أبو حنيفة لا يأخذه إلا بقيمة لأنه صار ملكاً لواحد بعينه أشبه ما لو قسم ولنا ما روى أن قوماً أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياماً ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن انحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذها فقلت يا رسول الله إني نذرت إن أنحرها
قال (بئس ما جازيتها لا نذر في معصية الله) وفي رواية (لا نذر فيما لا يملك ابن آدم) أخرجه مسلم ولأنه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحق به بغير شئ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه وقال القاضي وما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة هل يكون صاحبه أحق به بالقيمة؟ على روايتين ولنا الحديث المذكور وما روى سعيد بإسناده قال أغار أهل ماه وجلولا على العرب فأصابوا شيئاً من سبايا العرب ورقيقاً ومتاعاً ثم أن السائب بن الأكوع عامل عمر غزاهم ففتح ماه فكتب إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب اليه عمر ان المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يخذله فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما انقسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى (فصل) وحكم أموال أهل الذمة إذا استولى عليها الكفار ثم قدر عليها حكم أموال المسلمين فيما ذكرنا قال علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا ولأن أموالهم معصومة فأشبهت أموال المسلمين