الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 15-54
أهل الأثرالأرشيف العلمي

دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمي والحاجة إلى بقائه (فصل) وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر لبنها ويصلح به وللمكتري مطالبتها بذلك لأنه من تمام التمكين من الرضاع وفي تركه إضرار بالصبي فإن لم ترضعه لكن سقته لبن الغنم أو أطعمته فلا أجر لها لأنها لم توف المعقود عليه أشبه ما لو استأجرها لخياطة ثوب فلم تخطه فإن دفعته إلى خادمها فأرضعته فكذلك وبه قال أبو ثور وقال أصحاب لها أجرها لأن رضاعه حصل بفعلها ولنا أنها لم ترضعه أشبه ما لو سقته لبن الغنم فإن قالت أرضعته فأنكر المسترضع فالقول قولها لأنها مؤتمنة * (مسألة) * (ويستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً) لما روى أبو داود بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج الأسلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما يهب عني مذمة الرضاع قال " الغرة أو الأمة " قال الترمذي حسن صحيح المذمة بكسر الذال من الذمام وبفتحها من الذم قال ابن عقيل إنما خص الرقبة بالمجازاة دون غيرها لأن فعلها من الرضاعة والحضانة سبب حياة الولد وبقائه وحفظ رقبته فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة للتناسب بين النعمة والشكر ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أماً فقال سبحانه (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيعتقه " وإن كانت المرضعة مملوكة استحب إعتاقها لأنه يحصل أخص الرقاب بها لها وتحصل به المجازاة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مجازاة للوالد من النسب

(فصل) ويجوز للرجل أن يؤجر أمته ومدبرته وأم ولده والمعلق عتقها بصفة والمأذون لها في التجارة للإرضاع لأنه عقد على منفعتها أشبه إجارتها للخدمة وليس لواحدة منهن إجارة نفسها لأن منفعتها لسيدها فان كان لها ولد لم يجز إجارتها للإرضاع إلا أن يكون فيها فضل عن ريه لأن الحق لولدها ليس لسيدها إلا الفاضل عنه فإن كانت مزوجة لم تجز إجارتها لذلك إلا بإذن الزوج لأنه يفوت حقه لاشتغالها عنه بالرضاع والحضانة فإن أجرها للرضاع ثم زوجها صح النكاح ولا تنفسخ الإجارة وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرضاع والحضانة وقال مالك ليس لزوجها وطؤها الا برضى المستأجر لأنه ينقص اللبن وقد يقطعه ولنا أن وطئ الزوج مستحق فلا يسقط لأمر مشكوك فيه، وليس للسيد إجارة مكاتبته لأن منافعها لها ولذلك لا يمكن تزويجها ولا وطؤها ولا إجارتها لغير الرضاع ولها أن تؤجر نفسها لأنه من الاكتساب * (مسألة) * (وإن دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك وإن لم يعقدا عقد إجارة وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح) إذا دفع ثوبه الى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجر مثل أن يقول خذ هذا فاعمله وأنا أعلم أنك إنما تعمله بأجر وكان الخياط والقصار منتصبين لذلك ففعلا ذلك فلهما الأجر وقال أصحاب الشافعي لا أجر لهما لأنهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما أشبه ما لو تبرعا بعمله

ولنا أن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول فصار كنقد البلد وكما لو دخل حماما أو جلس في سفينة ملاح ولأن شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا أجرا إلا بعقد أو شرط العو ض أو تعريض به لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فهو كما لو تبرع به أو عمله بغير إذن مالكه وكذلك لو دفع ثوبه إلى رجل ليبيعه وكان منتصبا يبيع للناس بأجر مثله فهو كالقصار والخياط فيما ذكرنا له الأجر نص عليه أحمد، وإن لم يكن كذلك فلا شئ له لما تقدم، ومتى دفع ثوبه الى أحد هؤلاء ولم يقاطعه على أجر فله أجر المثل لأن الثياب يختلف أجرها ولم يعين شيأ فجرى مجرى الإجارة الفاسدة، فإن تلف الثوب من حرزه أو بغير فعله فلا ضمان عليه لأن ما لا يضمن في العقد الصحيح لا يضمن في الفاسد (فصل) إذا استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى إنسان فحمله فوجد المحمول إليه غائباً فرده استحق الأجر لحمله في الذهاب والرد لأنه حمله في الذهاب بإذن صاحبه صريحا وفي الرد تضمنا لأن تقدير كلامه وإن لم تجد صاحبه فرده إذ ليس سوى رده إلا تضييعه وقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده * (مسألة) * (ويجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة) وجملة ذلك أن كل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز عوضا في الإجارة لأنه عقد معاوضة أشبه البيع فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينا أو منفعة أخرى سواء كان الجنس واحدا كمنفعة دار بمنفعة أخرى ومختلفة كمنفعة دار بمنفعة عبد قال أحمد لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم وبه قال الشافعي قال

الله تعالى إخبارا عن شعيب أنه قال (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) فجعل النكاح عوض الإجارة، وقال أبو حنيفة فيما حكى عنه لا تجوز إجارة دار بسكنى أخرى ولا يجوز إلا أن يختلف جنس المنفعة كسكنى دار بمنفعة بهيمة لأن الجنس الواحد عنده يحرم النساء فيه، وكره الثوري الإجارة بطعام موصوف والصحيح جوازه وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي وقياس قول الشافعي لأنه عوض يجوز في البيع فجاز في الإجارة كالذهب والفضة وما قاله أبو حنيفة لا يصح لأن المنافع في الإجارة ليست في تقدير النسيئة ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين لأنه يكون بيع دين بدين * (مسألة) * (وتجوز إجارة الحلي بأجرة من جنسه وقيل لا يصح) تجوز إجارة الحلي نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروى عن أحمد أنه قال في إجارة الحلي ما أدري ما هو؟ قال القاضي هذا محمول على إجارته بأجرة من جنسه فأما بغير جنسه فلا بأس لتصريح أحمد بجوازه وقال مالك في إجارة الحلي والثياب هو من المشتبهات ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة وليس ذلك من المقاصد الأصلية ومن منع ذلك بأجر من جنسه احتج بأنها تحتك بالاستعمال فيذهب منه أجزاء وان كانت بسيرة فيحصل الأجر في مقابلتها ومقابلة الانتفاع بها فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشئ آخر ولنا أنها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقاء عينها فأشبهت سائر ما يجوز إجارته والزينة من

المقاصد الأصلية فإن الله تعالى امتن بها علينا بقوله (لتركبوها وزينة) وقوله (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) وأباح الله تعالى من التحلي واللباس ما حرم على الرجال لحاجتهن إلى التزين للأزواج وأسقط الزكاة عن حليهن معونة لهن على اقتنائه، وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح لأن ذلك يسير لا يقابل بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالأجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الأجزاء لأن الأجر في الإجارة إنما هو عوض المنفعة كما في سائر المواضع ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر لإفضائه إلى التفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض (فصل) ولو استأجر من يسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليماً أو لا وهل هو ثخين أو رقيق؟ ولأنه لا يجوز أن يكون عوضاً في البيع فلا يجوز أن يكون عوضاً في الإجارة كسائر المجهولات فإن سلخه بذلك فله أجر مثله وإن استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد لأن جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه وقد خرج بموته عن كونه ملكا وله أجر مثل إن فعل (فصل) ولو استأجر راعياً لغنم بثلث درها وصوفها وشعرها ونسلها أو نصفه أو جميعه لم يجز نص عليه أحمد في رواية سعيد بن محمد النسائي لأن الأجر غير معلوم ولا يصلح عوضاً في البيع، قال اسمعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويحفظها وولدها بينهما فقال أكره ذلك وبه قال أبو أيوب وأبو خيثمة ولا أعلم فيه مخالفاً لأن العوض معدوم مجهول لا يدرى ايو جدام لا، والأصل عدمه

ولا يصلح أن يكون ثمنا، فإن قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف مغلها قلنا إنما جاز ثم تشبيهاً بالمضاربة ولأنها عين تنمى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء كالمضاربة والمساقاة وفي مسئلتنا لا يمكن ذلك لأن النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن إلحاقه بذلك، وذكر صاحب المحرر رواية أخرى أنه يجوز بناء على ما إذا دفع دابته أو عبده يجزء من كسبه والأول ظاهر المذهب لما ذكرنا من الفرق، وعلى قياس ذلك إذا دفع نحله إلى من يقوم عليه بجزء من عسله وشمعه يخرج على الروايتين فإن اكتراه على رعيها مدة معلومة بجزء معلوم منها صح لأن العمل والمدة والأجر معلوم فصح كما لو جعل الأجر دراهم ويكون النماء الحاصل بينهما بحكم الملك لأنه ملك الجزء المجعول له منها في الحال فكان له نماؤه كما لو اشتراه * (مسألة) * وإن قال إن خطت الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين) (إحداهما) لا يصح وله أجر المثل نقلها أبو الحارث عن أحمد وهو مذهب ملك والثوري والشافعي واسحاق وابو ثور لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير فلم يصح كما لو قال بعتك بدرهم نقدا وبدرهمين نسيئة (والثانية) يصح وهو قول الحارث العكلي وأبي يوسف ومحمد لأنه سمى لكل عمل عوضا معلوما فصح كما لو قال كل دلو بتمرة، وقال أبو حنيفة إن خاطه اليوم فله درهم وإن خاطه غدا لم يزد على درهمين وقد ينقص عن نصف درهم لأن المؤجر قد جعل له نصف درهم فلا ينقص منه وقد رضي في أكثر العمل

بدرهم فلا يزاد عليه وهذا لا يصح لأنه إن صح العقد فله المسمى وإن فسد فوجوده كعدمه فيجب أجر المثل كسائر العقود الفاسدة * (مسألة) * (وإن قال إن خطته روميا فلك درهم، وإن خطته فارسيا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على وجهين) بناء على التي قبلها والخلاف فيها كالتي قبلها إلا أن أبا حنيفة وافق صاحبيه في الصحة ههنا ولنا أنه عقد معاوضة لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلم يصح كما لو قال بعتك هذا بدرهم أو هذا بدرهمين، وفارق هذا كل دلو بتمرة من وجهين (أحدهما) أن العمل الثاني ينضم إلى العمل الأول ولكل واحد منهما عوض مقدر فأشبه ما لو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وههنا الخياطة واحدة يشرط فيها عوضا إن وجدت على صفة وعوضا إن وجدت على أخرى أشبه ما لو باعه بعشرة صحاح أو إحدى عشرة مكسرة (والثاني) أنه وقف الإجارة على شرط بقوله إن خطته كذا فلك كذا وإن خطته كذا فلك كذا بخلاف قوله كل دلو بتمرة (فصل) نقل مهنا عن أحمد فيمن استأجر من جمال إلى مصر بأربعين دينارا فإن نزل دمشق فكراؤه ثلاثون فإن نزل الرقة فكراؤه عشرون، فقال إن اكترى إلى الرقة بعشرة واكترى إلى دمشق بعشرة وإلى مصر بعشرة جاز ولم يكن للجمال أن يرجع فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة العقد الأول

لأنه في معنى بيعتين في بيعة لكونه خيره بين ثلاثة عقود، ويتخرج فيه أن يصح بناء على المسئلتين قبل هذا، ونقل عن أحمد في رجل استأجر رجلا يحمل له كتابا إلى الكوفة وقال إن أوصلت الكتاب يوم كذا فلك عشرون وإن تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة فالإجارة فاسدة وله أجر مثله مثل الذي قبله * (مسألة) * (وإن أكراه دابة وقال إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة وإن رددتها غذا فكراؤها عشرة فقال أحمد لا بأس به نقل عبد الله فيمن اكترى دابة وقال إن رددتها غدا فكراؤها عشرة، وإن رددتها اليوم فكراؤها خمسة لا بأس به، وهذه الرواية تدل على صحة الإجارة والظاهر عن أحمد برواية الجماعة فيما ذكرنا فساد العقد على قياس بيعتين في بيعه، وقال القاضي يصح في اليوم الأول دون الثاني وقياس حديث علي والأنصاري صحته فإن عليا أجر نفسه ليهودي يستقي له كل دلو بتمرة وكذلك الأنصاري وسنذكره * (مسألة) * (وإن أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال أحمد في رواية أبي الحارث هو جائز) ونقل ابن منصور عنه فيمن اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا فإن ذهب إلى عرفات بكذا فلا بأس، ونقل عبد الله عنه لو قال اكتريتها بعشرة فما حبسها فعليه في كل يوم عشرة أنه يجوز وهذه الروايات تدل على أن مذهبه أنه متى قدر لكل عمل معلوم أجراً معلوما صح، وتأول القاضي هذا كله على أنه يصح في الأول ويفسد في الثاني لأن مدته

غير معلومة فلم يصح العقد فيه كما لو قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك.
قال شيخنا: والظاهر عن أحمد خلاف هذا فإن قوله فهو جائز عاد إلى جميع ما قبله وذلك قوله لا بأس، ولأن لكل عمل عوضا معلوما فيصح كما لو استقى له كل دلو بتمرة وقد ثبت الأصل بالخبر الوارد فيه ومسائل الصبرة لا نص فيها عن الإمام وقياس نصوصه صحة الإجارة وإن سلم فسادها فلان القفزان التي شرط عملها غير معلومة بتعيين ولا صفة وهي مختلفة فلم يصح العقد لجهالتها بخلاف الأيام فإنها معلومة * (مسألة) * (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك قد عرف وجه ذلك وأرجو أن يكون خفيفا ولنا أن المدة مجهولة والعمل مجهول فلم يجز كما لو اكتراها لمدة سفره في تجارته ولأن مدة الغزاة تطول وتقصر ولا حد لها تعرف به والعمل فيها يقل ويكثر ونهاية سفرهم تقرب وتبعد فلم يجز التقدير بها كغيرها من الأسفار المجهولة فان فعل ذلك فله أجر المثل كالإجارات الفاسدة * (مسألة) * (وإن سمى لكل يوم شيئا معلوما فجائز)

وقال الشافعي لا يصح لأن مدة الإجارة مجهولة.
ولنا أن علياً رضي الله عنه أجر نفسه كل دلو بتمرة وكذلك الأنصاري فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولأن كل يوم معلوم مدت وأجره فصح كما لو أجره شهراً كل يوم بدرهم أو استأجره لنقل صبرة معلومة كل قفيز بدرهم.
إذا ثبت هذا فلا بد من تعيين ما يستأجر له من ركوب أو حمل معلوم، ويستحق الأجر المسمى لكل يوم سواء أقامت أو سارت لأن المنافع ذهبت في مدته أشبه ما لو اكترى دارا وغلقها ولم يسكنها * (مسألة) * (وإن أكراه كل شهر بدرهم أو كل دلو بتمرة فالمنصوص عن أحمد أنه يصح وكلما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة ولكل واحد منهما الفسخ عند انقضاء كل شهر، وقال أبو بكر وابن حامد لا يصح) اختلف أصحابنا في ذلك فقال القاضي يصح ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو اختيار الخرقي لأن الشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد لأنه معلوم يلي العقد وأجره معلوم وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به وهو السكنى في الدار إن أجره دارا لأنه مجهول حال العقد فإذا تلبس به تعين الدخول فيه فصح بالعقد الأول، وإن لم تتلبس به أو فسخ العقد عند انقضاء الأول انفسخ وكذلك حكم كل شهر يأتي وهذا مذهب ابي ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك نحو هذا إلا أن الإجارة لا تكون لازمة عنده لأن المنافع مقدرة بتقدير الأجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة إلا في اللزوم واختار أبو بكر عبد العزيز وابن حامد وابن عقيل أن العقد لا يصح وهو قال الثوري والصحيح

من قولي الشافعي لأن كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مجهولا فيكون فاسداً كقوله أجرتك أشهرا وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد على أنه وقع على أشهر معينة، ووجه الأول أن عليا استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه قال كنت أدلو الدلو بتمرة واشترطها جلدة وعن رجل من الانصار أنه قال ليهودي أسقي نخلك؟ قال نعم كل دلو بتمرة فاشترط الأنصاري أن لا يأخذه خدرة ولا تارزة ولا حشفة ولا يأخذ إلا جلدة فاستقى بنحو من صاعين فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
رواهما ابن ماجة وهو نظير مسألة إجارة الدار، ونص في المسألة الأخرى، ولأن شروعه في كل شهر مع ما تقدم العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضى ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة إذا وجد من المساومة مادل على التراضي بها.
فعلى هذا متى ترك التلبس به في شهر لم تلزم الإجارة فيه لعدم العقد وكذلك إن فسخ وليس بفسح في الحقيقة لأن العقد الثاني ما ثبت والقياس يقتضي عدم الصحة لأن العقد تناول جميع الأشهر وذلك مجهول ثم لا وجه لاعتبار الشروع في الشهر الذي يلي الأول مع كون الشهور كلها داخلة في اللفظ، فأما أبو حنيفة فذهب إلى أنهما إذا تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد، قال شيخنا ولا يصح هذا العذر لأن العقد الفاسد في الأعيان لا يلزم بالقبض ولا يضمن بالمسمى تم ثم لم يحصل القبض ههنا إلا فيما استوفاه وقول مالك لا يصح لأن الإجارة من العقود اللازمة فلا يجوز أن تكون جائزة

(فصل) إذا قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم جاز بغير خلاف لأن المدة معلومة والأجر معلوم وليس لواحد منهما فسخ بحال لأنها مدة واحدة فأشبه ما لو قال أجرتك عشرين شهراً بعشرين درهما، فإن قال أجرتكها شهرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك صح في الشهر الأول لأنه أفرده بالعقد وبطل في الزائد لأنه مجهول، ويحتمل أن يصح في كل شهر تلبس به كما لو قال أجرتكها كل شهر بدرهم لأن معناهما واحد، ولو قال أجرتكها هذا الشهر بدرهم وكل شهر بعد ذلك بدرهم أو بدرهمين صح في الأول وفيما بعده وجهان لما ذكرنا (فصل) في مسائل الصبرة وهي عشر مسائل (إحداها) أن يقول استأجرتك لحمل هذه الصبرة إلى مصر بعشرة فهي صحيحة بغير خلاف نعلمه لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة فجاز الاستئجار عليها كما لو علم كيلها (الثانية) قال استأجرتك لتحملها كل قفيز بدرهم فيصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز ويبطل فيما زاد، ومبني الخلاف على الخلاف في بيعها وقد ذكرناه (الثالثة) قال لتحملها لي نفيرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك فيجوز كما لو قال كل قفيز بدرهم وكذلك كل لفظ يدل على إرادة حمل جميعها كقوله لتحمل قفيزاً منها بدرهم وسائرها أو باقيها بحساب ذلك أو قال وما زاد بحساب ذلك يريد باقيها كله إذا فهما ذلك من اللفظ لدلالته عندهما عليه أو لقرينة صرفت إليه (الرابعة) قال لتحمل قفيزاً منها بدرهم وما زاد فبحساب ذلك يريد مهما حملته من باقيها فلا يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن المعقود عليه بعضها وهو مجهول.
ويحتمل أن يصح لأنه في معنى كل دلو بتمرة (الخامسة) قال لتنقل لي منها كل

قفيز بدرهم فهي كالرابعة سواء (السادسة) قال لتحمل لي منها قفيزاً بدرهم على أن تحمل الباقي بحساب ذلك فلا يصح لأنه في معنى بيعتين في بيعه.
ويحتمل أن يصح لأن معناه لتحمل لي كل قفيز منها بدرهم (السابعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك، فإن كانا يعلمان الصبرة التي في البيت بالمشاهدة صح فيهما لأنهما كالصبرة الواحدة وإن جهل أحدهما صح في الأولى وبطل في الثانية لأنهما عقدان أحدهما على معلوم والثاني على مجهول فصح في المعلوم وبطل في المجهول كما لو قال بعتك عبدي هذا بعشرة وعبدي الذي في البيت بعشرة [الثامنة] قال لتحمل لي هذه الصبرة والتي في البيت بعشرة فإن كانا يعلمان التي في البيت صح فيهما وإن جهلاها بطل فيهما لأنه عقد واحد بعوض واحد على معلوم ومجهول بخلاف التي قبلها، فإن كانا يعلمان التي في البيت لكنها مغصوبة أو امتنع تصحيح العقد فيها لمانع اختص بها بطل العقد فيها، وفي صحته في الأخرى وجهان بناء على تفريق الصفقة إلا أنها إن كانت قفزانها معلومة أو قدر إحداهما معلوم من الأخرى فالأولى صحته لان قسط لاجر فيها معلوم، وإن لم يكن كذلك فالأولى بطلانه لجهالة العوض فيها (التاسعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم فإن زادت على ذلك فالزائد بحساب ذلك صح في العشرة لأنها معلومة ولم يصح في الزيادة لأنها مشكوك فيها ولا يجوز العقد على ما يشك فيه (العاشرة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فإن قدم لي طعام فحملته فبحساب ذلك صح أيضا في الصبرة وفسد في الزيادة لما ذكرنا

  • (فصل) * قال المصنف رحمه الله [الثالث أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا يجوز على الزنا والزمر والغناء ولا إجارة دار ليجعلها كنيسة أو بيت نار، أو لبيع الخمر أو القمار] وجملة ذلك أن من شرط صحة الإجارة أن تكون المنفعة مباحة فإن كانت محرمة كالزنا والزمر والنوح والغناء لم يجز الاستئجار لفعله وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور، وكره ذلك الشعبي والنخعي لأنه محرم فلم يجز الاستئجار عليه كإجارة الأمة للزنا.
    قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة والمغنية (فصل) ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء أو نوحا، وقال أبو حنيفة يجوز.
    ولنا أنه انتفاع بمحرم اشبه ما ذكرنا، ولا يجوز الاستئجار على كتب شعر محرم ولا بدعة ولا شئ محرم لذلك (فصل) ولا تجوز إجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بعية أو لبيع الخمر أو القمار وبه قال الجماعة، وقال أبو حنيفة إن كان بيتك في السواد فلا بأس وخالفه صاحباه، واختلف أصحابه في تأويل قوله ولنا أنه فعل محرم فلم تجز الإجارة عليه كإجارة عبده للفجور، ولو اكترى ذمي من مسلم داراً فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه، وبذلك قال الثوري.
    وقال أبو حنيفة إن كان بيتك في السواد والجبل فله أن يفعل ما يشاء.
    ولنا أنه محرم جاز المنع منه في المصر فجاز في السواد كقتل النفس المحرمة
  • (مسألة) * (ولا يجوز الاستئجار على حمل الميتة والخمر وعنه يصح للحر أكل أجرته) لا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشتريها أو يأكل الميتة ولا على حمل خنزير لذلك، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي.
    وقال أبو حنيفة يجوز لأن العمل لا يتعين عليه بدليل أنه لو حمله مثله جاز لأنه لو قصد إراقته أو طرح الميتة جاز.
    وقد روي عن أحمد فيمن حمل خنزيراً لذمية أو خمراً لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء فإذا كان لمسلم فهو أشد.
    قال القاضي: هذا محمول على أنه استأجره ليريقها فأما للشرب فمحظور لا يحل أخذ الأجر عليه قال شيخنا: وهذا تأويل بعيد لقوله: أكره أكل كراة وإذا كان لمسلم فهو أشد والمذهب خلاف هذه الرواية لأنه استئجار لفعل محرم فلم يصح كالزنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صلى الله عليه وسلم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والمحمولة إليه.
    وقول أبي حنيفة لا يتعين يبطل بما لو إستأجر أرضا ليتخذها مسجدا، فأما حمل الخمر لإراقتها والميتة لطرحها والاستئجار لكسح الكنيف فجائر لأن ذلك مباح، وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طيبة فحجمه.
    وقال أحمد في رواية ابن منصور فيمن يؤاجر نفسه لنظارة كرم نصراني: يكره ذلك لأن الأصل في ذلك راجع إلى الخمر (فصل) قد ذكرنا أن الاستئجار لكسح الكنيف جائز إلا أنه يكره له أكل أجرته كأجرة الحجام بل هذا أولى.
    وقد روى سعيد بن منصور أن رجلا حج وأتى ابن عباس فقال له إني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال أي شئ تكنس؟ قال العذرة، قال: ومنه حججت ومنه تزوجت؟ قال نعم.
    قال أنت خبيث وحجك خبيث وما تزوجت خبيث.
    ونحو هذا.
    ولأن فيه دناءة فكره

كالحجامة.
وإنما قلنا بجواز الإجارة عليه لدعو الحاجة إليه ولا يندفع ذلك إلا بالإباحة فجاز كالحجامة (فصل) ويشترط أن تكون المنفعة مقصودة فلا يجوز استئجار شمع ليتجمل به وبرده ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده ولا النقود ليتجمل بها الدكان لأنها لم تخلق لذلك ولا تراد له فبذل العوض فيه سفه وأخذه من أكل المال بالباطل، وكذلك استئجار ثوب ليوضع على سرير الميت لما ذكرنا * (فصل) * (قال الشيخ رحمه الله) والإجارة على ضربين (أحدهما) إجارة عين.
فتجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها) كالأرض والدار والعبد والبهيمة والثياب والفساطيط والحبال والخيام والمحامل والسرج واللجام والسيف والرمح وأشباه ذلك.
وقد ذكرنا بعض ذلك في مواضعه * (مسألة) * (ويجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه) إذا كان الخشب معلوماً والمدة معلومة وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة لا يجوز.
ولنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها واستيفائها فجازت الإجارة عليها كاستئجار السطح للنوم عليه * (مسألة) * (ويجوز استئجار حيوان ليصيد به إلا الكلب) يجوز استئجار الفهد والبازي والصقر ونحوه للصيد في مدة معلومة لأن فيه نفعاً مباحا تجوز إعارته فجازت إجارته له كالدابة، فأما إجارة سباع البهائم والطير التي لا تصلح للصيد فلا تجوز إجارتها لأنه لا نفع فيها وكذلك إجارة الكلب والخنزير لأنه لا يجوز بيعه.
ويتخرج جواز إجارة الكلب الذي يباح اقتناؤه لأن فيه نفعا مباحا تجوز إعارته له فجاز إجارته له كغيره.
ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين

  • (مسألة) * (ويجوز استئجار كتاب ليقرأ فيه إلا المصحف في أحد الوجهين) تجوز إجارة كتب العلم التي يجوز بيعها للانتفاع بها من القراءة فيها والنسخ منها والرواية وغير ذلك من الانتفاع المقصود المحتاج إليه.
    وهذا مذهب الشافعي، ومقتضى قول أبي حنيفة أنه لا تجوز إجارتها لأنه علل منع إجارة المصحف بأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك كما يجوز أن يستأجر سقفا لينظر إلى عمله ولنا أن فيه نفعاً مباحا يحتاج إليه تجوز الإعارة له فجازت الإجارة له كسائر المنافع.
    وفارق النظر إلى السقف فإنه لا حاجة إليه ولا جرت العادة بالإعارة من أجله، وتجوز إجارة كتاب فيه خط حسن ينقل منه ويكتب عليه على قياس ذلك (فصل) وفي اجارة المصحف وجهل [أحدهما] لا يصح إجارته لأنه لا يصح بيعه إجلالا لكتاب الله تعالى وكلامه عن المعاوضة به وابتذاله بالثمن في البيع والاجرة في الإجارة [والثاني] يصح وهو مذهب الشافعي لأنه انتفاع مباح تجوز الإعارة من أجله فجازت إجارته كسائر الكتب، ولا يلزم من عدم جواز البيع عدم جواز الإجارة كالحر (فصل) والذي يحرم بيعه تحرم إجارته إلا الحر والوقف وأم الولد فإنه يجوز إجارتها وإن حرم بيعها، وما عدا ذلك لا تجوز إجارته، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى
  • (مسألة) * (ويجوز استئجار النقد للتحلي والوزن لا غير) إذا كان في مدة معلومة وبه قال أبو حنيفة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والوجه الآخر أنه لا تجوز إجارتها لأن هذه المنفعة ليست المقصود منها ولذلك لا نضمن منفعتها بعصبها فاشبهت الشمع ولنا أنها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها منفعة مباحة فاشبهت الحلي، وفارق الشمع فإنه لا ينتفع به إلا بما يتلف عينه * (مسألة) * (فإن أطلق الإجارة لم يصح في أحد الوجهين ويصح في الآخر وينتفع بها في ذلك) وهذا اختيار أبي الخطاب لأن منفعتها في الإجارة متعينة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن نحمل الإجارة عند الإطلاق عليهما كاستئجار الدار مطلقا فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها، فعلى هذا ينتفع بها فيما شاء منهما، وقال القاضي لا تصح الإجارة وتكون قرضاً وهذا مذهب أبي حنيفة لأن الإجارة تقتضي الانتفاع والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير إنما هو بأعيانها فإذا أطلق الانتفاع حمل على الانتفاع المعتاد، وقال أصحاب الشافعي لا تصح الإجارة ولا تكون قرضا لأن التحلي ينقصها والوزن لا ينقصها فقد اختلفت جهة الانتفاع فلم يجز إطلاقها، ولا يجوز أن يعبر بها عن القرض لأن القرض تمليك للعين والإجارة تمليك المنفعة تقتضي الانتفاع مع بقاء العين فلم يجز التعبير بأحدهما عن الآخر، ولأن التسمية والالفاظ تؤخذ نقلا ولم يعهد في اللسان التعبير بالإجارة عن القرض، قال شيخنا وقول أبي الخطاب أصح

إن شاء الله تعالى لأن العقد متى أمكن حمله على الصحة كان أولى من إفساده وقد أمكن حملها على إجارتها للجهة التي تجوز إجارتها فيها، وقول القاضي لا يصح لما ذكرنا، وما ذكر أصحاب الشافعي من نقص العين بالاستعمال في التحلي فبعيد فإن ذلك يسير لا أثر له فوجوده كعدمه (فصل) ويجوز أن يستأجر نخلا ليجفف عليه الثياب ويبسطها عليه ليستظل بظلها ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان لما ذكروه في الأثمان ولنا أنها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك النابتة وذلك لأن الانتفاع يحصل بهما على السواء في الحالتين فما جاز في إحداهما يجوز في الأخرى ولأنها شجرة فجاز استئجارها لذلك كالمقطوعة ولأنها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين فجاز العقد عليها كما لو كانت مقطوعة (فصل) ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وقطع الكافور والند لشمه للمرضى وغيرهم مدة ثم يرده لأنها منفعة أشبهت الوزن والتحلي مع أنه لا ينفك من أخلاق وبلى (فصل) يجوز استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة بحال فلا تجوز الإجارة لذلك ولنا أن هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها فجاز استئجار العين لها كالسكنى ويفارق الصلاة فإنها لا تدخل النيابة فيها بخلاف المسجد * (مسألة) * (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته)

يجوز استئجار ولده لخدمته كالأجنبي واستئجار أمه وأخته وابنته لرضاع ولده وكذلك سائر أقاربه بغير خلاف كالأجانب، فأما استئجار امرأته لرضاع ولده منها فيجوز في الصحيح من المذهب قال الخرقي إن أرادت الأم أن ترضع ولدها بأجرة مثلها فهي أحق به من غيرها سواء كانت في جبال الزوج أو مطلقة وقال القاضي لا يجوز وتأول كلام الخرقي على أنها في حبال زوج آخر وهو قول أصحاب الرأي وحكى عن الشافعي لأنه قد استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه آخر لذلك ولنا أن كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج يصح أن تعقده معه كالبيع ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها على ذلك ويجوز أن تأخذ عليها العوض من غيره فجاز لها أخذه منه كثمن مالها، قولهم أنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع قلنا هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر كما لو استأجرها ثم تزوجها، وتأويل القاضي كلام الخرقي يخالف الظاهر من وجهين (أحدهما) أن الألف واللام في الزوج للمعهود وهو أبو الطفل (الثاني) أنها إذا كانت في حبال زوج آخر لا تكون أحق به بل يسقط حقها من الحضانة ثم ليس لها أن ترضع إلا بإذن زوجها ففسد التأويل * (مسألة) * (ولا تصح الإجارة إلا بشروط خمسة أحدها أن يعقد على نفع العين دون أجزائها)

لأن الإجارة بيع المنافع فأما الأجزاء فلا تدخل في الإجارة فلا يصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله لأن هذا لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه فلم يجز كما لو استأجر ديناراً لينفقه، فإن استأجر شمعة ليسرجها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي فهو فاسد لأنه يشمل بيعا وإجارة وما وقع عليه البيع مجهول وإذا جهل البيع جهل المستأجر أيضا فيفسد العقدان * (مسألة) * (ولا يجوز استئجار حيوان ليأخذ لبنه) كاستئجار الإبل والبقر والغنم ليأخذ لبنها أو ليسترضعها لسخالها ونحوها ولا ليأخذ صوفها وشعرها ووبرها ولا استئجار شجرة ليأخذ ثمرتها أو شيئاً من عينها لما ذكرناه * (مسألة) * (إلا في الظئر ونفع البئر يدخل تبعا) أما الظئر فقد سبق ذكرها، وأما نفع البئر فقال ابن عقيل يجوز استئجار البئر ليستقي منه أياما معلومة ودلاء معلومة لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فهى، فأما الماء فيؤخذ على أصل الإباحة (فصل) ولا يجوز استئجار الفحل الضرب وهو ظاهر مذهب الشافعي وأصحاب الرأي

وخرج أبو الخطاب وجهاً في جوازه بناء على إجارة الظئر للرضاع لأن الحاجة تدعو إليه وهو قول الحسن وابن سيرين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل متفق عليه ولأن المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين فهو كإجارة الغنم لأخذ لبنها، ولأن الماء محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عنه كالميتة، فأما من أجازه فينبغي أن يوقع العقد على العمل ويقدره بمرة أو مرتين، وقيل يقدره بالمدة وهو بعيد فإن من أراد إطراق فرسه مرة فقدره بمدة تزيد على قدر الفعل لم يكن استيعابها به وربما لا يحصل الفعل في المدة ويتعذر ضبط مقدار الفعل فيتعين التقدير بالفعل إلا أن يكتري فحلا لإطراق ماشية كثيرة كتيس يتركه في غنمه فإنه إنما يكتريه مدة معلومة.
والمذهب أنه لا يجوز إجارته لما ذكرنا فإن احتاج إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه لأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها فجاز كشراء الأسير ورشوة الظالم ليدفع ظلمه، وإن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك فلا بأس لأنه فعل معروفا فجازت مجازاته عليه كما لو أهدى هدية فجوزي عليها

  • (مسألة) * (الثاني معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين ويصح في الآخر بدونه وللمستأجر خيار الرؤية)

يشترط معرفة العين المستأجرة بالمشاهدة إن كانت لا تنضبط بالصفات، أو بالصفة إن كانت تنضبط قياساً على البيع، وفيه وجه آخر أنه لا يشترط ويثبت للمستأجر خيار الرؤية وهو قول أصحاب الرأي، والخلاف ههنا مبني على الخلاف في البيع، وقد ذكرناه والمشهور الأول.
فعلى هذا إذا كانت مما لا ينضبط بالصفة كالدور والحمام فلابد من رؤيتها كالبيع لأن الغرض يختلف بصغرها وكبرها ومرافقها ومشاهدة قدر الحمام ليعلم كبرها من صغرها ومعرفة مائه ومشاهدة الإيوان ومطرح الرماد وموضع الزبل ومصرف ماء الحمام، فمتى أخل بهذا أو بعضه لم يصح للجهالة بما يختلف به الغرض، وقد كره أحمد كراء الحمام لأنه يدخله من يكشف عورته فيه قال ابن حامد هو على طريق كراهة التنزيه دون التحريم فأما العقد فصحيح في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن كراء الحمام جائز إذا حدده وذكر جميع آلته شهوراً مسماة وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأن المكتري إنما يأخذ الأجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه وأحوال المسلمين محمولة على السلامة وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الأجر المأخوذ منه كما لو اكترى دارا ليسكنها فشرب فيها خمراً * (مسألة) * (الثالث القدرة على التسليم فلا تصح إجارة الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه إذا لم يقدر على أخذه منه) لأنه لا يمكن تسليم المعقود عليه فلم تصح إجارته كبيعه * (مسألة) * (ولا تجوز إجارة المشاع مفرداً لغير شريكه وعنه ما يدل على الجواز

قال أصحابنا لا تجوز إجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجر الشريكان معا وهذا قول أبي حنيفة وزفر لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالمغصوب، يحقق ذلك أنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب الشريك ولا ولاية له على مال شريكه، واختار أبو حفص العكبري جوازه، وقد أومأء إليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه معلوم يجوز بيعه فجازت إجارته كالمفرد ولأنه عقد في ملكه يجوز مع شريكه فجاز مع غيره كالبيع، ومن نصر الأول فرق بين محل النزاع وبين ما إذا أجره الشريكان أو أجره لشريكه فإنه يمكن التسليم إلى المستأجر فأشبه إجارة المغصوب من غاصبه دون غيره، وإن كانت لواحد فأجر نصفها صح لأنه يمكنه تسليمه ثم إن أجر نصفها الآخر للمستأجر الأول صح لإمكان تسليمه إليه، وإن أجره لغيره ففيه وجهان كالمسألة التي قبلها لأنه لا يمكنه تسليم ما أجره إليه، وإن أجر الدار لاثنين لكل واحد منهما نصفها فكذلك لأنه لا يمكنه تسليم نصيب كل واحد إليه (فصل) ولا تجوز إجارة المسلم للذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الأثرم فقال إن أجر نفسه من الذي في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شئ جاز وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر تجوز لأنه يجوز له إجارة نفسه في غير الخدمة فجاز فيها كإجارته من المسلم ولنا أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه أشبه البيع، يحققه أن عقد

الإجارة للخدمة يتعين فيها حبسه مدة الإجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين فيه ذلك فإذا منع فالمنع من الإجارة أولى، فأما إن أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه لأن علياً رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره، وكذلك الأنصاري ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته فإن آجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز أيضا في ظاهر كلام أحمد لقوله: وإن كان في عمل شئ جاز ونقل عنه أحمد بن سعيد لا بأس ان يؤجر نفسه من الذمي وهذا مطلق في نوعي الإجارة، وذكر بعض أصحابنا أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك وأشار إلى ما رواه الأثرم واحتج بأنه عقد يتضمن حبس المسلم أشبه البيع، والصحيح ما ذكرنا فإن كلام أحمد يدل على خلاف ما قاله، وإنه خص المنع بالإجارة للخدمة وأجاز إجارته للعمل وهذا إجارة للعمل، ويفارق البيع فإن فيه إثبات الملك على المسلم ويفارق إجارته للخدمة لتضمنها الإذلال (فصل) نقل إبراهيم الحربي أنه سئل عن الرجل يكتري الديك ليوقظه لوقت الصلاة لا يجوز لأن ذلك يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره وقد يصيح وقد لا يصيح وربما صاح بعد الوقت * (مسألة) * (الشرط الرابع اشتمال العين على المنفعة)

فلا يجوز استئجار بهيمة زمنة للحمل ولا أرض لا تنبت الزرع لأن الإجارة عقد على المنفعة ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين فلا تجوز إجارتها كالعبد الآبق * (مسألة) * (الخامس كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها) لأنه تصرف فيما لا يملكه ولا أذن فيه مالكه فلم يجز كبيعه، ويحتمل أن يجوز ويقف على إجازة المالك بناء على بيع العين بغير إذن مالكها * (مسألة) * (يجوز للمستأجر إجارة العين لمن يقوم مقامه من المؤجر وغيره) يجوز للمستأجر إجارة العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سبرين ومجاهد وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن والمنافع لم تدخل في ضمانه، ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه، والأول أصح لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يجوز التصرف فيها فجاز العقد عليها كبيع الثمرة على الشجرة وبهذا الأصل يبطل قياس الرواية الأخرى.
إذا ثبت هذا فإنه لا تجوز إجارته إلا لمن يقوم مقامه أو دونه في الضرر لأن هذه المنفعة صارت مملوكة له فله أن يستوفيها بنفسه وبنائه، والمستأجرة لا يجوز إجارتها لمن هو أكثر ضرراً منه ولا لمن يخالف ضرره ضرره لما نذكره

(فصل) فأما إجارتها قبل قبضها فتجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين وهو قول بعض الشافعية لأن قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه فلم يقف جواز التصرف عليه، والثاني لا يجوز وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي لأن المنافع مملوكة بعقد معاوضة فاعتبر في جواز العقد عليها القبض كالأعيان، وأما إجارتها للمؤجر قبل القبض فإذا قلنا لا يجوز من غير المؤجر ففيها ههنا وجهان (أحدهما) لا يجوز كغيره (والثاني) يجوز لأن القبض لا يتعذر عليه بخلاف الأجنبي وأصلهما بيع الطعام قبل قبضه وهل يصح من بائعه؟ على روايتين وتجوز إجارتها من المؤجر بعد قبضها وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز لأنه يؤدي إلى تناقض الأحكام لأن التسليم مستحق من المكري فإذا اكتراها صار مستحقاً له فيصير مستحقا لما يستحق عليه وهو تناقض ولنا أن كل عقد جاز مع الأجنبي جاز مع العاقد كالبيع وما ذكروه لا يصح لأن التسليم قد حصل وهذا المستحق له تسليم آخر ثم يبطل بالبيع فإنه يستحق عليه تسليم العين، فإذا اشتراها استحق تسليمها فإن قبل التسليم ههنا مستحق في جميع المدة قلنا المستحق تسليم العين، وقد حصل وليس عليه تسليم آخر غير أن العين من ضمان المؤجر فإذا تعذرت المنافع بتلف الدار أو غصبها رجع عليها لأنها تعذرت بسبب كان في ضمانه

  • (مسألة) * (وتجوز إجارتها بمثل الأجرة وزيادة، وعنه لا تجوز بزيادة، وعنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا) إذا قلنا بجواز إجارة العين المستأجرة جازت بمثل الأجرة وزيادة نص عليه أحمد، وروي عن عطاء والحسن والزهري وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد لا تجوز بزيادة تروى كراهة ذلك عن ابن المسيب وأبي سلمة وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي وعنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا فإن فعل تصدق بالزيادة روى ذلك عن الشعبي وبه قال الثوري وأبو حنيفة لأنه يربح بذلك فيما لم يضمن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن ولأنه يربح فيما لم يضمن فلم يجز كما لو ربح في الطعام قبل قبضه ويخالف ما إذا عمل فيها فإن الربح في مقابلة العمل، وعن أحمد رواية أخرى أن أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز ولنا أنه عقد يجوز برأس المال فجاز بزيادة كبيع المبيع بعد قبضه وكما لو أحدث فيها عمارة لا يقابلها جزء من الأجر، وأما الخبر فإن المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه بدليل أنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه، والقياس على بيع الطعام قبل قبضه لا يصح فإنه لا يجوز وإن لم يربح فيه، وتعليلهم بأن الربح في مقابلة عمله ملغي بما إذا كنس الدار ونظفها فإن ذلك يزيد في أجرها عادة والله أعلم

(فصل) وسئل أحمد عن الرجل يتقبل العمل من الأعمال فيقبله بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟ قال ما أدري هي مسألة فيها بعض الشئ، قلت أليس كان الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب أو غيره إذا عمل في العمل شيئا؟ قال إذا عمل فهو أسهل.
قال النخعي لا بأس ان يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم ثم يقبلها بعد ذلك بعد أن يعين فيها أو يقطع أو يعطيه سلوكا أو إبراً فإن لم يعين فيها بشئ فلا يأخذن فضلا.
وهذا يحتمل أن يكون النخعي قاله بناء على مذهبه في أن من استأجر شيئاً لا يؤجره بزيادة، وقياس المذهب جواز ذلك سواء أعان فيها بشئ أو لم يعن لأنه إذا جاز أن يقبله بمثل الأجر الأول جاز بزيادة عليه كالبيع وكإجارة العين * (مسألة) * (وللمستعير إجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها) لأنه لو أذن له في بيعها جاز فكذلك إذا أذن له في إجارتها ولأن الحق له فجاز باذنه ولابد من تعيين المدة في الإذن لأن الإجارة عقد لازم لا تجوز إلا مدة معينة * (مسألة) * (وتجوز إجارة الوقف) لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز إجارتها كالمستأجر * (مسألة) * (فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تفسخ الإجارة في أحد الوجهين) وللثاني حصته من الأجر لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه الطلق

(والثاني) تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة لأنا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره فصح في ملكه دون ملك غيره كما لو أجر دارين إحداهما له والأخرى لغيره بخلاف الطلق فإن المالك يملك من جهة الموروث فلا يملك إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل الى الوارث والمنافع التي أجرها قد خرت عن ملكه بالإجارة فلا تنتقل الى الوارث، والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف فما حدث فيها بعد البطن الأول كان ملكا لهم فقد صادف تصرف المؤجر في ملكهم من غير إذنهم ولا ولاية له عليهم ويتخرج أن تبطل الإجارة كلها بناء على تفريق الصفقة وهذا التفصيل مذهب الشافعي فعلى هذا إن كان المؤجر قبض الأجر كله وقلنا تنفسخ الإجارة فلمن انتقل إليه الوقف أخذه ويرجع المستأجر على ورثة المؤجر بحصة الباقي من الأجر.
وإن قلنا لا تنفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على التركة بحصته * (مسألة) * (وإن أجر الولي اليتيم أو ماله مدة فبلغ في أثنائها فليس له فسخ الإجارة ذكره أبو الخطاب) لأنه عقد لازم عقده بحق الولاية فلم يبطل بالبلوغ كما لو باع داره أو زوجه، ويحتمل أن تبطل الاجارة فيما يعد البلوغ لزوال الولاية لما ذكرنا في إجارة الوقف.
ويحتمل أنه إذا أجره مدة يتحقق فيها بلوغه وهو أن يؤجر ابن أربع عشرة سنتين فيبطل في السادس عشر لأننا نتيقن أنه أجره فيها بعد بلوغه، وهل يصح في الخامس عشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة، وإن لم يتحقق فيها بلوغه

كالذي أجره الخامس عشر وحده فبلغ في أثنائه فيكون فيه ما ذكرنا في صدر الفصل، لأنا لو قلنا يلزم الصبي بعقد الولي مدة يتحقق فيها بلوغه أفضى إلى أن يعقد على منافعه طول عمره وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه، ولا يشبه النكاح لأنه لا يمكن تقدير مدته فإنه إنما يعقد للأبد، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا بلغ لصبي فله الخيار لأنه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في نفسه فإذا ملك ثبت له الخبيار كالأمة إذا عتقت تحت زوج ولنا أنه عقد لازم عقد عليه قبل أن يملك التصرف فإذا ملكه لم يثبت له الخيار كالأب إذا زوج ولده والأمة إنما ثبت لها الخيار إذا عتقت تحت عبد لأجل العيب لا لما ذكره، بدليل أنها لو عتقت تحت حر لم يثبت لها الخيار، إن مات الولي المؤجر للصبي أو ماله أو عزل وانتقلت الولاية إلى غيره لم يبطل عقده لأنه تصرف وهو من أهل التصرف في محل ولايته فلم يبطل تصرفه بموته أو عزله كما لو مات ناظر الوقف أو عزل أو مات الحاكم بعد تصرفه فيما له النظر فيه، ويفارق ما لو أجر الموقوف عليه الوقف مدة ثم مات في أثنائها لأنه أجر ملك غيره بغير إذنه في مدة لا ولاية له فيها، وههنا إنما يثبت للوالي الثاني التصرف فيما لم يتصرف فيه الاولى وهذا العقد قد تصرف فيه الأول فلم يثبت للثاني ولاية على ما تناوله الخبر * (مسألة) * (فإن أجر السيد عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها صح العتق) ولم يبطل عقد الإجارة في قياس المذهب ولا يرجع العبد على مولاه بشئ.
وهذا أحد قولي

الشافعي، وقال في القديم يرجع على مولاه بأجر المثل لانه المنافع تستوفى منه بسبب كان من جهة السيد فرجع عليه كما لو أكرهه بعد عتقه على ذلك العمل ولنا أنها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببدلها كما لو زوج أمته ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها فإن ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه.
ويخالف المكره فإنه تعدى بذلك، وقال أبو حنيفة للعبد الخيار في الفسخ أو الإمضاء كالصبي إذا بلغ للمعنى الذي ذكره.
ثم ولنا أنه عقد لازم على ما يملك فلم ينفسخ بالعتق ولا يزول ملكه عنه كما لو زوج أمته ثم باعها إذا ثبت هذا فإن نفقة العبد إذا لم تكن مشروطة على المستأجر فهي على معتقه لأنه كالباقي في ملكه لكونه يملك عوض نفعه، ولأن العبد عاجز عن نفقته لأنه مشغول بالإجارة ولم تجب على المستأجر لأنه استحق منفعته بعوض غير نفقته لم يبق إلا أنها على المولى، ويتخرج أن تنفسخ الإجارة كالصبي والله أعلم * (فصل) * قال رحمه الله (وإجارة العين تنقسم إلى قسمين (أحدهما) أن تكون على مدة كإجارة الدار شهراً والأرض عاما والعبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة ويسمى الأجير فيها الأجير الخاص) تكون في الآدمي وغيره، فأما غير الآدمي فمثل إجارة الدار شهراً والأرض عاما.
وأما إجارة الآدمي فمثل أن يستأجر رجلا يبني معه يوما أو يخيط له شهراً فهذا يسمى الأجير الخاص لأن المستأجر يختص بمنفعته في مدة الإجارة لا يشاركه فيها غيره * (مسألة) * (ويشترط أن تكون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت)

أما ضبطها بالشهر والسنة فلا نعلم فيه خلافاً وإنما اشترط العلم بالمدة لأنها هي الضابطة فاشترط معرفتها كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل، فإن قدر المدة بسنة مطلقة حمل على السنة الهلالية لأنها المعهودة قال الله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فوجب أن يحمل العقد عليه، فإن قال هلالية كان توكيداً، وإن قال عددية أو سنة بالأيام فهي ثلثمائة وستون يوماً لأن الشهر العددي ثلاثون يوما.
وإن استأجر سنة هلالية في أولها عد اثني عشر شهرا بالأهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصاً لأن الشهر الهلالي ما بين هلالين ينقص مرة ويزيد أخرى.
وكذلك إن كان العقد على أشهر دون السنة، وإن جعلا المدة سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وهما يعلمانها جاز وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وإن جهلا ذلك أو أحدهما لم يصح (فصل) فإن أجره إلى العيد انصرف إلى الذي يليه وتعلق بأول جزء منه لأنه جعل غاية فتنتهي مدة الإجارة بأوله.
وقال القاضي: لابد من تعيين العيد فطراً أو أضحى من هذه السنة أو من سنة كذا.
وكذلك الحكم إن علقه بشهر يقع اسمه على شهرين كجمادى وربيع يجب على قوله ان يذكر الأول أو الثاني من سنة كذا.
وإن علقه بشهر مفرد كرجب فلابد أن يبينه من أي سنة، وإن علقه بيوم بينه من أي أسبوع، وإن علقه بعيد من أعياد الكفار وهما يعلمانه صح وإلا لم يصح (فصل) ولا تتقدر أكثر مدة الإجارة بل يجوز أجرة العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها

وإن طالت.
وهذا قول عامة أهل العلم، غير أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه فمنهم من قال له قولان (أحدهما) كما ذكرنا وهو الصحيح (والثاني) لا يجوز أكثر من سنة لأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها ومنهم من قال له قول ثالث أنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة.
وحكى القاضي في كتاب الخلاف عن ابن حامد أن أصحابنا اختلفوا في مدة الإجارة فمنهم من قال لا تجوز أكثر من سنة.
واختاره ومنهم من قال إلى ثلاثين سنة لأن الغالب أن الأعيان لا تبقى أكثر منها وتتغير الأسعار والأجر ولنا قوله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال (على أن تأجرني ثماني حجج) وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل.
ولأن ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها كالبيع والنكاح والمساقاة والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه وليس هو بأولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه (فصل) إذا استأجر سنين لم يحتج إلى تقسيط الأجر على كل سنة في ظاهر كلام أحمد كما لو استأجر سنة لم يحتج إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق، وكذلك لا يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم إذا استأجر شهراً، ولأن المنفعة كالأعيان في البيع، ولو اشتملت الصفقة على أعيان لم يلزمه تقدير ثمن كل عين كذلك، ههنا وقال الشافعي في أحد قوليه يفتقر إلى تقسيط أجر كل سنة لأن المنافع تختلف باختلاف السنين فلا يأمن ان ينفسخ العقد فلا يعلم بم يرجع وهذا يبطل بالشهور فإنه لا يفتقر الى تقسيط الأجر على كل شهر مع الاحتمال الذي ذكروه

  • (مسألة) * (ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح) سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن وكذلك إن أجره شهر رجب في المحرم وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارة، ففيه قولان لأنه عقد على ما يمكن تسليمه في الحال فأشبه إجارة العين المغصوبة قال ولا يجوز أن يكتري بعيراً بعينه إلا عند خروجه لذلك ولنا أنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوبه كالسلم فانه لا يشترط وجود القدرة عليه حين العقد، ولا فرق بين كونها مشغولة أو غير مشغولة لما ذكرناه، وما ذكره يبطل بما إذا أجرها من المكتري فان يصح مع ما ذكروه.
    إذا ثبت هذا فإن الإجارة إن كانت على مدة تلي العقد لم يحتج الى ذكر ابتدائها من حين العقد وإن كانت لا تليه فلابد من ذكره لأنها أحد طرفي العقد فاحتيج إلى معرفته كالانتهاء، وإن أطلق فقال أجرتك سنة أو شهراً صح وكان ابتداؤها من حين العقد وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي وبعض أصحابنا لا يصح حتى يسمي الشهر ويذكر أي سنة هي قال أحمد في رواية إسماعيل ابن سعيد إذا استأجر أجيراً شهراً فلا يجوز حتى يسمي الشهر ولنا قول الله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام قال (على أن تأجرني ثماني حجج) لم يذكر ابتداءها ولأنه تقدير بمدة ليس فيها قربة فإذا أطلقها وجب أن تلي السبب كمدة السلم والايلاء وتفارق النذر فإنه قربة

(فصل) إذا تمت الإجارة وكانت على مدة ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة وتحدث على ملكه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تحدث على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بالعقد لأنها معدومة فلا تكون مملوكة كالولد والتمرة ولنا أن الملك عبارة عن حكم يحصل به تصرف مخصوص وقد ثبت ان المنفعة المستقبلة كان لمالك العين أن يتصرف فيها كتصرفه في العين فلما أجرها كان المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت أنها كانت مملوكة لمالك العين ثم انتقلت إلى المستأجر بخلاف الولد والتمرة فإن المستأجر لا يملك التصرف فيها قولهم إن المنفعة معدومة قلنا هي مقدرة الوجود لأنها جعلت موردا للفعل والقدر لا يرد إلا على موجود * (مسألة) * (وإذا أجره في أثناء شهر سنة استوفى شهراً بالعدد وسائرها بالأهلة) لأنه تعذر إتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لأنه الأصل وعنه يستوفي الجميع بالعدد لأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهراً واحداً ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده ولابي حنيفة والشافعي كالروايتين، وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر كعدة الوفاة وشهري صيام الكفارة

(فصل) ومن اكترى دابة إلى العشاء فآخر المدة غروب الشمس وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو ثور آخرها زوال الشمس لأن العشاء آخر النهار وآخره النصف الآخر من الزوال وكذلك جاء في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاة العشي يعني الظهر أو العصر هكذا تفسيره ولنا قوله تعالى (من بعد صلاة العشاء) يعني العتمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل " وإنما تعلق الحكم بغروب الشمس لأن هذه الصلاة تسمى العشاء الآخرة فيدل على أن الأولى المغرب وهو في العرف كذلك فوجب أن يتعلق الحكم به لأن المدة إذا جعلت إلى وقت تعلقت بأوله كما لو جعلتا إلى الليل، وما ذكروه لا يصح لأن لفظ العشي غير لفظ العشاء فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر حتى يقوم دليل على أن معنى اللفظين واحد ثم لو ثبت أن معناهما واحد غير أن أهل العرف لا يعرفون غير ما ذكرنا، فإن اكتراها إلى الليل فهو إلى أوله وكذلك إن اكتراها إلى النهار فهو إلى أوله، ويتخرج أن يدخل الليل في المدة الأولى والنهار في الثانية لما ذكرنا في مدة الخيار، وإن اكتراها نهاراً فهو إلى غروب الشمس وإن اكتراها ليلة فهي إلى طلوع الفجر في قول الجميع لأن الله تعالى قال في ليلة القدر (سلام هي حتى مطلع الفجر) وقال (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ثم قال (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (فصل) وإن اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى اخرج فالكراء فاسد وبه قال أبو ثور وهو قياس قول الشافعي وقال أصحاب الرأي يجوز استحسانا بخلاف القياس ولنا أنها مدة غير معلومة الابتداء فلم يجز كما لو قال أجرتك داري من حين يخرج الحاج إلى رأس السنة وقد اعترفوا بمخالفته الدليل وما ادعوه دليلا تمنع كونه دليلا (القسم الثاني) إجارتها العمل معلوم كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان أو دياس زرع واستئجار عبد ليدله على طريق أو رحى لطحن قفزان معلومة فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف لأن الإجارة عقد معاوضة فوجب أن يكون العوض فيها معلوما لئلا يفضي إلى الاختلاف والتنازع كقولنا في البيع، والعلم بمقدار المنفعة إما أن يحصل بتقدير المدة كما ذكرنا في إجارة الدار وخدمة العبد مدة معلومة وإما بتقدير العمل ووصف ما يعمله وضبطه بما لا يختلف فيه كالمبيعات (فصل) يجوز أن يكتري بقرا لحرث مكان لأن البقر خلقت للحرث ولذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم " بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فقالت إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث " متفق عليه، ويحتاج إلى معرفة الأرض وتقدير العمل، فأما الأرض فلا تعرف إلا بالمشاهدة فإنها تختلف فتكون صلبة تتعب

البقر والحراث وتكون فيها حجارة تتعلق فيها السكة وتكون رخوة يسهل حرثها، ولا تنضبط بالصفة فتحتاج إلى الرؤية.
وأما تقدير العمل فيجوز بأحد شيئين إما بالمدة كيوم وإما بمعرفة الأرض كهذه القطعة أو من ههنا إلى ههنا أو بالمساحة كجريب أو جريبين أو كذا ذراعا في كذا كل ذلك جائز لحصول العلم به فان قدره بالمدة فلابد من معرفة البقر التي يعمل عليها لأن الغرض يختلف باختلافها بالقوة والضعف ويجوز أن يستأجر البقر مفردة ليتولى رب الأرض الحرث بها ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها ويجوز استئجارها بآلتها وبدونها وتكون الآلة من عند صاحب الأرض ويجوز استئجار البقر وغيرها لدواس الزرع لأنها منفعة مباحة مقصودة أشبهت الحرث ويجوز على مدة أو زرع معين أو موصوف كما ذكرنا في الحرث، ومتى كان على مدة احتيج إلى معرفة الحيوان لأن الغرض يختلف به فمنه ما روثه ظاهر ومنه نجس، ولا يحتاج إلى معرفة عين الحيوان ويجوز أن يستأجر الحيوان بآلته وغيرها مع صاحبه ومنفرداً كما ذكرنا في الحرث (فصل) ويجوز استئجار غنم لتدوس له طينا أو زرعا ولأصحاب الشافعي فيه وجه أنه لا يجوز لأنها منفعة غير مقصودة من هذا الحيوان.
ولنا أنها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها أشبهت سائر المنافع المباحة وكالتي قبلها (فصل) وإن اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له كمن استأجر البقر للركوب أو الحمل أو الإبل

والحمير للحرث جاز لأنها منفعة مقصودة أمكن استيفاؤها من الحيوان لم يرد الشرع بتحريمها فجاز كالتي خلقت له، ولأن مقتضى الملك جواز التصرف بكل ما تصلح له العين المملوكة ويمكن تحصيلها منها ولا يمتنع ذلك إلا بمعارض راجح أو ما ورد بتحريمه نص أو قياس صحيح أو رجحان مضرة على منفعة ولم يوجد شئ منها، كثير من الناس يحملون على البقر ويركبونها وفي بعض البلاد يحرث على الإبل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث إن شاء الله تعالى أنه معظم نفعها ولا يمنع ذلك الانتفاع بها في شئ آخر كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها، واللؤلؤ خلف للحلية ويجوز استعماله في الأدوية وغيرها (فصل) ويجوز استئجار بهيمة لإدارة الرحى ويفتقر لشيئين معرفة الحجر بالمشاهدة أو الصفة لأن عمل البهيمة يختلف فيه بثقله وخفته فيحتاج صاحبها إلى معرفته (الثاني) تقدير العمل بالزمان كيوم أو يومين أو بالطعام فيقول قفيزاً أو قفيزين وذكر جنس المطحون إن كان يختلف لأن منه ما يسهل طحنه ومنه ما يشق، وإن اكتراها لإدارة دولاب فلابد من مشاهدته ومشاهدة دلائه لاختلافها وتقدير ذلك بالزمان أو ملء، هذا الحوض، وكذلك إن اكتراها للسقي بالغرب فلابد من معرفته ولأنه يختلف بكبره وصغره، ويقدر بالزمان أو الغروب أو بملء بركة، يجوز تقدير ذلك بسقي أرض لأن ذلك يختلف فقد تكون الأرض شديدة العطش لا يرويها القليل وتكون قريبة العهد بالماء فيرويها

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل