الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 157-196
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والثوري والشافعي في الجديد.
وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: يصح ظهره قبل صلاة الامام لأن الظهر فرض الوقت بدليل سائر الأيام، وإنما الجمعة بدل عنها وقائمة مقامها، وكذلك اذا تعذرت صلى ظهراً، فمن صلى الظهر فقد أتى بالأصل فأجزأه كسائر الايام.
قال أبو حنيفة: ويلزمه السعي إلى الجمعة، فان سعى بطلت ظهره وإن لم يسع أجزأته ولنا أنه صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به فلم يصح كما لو صلى العصر مكان الظهر ولا نزاع أنه مخاطب بالجمعة وقد دل عليه النص والإجماع، ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك السعي إليها ويلزم من ذلك أن لا يخاطب بالسعي بالظهر لأنه لا يخاطب بصلاتين في الوقت، ولأنه يأثم بترك الجمعة وإن صلى الظهر، ولا يأثم بترك الظهر وفعل الجمعة بالإجماع، والواجب ما يأثم بتركه دون ما لم يأثم به، وقولهم أن الظهر فرض الوقت لا يصح لأنها لو كانت الأصل لوجب عليه فعلها وأثم

بتركها ولم يجزئه صلاة الجمعة مكانها لأن البدل انما يصار اليه عند تعذر المبدل بدليل سائر الإبدال ولأن الظهر لو صحت لم تبطل بالسعي إلى غيرها كسائر الصلوات الصحيحة ولأن الصلاة اذا فرغ منها لم تبطل بمبطلاتها فكيف تبطل بما ليس من مبطلاتها ولا ورد به الشرع.
وأما اذا فاتته الجمعة فانه يصير إلى الظهر لتعذر قضاء الجمعة لكونها لا تصح إلا بشروطها، ولا يوجد ذلك في قضائها فتعين المصير إلى الظهر عند عدمها وهذا حال البدل (فصل) فإن صلى الظهر ثم شك هل صلى قبل صلاة الامام أو بعدها لزمته الاعادة لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته ولأنه صلاها مع الشك في شرطها فلم تصح كما لو صلاها مع الشك في طهارتها، وإن صلاها مع صلاة الامام لم تصح لأنه صلاها قبل فراغ الامام أشبه ما لو صلاها قبله في وقت لا يعلم أنه لا يدركها

(فصل) فإن اتفق أهل بلد أو قرية ممن تجب عليهم الجمعة على تركها وصلوا ظهراً لم تصح صلاتهم لما ذكرنا، فاذا خرج وقت الجمعة لزمه إعادة الظهر لتعذر فعل الجمعة بعد الوقت (فصل) فأما من لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والمريض وسائر المعذورين فله أن يصلي الظهر قبل صلاة الامام في قول عامة أهل العلم.
وقال أبو بكر عبد العزيز: لا تصح صلاته قبل الامام لأنه لا يتيقن بقاء العذر فلم تصح صلاته كغير المعذور ولنا أنه لم يخاطب بالجمعة فصحت منه الظهر كالبعيد من موضع الجمعة، وقوله لا يتيقن بقاء العذر، قلنا أما المرأة فيتيقن بقاء عذرها، وأما غيرها فالظاهر بقاء عذره والأصل استمراره فأشبه المتيمم إذا صلى في أول الوقت، والمريض اذا صلى جالساً إذا ثبت هذا فانه اذا سعى الى الجمعة بعد أن صلاها لم تبطل ظهره وكانت الجمعة نفلاً في حقه وسواء زال عذره أو لم يزل.
وقال أبو حنيفة: يبطل ظهره بالسعي إليها كالتي قبلها

ولنا ما روى أبو العالية قال: سألت عبد الله بن الصامت فقلت نصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيؤخرون الصلاة فقال: سألت أبا ذر عن ذلك فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة " وفي لفظ " فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة " ولأنها صلاة صحيحة أسقطت فرضه وأبرأت ذمته أشبه ما لو صلى الظهر منفرداً، ثم سعى الى الجماعة والأفضل لهم أن لا يصلوا حتى يصلي الامام لأن فيه خروجاً من الخلاف ولأن غير المرأة يحتمل زوال أعذارهم فيدركون الجمعة (فصل) ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها أن يصلي الظهر في جماعة إذا أمن أن ينسب الى مخالفة الامام والرغبة عن الصلاة معه أو أن يرى الاعادة اذا صلى معه فعل ذلك ابن مسعود وأبو ذر والحسن بن عبيد الله وأياس بن معاوية وهو قول الأعمش والشافعي وأسحق وكره

الحسن وأبو قلابة ومالك وأبو حنيفة لأن زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل من معذورين فلم ينقل أنهم صلوا جماعة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة فصلى بعلقمة والأسود احتج به أحمد وفعله من ذكرنا من قبل ومطرف وابراهيم.
قال أبو عبد الله: ما أعجب الناس ينكرون هذا، فأما زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل إلينا أنه اجتمع جماعة معذورون يحتاجون الى اقامة الجماعة، إذا ثبت هذا فإنه لا يستحب اعادتها جماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في مسجد تكره إعادة الجماعة فيه ولا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة لأنه يفضي إلى أن ينسب الى الرغبة عن الجمعة، وأنه لا يرى الصلاة خلف الامام أو يرى الاعادة معه وفيه إفتيات على الامام وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به، وإنما يصليها في منزلة أو في موضع لا يحصل هذه المفسدة بالصلاة فيه

  • (مسألة) * (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال) وبه قال الشافعي واسحق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة يجوز.
    وسئل الأوزاعي عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته فقال ليمض في سفره ولأن عمر رضي الله عنه قال: الجمعة لا تحبس عن سفر ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من سافر من دار إقامة الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره ولا يعان على حاجته " روه الدارقطني في الأفراد ولأن الجمعة قد وجبت عليه فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كما لو تركها لتجارة وما روي عن عمر فقد روي عن ابنه وعائشة ما يدل على كراهية السفر يوم الجمعة فتعارض قوله ويمكن حمله على السفر قبل الوقت

* (مسألة) * (ويجوز قبله وعنه لا يجوز، وعنه يجوز للجهاد خاصة السفر بعد الزوال فيجوز للجهاد خاصة

وكذلك ذكره القاضي لما روى ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فقدم أصحابه وقال: لعلي أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال " ما منعك أن تغدوا مع أصحابك " فقال: أردت

أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم " رواه الإمام أحمد وفيه رواية ثانية أن ذلك لا يجوز لما ذكرنا من حديث ابن عمر وفيه رواية ثالثة أنه يجوز مطلقاً اختاره شيخنا لحديث عمر وكما لو سافر من الليل، فأما ان خاف المسافر فوات رفقته جاز له ترك الجمعة لأنه من الاعذار المسقطة للجمعة والجماعة، وسواء كان في بلده وأراد انشاء السفر أو في غيره (فصل) ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط أحدها الوقت وأول وقتها أول وقت صلاة العيد.
وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة، وفي بعض النسخ في الخامسة، والصحيح في السادسة وآخره آخر وقت صلاة الظهر لا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده إجماعاً، ولا خلاف فيما علمنا أن آخر وقتها آخر وقت صلاة

الظهر.
فأما أوله فقد ذكرنا قول الخرقي أنه لا يجوز قبل الساعة السادسة أو الخامسة على ما نقل عنه وقال القاضي وأصحابه أوله أول وقت صلاة العيد، ورواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال نذهب الى أنها كصلاة العيد.
قال مجاهد ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وقال عطاء كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والأضحى والفطر لما روي أن ابن مسعود قال ما كان عيد إلا في أول النهار، وروي عنه وعن معاوية أنهما صليا الجمعة ضحى وقالا إنما عجلنا خشية الحر عليكم.
وعن ابن مسعود قال لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الجمعة في ظل الخيم رواه ابن البحتري في أماليه بإسناده، والدليل على أنها عيد قول النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمع العيد والجمعة " قد اجتمع

لكم في يومكم هذا عيدان " وقال أكثر أهل العلم وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها لقول سلمة بن الاكوع كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ متفق عليه.
قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه البخاري ولأنهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحدا كالمقصورة والتامة ولأن آخر وقتها واحد فكان أوله واحداً كصلاة الحضر والسفر ولنا على جوازها في السادسة السنة والإجماع، أما السنة فما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يعني الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس أخرجه مسلم.
وعن سهل بن سعد قال ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، قال ابن قتيبة لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال.
وعن سلمة قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فئ، رواه أبو داود: وأما الاجماع فروى

الإمام أحمد عن وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن عبد الله بن سيدان قال شهدت الخطبة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته الى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان فكانت صلاته وخطبته الى أن أقول زال النهار فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره.
وروي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال وأحاديثهم تدل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه وأنه الأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال فلا تعارض بينهما.
قال شيخنا وأما فعلها في أول النهار فالصحيح أنه لا يجوز لما ذكره أكثر العلماء ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه أنهم صلوها في أول النهار ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر وإنما جاز تقديمها

عليه بما ذكرنا من الدليل وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها ولأنها لو صليت في وقت الضحى لفاتت أكثر المصلين إذا ثبت ذلك، فالأولى فعلها بعد الزوال لأن فيه خروجاً من الخلاف ولأنه الوقت الذي كان يفعلها فيه رسول الله صلى الله عليه في أكثر أوقاته.
وتعجيلها في أول وقتها في الشتاء والصيف لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعجلها لما روينا من الأخبار، ولأن الناس يجتمعون اليها في أول وقتها ويبكرون أليها قبل وقتها فلو أبرد لشق على الحاضرين، وإنما جعل الابراد بالظهر في شدة الحر دفعاً للمشقة والمشقة في الابراد بها في الجمعة أكثر

* (مسألة) * (فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً لفوات الشرط لا نعلم في ذلك خلافاً) *

(مسألة) * (وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها على وجهين)

متى خرج وقت الجمعة قبل تمامها فإن كان بعد أن صلوا ركعة أتموها جمعة وهذا اختيار شيخنا وظاهر قول الخرقي، وقال القاضي متى أحرموا بها في الوقت قبل خروجه أتموها جمعة ونحوه، قال أبو الخطاب لأنه أحرم بها في وقتها ما لو أتمها فيه.
والمنصوص عن أحمد أنه إن دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامة سلم وأجزأته وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة متى خرج الوقت قبل الفراغ منها بطلت ولا ينى عليها ظهراً لأنهما صلاتان مختلفتان فلا تنبني إحداهما على الأخرى كالظهر والعصر.
والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كمذهب صاحبيه لأن السلام عنده ليس بواجب في الصلاة، وقال الشافعي لا يتمها جمعة ويبني عليها ظهراً لأنهما صلاتا وقت فجاز بناء إحداهما على الأخرى كصلاة السفر والحضر، واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في جميعها كالطهارة ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولأنه أدرك ركعة من

الجمعة فكان مدركاً لها كالمسبوق ولأن الوقت شرط يختص الجمعة فاكتفي به في ركعة كالجماعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة * (فصل) * فإن دخل وقت العصر قبل ركعة لم تحصل لهم جمعة لأن قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " يدل بمفهومه على أنه إذا أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركاً ويلزمه الظهر، وهل يبني أو يستأنف، فعلى قياس قول الخرقي تفسد صلاته ويستأنفها ظهراً كمذهب أبي حنيفة، وعلى قياس قول أبي إسحق بن شاقلا يتمها ظهراً لقول الشافعي وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله التلبس بها على قياس قول الخرقي لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه، فان شك هل أدرك من الوقت ما يدركها أو لا صحت لأن الأصل بقاء الوقت وصحتها

* (مسألة) * (الثاني أن تكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها فلا تجوز اقامتها في غير ذلك)

الاستيطان شرط لصحة الجمعة في قول أكثر أهل العلم وهو الاقامة في قرية مبنية بما جرت به العادة بالبناء به من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر أو نحوه فلا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء لأن ذلك هو الاستيطان غالباً.
فأما أهل الخيام والحركات وبيوت الشعر فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم لأن ذلك لا ينصب للإستيطان غالباً، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلا يقيموا جمعة ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعي اليها كاهل القرية الصغيرة الى جانب المصر ذكره القاضي، فان كان أهل القرية يظعنون عنها في بعض السنة لم تجب

عليهم الجمعة، فان خرجت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها فحكمها باق في اقامة الجمعة بها، وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان، ومتى كانت القرية لا يجب على أهلها بأنفسهم وكانوا بحيث يسمعون النداء من المصر أو من قرية تقام فيها الجمعة لزمهم السعي اليها لعموم الآية، وكذلك إن كان بناؤها متفرقاً تفرقاً لم تجر العادة به

  • (مسألة) * (ويجوز إقامتها في الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد) وفيما قارب البنيان من الصحراء تجوز إقامة الجمعة المتفرقة البنيان اذا كان تفرقاً جرت العادة به في القرية الواحدة، فان كانت متفرقة في قرية تفرقاً لم تجر به العادة لم تجب عليهم الجمعة إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون فتجب بهم الجمعة ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض.
    وحكي عن الشافعي اشتراطه ولنا أن القرية المتقاربة البنيان قرية مبنية بما جرت به عادة القرى أشبهت المتصلة
  • (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة البنيان بل يجوز اقامتها فيما قاربه من الصحراء وبهذا قال الإمام أبو حنيفة، وقال الإمام الشافعي لا يجوز لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه أشبه البعيد ولنا ما روى كعب بن مالك أنه قال أسعد بن ذرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات رواه أبو داود.
    وقال ابن جريج قلت لعطاء يعني أكان

بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم.
والبقيع بطن من الأرض يستنقع فيه المأمدة، فاذا نضب الماء نبت الكلأ.
قال الخطابي حرة بني بياضة قرية على ميل من المدينة ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع ولأن الاصل إشتراط ذلك ولا نص في اشتراطه ولا معنى نص * (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة المصر.
روي نحو ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والليث ومكحول وعكرمة والشافعي، وروي عن علي رضي الله عنه أنه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الحسن وابن سيرين وابراهيم وأبو حنيفة.
ولنا ما ذكرنا من حديث أسعد بن ذرارة رواه البخاري بإسناده عن ابن عباس أن أول جمعة بعد جمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجوارنا من البحرين من قرى عبد القيس، وروى ابو هريرة أنه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين وكان عاملاً عليها، فكتب اليه عمر جمعوا حيث كنتم رواه الأثرم

قال الامام أحمد رحمه الله تعالى اسناده جيد فأما خبرهم فلم يصح، قال الامام أحمد ليس هذا بحديث إنما هو عن علي وقد خالفه عمر * (فصل) * وإذا كان أهل المصر دون الاربعين فجاءهم أهل قرية فأقاموا الجمعة في المصر لم تصح لأن أهل القرية غير مستوطنين في المصر وأهل المصر لا تنعقد بهم الجمعة لقلتهم، وإن كان أهل القرية ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم لزم أهل المصر السعي إليهم إذا كان بينهما أقل من فرسخ فلزمهم السعي إليها كما يلزم أهل القرية السعي الى المصر اذا أقيمت به وكان أهل القرية دون الأربعين وإن كان في كل واحد دون الاربعين لم تجز إقامة الجمعة في واحد منهما * (مسألة) * الثالث (حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب وعنه تنعقد بثلاثة) حضور أربعين شرط لوجوب الجمعة وصحتها في ظاهر المذهب، روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وعبيد الله بن عبد الله وهو قول مالك والشافعي، وروي عن الإمام أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو بكر النجاد عن عبد الملك الرقاشي ثنا رجا بن سلمة ثنا عباد بن عباد المهبي عن جعفر ابن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تجب الجمعة على خمسين رجلاً ولا تجب على من دون ذلك " وبإسناده عن الزهري عن أبي سلمة قال قلت لأبي هريرة على كم

تجب الجمعة من رجل؟ قال لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين جمع بهم رسول الله صلى الله عليه، وعنه رواية ثالثة أنها تنعقد بثلاثة وهو قول الأوزاعي لأن اسم الجمع يتناوله فانعقدت به الجمعة كالاربعين ولأن الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) بصيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة.
وحكى أبو الحرث عن الإمام أحمد إذا كانوا ثلاثة من أهل القرى جمعوا فيحتمل أن يختص ذلك أهل القرى لقلتهم، وقال أبو حنيفة تنعقد بأربعة لأنه عدد زيد على أقل الجمع المطلق أشبه الأربعين وقال ربيعة تنعقد باثني عشر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير بالمدينة فأمره أن يصلي عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما، فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثني عشر رجلا، وعن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة فخرج الناس إليها فلم يبق إلا اثني عشر رجلاً أنا فيهم فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) الآية.
رواه مسلم، وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة ولنا حديث كعب الذي رويناه وفي الحديث قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون.
رواه الدارقطني، وقول الصحابي مضت السنة تنصرف الى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فأما حديث مصعب بن عمير أنهم كانوا اثنا عشر فلا يصح فإن حديث كعب أصح منه، رواه أصحاب السنن والخبر الآخر يحتمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل أنهم عادوا قبل طول الفصل.
وأما الثلاثة والأربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه لأن التقدير بابه التوقيف ولا معنى لاشتراط كونه جمعاً ولا للزيادة على الجمع إذ لا نص فيه ولا معنى نص، ولو كان الجمع كافيا لاكتفى باثنين لأن الجماعة تنعقد بهما.

  • (مسألة) * (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً ويحتمل أنهم إن نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهراً) المشهور في المذهب أنه يشترط كمال العدد في جميع الصلاة وقال أبو بكر: لا أعلم خلافاً عن الإمام أحمد إن لم يتم العدد في الصلاة والخطبة أنهم يعيدون الصلاة وهذا أحد قولي الامام الشافعي لأنه شرط للصلاة فاعتبر في جميعها كالطهارة ويحتمل أنهم إن نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وهذا قياس قول الخرقي، وبه قال الامام مالك وقال المزني: هو أشبه عندي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى " ولأنهم أدركوا ركعة فصحت لهم الجمعة كالمسبوق بركعة وهذا اختيار شيخنا.
    وقال أبو حنيفة: ان نقصوا بعدما صلوا ركعة بسجدة واحدة أتموها جمعة لأنهم أدركوا معظم الركعة فأشبه ما لو أدركوها بسجدتيها.
    وقال إسحاق: أن بقي معه اثنا عشر أتمها جمعة لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انفضوا عنه فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فأتمها جمعة.
    وقال الإمام الشافعي في أحد أقواله: ان بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو قول الثوري لأنه أقل الجمع وحكى عنه أبو ثور إن بقي معه واحد أتمها جمعة لأن الاثنين جماعة ولنا أنهم لم يدركوا ركعة كاملة بشروط الجمعة فأشبه ما لو نقص الجمع قبل ركوع الاولى.
    وقولهم أدرك معظم الركعة يبطل بمن لم يفته من الركعة الاولى إلا السجدتان فإنه قد أدرك معظمها وقول الامام الشافعي: بقي معه من تنعقد به الجماعة لا يصح لأن هذا لا يكتفي في الابتدا فلا يكتفي في الدوام إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يتمها جمعة فقياس قول الخرقي أنها تبطل ويستأنفها ظهراً إلا أن يمكنهم فعل الجمعة مرة أخرى فيعيدونها وحكاه أبو بكر عن الامام أحمد، وقياس قول ابي إسحاق بن شاقلا أنهم يتمونها ظهراً وهذا قول القاضي وقال: قد نص الامام أحمد في الذي زحم عن أفعال الجمعة حتى سلم الامام يتمها ظهراً ووجه القولين قد تقدم

* (مسألة) * (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة)

وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والاسود والزهري ومالك، والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء وطاوس ومجاهد من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً لأن الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها ولنا ما روى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدرك من

الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " رواه الأثرم ورواه ابن ماجة " فليصل إليها أخرى " وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " متفق عليه، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم * (مسألة) * (ومن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي.
وقال أبو اسحق بن شاقلا: ينوي جمعة ويتمها ظهراً) أما من أدرك أقل من ركعة فلا يكون مدركاً للجمعة ويصلي الظهر أربعاً وهذا قول جميع من ذكرنا في المسألة المتقدمة إلا أن الامام أبا حنيفة فإنه قال: يكون مدركاً للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الإمام وهو قول الحكم وحماد لأن من لزمه أن يبني على صلاة الامام بادراك ركعة لزمه بادراك أقل منها كالمسافر يدرك المقيم ولأنه أدرك جزأ من الصلاة فكان مدركاً لها كالظهر ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ركعة لم يدركها، ولأنه قول من سمينا من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعاً، وقد روى بشر بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " ومن أدرك دونها صلى أربعاً ومن لم يدرك ركعة فلا تصح له جمعة كالامام اذا نقصوا قبل السجود وأما المسافر فادراكه ادراك الزام، وهذا ادراكه ادراك اسقاط للعدد فافترقا وكذلك يتم المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر، وأما الظهر فليس من شرطها الجماعة بخلاف مسئلتنا (فصل) وكل من أدرك مع الامام ما لا يتم له به جمعة، فانه في قول الخرقي ينوي ظهراً، فان نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه وكلام أحمد في رواية صالح وابن منصور يحتمل هذا القول فيمن أحرم ثم زحم عن الركوع والسجود حتى سلم إمامه، قال يستقبل ظهراً أربعاً وذلك لأن الظهر لا يتأدى بنية الجمعة ابتداء فكذلك استدامته كالظهر مع العصر.
وقال أبو إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف نية إمامه ثم يبني عليها ظهراً وهذا ظاهر قول قتادة وأيوب ويونس والشافعي لأنه لا يجوز أن يأتم بمن يصلي جمعة فجاز أن يبني صلاته على نيتها كصلاة المقيم مع المسافر، وكما ينوي أنه مأموم ويتم صلاته بعد مفارقة إمامه منفرداً ولأنه يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها فكذلك في انتهائها (فصل) إذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه لأنها في حقه ظهر فلا تجوز قبل الزوال كغير يوم الجمعة فإن دخل معه كانت نفلاً في حقه ولم

تجزه عن الظهر، ولو أدرك معه ركعة ثم زحم عن سجودها وقلنا تصير ظهراً، فانها تنقلب نفلاً لئلا تكون ظهراً قبل وقتها (فصل) ومن أحرم مع الامام ثم زحم عن السجود سجد على ظهر إنسان ورجله اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن أحرم مع الامام ثم زحم فلم يقدر على الركوع حتى سلم الامام فروي أنه يكون مدركاً للجمعة اختارها الخلال وهو قول الحسن وأصحاب الرأي لأنه أحرم بالصلاة مع إمامه في أولها فأشبه ما لو ركع وسجد معه ونقل عنه أنه يستقبل الصلاة أربعاً اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وهو قول الشافعي وابن المنذر لأنه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركاً للجمعة كالمسبوق وهذا ظاهر كلام الخرقي، وجملة ذلك أن من زحم عن السجود في الجمعة سجد على ظهر إنسان أو رجله إذا أمكنه ذلك وأجزأه.
قال أحمد في رواية أحمد بن هشام: يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكن الجبهة والأنف في العيدين والجمعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر.
وقال عطاء والزهري ومالك: لا يفعل، فان فعل، فقال مالك: تبطل الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومكن جبهتك الأرض " ولنا ما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه.
رواه سعيد في سننه، وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة والخبر لم يتناول العاجز لأن الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)

* (مسألة) * (فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الامام فيها وتصير أولاه ويتمها جمع ة) وجملة ذلك أن من زحم في إحدى الركعتين فأما أن يزحم في الأولى أو الثانية، فان كان في الاولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك في صلاة الخوف بعسفان للعذر والعذر موجود، فاذا قضى ما عليه وأدرك إمامه قبل رفع رأسه من الركوع اتبعه وصحت له الركعة، وهكذا لو تعذر عليه السجود مع إمامه لمرض أو نوم أو نسيان لأن ذلك عذر أشبه المزحوم، فإن خاف أنه ان تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك.

وقال أبو حنيفة يشتغل بالسجود لأنه قد ركع مع الامام فيجب عليه السجود بعده كما لو زال الزحام والامام قائم وللشافعي كالمذهبين

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا " فإن قيل فقد قال " فإذا سجد فاسجدوا " قلنا قد سقط الأمر بالمتابعة في السجود عن هذا للعذر وبقي الأمر بالمتابعة في الركوع لإمكانه ولأنه خائف فوات الركوع فلزمته متابعة امامه كالمسبوق، أما إذا كان الامام قائماً فليس هذا اختلافاً كثيراً إذا ثبت أنه يتابع الإمام في الركوع، فان أدركه راكعاً صحت له الثانية وتصير الثانية اولاه وتبطل الاولى في قياس المذهب لكونه ترك منها ركناً وشرع في الثانية فبطلت الأولى على ما ذكرنا في سجود السهو ويتمها جمعة لأنه أدرك منها ركعة مع الإمام فإن لم يقم ولكن يسجد السجدتين من غير قيام تمت ركعته، وإن فاته الركوع وسجد معه فان سجد السجدتين معه فقال القاضي يتم بها الركعة الاولى وهذا مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى.
وقال أبو الخطاب إذا سجد معتقداً جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وإمامه قائم، ثم إن أدرك الإمام في ركوع الثانية صحت له الركعتان وإن أدركه بعد رفع رأسه من ركوعها فينبغي أن يركع ويتبعه لأن هذا سبق يسير ويحتمل أن تفوته الثانية بفوات الركوع كالمسبوق

* (مسألة) * (فإن لم يتابع الامام عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلام الامام وصحت جمعته وعنه يتمها ظهراً)

وجملته أن من زحم عن السجود في الركعة الأولى وخاف فوات الركعة الثانية مع الامام أن اشتغل بالسجود لزمه متابعته في ركوع الثانية لما ذكرنا، فإن ترك متابعة إمامه عالماً بتحريم ذلك بطلت صلاته لأنه ترك الواجب فيها عمداً وفعل ما لا يجوز فعله، وإن اعتقد جواز ذلك فسجد لم يعتد بسجوده لأنه سجد في موضع الركوع جهلاً أشبه الساهي.
وقال أبو الخطاب يعتد له به فإن أدرك الإمام في التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق ويسجد للسهو.
قال شيخنا ولا وجه للسجود هنا لأن الامام ليس عليه سجود سهو، وإن زحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود فالحكم فيه كالحكم في ازدحام عن السجود * (فصل) * فأما إن زحم عن السجود في الثانية فزال الزحام قبل سلام الامام سجد وتبعه وصحت له الركعة، وإن لم يزل حتى سلم فإن كان أدرك الركعة الأولى فقد أدرك الجمعة ويسجد للثانية بعد سلام الامام ويتشهد ويسلم فقد تمت جمعته، وإن لم يكن أدرك الاولى فانه يسجد بعد سلام إمامه وتصح له ركعة وهل يكون مدركاً للجمعة بذلك على روايتين * (فصل) * واذا أدرك مع الامام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا سجدة واحدة وشك في ذلك فإن لم يكن شرع في قراءة الثانية رجع فسجد للأولى فأتمها وقضى

الثانية وأتم الجمعة نص عليه الامام أحمد في رواية الأثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الأولى وصارت الثانية أولاه ويتمها جمعة على ما نقله الأثرم.
وقياس الرواية الأخرى في المزحوم أنه يتمها ها هنا ظهراً لأنه لم يدرك ركعة كاملة، ولو قضى الركعة الثانية ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها فالحكم واحد ويجعلها من الاولى ويأتي بركعة مكانها وفي كونه مدركاً للجمعة وجهان: فأما إن شك في ادراك الركوع مع الامام مثل أن كبر والامام راكع فرفع إمامه رأسه فشك هل أدرك المجزئ من الركوع مع الإمام أو لا لم يعتد بتلك الركعة ويصلي ظهراً قولا واحدا لأن الأصل أنه ما أتى بها معه وفي كل موضع لا يكون مدركاً للجمعة فعلى قول الخرقي ينوي ظهراً، فان نوى جمعة لزمه استئناف الظهر، ويحتمله كلام الامام أحمد في رواية صالح وابن منصور وعلى قول إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف إمامه ويتمها ظهراً وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * ولو صلى مع الإمام ركعة ثم زحم في الثانية فأخرج من الصف فصار فذاً فنوى الانفراد عن الامام قياس المذهب أنه يتمها جمعة لأنه أدرك منها ركعة مع الامام أشبه ما لو أدرك الثانية، وإن لم ينو الانفراد وأتمها مع الإمام ففيه روايتان: إحداهما لا يصح لأنه قد فذ في ركعة كاملة أشبه ما لو فعل ذلك عمداً، والثانية يصح لأنه قد يعفى في البناء عن تكميل الشروط كما لو خرج الوقت وقد صلوا ركعة وكالمسبوق * (مسألة) * الرابع (أن يتقدمها خطبتان من شرط صحتهما حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وقراءة أية والوصية بتقوى الله تعالى) وحضور العدد المشترط للخطبة، وبه قال عطاء والنخعي وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن تجزيهم الجمعة من غير خطبة لأنها صلاة عيد فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى ولنا قول الله سبحانه وتعالى (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) والذكر هو الخطبة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الخطبة وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وعن عمر رضي الله عنه أنه قصر في الصلاة لأجل الخطبة، وعن عائشة رضي الله عنها نحو هذا * (فصل) * ويشترط لها خطبتان وهذا مذهب الامام الشافعي.
وقال مالك والاوزاعي وإسحق وابن المنذر وأصحاب الرأي تجزيه خطبة واحدة، وعن الإمام أحمد ما يدل عليه فإنه قال لا تكون الخطبة الا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة ووجه الأول ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس متفق عليه وقد قال " صلوا كما

رأيتموني أصلي " ولأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكل خطبة مكان ركعة، فالاخلال بإحداهما اخلال باحدى الركعتين * (فصل) * ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر " وقال جابر رضي الله عنه كان رسول الله عليه وسلم يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول " من بهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له " وإذا وجب ذكر الله وجب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كالأذان ولأنه قد روي في تفسير قوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قال لا أنكر إلا ذكرت معي، ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك في خطبته * (فصل) * والقراءة في كل واحدة من الخطبتين شرط وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكانت القراءة فيهما شرطاً كالركعتين، ولأن ما وجب في إحداهما وجب في الأخرى كسائر الفروض، ويحتمل أن يشترط القراءة في إحداهما لما روى الشعبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس وقال " السلام عليكم " ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الأثرم.
والظاهر أنه إنما قرأ في الخطبة الأولى * (فصل) * وتجب الموعظة لأنها المقصودة من الخطبة فلم يجز الإخلال بها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وفي حديث جابر بن سمرة أنه كان يذكر الناس وتجب في الخطبتين جميعاً لأن ما وجب في إحداهما وجب في الأخرى كسائر الشروط وهذا قول القاضي.
وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة إنما تكون في الخطبة الثانية لما ذكرنا من حديث الشعبي، وقال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة أجزأ لأن الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) فأجزأ ما يقع عليه الذكر، ولأن اسم الخطبة يقع على دون ما ذكرتم بدليل أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال علمني عملا أدخل به الجنة؟ فقال " أقصرت من الخطبة لقد أعرضت في المسألة " وعن مالك كالمذهبين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الذكر بفعله.
قال جابر بن سمرة كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً وخطبته قصداً يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس رواه أبو داود والترمذي وقد ذكرنا حديث جابر بن سمرة.
وأما التسبيح فلا يسمى خطبة، والمراد بالذكر الخطبة، وما

روره مجاز فان السؤال لا يسمى خطبة بدليل أنه لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقاً * (فصل) * ولا يكفي في القراءة أقل من آية هكذا ذكره الأصحاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أقل من ذلك ولأن الحكم لا يتعين بدونها بدليل منع الجنب من قراءتها.
فظاهر كلام أحمد أنه لا يشترط ذلك فإنه قال في القراءة في الخطبة ليس فيه شئ موقت ما شاء قرأ وهذا ظاهر كلام الخرقي.
قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود وما عداهما ليس على اشتراطه دليل لأنه لا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق لأنه روي أنه كان يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات بالاتفاق، لكن يستحب ذلك لما ذكرنا من حديث الشعبي.
وقالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب بها كل جمعة رواه مسلم * (فصل) * ويشترط للخطبة حضور العدد المشترط في القدر الواجب من الخطبتين، وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يشترط له العدد كالأذان ولنا أنه ذكر من شرائط الجمعة فكان من شرطه العدد وكتكبيرة الاحرام، وتفارق الأذان فانه ليس بشرط وإنما مقصوده الاعلام والاعلا للغائبين والخطبة مقصودها الموعظة فهي للحاضرين.
فعلى هذا إن انفضوا في أثناء الخطبة ثم عادوا فحضروا القدر الواجب أجزأهم وإلا لم يجزهم إلا أن يحضرووا القدر الواجب ثم ينفضوا ويعودوا قبل شروعه في الصلاة من غير طول الفصل فإن طال الفصل لزمه اعادة الخطبة إن كان الوقت متسعاً، وان ضاق الوقت صلوا ظهراً، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة * (فصل) * ويشترط لها الوقت فلو خطب قبل الوقت لم تصح خطبته قياساً على الصلاة.
ويشترط لها الموالاة فان فرق بين الخطبتين أو بين آخر الخطبة الواحدة بكلام طويل أو سكوت طويل مما يقطع الموالاة استأنفها، وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة أيضاً فإن فرق بينهما تفريقاً كثيراً بطلت ولا تبطل باليسير لأن الخطبتين مع الصلاة كالمجموعتين، ويحتمل أن الموالاة لا تشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط الموالاة بينهما كالآذان والاقامة، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف وإن احتاج الى الطهارة تطهر ويبني على خطبته، وكذلك تعتبر سائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين * (مسألة) * (وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة على روايتين)

اختلفت الرواية في اشتراط الطهارة للخطبة وللشافعي قولان كالروايتين، وقد قال أحمد فيمن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم تجزيه.
قال شيخنا والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة الكبرى لكون قراءة آية شرطاً للخطبة، ولا يجوز ذلك للجنب.
فأما الطهارة الصغرى فالصحيح أنها لا تشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تكن الطهارة فيه شرط كالأذان ولأنه لو اشترطت لهما الطهارة لاشترط الاستقبال كالصلاة، وعنه أنها تشترط لهما كتكبيرة الاحرام ولكن يستحب أن يكون متطهراً من الحدث والنجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة فيدل على أنه كان متطهراً والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة * (فصل) * ويشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة في إحدى الروايتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين لكن يجوز الاستخلاف للعذر ففي الخطبة والصلاة أولى، وعنه يجوز الاستخلاف لغير عذر فإنه قال في الامام يخطب يوم الجمعة ويصلي الأمير بالناس، لا بأس إذا حضر الامير الخطبة لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبها الصلاتين، وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة فيه روايتان: إحداهما يشترط وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لأنه إمام في الجمعة فاشترط حضور الخطبة كما لو لم يستخلف والثانية لا يشترط وهو قول الأوزاعي والشافعي لأنه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة.
وقد روى الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يجوز الاستخلاف مع العذر أيضاً فإنه قال في الامام إذا أحدث بعدما خطب يقدم رجلاً يصلي بهم لم يصل إلا أربعاً إلا أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم ركعتين، وذلك لأن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه والمذهب الاول وهل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان يخطب كل واحد خطبة.
فيه احتمالان إحداهما يجوز كالأذان والاقامة، والثاني لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم

* (مسألة) * (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس على منبر)

قال سهل بن سعد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس.
متفق عليه، ولأنه أبلغ في الاعلام وليس ذلك واجباً، فلو خطب على الأرض أو ربوة أو راحلة أو غير ذلك جاز، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم على الأرض قبل أن يصنع له المنبر ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صنع

* (مسألة) * (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم)

ويستحب للامام إذا خرج أن يسلم على الناس، ثم اذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلم عليهم يروي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن السلام عقيب الاستقبال لأنه سلم حال خروجه ولنا ما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم.
رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر جالساً، فإذا صعد المنبر سلم عليهم.
رواه أبو بكر باسناده، ومتى سلم رد عليه الناس لأن رد السلام آكد من ابتدائه

* (مسألة) * (ثم يجلس إلى فراغ الاذان ويجلس بين الخطبتين)

لما روى ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد حتى يفرغ الاذان ثم يقوم فيخطب.
رواه أبو داود، وتكون الجلسة بين الخطبتين خفيفة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم.
وقال الشافعي: واجبة ولنا أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالاولى، وقد سرد الخطبة جماعة منهم المغيرة بن شعبة وأبي بن كعب قاله الإمام أحمد، وروي عن أبي إسحق قال: رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ، فان خطب جالساً لعذر استحب أن يفصل بين الخطبتين بسكتة وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس

* (مسألة) * (ويخطب قائماً)

روي عن الإمام أحمد ما يدل على أن القيام في الخطبة واجب وهو مذهب الامام الشافعي.
فروى الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعداً أو يقعد في إحدى الخطبتين فلم يعجبه وقال.
قال الله تعالى (وتركوك قائماً) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، فقال له الهيثم ابن خارجة كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه إنكار، ووجه ذلك ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبته وهو قائم يفصل بينهما بجلوس.
متفق عليه، وروى جابر ابن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فو الله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، رواه مسلم.
وقال القاضي: تجزئه الخطبة قاعداً وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة لأنه ذكر ليس من

شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان ولأن المقصود يحصل بدونه وهذا اختيار أكثر أصحابنا

* (مسألة) * (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا)

لما روى الحكم بن حزن قال.
وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً على عصا أو قوس فحمد الله واثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات.
رواه أبو داود، فان لم يفعل استحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه

* (مسألة) * (ويقصد تلقاء وجهه)

لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولأن المقصود في التفاته إلى أحد جانبيه الاعراض عن الجانب الآخر، فان خالف فاستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود به كما لو أذن غير مستقبل القبلة.
قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يصح لأنه ترك الجهة المشروعة أشبه ما لو استدبر القبلة في الصلاة، ولأن مقصود الخطبة الموعظة وذلك لا يتم باستدبار الناس (فصل) ويستحب للناس أن يستقبلوا الخطيب اذا خطب.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله يكون الامام عن يميني متباعداً، فإذا أردت أن أنحرف اليه حولت وجهي عن القبلة، فقال نعم تنحرف اليه، وممن كان يستقبل الامام ابن عمر وأنس وهو قول أكثر العلماء منهم مالك والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر: هذا كالاجماع.
وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الامام، وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن اسماعيل اذا خطب فوكل به هشام شرطياً يعطفه اليه، والأول أولى لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم.
رواه ابن ماجه، ولأن ذلك أبلغ في اسماعهم فاستحب كاستقباله إياهم (فصل) ويستحب أن يرفع صوته ليسمع الناس.
قال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول " صبحكم مساكم " ويقول " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم ويستحب ترتيب الخطبة وهو أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ثم يثني على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعظ، فان عكس ذلك صح لحصول المقصود قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يجزئه لأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فلم يصحا منكسين كالأذان والاقامة

ويستحب أن يكون في خطبته مترسلاً مبيناً معرباً لا يعجل فيها ولا يقطعها، وأن يكون متخشعاً متعظاً بما يعظ الناس به لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون

* (مسألة) * (ويستحب تقصير الخطبة)

لما روى عمار قال: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة " رواه مسلم، وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات.
رواه أبو داود

* (مسألة) * ويستحب أن يدعو لنفسه والمسلمين والمسلمات والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن

وقد روى ضبة بن محصن أن أبا موسى كان اذا خطب فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمعر.
وقال القاضي لا يستحب ذلك لأن عطاء قال: هو محدث وفعل الصحابة أولى من قول عطاء لأن سلطان المسلمين اذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه * (فصل) * وسئل الإمام أحمد رحمه الله عمن قرأ سورة الحج على المنبر أيجزيه؟ قال لا لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم.
فقال لا تكون الخطبة الا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة، ولأن هذا لا يسمى خطبة ولا يجمع الشروط، فان قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صح لاجتماع الشروط * (فصل) * وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فان شاء نزل فسجد وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه وان ترك السجود فلا حرج فعله عمر وترك، بهذا قال الامام الشافعي ونزل عثمان وأبو موسى وعمار والنعمان وعقبة بن عامر وبه قال أصحاب الرأي، وقال الامام مالك لا ينزل لأنه تطوع بصلاة فلم يشتغل به في أثناء الخطبة كصلاة ركعتين ولنا فعل عمر وفعل من سمينا من الصحابة رضي الله عنهم ولانه؟؟؟ وجد سببها في أثناء الخطبة لا يطول الفعل بها فاستحب فعلها كحمد الله اذا عطس، ولا يجب ذلك لما قدمنا من أن سجود التلاوة غير واجب ويفارق صلاة ركعتين لأن سببها لم يوخد في الخطبة ويطول بها الفصل * (فصل) * ويستحب الأذان إذا صعد الإمام على المنبر بغير خلاف لأنه قد كان يؤذن للنبي

صلى الله عليه وسلم.
قال السائب بن يزيد كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء رواه البخاري، فهذا النداء الأوسط هو الذي يتعلق به وجوب السعي وتحريم البيع لقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وهذا النداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزول الآية فتعلقت الاحكام به، والنداء الاول مستحب في أول الوقت، سنة عثمان رضي الله عنه وعملت به الأمة بعده وهو للإعلام بالوقت، والثاني للاعلام بالخطبة، والثالث للاعلام بقيام الصلاة.
وذكر ابن عقيل أن الآذان الذي يوجب السعي ويحرم البيع هو الآذان الاول على المنارة والصحيح الأول * (فصل) * فأما من يكون منزله بعيداً لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء فعليه السعي في الوقت الذي يكون مدركاً للجمعة لكونه من ضرورة ادراكها وما لا يتم الواجب إلا به واجب كاستسقاء الماء من البئر للوضوء إذا احتاج إليه

* (مسألة) * (ولا يشترط إذن الإمام وعنه يشترط)

الصحيح أن اذن الامام الأعظم ليس بشرط في صحة الجمعة وبه قال الامام مالك رحمه الله تعالى والامام الشافعي، والثانية هو شرط روى ذلك عن الحسن والاوزاعي وحبيب بن أبي ثابت والامام أبي حنيفة لأنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر فكان في ذلك إجماعاً ولنا أن علياً رضي الله عنه صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد، وصوب ذلك عثمان رضي الله عنه، فروى حميد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال انه قد نزل بك ما ترى وأنت إمام العامة.
فقال الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فاذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤا فاجتنب اساءتهم أخرجه البخاري والاثرم وهذا لفظه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقعت الفتنة بالشام تسع سنين فكانوا يجمعون ولأنها من فرائض الأعيان فلم يشترط لها اذن الامام، وما ذكروه إجماعاً لا يصح فإن الناس يقيمون الجماعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع لا على تحريم غيره كالحج يتولاه الأئمة وليس شرطاً فيه، فإن قلنا هو شرط فلم يأذن الإمام لم تجز إقامتها وصلوا ظهراً، وإن أذن في إقامتها ثم عادت بطل اذنه، فان صلوا ثم بان أنه مات قبل صلاتهم فهل تجزيهم صلاتهم على روايتين: أصحهما أنها تجزيهم لأن المسلمين في الامصار النائية عن بلد الامام لا يعيدون ما صلوا من الجمعات بعد؟ وته، ولا نعلم احدا أنكر ذلك عليهم فكان أجماعاً، ولأن وجوب الاعادة يشق لعمومه في

أكثر البلدان، وإن تعذر اذن الامام لفتنة فقال القاضي ظاهر كلامه صحتها بغير اذن على كلتا الروايتين.
فعلى هذا إنما يكون الاذن معتبراً عند إمكانه ويسقط بتعذره * (فصل) * قال (وصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة بغير خلاف) . قال إبن المنذر أجمع المسلمون على أن صلاة الجمعة ركعتان، وجاء الحديث عن عمر أنه قال صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه الإمام أحمد وابن ماجة

* (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين)

يستحب أن يقرأ في الجمعة الفاتحة بهاتين السورتين وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور لما روي عن عبد الله بن رافع قال صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الركعة الأخرى إذا جاءك المنافقون.
فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركته فقلت يا أبا هريرة قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الكوفة.
فقال أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة رواه مسلم.
وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال كان يقرأ (هل أتاك حديث الغاشية) أخرجه مسلم.
وإن قرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية فحسن، فان النعمان بن بشير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة (بسبح اسم ربك الأعلى.
وهل أتاك حديث الغاشية) فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين أخرجه مسلم.
وقال مالك أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس سبح اسم ربك الأعلى وحكي عن أبي بكر عبد العزيز أنه يستحب أن يقرأ في الثانية سبح ولعله صار الى ما حكاه مالك أنه أدرك عليه الناس! واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ومهما قرأ به فجائز حسن إلا أن الاقتداء به عليه الصلاة والسلام أحسن، ولأن سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والأمر بها والحث عليها * (فصل) * ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (الم السجدة.
وهل أتى على الإنسان) نص عليه لما روى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة (الم تنزيل وهل أتى على الإنسان حين من الدهر) رواه مسلم.
قال أحمد لا أحب المداومة عليها لئلا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة، ويحتمل أن يستحب لأن لفظ الخبر يدل عليه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً أثبته

* (مسألة) * (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها)

وجملة ذلك أن البلد اذا كان كبيراً يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده على أهله كبغداد ونحوها جازت إقامة الجمعة في أكثر من موضع على قدر ما يحتاجون إليه وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، قال لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين كان مثل بغداد لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد، وروي أيضاً عن أحمد مثل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا الساجد حتى قال ابن عمر لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الامام ولنا أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد.
وقد ثبت أن علياً رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد الى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم.
فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة جمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لأنه المبلغ عن الله تعالى وشارع الأحكام ولما دعت الحاجة الى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعاً وقول ابن عمر معناه أنها لا تترك في المساجد الكبار وتقام في الصغار، وأما اعتبار ذلك باقامة الحدود فلا وجه له، قال أبو داود سمعت أحمد يقول أي حد كان يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم يختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون * (فصل) * فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة، وان حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفاً إلا أن عطاء قيل له إن أهل البصرة يسعهم المسجد الأكبر قال لكل قوم مسجد يجمعون فيه ويجزي ذلك من التجميع في المسجد الأكبر وما عليه الجمهور أولى إذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل

* (مسألة) * (فإن فعلوا فجمعة الامام هي الصحيحة)

متى صلوا جمعتين في بلد لغير حاجة وإحداهما جمعة الامام فهي الصحيحة تقدمت أو تأخرت لأن في الحكم ببطلان جمعة الامام افتئاتاً عليه وتفويتاً له الجمعة ولمن يصلي معه ويفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة، وقيل السابقة هي الصحيحة لأنها لم يتقدمها ما يفسدها ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها والاول أصح، وكذلك إن كانت إحداهما في المسجد الجامع والأخرى في مكان صغير لا يسع المصلين أو لا يمكنهم الصلاة فيه لاختصاص السلطان وجنده به أو غير ذلك أو كانت إحداهما في قصبة والأخرى أقصى المدينة فما وجدت فيه هذه المعاني الصلاة فيه صحيحة دون الأخرى وهذا قول مالك فإنه قال لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة وذلك لأن لهذه المعاني مزية تقتضي التقديم فيقدم بها كجمعة الامام، ويحتمل أن تصح السابقة لأن إذن الامام شرط في إحدى الروايتين فكانت آكد من غيرها

* (مسألة) * (فإن استويا فالثانية باطلة وإن لم يكن لاحداهما مزية على الأخرى لكونهما جميعاً مأذونا فيهما أو غير مأذون)

ولو تساوى المكانان فالسابقة هي الصحيحة لأنها وقعت بشروطها ولم يزاحمها ما يبطلها ولا سبقها ما يغني عنها، والثانية باطلة لكونها واقعة في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة تغني عمن سواها، ويعتبر السبق بالأحرام لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الاحرام بالأخرى للغنى عنها

* (مسألة) * (فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً)

متى وقع الاحرام بهما معاً مع تساويهما فهما باطلتان لأنه لم يمكن صحتهما معاً وليست إحداهما أولى بالفساد من الأخرى كالمتزوج أختين، وإن لم تعلم الاولى منهما أو لم يعلم كيفية وقوعهما بطلت أيضاً لأن إحداهما باطلة ولم يعلم عينها، وليست إحداهما بالابطال أولى من الأخرى فهي كالتي قبلها ثم ننظر فإن علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معاً وجبت إعادة الجمعة إن أمكن ذلك لأنه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة والوقت متسع لإقامتها أشبه ما لو لم يصلوا شيئاً، وان علمنا صحة إحداهما لا بعينها فليس لهم أن يصلوا إلا ظهراً لأن هذا مصر تيقناً سقوط الجمعة فيه بالأولى فلم تجز اقامة الجمعة فيه كما لو علمت، وقال القاضي يحتمل أن لهم إقامة الجمعة لأنا حكمنا بفسادهما معاً فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة، والصحيح الأول لأن الاولى لم تفسد وإنما لم يمكن إثبات حكم الصحة لها بعينها للجهل فيصير هذا كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فإنه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة الى واحد بعينه، ويثبت حكم النكاح في حق المرأة بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجاً آخر، فان جهلنا كيفية وقوعهما فالأولى أن لا يجوز إقامة الجمعة أيضاً لأن وقوعهما معاً بحيث لا تسبق إحداهما الأخرى بعيد جداً وما كان في غاية الندور فحكمه حكم المعدوم، ويحتمل أن لهم إقامتها لأننا لم نتيقن المانع من صحتها والأول أولى

  • (فصل) * فان أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة أن الجمعة قد أقيمت في المصر بطلت الجمعة ولزمهم استئناف الظهر لأننا تبينا أنه أحرم بها في وقت لا يجوز الإحرام بها ولا يصح أشبه ما لو أحرم بها وفي وقت العصر.
    وقال القاضي يستحب أن يستأنف ظهراً وهذا من قوله يدل على أن له إتمامها ظهراً كالمسبوق بأكثر من ركعة وكما لو أحرم بالجمعة فنقص العدد قبل الركعة والفرق ظاهر فان هذا أحرم بها في وقت لا تصح فيه الجمعة ولا يجوز الإحرام بها بخلاف الأصل المقيس عليه * (فصل) * وإذا كانت قرية الى جانب مصر يسمعون النداء منه أو كان مصران متقاربان يسمع كل منهم نداء المصر الآخر لم تبطل جمعة أحدهما بجمعة الآخر، وكذلك القريتان المتقاربتان لأن لكل قوم منهم حكم أنفسهم بدليل أن جمعة أحد القريتين لا يتم عددها بالفريق الآخر ولا تلزمهم الجمعة بكمال العدد بهم وإنما يلزمهم السعي إذا لم يكن لهم جمعة فهم كأهل المحلة القريبة من المصر * (مسألة) * (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد عن الجمعة وصلوا ظهراً جاز إلا للإمام)

وقد قيل في وجوبها على الامام روايتان وممن قال بسقوطها الشعبي والنخعي والاوزاعي وقد قيل إنه مذهب عمر وعثمان وعلي وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وقال أكثر الفقهاء لا تسقط الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد ولنا ما روى أن معاوية سأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال نعم.
قال فكيف صنع؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال " من شاء أن يصلي فليصل " رواه أبو داود، وفي لفظ للإمام أحمد من شاء أن يجمع فليجمع.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون " رواه ابن ماجه ولأن الجمعة إنما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد

فأجزأ عن سماعها ثانياً ونصوصهم مخصوصة بما رويناه وقياسهم منقوض بالظهر مع الجمعة.
فأما الامام فلا تسقط عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنا مجمعون " ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه ولا كذلك غير الامام * (فصل) * فان قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد فقد روي عن أحمد قال تجزي الاولى منهما فعلى هذا تجزيه عن العيد والظهر ولا يلزمه شئ الا العصر عند من يجوز فعل الجمعة في وقت العيد لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين بكرة.
ولم يزد عليهما حتى صلى العصر.
فيروى أن فعله بلغ ابن عباس فقال أصاب السنة.
قال الخطابي وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط

العيد والظهر ولأن الجمعة اذا سقطت بالعيد مع تأكدها فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فلابد من صلاة الظهر في وقتها اذا لم يصل الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست ركعات) روي عن أحمد أنه قال إن شاء صلى ركعتين وان شاء صلى أربعا، وفي رواية فان شاء صلى ستاً فأيما فعل من ذلك فهو حسن وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا " رواه مسلم، وعن علي رضي الله عنه وأبي موسى وعطاء والثوري أنه يصلي ستاً لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
* (مسألة) * (ويجوز قبله وعنه لا يجوز، وعنه يجوز للجهاد خاصة السفر بعد الزوال فيجوز للجهاد خاصة* (مسألة) * (فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً لفوات الشرط لا نعلم في ذلك خلافاً) *(مسألة) * (وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها على وجهين)* (مسألة) * (الثاني أن تكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها فلا تجوز اقامتها في غير ذلك)* (مسألة) * (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة)* (مسألة) * (فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الامام فيها وتصير أولاه ويتمها جمع ة) وجملة ذلك أن من زحم في إحدى الركعتين فأما أن يزحم في الأولى أو الثانية، فان كان في الاولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك في صلاة الخوف بعسفان للعذر والعذر موجود، فاذا قضى ما عليه وأدرك إمامه قبل رفع رأسه من الركوع اتبعه وصحت له الركعة، وهكذا لو تعذر عليه السجود مع إمامه لمرض أو نوم أو نسيان لأن ذلك عذر أشبه المزحوم، فإن خاف أنه ان تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك.* (مسألة) * (فإن لم يتابع الامام عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلام الامام وصحت جمعته وعنه يتمها ظهراً)* (مسألة) * (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس على منبر)* (مسألة) * (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم)* (مسألة) * (ثم يجلس إلى فراغ الاذان ويجلس بين الخطبتين)* (مسألة) * (ويخطب قائماً)* (مسألة) * (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا)* (مسألة) * (ويقصد تلقاء وجهه)* (مسألة) * (ويستحب تقصير الخطبة)* (مسألة) * ويستحب أن يدعو لنفسه والمسلمين والمسلمات والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن* (مسألة) * (ولا يشترط إذن الإمام وعنه يشترط)* (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين)* (مسألة) * (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها)* (مسألة) * (فإن فعلوا فجمعة الامام هي الصحيحة)* (مسألة) * (فإن استويا فالثانية باطلة وإن لم يكن لاحداهما مزية على الأخرى لكونهما جميعاً مأذونا فيهما أو غير مأذون)* (مسألة) * (فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً)
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل