أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولأنه غير مكلف فلم يؤاخذ بكلامه كما لو يؤاخذ به في اقراره ولا طلاقه ولا عتاقه.
وأما السكران والصبي العاقل فيذكر حكمهما فيما بعد إن شاء الله تعالى (الصفل الثالث) أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعصاء والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي وهذا أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى لا تجب استتابته قيل تستحب وهو القول الثاني للشافعي وبه قال عبيد بن عمير وطاوس ويروى عن الحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر استتابته وروي أن معاذاً قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلا موثقاً فقال ما هذا؟ قال رجل كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود فقال لا أجلسن حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل.
متفق عليه ولم يذكر استتابته، ولأنه يقتل لكفره فلم تجب استتابته كالأصلي ولأنه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن ولو حرم قتله قبله ضمن، وقال عطاء إن كان مسلماً أصلياً لم يستتب،
وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب ولنا حديث أم مروان فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر هل كان من معربة خيبر؟ قال نعم رجل كفر بعد اسلامه فقال ما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا
عنقه فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثاً فأطعمتموه كل يوم رغيفاً واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم ولأنه أمكن ستصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس، وأما الأمر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرناه، وأما حديث معاذ فإنه قد جاء فيه وكان قد استتيب، ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه وفي رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريباً من ذلك فجاء معاذ فدعاه وأبى فضربت عنقه رواهن أبو داود، ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام روى ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال مالك واسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر ان تاب والاقتل مكانه وهذا أصح قوليه وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان لأنه مصر على كفره اشبه بعد الثلاث، وقال الزهري يدعى ثلاث مرات فان أبى ضربت عنقه وهذا يشبه قول الشافعي، وقال النخعي يستتاب أبدا وهذا يفضي إلى أنه لا يقتل أبدا وهو مخالف للسنة والاجماع وعن علي أنه استتاب رجلاً شهراً ولنا حديث علي ولأن الردة إنما تكون لشبهة ولا تزول في الحال فوجب أن ينظر مدة؟ رتئي، فيها وأولى كل ذلك ثلاثة أيام للاثر فيها وانها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة
لاستتابة ويحبس لقول عمر: هلا حبستموه وأطعمتوه كل يوم رغيفاً؟ وتتكرر دعايته لعله ينعطف قلبه فيراجع دينه.
(الفصل الرابع) إن لم يتب قتل لما تقدم ذكره وهو قول عامة الفقهاء (مسألة) (ويقتل بالسيف لأنه آلة القتل ولا يحرق بالنار)
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق المرتدين وفعل ذلك بهم خالد والأولى أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله) يعني النار أخرجه البخاري وقال عليه الصلاة والسلام (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (الفصل الخامس) أن مفهوم كلام المصنف في هذه المسألة إذا تاب قبلت توبته وسنذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه حراً كان المرتد أو عبداً) وهذا قول عامة أهل العلم إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد أن لسيده قتله، وعن أحمد رحمه الله أن له قتله في الردة وقطعه في السرقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ولأن حفصة قتلت جارية سحرتها وابن عمر قطع عبداً سرق ولأنه حد لله تعالى فملك السيد إقامته كحد الزاني.
ولنا أنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الامام كقتل الحر، فأما قوله (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) فلا يتناول القتل في الردة فانه قتل لكفره لا حدا في حقه، وأما خبر حفصة فان عثمان تغيظ عليها وشق عليه، فأما الجلد في الزنا فانه تأديب عبده بخلاف القتل وقد ذكرنا ذلك في الحدود (مسألة) (فان قتله غيره بغير إذنه أساء وعزر لاساءته وافتياته على الامام ولاضمان عليه) لأنه محل غير معصوم وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها لذلك (مسألة) (وإن عقل الصبي الاسلام صح اسلامه وردته وعنه يصح اسلامه دون ردته وعنه لا يصح منهما شئ حتى يبلغ) والمذهب الأول يصح إسلام الصبي في الجملة وبهذا قال أبو حنيفة واسحاق وابن ابي شيبة وابو أيوب، وقال الشافعي وزفر لا يصح اسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) حديث حسن ولأنه قول تثبت به الاحكام فلم يصح من الصبي كالهبة والعتق ولأنه أحد من رفع عنه القلم فلم يصح إسلامه كالنائم والمجنون ولأنه غير مكلف أشبه الطفل ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) وقوله (أمرت أن
أقاتل الناس حق يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله) وقال عليه الصلاة والسلام (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفورا) وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي ولأن الاسلام عبادة محضة فصحت
من الصبي العاقل كالصلاة والحج، ولأن الله تعالى دعا عباده الى دار السلام وجعل طريقها الاسلام وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الاليم، فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله تعالى مع إجابته اليها وسلوكه طريقها ولا الزامه بعذاب الله والحكم عليه بالنار وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها ولأن ما ذكرناه إجماع فان علياً رضي الله عنه أسلم صبياً وقال سبقتكم إلى الاسلام طرا صبيا ما بغلت اوان حلمي ولهذا قيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن العبيد بلال، وقال عروة أسلم علي والزبير وهما ابنا ثمان سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع او ثمان سنين ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد اسلامه من صغير أو كبير، فأما قوله عليه السلام (رفع القلم عن ثلاثة) فلا حجة لهم فيه فانه يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب والاسلام يكتب له لا عليه ويسعد به في الدنيا والآخرة فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه وكذلك غيرها من العبادات المحضة، فان قيل فالاسلام يوجب عليه الزكاة في ماله ونفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكفار ويفسخ نكاحه، قلنا أما الزكاة فإنها نفع لأنها سبب الزيادة والنماء وتحصين المال والثواب، وأما الميراث والنفقة فأمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم منزل منزلة الضرر في أكل القوت المتضمن فوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه لم يعد ضررا والضرر في مسئلتنا في جنب ما يحصل من النفع أدنى من ذلك بكثير
(فصل) واشترط الخرقي لصحة إسلامه: أن يكون له عشر سنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر، وأن يكون ممن يعقل الاسلام ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وهذا لا خلاف في اشتراطه فان الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق منه اعتقاد الإسلام وإنما كلامه لقلقة بلسانه لا يدل على شئ، فأما اشتراط العشر فان أكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا ذلك ولم يحدوا له حداً من السنين، وحكاه ابن المنذر عن أحمد لأن المقصود متى حصل لم يحتج إلى زيادة عليه، وروى عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فاسلامه إسلام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مروهم بالصلاة لسبع) فدل على أن ذلك حد لامرهم وصحة عبادتهم فيكون حداً لصحة إسلامهم، وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل إسلامه إسلاماً ولعله يقول أن علياً عليه السلام أسلم وهو ابن خمس لأنه قد قيل انه قد مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة فعلى هذا يكون اسلامه وهو ابن خمس لأن مدة النبي منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة وعاش علي بعده ثلاثين سنة فذلك ثلاث وخمسون فاذا ضممنا اليها خمساً كانت ثمانياً وخمسين وقال أبو أيوب أجيز اسلام ابن ثلاث سنين من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه وهذا لا يكاد يعقل الاسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فان وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الاسلام وعقله إياه صح منه كغيره (مسألة) (وإن أسلم ثم قال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الاسلام) متى حكمنا بصحة إسلام الصبي لمعرفتنا بفعله بأدلته فرجع وقال لم أدر ما قلت لم يقبل قوله ولم يبطل إسلامه الاول، وروى عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام
قال أبو بكر هذا قول محتمل لأن الصبي في مظنة النقص فيجوز أن يكون صادقاً قال والعمل على الأول لأنه قد ثبت عقله للاسلام ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقله، ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته، وعرفنا جنون المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أقواله وأفعاله وأحواله فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه وهكذا كل من تلفظ بالاسلام أو اخبر عن نفسه ثم أنكر معرفته بما قال لم يقبل إنكاره وكان مرتدا نص عليه أحمد في مواضع، فعلى هذا إذا ارتد صحت ردته وأجبر على الاسلام وهو قول أبي حنيفة والظاهر من مذهب مالك، وعند الشافعي لا يصح اسلامه ولا ردته وقد روي أنه يصح اسلامه ولا تصح ردته لقوله عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) وهذا يقتضي أنه لا يكتب عليه ذنب ولا شئ ولو صحت ردته لكتبت، وأما الاسلام فلا يكتب عليه إنما يكتب له ولأن الردة أمر يوجب القتل فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنا، ولان الاسلام إنما صح منه لانه تمحض مصلحة فأشبه الوصية والتدبير، والردة تمحضت مضرة ومفسدة فلم يلزم صحتها، منه فعلى هذا حكمه حكم من لم يرتد فاذا بلغ فان أصر على الكفر كان مرتداً حينئذ (مسألة) (ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه فان ثبت على كفره قتل) وجملة ذلك أن الصبي لا يقتل إذا ارتد سواء قلنا بصحة ردته أو لا لأن الغلام لا يجب عليه عقوبة
بدليل أنه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة وسائر الحدود ولا يقتل قصاصا فاذا بلغ وثبت على ردته ثبت حكم الردة حينئذ فيستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل سواء قلنا انه كان مرتداً قبل بلوغه أو لم نقل وسواء كان مسلماً أصلياً فارتد أو كان كافراً فأسلم صبياً ثم ارتد [مسألة] (ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فإن مات في سكره مات كافراً وعنه لا تصح ردته) اختلفت الرواية عن احمد في ردة السكران فروي عنه أنها تصح قال أبو الخطاب وهو أظهر الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وعنه لا تصح ردته وهو قول أبي حنيفة لأن ذلك يعلق بالاعتقاد والقصد والسكران لا يصح عقده فأشبه المعتوه ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم والمجنون ولأنه غير مكلف فاشبه المجنون.
ووجه الرواية الأولى أن الصحابة قالوا في السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري وأوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره وأقاموا مظنتها (مظلتها) مقامها ولأنه يقع طلاقه فصحت ردته كالصاحي، وقولهم ليس بمكلف ممنوع فان الصلاة واجبة عليه وكذلك سائر أركان الإسلام، ويأثم بفعل المحرمات وهذا معنى التكليف، ولأن السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقي
المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قريب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف المجنون، وأما استتابته فتؤخر إلى حين صحوه فيكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزول شبهته إن كان قد قال الكفر معتقداً له كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه وجوعه ويؤخر الصبي
إلى حين بلوغه وكمال عقله ولأن القتل جعل للزجر ولا يحصل في حال سكره وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه لأن عصمته زالت بردته وإن مات أو قتل لم يرثه ورثته، ولا يقتل حتى يتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فان استمر سكره أكثر من ثلاث لم يقتل حتى يصحو ثم يستتاب عقيب صحوه فإن تاب وإلا قتل في الحال (فصل) فان أسلم في سكره صح إسلامه كما صحت ردته ثم يسئل بعد صحوه فان ثبت على إسلامه فهو مسلم من حين أسلم لأن إسلامه صح وإنما يسئل استظهاراً فان مات بعد إسلامه في سكره مات مسلماً ويصح إسلامه في سكره سواء كان أصلياً أو مرتداً لأنه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة وقول باطل فلأن يصح إسلامه الذي هو محض مصلحة أولى، ويتخرج أن لا يصح فان من لا تصح ردته لا يصح اسلامه كالمجنون (فصل) ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لأنه لا قول له فان ارتد في صحته ثم جن لم يقتل في حال جنونه لأنه يقتل بالاصرار على الردة والمجنون لا يوصف بالاصرار ولا يمكن استتابته، ولو وجب عليه القصاص فجن قتل لأن القصاص لا يسقط عنه بسبب من جهته وههنا يسقط برجوعه ولأن القصاص إنما يسقط بسبب من جهة المستحق له فنظير مسئلتنا أن يجن المستحق للقصاص فانه لا يستوفى في حال جنونه.
(مسألة) (وهل تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته أو من سب الله تعالى أو رسوله أو الساحر؟ على روايتين: (إحداهما) لاتقبل توبته ويقتل بكل حال والأخرى تقبل توبته كغيره) مفهوم كلام الشيخ رحمه الله أن المرتد إذا تاب تقبل توبته ولم يقتل أي كافر كان وهو ظاهر كلام الخرقي سواء كان زنديقاً أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار أبي بكر الخلال وقال انه أولى على مذهب أبي عبد الله (والرواية الأخرى) لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته وهو قول مالك والليث واسحاق وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين واختيار أبي بكر أنها لا تقبل لقول الله تعالى (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) والزنديق لا يظهر منه ما يبين به رجوعه وتوبته لأنه كان مظهراً للاسلام مسراً للكفر فاذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الاسلام وأما من تكررت ردته فقد قال الله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) وروى الأثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فاذا هم يقرءون برجز مسيلمة فرجع الى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث اليهم فاتي بهم فاستتابهم
فتابوا فخلى سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال اتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت فقتله ووجه الرواية الأولى قول الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وروى أن رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدر ماساره به فاذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اليس يشهد ان لا إله إلا الله؟) قال بلى ولا شهادة له قال (أليس يصلي؟) قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) وقد قال الله تعالى (ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا) وروي أن محش بن حمير كان في النفر الذين أنزل فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وتاب الى إلى الله تعالى فقبل توبته وهو الطائفة التي عفا الله عنها بقوله سبحانه (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة) وروي أنه سأل الله تعالى أن يقتل شهيداً في سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة مع اخبار الله تعالى له بباطنهم بقوله تعالى (يحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون) وغيرها من الآيات وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم مع اسرارهم بكفرهم فأما قتل ابن النواحة فيحتمل أنه قتله لظهور كذبه في توبته لأنه أظهرها وتبين أنه ما زال عما كان عليه من كفره ويحتمل انه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين جاء رسولا لمسيلمة (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك) تحقيقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي انه قتله لذلك (فصل) فأما من سب الله سبحانه وتعالى ورسوله فروى القاضي عن أحمد أنه قال لا توبة لمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته مقبولة لقول الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولحديث محش ابن حمير ولأن من زعم أن لله ولداً فقد سب الله تعالى بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم إخباراً عن ربه تعالى أنه قال (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما شتمه إياي فزعم أن لي ولداً) وتوبته مقبولة بغير خلاف وإذا قبلت توبة من سب الله تعالى فمن سب نبيه صلى الله عليه وسلم أولى أن تقبل توبته (فصل) وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم فانه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً وفي الحديث الذي رواه هشام عن عروة عن عائشة أن امرأة جاءتها فقالت يا أم المؤمنين ان عجوز اذهبت بي الى هاروت وماروت فقلت علماني السحر فقالا اتقي الله ولا تكفري فانك على رأس أمرك فقلت علماني السحر فقالا اذهبي الى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت فرأيت كأن فارساً مقنعاً في الحديد خرج مني حتى طار فغاب في السماء فرجعت اليهما فأخبرتهما فقالا: ذلك إيمانك وذكرت باقي القصة إلى أن قالت والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئاً غير هذا ولا أصنعه أبداً فهل لي من توبة؟ قالت عائشة رأيتها تبكي بكاء شديداً فكانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحد إلا ابن عباس قال إن كان أحد من أبويك حياً فبريه وأكثري من عمل البر ما استطعت ولأن السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب (والرواية الثانية) يستتاب فإن تاب قبلت توبته فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه في ساعة ولأن الساحر لو كان كافراً فأسلم صح إسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من أحدهما كالكفر ولانه الكفر والقتل ما هو إلا بعمله بالسحر بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به تمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده تمكن التوبة منه كالشرك
(فصل) والخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم إنما هو في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الاسلام في حقهم فأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفران ذنوبهم لمن تاب وأقلع ظاهراً وباطناً فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما) [مسألة] (وتوبة المرتد إسلامه وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا أن تكون ردته بانكار فرض أو احلال محرم أو جحد نبي أو كتاب أو إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث الى العرب خاصة فلا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمداً بعث الى العالمين أو يقول انا برئ من كل دين يخالف الاسلام) من ثبتت ردته باقرار أو بينة فتوبته أن يشهد أن لا إله إلا الله ولا يكشف عن صحة ما شهد به عليه ويخلى سبيله ولا يكلف الاقرار لما نسب اليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله) متفق عليه.
ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحة ردته وهذا يكفي فيمن كانت ردته بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معاً، فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل اسلامه إلا بالاقرار بما جحده فمن أقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر أنه مبعوث إلى العالمين فلا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمداً رسول الله
بعث إلى الخلق أجمعين أو تبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الاسلام، فإن زعم أن محمداً رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الاقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل انه أراد ما اعتقدوه وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إن جحد نبياً أو آية من كتاب الله تعالى أو كتاباً من كتبه أو ملكاً من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله أو استباح محرماً فلابد في إسلامه من الإقرار بما
جحده، وأما الكافر بجحد الدين من أصله اذا شهد أن محمداً رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان (إحداهما) يحكم باسلامه لأنه روي أن يهودياً قال أشهد أن محمداً رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) ولأنه يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وقد جاء بتوحيده (والثانية) إن كان مقراً بالتوحيد كاليهود حكم باسلامه لأن توحيد الله ثابت في حقه وقد ضم إليه الإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكمل إسلامه وإن كان غير موحد كالنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لم يحكم باسلامه حتى يشهد أن لا إله إلا الله وبهذا جاءت أكثر الأخبار وهو الصحيح لأن من يجحد شيئين لا يزول جحدهما إلا باقراره بهما جميعاً وإن قال أشهد أن النبي رسول الله لم يحكم باسلامه لأنه يحتمل أنه يريد غير نبينا.
وإن قال أنا مؤمن أو أنا مسلم فقال القاضي يحكم باسلامه
بهذا وإن لم يأت بلفظ الشهادتين لانهما اسمان لشئ معلوم معروف وهو الشهادتان فاذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبراً بهما وروى المقداد أنه قال يارسول الله: إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت أفأقتله يارسول الله بعد أن قالها؟ قال (لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها) وعن عمر إن ابن حصين قال: أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إني مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) رواهما مسلم ويحتمل أن هذا في الكافر الاصلي أو من جحد الوحدانية أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحو هذا فانه لا يصير مسلما بذلك لأنه ربما اعتقد أن الاسلام ما هو عليه فان أهل البدع يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر
[مسألة] (وإذا أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الاسلام صار بذلك مرتداً ويجبر على الاسلام)
نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام لأنه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشهادة والأول أولى لأنه قد حكم بإسلامه فلم يقبل إذا رجع كما لو طالت مدته [مسألة] (واذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم باسلامه)
متى صلى الكافر حكم بإسلامه أصلياً كان أو مرتداً جماعة أو فرادى في دار الحرب أو في دار الإسلام، وقال الشافعي يحكم باسلامه إذا صلى في دار الحرب ولا نحكم باسلامه في دار الإسلام لأنه يحتمل أنه صلى رياء وتقية.
ولنا أن ما كان اسلاماً في دار الحرب كان اسلاما في دار الإسلام كالشهادتين واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين وأما سائر أركان الإسلام من الزكاة والصيام والحج فلا يحكم باسلامه به فان المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم فقال (لا يحج بعد العام مشرك) والزكاة صدقة وهم يتصدقون وقد فرض على نصارى بني تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين فلم يصيروا بذلك مسلمين وأما الصيام فلكل أهل دين صيام ولأن الصيام ليس بفعل إنما هو امساك عن أفعال مخصوصة وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم ولا عبرة بالنية فإنها أمر باطن لا علم به بخلاف الصلاة فإنها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الاسلام ولا يثبت بها الاسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود ولا يحصل بمجرد القيام لأنهم يقومون في صلاتهم إذا ثبت هذا فإنه متى مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد ردته حكم لهم بالميراث إلا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو تكون ردته بجحد فريضة
أو كتاب أو نبي أو ملك أو نحو ذلك من البدع التي ينسب أهلها إلى الاسلام فانه لا يحكم باسلامه بصلاته لأنه يعتقد وجوب الصلاة ويعتقدها مع كفره فأشبه فعله غيرها [مسألة] (ولا يبطل إحصان المسلم بردته ولا عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إلى الإسلام) يعني إذا كان محصناً فارتد ثم أسلم لم يصر غير محصن بل متى زنا رجم لأنه يثبت له حكم الإحصان والأصل بقاء ما كان على ما كان ولا تبطل عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إلى الإسلام لأنه فعلها على وجهها وبرئت ذمته منها فلم تعد الى ذمته كديون الآدميين وإن كان قد حج حجة الإسلام قبل ردته لم يجب عليه إعادتها إذا عاد إلى الإسلام لما ذكرنا [فصل] قال الشيخ رحمه الله (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفاً وتصرفاته موقوفة فان أسلم ثبت ملكه وتصرفاته وإلا بطلت) لا يحكم بزوال ملك المرتد بردته في قول أكثر أهل العلم فعلى هذا إن قتل أو مات زال ملكه بموته وإن راجع الإسلام فملكه باق له فعلى هذا تصرفاته في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحاً فان قتل أو مات كان باطلاً وقال مالك يزول ملكه بردته فان راجع الاسلام رد اليه تمليكا مستأنفا لأن عصمة نفسه وماله إنما تثبت
باسلامه فزوال اسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته فوجب أن يملكوا أمواله بها وقال أصحاب أبي حنيفة ماله موقوف إن أسلم تبينا بقاء ملكه وإن مات أو قتل تبينا زواله من حين ردته، وقال الشريف أبو جعفر: هذا ظاهر كلام أحمد وعن الشافعي الاقول ا؟ (الأقوال) الثلاثة ولنا ان الردة سبب يبيح دمه كزنا المحصن، وقتل من يكافئه عمداً لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة فان ملكهم ثابت مع عدم عصمتهم، ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح لكل احد قتله بغير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لأنه صار حربياً حكمه حكم أهل الحرب، ولو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة الامام زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم لأن الكفار الاصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتدون أولى (فصل) فأما على قول أبي بكر فتصرف المرتد باطل لانه ملكه قد زال بردته وهذ أحد أقوال الشافعي وعن الشافعي قول آخر إنه ان تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الاقوال الثلاثة وان تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه ولنا ان ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض
(فصل) وان تزوج لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح وما منع الاقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة وان زوج موليته لم يصح لأن ولايته على موليته قد زالت بردته وكذلك ان زوج امته لأن النكاح لا يكون موقوفاً ولأن النكاح وإن كان في الامة فلابد في عقده من ولاية صحيحة بدليل أن المرأة لا يجوز أن تزوج امتها وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له فانه أدنى حالا من الفاسق الكافر (فصل) ويوخذ مال المرتد فيترك عند ثقة من المسلمين فإن كان له اماء جعلن عند امرأة ثقة لأنهن محرمات عليه فلا يمكن منهن، وذكر القاضي أنه يؤجر عقاره وعبيده واماءه، قال شيخنا والأولى أن لا يفعل ذلك لأن مدة انتظاره قريبة ليس في انتظاره فيها ضرر فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها فانه ربما راجع الاسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله باجارة الحاكم له، وان لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم له ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج الى النفقة وغيره واجارة ما يرى ابقاءه والمكاتب يؤدي إلى الحاكم ويعتق بالاداء لأنه نائب عنه
(مسألة) (ويقضي ديونه واروش جناياته وينفق على من تلزمه مؤنته)
يعني إذا مات أو قتل فانه يبدأ بقضاء ديونه وارش جنايته ونفقة زوجته واقاربه الذين تلزمه مؤنتهم لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها وأولى ما يؤخذ من ماله في الصحيح من المذهب وعنه
انه لورثته من المسلمين وعنه انه لورثته من أهل الدين الذي انتقل اليه وقد ذكرنا ذلك في الفرائض (فصل) واذا وجد من المرتد سبب يقتضي الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب والشراء وايجار نفسه اجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له لأنه أهل للملك ولذلك بقيت أملاكه الثابتة له ومن قال ان ملكه يزول لم يثبت له ملكا لأنه ليس بأهل للملك ولهذا زالت املاكه الثابتة، فان اسلم احتمل أن لا يثبت له شئ أيضاً لأن السبب لم يثبت حكمه واحتمل ان يثبت الملك له حينئذ لأن السبب موجود وإنما امتنع ثبوت حكمه لعدم أهليته فاذا وجدت تحقق الشرط فيثبت الملك حينئذ كما تعود اليه املاكه التي زالت عنه عند عود أهليته، فعلى هذا إن مات أو قتل انتقل الملك الى من ينتقل اليه ماله لأن هذا في معناه (فصل) وان لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه حكم من هو في دار الإسلام الا أن ما كان معه من ماله يصير مباحاً لمن قدر عليه كما أبيح دمه، واما املاكه وماله الذي في دار الإسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه وقال أبو حنيفة يورث ماله كما لو مات لأنه قد صار في حكم الموتى بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه ولنا أنه حي فلم يورث كالحربي الأصلي وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الأصلي وانما حل ماله الذي معه لأنه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب وأما الذي في دار الإسلام فهو باق على العصمة كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الإسلام أو عند مودعه (مسألة) (وما أتلف من شئ ضمنه ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا يضمن ما اتلفه
اذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين لزم ضمان ما أتلفوه سواء تحيزوا وصاروا في منعة أو لم يصيروا ذكره أبو بكر قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد وقال الشافعي حكمهم حكم أهل البغي فيما اتلفوه من الأنفس والأموال لأن تضمينهم يؤدي الى تنفيرهم عن الرجوع الى الاسلام فأشبهوا أهل البغي ولنا ما روى عن أبي بكر رضي الله عنه انه قال لأهل الردة حين رجعوا تردون علينا ما أخذتم منا ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم وان تدوا قتلانا ولا ندي قتلاكم قالوا نعم يا خليفة رسول الله قال عمر كل ما قلت كما قلت الا أن يدوا ما قتل منافلا لأنهم قوم قتلوا في سبيل الله واستشهدوا، ولأنهم اتلفوه بغير تأويل فأشبهوا هل الذمة، فاما القتلى فحكمهم حكم أهل البغي لما ذكرنا من خبر أبي بكر وعمر ولأن طليحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن وثابت بن أرقم الاسديين فلم يغر مهما وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة فلم يغرموا شيئاً، ويحتمل أن يحمل قول أحمد وكلامه في المال على وجوب رد ما هو في أيديهم دون ما أتلفوه وعلى من اتلف من غير أن تكون له منعة او اتلف في غير الحرب وما أتلفوه حال الحرب فلا ضمان عليهم فيه لأنه إذا سقط ذلك عن اهل البغي كيلا يؤدي الى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلأن يسقط ذلك كيلا يؤي الى التنفير عن الاسلام أولى لأنهم اذا امتنعوا صاروا كفاراً ممتنعين بدارهم فأشبهوا أهل الحرب ويحمل قول أبي بكر على ما بقي في أيديهم من المال فيكون مذهب أحمد ومذهب الشافعي في هذا سواء وهذا أعدل وأصح إن شاء الله تعالى، فأما من لا منعة له
فيضمن ما اتلف من نفس ومال كالواحد من المسلمين أو اهل الذمة لأنه لا منعة له ولا يكثر ذلك منه فبقي المال والنفس بالنسبة اليه على عصمته ووجوب ضمانه والله أعلم
(مسألة) (واذا أسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات؟ على روايتين)
(إحداهما) عليه القضاء لأنها عبادة واجبة التزم بوجوبها واعترف به في زمن إسلامه فلزم قضاؤها عند فواتها كغير المرتد (والثانية) لا يلزمه قضاؤها لقول الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولأنه كافر أسلم فلم يلزمه قضاء العبادات التي كانت في كفره كالحربي ولأن أبا بكر لم يأمر المرتدين حين أسلموا بقضاء ما فاتهم (مسألة) (وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق أولادهما الذين ولدوا في الاسلام ومن لم يسلم منهم قتل ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة وهل يقرون على كفرهم؟ على روايتين) وجملة ذلك أن الرق لا يجري على المرتد سواء كان رجلاً أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الاسلام وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لان أبا بكر سبى بني حنفية واسترق نساءهم وأم محمد بن الحنفية منهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولأنه لا يجوز اقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل ولم ينقل ان الذين سباهم ابو بكر رضي الله عنه كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة، فإن قيل فقد روي عن علي رضي الله عنه أن المرتدة تسبى قلنا هذا الحديث ضعفه أحمد، فأما اولاد المرتدين فان كانوا ولدوا قبل الردة فانهم محكوم باسلامهم تبعاً لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الاسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم
في الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغاراً لأنهم مسلمون ولا كباراً لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق، وأما من حديث بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم لأن آباءهم لا يجوز استرقاقهم ولأنهم لا يقرون بالجزية فلا يقرون بالاسترقاق وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن ولدوا في دار الإسلام لم يجز استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم فعلى هذا إذا وقع في الأسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل الحرب وإن كان في دار الإسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقه بدار الحرب لم يقر بها لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن، فأما من كان حملاً حال ردته فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد كفره وعند الشافعي هو كالمولود ولهذا يرث ولنا أن أكثر الأحكام إنما تتعلق بعد الوضع فكذلك هذا الحكم، وهل يقر من ولد بعد الردة على كفره؟ فيه روايتان (إحداهما) يقر كأولاد اهل الحرب (والثانية) لا يقرون فاذا أسلموا رقوا لانهم أولاد من لا يقر على كفره فلا يقرون على كفرهم كالموجودين قبل ردتهم (فصل) ومن لم يسلم من الذين كانوا موجودين قبل الردة فقدر عليهم أو على آبائهم استتيب منهم من كان بالغاً عاقلا فمن لم يتب قتل ومن لم يبلغ انتظر بلوغه فان لم يتب قتل إذا استتيب وينبغي أن يحبس حتى لا يهرب (فصل) ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيهم أحكامهم صاروا دار خرب في اغتنام أموالهم وسبي
ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الامام قتالهم فان أبا بكر رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة من الصحابة ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، واذا قاتلهم قتل من قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى يجتمع فيها ثلاثة أشياء: إن تكون متاخمة لدار الحرب لا شئ بينهما من دار الاسلام (الثاني) لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن (الثالث) أن تجري فيها أحكامهم ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الحصال أو
دار الكفرة الاصليين.
(فصل) وإن قتل المرتد من يكافئه عمداً فعليه القصاص نص عليه أحمد والولي مخير بين قتله والعفو عنه فان اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لأنه حق آدمي وإن عفا على مال وجبت الدية في ماله وكذلك إن كان القتل خطأ تجب الدية في ماله أيضاً لأنه لا عاقلة له قال القاضي: وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين لانها دية الخطأ وإن قتل أو مات اخذت من ماله في الحال لأن الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له ويحتمل أن تجب الدية حالة عليه لأنها إنما أجلت في حق العاقلة تخفيفاً عليهم لأنهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة فأما لجاني فتجب عليه حالة لأنها بدل عن متلف فكانت حالة كسائر ابدال المتلفات
(فصل) ومن أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعاً له وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي إذا أسلم أبواه أو أحدهما وأدرك فأبى الاسلام أجبر عليه ولم يقتل، وقال مالك إن أسلم الأب تبعه أولاده وان أسلمت الأم لم يتبعوها لأن ولد الحرين يتبع أباه دون امه بدليل الموليين إذا كان لهما ولد كان ولاؤه لمولى ابيه دون أمه ولو كان الأب عبداً والأم مولاة فأعتق العبد لجر ولاء ولده إلي مواليه، ولأن الولد يشرف بشرف أبيه وينسب إلى قبيلته دون قبيلة أمه فوجب أن يتبع أباه في دينه أي دين كان، وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه فأيهما اختاره كان على دينه ولعله يحتج بحديث الغلام الذي أسلم أبوه وأبت أمه أن تسلم فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أبيه وأمه ولنا أن الولد يتبع أبويه في الدين فإذا اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى، ويترجح بأشياء (منها) أنه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله ودعا خلقه اليه (ومنها) أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق واداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه (ومنها) أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها ومن لا تعرف حاله فيها، وإذا كان محكوماً باسلامه أجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل كولد المسلمين ولأنه مسلم فاذا رجع عن إسلامه وجب قتله لقوله عليه الصلاة والسلام (من بدل دينه فاقتلوه) وبالقياس على غيره ولنا على مالك أن الأم أحد الأبوين فتبعها ولدها في الاسلام كالأب بل الأم أولى لأنها أخص به لأنه مخلوق منها حقيقة وتختص بحمله ورضاعه ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتابة ولأن سائر الحيوانات يتبع الولد أمه دون أبيه وهذا يعارض ما ذكره، وأما تخيير الغلام فهو في الحضانة لا في الدين
(فصل) ومن مات من الأبوين الكافرين على كفره قسم للولد الميراث وكان مسلماً بموت من مات منهما وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم باسلامه بموتهما ولا بموت أحدهما لأنه ثبت كفره تبعاً ولم يوجد منه إسلام ولا ممن هو تابع له فوجب بقاؤه على ما كان عليه لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر احدا من أهل الذمة على الاسلام بموت أبيه مع أنه لم يخل زمنه عن موت بعض أهل الذمة عن بنيهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) متفق عليه فجعل كفره بفعل أبويه فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية فوجب ابقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام وقضية الدار الحكم باسلام أهلها وكذلك حكمنا باسلام لقيطها وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان فاذا عدما أو أحدهما وجب ابقاؤه على حكم الدار لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها وإنما قسم له الميراث لأن اسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث فهو سبب لهما فلم يتقدم الاسلام المانع من الميراث على استحقاقه ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له إذا مات أبوك فأنت حر فمات ابوه فانه يعتق ولا يرث فيجب ان يكون الاسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث وهذا فيما إذا كان في دار الإسلام لأنه متى قطعت تبعيته لأبويه او أحدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا يحكم باسلام ولد الكافر فيها بموتهما ولا موت احدهما لأن الدار لا يحكم باسلام أهلها ولذلك لم يحكم بإسلام لقيطها
(فصل) وتثبت الردة بشيئين: الإقرار والبينة فمتى شهد بالردة على المرتد من ثبتت الردة بشهادته فأنكر لم يسمع انكاره واستتيب فإن تاب وإلا قتل، وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة
ان انكاره يكفي في الرجوع إلى الاسلام ولا يلزمه النطق بالشهادة لأنه لو أقر بالكفر ثم أنكره قبل منه ولم يكلف الشهادتين فكذلك هذا ولنا ما روى الأثرم بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل عربي فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله واتى برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الاسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال: تدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة فإنما قتلهم لأنهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولأنه قد ثبت كفره فلم يحكم باسلامه بدون الشهادتين كالكافر الاصلي ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم يسمع كسائر الدعاوى فأما إذا اقر بالكفر ثم أنكر فيحتمل أن القول فيه كمسئلتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا والسرقة وتقبل الشهادة على الردة من عدلين في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي والاوزاعي وأصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا نعلم احداً خالفهم الا الحسن قال: لا يقبل في القتل إلا أربعة لأنها شهادة بما يوجب القتل فلم يقبل فيها إلا أربعة قياساً على الزنا.
ولنا انها شهادة بغير الزنا فقبلت من عدلين كالشهادة على السرقة ولا يصح قياسه على الزنا فلم
يعتبر فيه إلا أربعة لعلة القتل بدليل اعتبار ذلك في زنا البكر ولا قتل فيه وإنما العلة كونه زنا ولم يوجد ذلك في الردة ثم الفرق بينهما أن القذف بالزنا يوجب ثمانين جلدة بخلاف القذف بالردة (فصل) وإذا أكره على الاسلام من يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الاسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً مثل أن يثبت على الاسلام بعد زوال الاكراه عنه وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الاسلام وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن يصير مسلماً في الظاهر وإن رجع عنه قتل إذا امتنع من الاسلام لعموم قوله عليه السلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) ولأنه أتى بقول الحق فلزمه حكمه كالحربي
إذا أكره عليه.
ولنا أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالمسلم اذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى (لا إكراه في الدين) وأجمع أهل العلم على ان الذمي إذا قام على ما هو عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه ولأنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالاقرار والعتق وفارق الحربي والمرتد فانه يجوز قتلهما وإكراههما على الاسلام بان يقول إن أسلمت وإلا قتلناك فمتى أسلم حكم باسلامه ظاهر وإن مات قبل زوال الاكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لأنه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتي به كما لو اكره المسلم على الصلاة فصلى.
وأما في الباطن فبينهم وبين ربهم فمن اعتقد الاسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين ربه فهو مسلم
عند الله موعود بما وعد به من اسلم طائعاً ومن لم يعتقد الاسلام بقلبه فهو باق على كفره لاحظ له في الاسلام وسواء في هذا من يجوز إكراهه ومن لا يجوز فان الاسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل أن المنافقين كانوا يظهرون الاسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين (فصل) ومن أكره على الكفر لم يصر كافراً وبهذا قال مالك وابو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته ولا يرثه المسلمون إن مات ولا يغسل ولا يصلى عليه وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار ولنا قول الله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله) ويروى ان عماراً أكرهه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إن عادوا فعد) وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجلبهم إلا بلالاً فانه كان يقول أحد أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت في حقه كما لو أكره على الاقرار وفارق ما إذا أكره بحق فانه خير بين أمرين يلزمه أحدهما فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه فاذا ثبت أنه لم يكفر فمتى زال عنه الإكراه أمر باظهار إسلامه فان أظهره فهو باق على اسلامه وإن أظهر الكفر حكم أنه كفر من حين نطق به لأننا تبينا بذلك أنه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به مختاراً له وإن قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوساً عند الكفار ومقيداً عندهم في حالة خوف لم يحكم بردته
لأن ذلك ظاهر في الإكراه، وإن شهدت أنه كان آمناً حال نطقه بردته فإن ادعى ورثته رجوعه إلى الاسلام لم يقبل إلا ببينة لأن الاصل بقاؤه على ما هو عليه وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير لم يحكم بردته لأنه قد يأكله معتقداً تحريمه كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها، وإن قال بعض ورثته أكله مستحلاً له او أقر بردته حرم ميراثه لأنه مقر بأنه لا يستحقه ويدفع إلى مدعي إسلامه قدر ميراثه لأنه لا يدعي أكثر منه ويدفع الباقي الى بيت المال لعدم من يستحقه فان كان في الورثة صغير أو مجنون دفع اليه نصيبه ونصيب المقر بردة الموروث لأنه لم تثبت ردته بالنسبة اليه (فصل) ومن أكره على كلمة الكفر فالأفضل أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن كان الرجل ممن قبلكم ليحفر له في الارض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق باثنتين ما يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بامشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه) وجاء في تفسير قوله تعالى (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود.
وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أن بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فحفر لهم أخدوداً في الارض وأوقدوا فيها ناراً ثم قال من لم يرجع عن دينه فألقوه في النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى جاءت امرأة على كتفها صبي لها فتقاعست من أجل الصبي فقال يا أمه اصبري فانك على الحق فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الأثرم عن أبي عبد الله أنه سئل عن رجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندي الذي أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر
وترك دينهم وذلك أن الذي يكره على الكلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها وهذا المقيم بينهم يلتزم باجابتهم الى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المنكرات والمحظورات وإن كانت امرأة يزوجونها ويستولدونها أولاداً كفاراً وكذلك الرجل وظاهر حالهم المصير الى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفي (فصل) ومن أصاب حداً ثم ارتد ثم أسلم أقيم عليه حده وبهذا قال الشافعي سواء لحق بدار الحرب في ردته أو لم يلحق بها، وقال قتادة في مسلم احدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه ان كان ارتد درئ عنه الحد وإن لم يكن ارتد أقيم عليه ونحو هذا قال أبو حنيفة والثوري إلا حقوق الناس لأن ردته احبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك في حال شركه فانه لم يثبت حكمه في حقه.
وأما قوله الاسلام (يجب ما قبله) فالمراد به ما فعله في كفره لأنه لو أراد ما قبل ردته أفضى إلى كون الردة التي هي اعظم الذنوب مكفرة للذنوب وأن من كثرت ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه وتسقط حدوده (فصل) فأما فعله في ردته فقد نقل مهنا عن أحمد قال: سألته عن رجل ارتد عن الاسلام فقطع الطريق ثم لحق بدار الحرب وأخذه المسلمون قال تقام عليه الحدود ويقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلماً ثم رجع تائبا وقد أسلم فأخذه وليه يكون عليه القصاص؟ فقال قد زال عنه الحكم لأنه إنما قتل وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول في هذا شيئاً
وقال القاضي ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان في منعة وجماعة أو لم يكن لأنه التزم حكم الاسلام باقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده.
قال شيخنا والصحيح إن ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة لا يضمنه لما ذكرناه فيما تقدم في مسألة وما أتلف من شئ ضمنه وما فعله قبل هذا أخذ به إذا كان مما يتعلق به حق آدمي كالجناية على نفس أو مال لأنه في دار الإسلام فلزمه حكم جنايته كالذمي والمستأمن وأما من ارتكب حداً خالصاً لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فإنه إن قتل بالردة سقط ما سوى القتل
من الحدود لأنه متى اجتمع مع القتل حد انتفى بالقتل، وإن رجع إلى الاسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لأنه من أهل دار الاسلام فأخذ بهما كالذمي والمستأمن.
فأما حد الخمر فيحتمل انه لا يجب عليه لأنه كافر فلا يقام عليه حد الخمر كسائر الكفار ويحتمل أن يجب لأنه أقر بحكم الاسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط بجحده بعده (فصل) ومن ادعى النبوة أو صدق من ادعاها فقد ارتد لأن مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين وكذلك طليحة الاسدي ومصدقوه وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يدعي أنه رسول الله) (فصل) قال رحمه الله والساحر الذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه يكفر ويقتل فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين ويتقي شيئاً يضر فلا يكفر ولا يقتل ولكن يعذر ويقتص منه
إن فعل ما يوجب القصاص.
وجملة ذلك أن السحر عقد ورقى وكلام يتكلم به ويكتبه أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يجب بين اثنين وهذا قول الشافعي وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل قال الله تعالى (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان شيئاً يصل الى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز أن يحصل منه ذلك فأما ان يحصل المرض والموت من غير أن يصل انى بدنه شئ فلا يجوز ذلك لأنه لو جاز لبطلت معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن ذلك يخرق العادات فاذا جاز من غير الأنبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم ولنا قول الله تعالى (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد) يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه ولولا أن السحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه وقال الله تعالى (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) الى قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وروت عائشة رضي الله عنها
أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل اليه أنه يفعل الشئ وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم (أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته؟ إنه اتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال ما وجع الرجل؟ قال مطبوب قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي اروان) ذكره البخاري وغيره جف الطلعة وعاؤها والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس أو غيره إذا مشط، فقد أثبت لهم سحراً، وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على إتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متوترا لا يمكن جحده، وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه، وأما إبطال المعجزات فلا يلزم من هذا لأنه لا يبلغ ما تأتي به الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم أن ينتهي إلى أن تسعى العصا والحبال (فصل) وتعليم السحر وتعلمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته، وروى عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر فان حنبلا روى عنه قال قال عمي في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتاب من هذه الافاعيل كلها فإنه عندي في معنى المرتد فإن تاب وراجع يعني خلي سبيله قلت له يقتل؟ قال لا لعله يراجع قلت له لم لا تقتله؟ قال إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره لأنه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد
يعني في الاستتابة وقال أصحاب أبي حنيفة إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء كفر وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر وقال الشافعي إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب الى الكواكب السبعة أنها تفعل ما يلتمس أو اعتقد حل السحر كفر لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والاجماع وإلا فسق ولم يكفر لأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها بمحضر من الصحابة ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها ولانه شئ يضر بالناس فلم يكفر بمجرده كأذاهم ووجه قول الاصحاب قول الله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان الى قوله وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) وقوله تعالى (وما كفر سليمان) أي ماكان ساحراً كفر بسحره وقولهما إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تتعلمه فتكفر بذلك وقد ذكرنا حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الساحرة سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة فما أفتاها أحد (فصل) وحد الساحر القتل روى ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة، ومالك ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد وقد ذكرناها ووجهها ما ذكرنا من حديث عائشة في المدبرة التي سحرتها فباعتها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق) ولم يصدر منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه ولنا ما روى جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (حد الساحر ضربه بالسيف) قال إبن المنذر رواه اسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وروى سعيد وابو داود في كتابيهما عن بجالة قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الاحنف بن قيس إذ جاء كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعاً وقتلت حفصة جارية لها سحرتها وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة ولأنه كافر فقتل للخبر المروي (فصل) والسحر الذي ذكرنا حكمه هو الذي يعد في العرف سحراً مثل فعل لبيد بن الأعصم حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، وروينا في مغازي الأموي أن النجاشي دعا السواحر فنفخن في احليل عمارة بن الويد فهام مع الوحش فلم يزل معها إلى إمارة عمر بن الخطاب فأمسكه إنسان فقال خلني وإلا مت فلم يخله فمات من ساعته، وبلغنا أن بعض الأمراء أخذ ساحرة فجاء زوجها كأنه محترق فقال قولوا لها تحل عني فقالت ائتوني بخيوط وباب فأتوها به فجلست على الباب وجعلت تعقد فطار بها الباب فلم يقدروا عليها، فهذا وأمثاله مثل أن يعقد الرجل المتزوج فلا يطيق وطئ امرأته هو السحر المختلف في حكم صاحبه
(مسألة) (فأما الذي يسحر بالاودية والتدخين وسقي شئ يضر فلا يكفر ولا يقتل) لأن الله تعالى وصف الساحرين الكافرين بأنهم يفرقون بين المرء وزوجه فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من الذين يسحرون بالادوية والتدخين على أصل العصمة لا يجب قتلهم ولا يكفرون بسحرهم لكن يعزرون إن ارتكبوا معصية ويقتص منهم ما يوجب القصاص كما يقتص من غيرهم من المسلمين (مسألة) (وأما الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها فتطيعه فلا يكفر ولا يقتل)
وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون وكذلك ذكره القاضي.
فأما الذي يحل بالسحر فان كان بشئ من القرآن أو شئ من الذكر والأقسام والكلام المباح فلا بأس به فإن كان بشئ من السحر فقد توقف أحمد عنه، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل يزعم انه يحل السحر فقال قد رخص فيه بعض الناس، قيل لأبي عبد الله انه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا فنفض يده كالمنكر وقال ما أدري ما هذا، قيل له فترى ان يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ فقال ما أدري ما هذا، وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة تعذبها السحرة فقال رجل أخط خطا عليها واغرز السكين عند مجمع الخط واقرأ القرآن فقال محمد ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال ولا أدري
ما الخط والسكين، وروي عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه فقال إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع وقال أيضاً إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل فهذا من قولهم يدل على أن المعزم ونحوه لم يدخلوا في حكم السحرة لأنهم لا يسمون به وهو مما ينفع ولا يضر (فصل) فأما الكافر الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار، والعراف الذي يحدس ويتخرص فقد قال أحمد في رواية حنبل في العراف والساحر والكاهن أرى أن يستتاب من هذه الافاعيل، قيل له يقتل قال لا، يحبس لعله يرجع، قال والعرافة طرف من السحر والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر وقال الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لأنهما يلبسان أمرهما وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن وليس هو من أمر الاسلام، وهذا يدل على أن كل واحد فيه روايتان (إحداهما) أنه يقتل إذا لم يتب (والثانية) لا يقتل لأن حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه فهذا بدرء القتل عنه أولى (فصل) فأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا ان يقتل به ويكون مما يقتل غالباً فيقتل قصاصا، وقال أبو حنيفة يقتل لعموم ما تقدم من الأخبار ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم فأوجبت قتل الذمي كالقتل قصاصا ولنا أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ولأن الشرك أعظم من سحره فلا يقتل به والاخبار وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي وقياسهم ينتقض باعتقاد الكفر والتكلم به وينتقض بالزنا من المحصن فانه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم والله أعلم
كتاب الحدود (مسألة) (ولا يجب الحد الا على بالغ عاقل عالم بالتحريم) أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الاقرار لأنهما قد رفع القلم عنهما قال عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، وفي حديث ابن عباس في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قومه (أمجنون هو؟) قالوا ليس به بأس.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر عنده (أبك جنون؟) وروى أبو داود باسناده قال أتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناساً فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب فقال ما شأن هذه؟ فقالوا مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين أما علمت ان القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل؟ قال بلى، قال فما بال هذه؟ قال لا شئ، قال فأرسلها فأرسلها، قال فجعل عمر (يك؟) ولانه اذا سقط عنه التكليف في العبادات والاثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى بالاسقاط (فصل) ولا يجب على النائم لما ذكرنا من الحديث، فلو زنى بنائمة أو استدخلت ذكر نائم