الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 482-522
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المواضع التي نهي عن الصلاة فيها وذكر القاضي في المجرد قال: إن صلى إلى العطن فصلاته صحيحة بخلاف ما قلناه في الصلاة إلى المقبرة والحش.
قال شيخنا والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شئ من هذه المواضع إلا المقبرة لورود النهي فيها وذلك لعموم قوله عليه السلام " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " فإنه يتناول الذي يصلي فيه إلى هذه المواضع وقياس ذلك على المقبرة لا يصح أن كان النهي عن الصلاة إليها تعبداً وكذلك إن كان لمعنى اختص بها وهو إتخاذ القبور مسجداً تشبهاً بمن يعظمها وكذلك قال عليه السلام " لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه والله أعلم (مسألة) ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وقال الشافعي وابو حنيفة تصح لأنه مسجد ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلاً للفرض كخارجها ولنا قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها فأما النافلة فمبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صحتها قاعداً وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة (مسألة) (وتصح النافلة إذا كان بين يديه شئ منها) لا نعلم في ذلك خلافاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين إلا أنه إن توجه إلى الباب أو على ظهرها أو كان بين يديه شئ من الكعبة متصل بها صحت صلاته وإن لم يكن بين يديه شئ شاخص منها أو كان بين يديه أجر معبى وغير مبني أو خشب غير مسمر فقال أصحابنا لا تصح صلاته لأنه غير مستقبل لشئ منها.
قال شيخنا والأولى أنه لا يشترط كون شئ منها بين يديه لأن الواجب إستقبال موضعها وهوائها دون حيطانها بدليل مالو إنهدمت، وكذلك لو صلى على جبل عال يخرج عن مسامه البنيان صحت صلاته إلى هوائها كذلك ههنا (باب استقبال القبلة) (وهو الشرط الخامس) لصحة الصلاة لقول الله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) أي نحوه، وقال علي رضي الله عنه شطره قبله، وروي عن البراء قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم أنه وجه إلى الكعبة فمر رجل صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار فقال أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة.
أخرجه النسائي (مسألة) قال (إلا في حال العجز عنه.
والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير) وجملة ذلك أن الإستقبال يسقط في ثلاثة مواضع (أحدها) في حال العجز عنه لكونه مربوطاً إلى غير القبلة ونحوه فيصلي على حسب حاله لأنه شرط لصحة الصلاة عجز عنه أشبه القيام (الثاني) إذا إشتد الخوف

كحال التحام الحرب وسنذكره في موضعه إن شاء الله (الثالث) في النافلة على الراحلة ولا نعلم في إباحة التطوع على الراحلة إلى غير القبلة في السفر الطويل خلافا بين أهل العلم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفراً تقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت به يومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وهل السفر القصير حكم الطويل في ذلك؟ وهو قول الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يباح لأنه رخصة سفر فاختص بالطويل لا القصير ولنا قول الله تعالى (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) قال ابن عمر: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجه يومئ برأسه متفق عليه، وللبخاري إلا الفرائض، ولم يفرق بين قصير السفر وطويله ولأن إباحة التطوع على الراحلة تخفيف كيلا يؤدي الى تقليله وقطعه وهذا يستوي فيه الطويل والقصير.
والفطر والقصر تراعى فيه المشقة وإنما توجد غالباً في الطويل.
قال القاضي: الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاث: التيمم وأكل الميتة في المخمصة والتطوع على الراحلة وبقية الرخص تختص الطويل وهي القصر والجمع والمسح ثلاثاً (فصل) ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
قال جابر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع.
رواه أبو داود، ويصلي على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر، رواه أبو داود والنسائي، لكن إذا قلنا بنجاسة الحمار فلابد أن يكون تحته سترة طاهرة، فإن كان على الراحلة في مكان واسع كالمنفرد في العمارية يدور فيها كيف شاء ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود بالأرض لزمه ذلك كراكب السفينة وان قدر على الإستقبال دون الركوع والسجود لزمه الإستقبال وأومأ بهما نص عليه.
وقال أبو الحسن الآمدي: يحتمل أن لا يلزمه شئ من ذلك كغيره لأن الرخصة العامة يسوى فيها من وجدت فيه المشقة وغيره كالقصر والجمع، وإن عجز عن ذلك سقط بغير خلاف (فصل) وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجهته فإن عدل عنها إلى جهة الكعبة جاز لأنها الأصل وإنما سقط للعذر، وإن عدل إلى غيرها عمداً فسدت صلاته لأنه ترك قبلته عمداً، وإن كان مغلوباً أو نائماً أو ظناً منه أنها جهة سيره فهو على صلاته ويرجع إلى جهة سيره إذا أمكنه فإن تمادى به ذلك

بعد زوال عذره فسدت صلاته لتركه الإستقبال عمداً.
ولا فرق بين جميع التطوعات في هذه النوافل المطلقة والسنن الرواتب والوتر وسجود التلاوة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر على بعيره متفق عليه (مسألة) (وهل يجوز ذلك للماشي؟) على روايتين (إحداهما) لا يجوز وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب أبي حنيفة لعموم قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والنص إنما ورد في الراكب فلا يصح قياس الماشي عليه لأنه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع ينافي الصلاة فلم يصح الإلحاق (والثانية) يجوز ذلك للماشي نقلها عنه المثنى بن جامع واختاره القاضي، فعلى هذا يستقبل القبلة لإفتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ويقرأ وهو ماش ويركع ثم يسجد بالأرض، وهذا قول عطاء والشافعي لأن الركوع والسجود ممكن من غير إنقطاعه عن جهة سيره فلزمه كالواقف.
وقال الآمدي: يومئ بالركوع والسجود كالراكب قياساً عليه.
ووجه هذه الرواية إن الصلاة أبيحت للراكب كيلا ينقطع عن القافلة في السفر وهو موجود في الماشي ولأنها إحدى حالتي السفر أشبه الراكب (فصل) وإذا دخل المصلي بلداً ناوياً للإقامة فيه لم يصل بعد دخوله إليه إلا صلاة المقيم.
وإن كان مجتازاً غير ناو للإقامة أو نوى الإقامة مدة لا يلزمه فيها إتمام الصلاة إستدام الصلاة مادام سائراً فإذا نزل فيه صلى إلى القبلة وبنى على ما مضى من صلاته كالخائف إذا أمن في أثناء صلاته.
ولو ابتدأها وهو نازل إلى القبلة ثم أراد الركوب أتم صلاته ثم يركب وقيل يركب في الصلاة ويتمها إلى جهة سيره، كالآمن إذا خاف في صلاته والأولى أولى، والفرق بينهما أن حالة الخوف حالة ضرورة أبيح فيها ما يحتاج إليه من العمل وهذه رخصة من غير ضرورة فلا يباح فيها غير ما نقل ولم يرد بإباحة الركوب الذي يحتاج الى عمل وتوجه إلى غير جهة القبلة ولا جهة سيره سنة فيبقى على الأصل والله سبحانه وتعالى أعلم (مسألة) (فإن أمكنه إفتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين) متى عجز عن إستقبال القبلة في إبتداء صلاته كراكب راحلة لا تطيعه أو جمل مقطور لم يلزمه لأنه عاجز عنه أشبه الخائف إذا عجز عن ذلك، وقال القاضي يحتمل أن يلزمه، وإن أمكنه ذلك كراكب راحلة منفردة تطيعه فهل يلزمه إفتتاح الصلاة إلى القبلة؟ على روايتين (إحداهما) يلزمه لما روي أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه، رواه الإمام أحمد وأبو داود، ولأنه أمكنه إبتداء الصلاة إلى القبلة فلزمه كالصلاة كلها وهذا اختيار الخرقي (والثانية) لا يلزمه لحديث ابن عمر اختاره أبو بكر ولأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه بقية أجزائها ولأن ذلك لا يخلو من مشقة فسقط، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على

الفضيلة والندب والله أعلم.
(مسألة) (والفرض في القبلة أصابة العين لمن قرب منها وأصابة الجهة لمن بعد عنها) الناس في القبلة على ضربين (أحدهما) يلزمه إصابة عين الكعبة وهو من كان معايناً لها ومن كان يمكنه من أهلها أو نشأ فيها أو أكثر مقامه فيها أو كان قريباً منها من وراء حائل يحدث كالحيطان والبيوت ففرضه التوجه إلى عين الكعبة وهكذا إن كان بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه متيقن صحة قبلته فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ، وقد روى أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل القبلة وقال " هذه القبلة " كذلك ذكره أصحابنا، وفي ذلك نظر لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة مع خروج بعضهم عن إستقبال عين الكعبة لكن الصف أطول منها.
وقولهم أنه عليه السلام لا يقر على الخطأ صحيح لكن إنما الواجب عليه استقبال الجهة وقد فعله وهذا الجواب عن الخبر المذكور، وإن كان أعمى من أهل مكة أو كان غريباً وهو غائب عن الكعبة ففرضه الخبر عن يقين أو مشاهدة مثل أن يكون من وراء حائل وعلى الحائل من يخبره أو أخبره أهل الدار أنه متوجه إلى عين الكعبة فلزمه الرجوع إلى قولهم وليس له الإجتهاد كالحاكم إذا وجد النص، قال ابن عقيل: لو خرج ببعض بدنه عن مسامته الكعبة لم تصح صلاته (الثاني) من فرضه إصابة الجهة وهو البعيد عن الكعبة فليس عليه إصابة العين، قال احمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة فإن إنحرف عن القبلة قليلاً لم يعد ولكن يتحرى الوسط وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر: تلزمه إصابة العين لقول الله (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وقياساً على القريب وقد روى ذلك عن أحمد وهو اختيار أبي الخطاب ولنا قوله عليه السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأنا أجمعنا على صحة صلاة الإثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو لا يمكن أن يصيب عين الكعبة إلا من كان بقدرها فإن قيل مع البعد يتسع المحاذي قلنا إنما يتسع مع التقوس وأما مع عدمه فلا (1) والله أعلم (مسألة) (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا لم يلتفت إليها) متى أخبره ثقة عن يقين لزمه قبول خبره لما ذكرنا، وإن كان في مصر أو قرية من قرى المسلمين ففرضه التوجه إلى محاريبهم لأن هذه القبلة ينصبها أهل الخبرة والمعرفة فجرى ذلك مجرى الخبر فأغنى عن الإجتهاد، وإن أخبره مخبر من

أهل المعرفة بالقبلة من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الإجتهاد كالحاكم يقبل النص من الثقة ولا يجتهد.
ويحتمل أنه إنما يلزمه الرجوع إلى الخبر وإلى المحاريب في حق القريب الذي يخبر عن التوجه إلى عين الكعبة، أما في حق من يلزمه قصد الجهة فإن كان أعمى أو من فرضه التقليد لزمه الرجوع إلى ذلك وإن كان مجتهداً جاز له الرجوع لما ذكرنا كما يجوز له الرجوع في الوقت إلى قول المؤذن ولا يلزمه ذلك بل يجوز له الإجتهاد إن شاء إذا كانت الأدلة على القبلة ظاهرة لأن المخبر والذي نصب المحاريب إنما يبني على الأدلة وقد ذكر ابن الزاغوني في كتاب الإقناع قال: إذا دخل رجل إلى مسجد قديم مشهور في بلد معروف كبغداد فهل يلزمه الإجتهاد أم يجزئه التوجه إلى القبلة؟ فيه روايتان عن أحمد (إحداهما) يلزمه الإجتهاد لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد في مسائل الفقه (والثانية) لا يلزمه لأن إتفاقهم عليها مع تكرر الإعصار إجماع عليها ولا يجوز مخالفتها بإجتهاده.
فإذا قلنا يجب الإجتهاد في سائر البلاد ففي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم روايتان (إحداهما) يتوجه إليها بلا إجتهاد لأنه عليه الصلاة والسلام لا يداوم عليها إلا وهي مقطوع بصحتها فهو كما لو كان مشاهداً للبيت (والثانية) هي كسائر البلاد يلزمه الإجتهاد فيها لأنها نازحة عن مكة فهي كغيرها (فصل) ولا يجوز الإستدلال بمحاريب الكفار لأن قولهم لا يجوز الرجوع إليه فمحاريهم أولى إلا أن تعلم قبلتهم كالنصارى فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم على أنها مستقبلة المشرق فإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو الكفار لم يجز الاستدلالل بها لكونها لا دلالة فيها، وكذلك لو رأى على المحراب آثار الإسلام لجواز أن يكون الباني مشركاً عمله ليغر به المسلمين إلا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا الإحتمال ويحصل له العلم أنه محاريب المسلمين فيستقبله.
(فصل) وإذا صلى على موضع عال يخرج عن مسامته الكعبة أو في مكان ينزل عن مسامتتها صحت صلاته لأن الواجب إستقبالها وما حاذاها من فوقها وتحتها لانها زالت صحت الصلاة إلى موضع جدارها والله أعلم (مسألة) (وإن إشتبهت عليه في السفر إجتهد في طلبها بالدلائل وأثبتها بالقطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلاً الكعبة) (1) متى اشتبهت القبلة في السفر وكان مجتهداً وجب عليه الإجتهاد في طلبها بالأدلة لأن ما وجب عليه إتباعه عند وجوده وجب الإستدلال عليه عند خفائه كالحكم في الحادثة.
والمجتهد هو العالم بأدلة القبلة وإن جهل أحكام الشرع لأن كل من علم أدلة شئ كان مجتهداً فيه لأنه

يتمكن من إستقبالها بدليله والجاهل الذي لا يعرف أدلة القبلة وإن كان فقيهاً وكذلك الأعمى فهذان فرضهما التقليد، وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى (وبالنجم هم يهتدون) وقال (لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وآكدها القطب وهو نجم خفي شمالي حوله أنجم دائرة في أحد طرفيها الجدي وفي الآخر الفرقدان وبين ذلك ثلاثة أنجم من فوق وثلاثة من أسفل تدور هذه الفراشة حول القطب كدوران الرحا حول سفودها في كل يوم وليلة دورة وقريب منها بنات نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها والقطب لا يتغير من مكانه في جميع الأزمان وقيل أنه يتغير تغيراً يسيراً لا يؤثر وهو خفي يظهر لحديد النظر في غير ليالي القمر متى استدبرته في الأرض الشامية كنت مستقبلاً للكعبة، وقيل أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلاً وكلما قرب إلى المغرب كان إنحرافه أكثر.
وإن كان بحران أو قريباً منها جعل القطب خلف ظهره معتدلاً، وإن كان بالعراق جعل القطب حذاء أذنه اليمنى (1) على علوها ومتى استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما ونزول الآخر على الإعتدال فهو كاستدبار القطب وإن استدبره في غير هذه الحال كان مستقبلاً للجهة فإن استدبر الغربي كان منحرفاً إلى الشرق وبالعكس وإن استدبر بنات نعش فكذلك إلا أن انحرافه أكثر (فصل) والشمس والقمر ومنازلهما وهي ثمانية وعشرون منزلاً، الشرطان، والبطين، والثريا والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصدفة، والعواء والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت، منها أربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق مائلة إلى الشمال قليلاً أولها الشرطان وآخرها السماك، والباقي يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى التيامن، أولها الغفر وآخرها بطن الحوت، وينزل القمر كل ليلة بمنزل أو قريبا منه، ثم ينتقل الليلة الثانية الى الذي يليه.
والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوماً فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام سنة شمسية.
وهذه المنازل يكون منها فيما بين طلوع الشمس وغروبها أربعة عشر منزلاً ومثلها من غروبها إلى طلوع وقت الفجر، منها منزلان وقت المغرب منزل وهو نصف سدس سواد الليل، وكلها تطلع من المشرق عن يسرة المصلي وتغرب

عن يمينه في المغرب إلا أن أوائل الشامية وأواخر اليمانية وأول اليمانية وآخر الشامية تطلع من وسط المشرق أو قريبا منه بحيث إذا جعل الطالع منها محاذياً لكتفه الأيسر كان مستقبلاً للكعبة.
والمتوسط من الشامية وهو الذراع وما يليه من الجانبين مطلعه إلى ناحية الشمال، والمتوسط من اليمانية كالبلدة وما هو من جانبها يميل مطلعه إلى التيامن، فاليماني منها يجعله أمام كتفه اليسرى، والشامي يجعله خلف كتفه، وكذلك الغارب عند الكتف الأيمن، وإن عرف المتوسط منها بأن يرى بينه وبين أفق السماء سبعة من الجانبين.
ولكل نجم من هذه المنازل نجوم تقاربه وتقارنه حكمها حكمه ويستدل بها عليه كالنسرين والشعريين والسماك الرامح وغير ذلك، وسهيل نجم كبير يطلع نحواً من مهب الجنوب ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي ويتجاوزها ثم يغرب قريباً من مهب الدبور، والناقة تطلع في المحرم من مهب الصبا وتغيب في مهب الشمال (فصل) والشمس تختلف مطالعها ومغاربها على حسب إختلاف منازلها، تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، والقمر يبدأ أول ليلة في المغرب ثم يتأخر كل ليلة منزلاً حتى يكون في السابع وقت المغرب في قبلة المصلي مائلاً عنها قليلاً إلى الغرب.
ثم يطلع ليلة الرابعة عشرة من المشرق وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريباً منها وقت الفجر وتختلف مطالعه بإختلاف منازله (مسألة) والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلي اليسرى مارة إلى يمينه من الزاوية التي بين القبلة والمشرق والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب، والدبور تهب من الزاوية التي بين القبلة والمغرب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن.
والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها، فهذه الرياح التي يستدل بها وتعرف بصفاتها وخصائصها وربما هبت هذه الرياح بين الحيطان والجبال فتدور فلا إعتبار بها، وبين كل ريحين منها ريح تسمى النكباء لتنكبها طريق الرياح المعروفة، فهذا أصح ما يستدل به على القبلة، وقد يهتدي أهل كل بلد على القبلة بأدلة تختص بها من جبالها وأنهارها وغير ذلك، وذكر أصحابنا الاستدلال بالانهار الكبار وقالوا: كلها تجري عن يمنة المصلي إلى يسرته على إنحراف قليل كدجلة والفرات والنهروان، ولا إعتبار بالأنهار الصغار ولا المحدثة لأنها بحسب الحاجات ما خلا نهرين (أحدهما) العاصي بالشام (والآخر) سيحون بالمشرق، قال شيخنا: وهذا لا ينضبط

فإن الأردن بالشام نحو القبلة وكثير منها يجري نحو البحر يصب فيه والله أعلم (فصل) فإن خفيت الأدلة على المجتهد لغيم أو ظلمة تحرى وصلى وصحت صلاته لأنه بذل وسعه في معرفة الحق مع علمه بأدلته، أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النصوص.
وقد روى عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف (مسألة) (وإذا إختلف إجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه) متى إختلف مجتهدان ففرض كل واحد منهما الصلاة إلى الجهة التي يؤديه إليها إجتهاده فلا يسعه تركها ولا تقليد صاحبه وإن كان أعلم منه كالعالمين يختلفان في الحادثة فإن اجتهد أحدهما دون الآخر لم يجز له تقليد من إجتهد حتى يجتهد بنفسه وإن ضاق الوقت كالحاكم لا يسعه تقليد غيره وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد في المجتهد انه يسعه تقليد غيره إذا ضاق الوقت عن إجتهاده قال لأن أحمد قال فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت يعيد لأن عليه أن يسأل.
قال شيخنا: وما استدل به لا دليل فيه وكلام أحمد إنما دل على أنه ليس لمن في المصر الإجتهاد لأنه يمكنه التوصل إلى معرفة القبلة بالخبر وكذلك لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته مع الاتفاق على أنه لا يجوز التقليد مع سعة الوقت (فصل) ومتى إختلف إجتهادهما لم يجز لأحدهما أن يؤم صاحبه لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز له الإئتمام به كما لو خرجت من أحدهما ربح واعتقد كل واحد منهما أنها من الآخر.
قال شيخنا: وقياس المذهب جواز ذلك، وهو مذهب أبي ثور، لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة الآخر وإن فرضه التوجه إلى ما توجه اليه فلم يمنع الإقتداء به إختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة وقد نص أحمد على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب إذا كان يعتقد صحة الصلاة فيها وفارق ما إذا إعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه لأنه يعتقد بطلان صلاته بحيث لو بان له يقيناً حدث نفسه أعاد الصلاة بخلاف هذا، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
فأما إن مال أحدهما يميناً والآخر شمالاً مع إتفاقهما في الجهة فلا يختلف المذهب في صحة ائتمام أحدهما بالآخر لاتفاقهما في

الجهة الواجب استقبالها (فصل) (ويتبع الجاهل والاعمى أو ثقهما في نفسه) متى إختلف مجتهدان وكان معهما أعمى أو جاهل لا يقدر على تعلم الأدلة قبل خروج الوقت ففرضه تقليد أوثقهما في نفسه وأعلمهما وأكثرهما تحرياً لأن الصواب إليه أقرب.
فإن قلد المفضول فظاهر كلامه ههنا أنه لا تصح صلاته لأنه ترك ما يغلب على ظنه أنه الصواب فلم يجز له ذلك كالمجتهد يترك إجتهاده.
والأولى صحتها وهو مذهب الشافعي لأنه أخذ بدليل له الأخذ به لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا ولا عبرة بظنه فإنه لو غلب على ظنه إصابة المفضول لم يمنع ذلك تقليد الأفضل، فإن استويا قلد من شاء منهما كالعامي مع العلماء في بقية الأحكام (فصل) والمقلد من لا تمكنه الضلاة باجتهاد نفسه، إما لعدم بصره أو بصيرته بحيث لا يمكنه التعلم قبل خروج وقت الصلاة فإن أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه، فإن صلى قبل ذلك لم تصح لأنه قدر على الصلاة باجتهاده فلم يجز له التقليد كالمجتهد، ولا يلزم هذا على العامي حيث لم يلزمه تعلم الفقه لوجهين (أحدهما) أن الفقه ليس شرطاً لصحة الصلاة (الثاني) أنه يشق ومدته تطول فإن أخر هذا التعلم والصلاة حتى ضاق الوقت عن التعلم والإجتهاد أو عن أحدهما أحدهما صحت صلاته بالتقليد كالذي يقدر على تعلم الفاتحة فيضيق الوقت عن تعلمها.
وإن كان بالمجتهد ما يمنعه رؤية الأدلة كالرمد والمحبوس في مكان لا يرى فيه الأدلة ولا يجد مخبراً إلا مجتهداً فهو كالأعمى في جواز تقليده (فصل) فإذا شرع في الصلاة بتقليد مجتهد فقال له قائل قد أخطأت القبلة وكان يخبر عن يقين كمن يقول قد رأيت الشمس ونحوها وتيقنت خطأك لزمه الرجوع إلى قوله لأنه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده الأعمى لزمه قبول خبره فالأعمى أولى.
وإن أخبره عن إجتهاده أو لم يبين له ولم يكن في نفسه أوثق من الأول مضى على ما هو عليه لأنه شرع في الصلاة بدليل يقيني فلا يزول عنه بالشك وإن كان أوثق من الأول في نفسه وقلنا لا يلزمه تقليد الأفضل فكذلك والارجع إلى قوله كالمجتهد إذا

تغير اجتهاده في أثناء صلاته.
(فصل) ولو شرع مجتهد في الصلاة بإجتهاده فعمي فيها بنى على ما مضى من صلاته لأنه يمكنه البناء على إجتهاد غيره فاجتهاد نفسه أولى فإن استدار عن تلك الجهة بطلت صلاته وإن أخبره مخبر يخطئه عن يقين رجع إليه وإن كان عن إجتهاده لم يرجع إليه لما ذكرنا، وإن شرع فيها وهو أعمى فأبصر في أثنائها فشاهد ما يستدل به على صواب نفسه من العلامات مضى عليه لأن الاجتهادين قد إتفقا وإن بان له خطؤه استدار إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها وبنى كالمجتهد إذا تغير اجتهاده في أثناء الصلاة وإن لم يتبين له صواب ولا خطأ بطلت صلاته واجتهد لأن فرضه الإجتهاد فلم يجز له أداء فرضه بالتقليد كما لو كان بصيراً في ابتدائها وإن كان مقلداً مضى في صلاته لأنه ليس في وسعه إلا الدليل الذي بدأ به فيها (مسألة) (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعاد) متى صلى البصير في الحضر ثم بان له الخطأ أعاد سواء صلى باجتهاده أو غيره لأن الحضر ليس بمحل للإجتهاد لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها ولأنه يجد من يخبره عن يقين غالباً فلم يكن له الإجتهاد كواجد النص في سائر الأحكام، وإن صلى من غير دليل أخطأ لتفريطه وإن أخبره مخبر فأخطأ فقد تبين أن خبره ليس بدليل، فإن كان محبوساً لا يجد من يخبره فقال أبو الحسن التميمي يصلي بالتحري ولا يعيد لأنه عاجز عن الاستدلال بالخبر والمحاريب أشبه المسافر، وأما الأعمى فهو في الحضر كالبصير لقدرته على الاستدلال بالخبر والمحاريب فإنه يعرف باللمس وكذلك يعلم أن باب المسجد إلى الشمال أو غيرها فيمكنه الاستدلال به فمتى أخطأ أعاد وكذلك حكم المقلد في هذا (مسألة) (فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى وفي الإعادة روايتان) وقال ابن حامد أن أخطأ أعاد وإن أصاب فعلى وجهين وإذا كان الأعمى والمقلد في السفر ولم يجد مخبراً ولا مجتهداً يقلده فقال

أبو بكر يصلي على حسب حاله وفي الإعادة روايتان (إحداهما) يعيد بكل حال وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه صلى بغير دليل فلزمته الإعادة وإن أصاب كالمجتهد إذا صلى بغير إجتهاد (والثانية) الإعادة عليه لأنه أتى بما أمر به أشبه المجتهد ولأنه عاجز عن غير ما أتى به فسقط عنه كسائر العاجزين عن الإستقبال ولأنه عادم للدليل أشبه المجتهد في الغيم، وقال ابن حامد أن أخطأ أعاد لفوات الشرط وإن أصاب فعلى وجهين وجههما كما ذكرنا.
وقد ذكرنا أن هذا حكم المقلد فأما إن وجد من يخبره أو يقلده فلم يفعل أو خالف المخبر أو المجتهد وصلى بطلت صلاته بكل حال وكذلك المجتهد إذا صلى من غير إجتهاد وأداه إجتهاده إلى جهة فخالفها لأنه ترك ما أمر به أشبه التارك التوجه إلى الكعبة مع علمه بها (مسألة) (ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه) وكذلك حكم المقلد الذي صلى بتقليده، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر تلزمه الإعادة لأنه أخطأ في شرط من شروط الصلاة فلزمته الإعادة كما لو صلى ثم بان أنه أخطأ في الوقت أو بغير طهارة ولنا حديث عامر بن ربيعة الذي ذكرناه ولأنه أتى بما أمر فخرج عن العهدة كالمصيب ولأنه صلى إلى غير الكعبة للعذر أشبه الخائف ولأنه شرط عجز عنه أشبه سائر الشروط، وأما المصلي قبل الوقت فإنه لم يأت بما أمره به إنما أمر بالصلاة في الوقت بخلاف مسئلتنا فإنه مأمور بالصلاة بغير شك ولم يؤمر إلا بهذه الصلاة لأن غيرها محرمة عليه إجماعاً وسائر الشروط إذا عجز عنها سقطت كذاههنا، ولا فرق بين كون الأدلة ظاهرة فاشتبهت عليه أو مستورة بغيم أو ما يسترها عنه لما ذكرنا من الحديث فإن الأدلة استترت عنهم بالغيم ولأنه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن إستقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الإعادة (فصل) وإن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة وبنى على ما مضى من

صلاته لأن ما مضى منها كان صحيحاً فجاز البناء عليه كما لو لم يبن له الخطأ.
وإن كانوا جماعة قد قدموا أحدهم ثم بان لهم الخطأ في حال واحدة استداروا إلى الجهة التي بان لهم فيها الصواب لأن أهل قباء بان لهم تحويل القبلة وهم في الصلاة واستداروا إلى جهة الكعبة وأتموا صلاتهم، وإن بان للإمام وحده أو للمأمومين أو لبعضهم استدار من بان له الصواب ونوى بعضهم مفارقة بعض إلا على الوجه الذي قلنا أن لبعضهم الائتمام ببعض مع إختلاف الجهة، وإن كان فيهم مقلد تبع من قلده وانحرف بإنحرافه وإن قلد الجميع لم ينحرف إلا بإنحراف الجميع لأنه شرع بدليل يقيني فلا ينحرف بالشك إلا من يلزمه تقليد الأوثق فإنه ينحرف بإنحرافه (مسالة) (فإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها فإن تغير إجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول) وجملته أن المجتهد متى صلى بالاجتهاد إلى جهة صلاة ثم أراد صلاة أخرى اجتهد لها كالحاكم إذا إجتهد في حادثة ثم حدث مثلها وهذا مذهب الشافعي، فإن تغير إجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول كالحاكم لو تغير اجتهاده في الحادثة الثانية عمل به ولم ينقض حكمه الأول وهذا لا نعلم فيه خلافاً، فإن تغير اجتهاده في الصلاة استدار وبنى على ما مضى.
نص عليه أحمد، وقال ابن أبي موسى والآمدي لا ينتقل لئلا ينقض الإجتهاد بالإجتهاد ولنا أنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلم تجز له الصلاة إلى غيرها كما لو أراد صلاة أخرى وليس هذا نقضاً للإجتهاد إنما عمل به في المستقبل كما في الصلاة الأخرى.
وإنما يكون نقضاً للإجتهاد إذا ألزمناه اعادة ما مضى من صلاته، فإن لم يبق إجتهاده وظنه إلى الجهة الأولى ولم يؤده إجتهاده إلى جهة أخرى بنى على ما مضى لأنه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها.
وإن شك في إجتهاده لم يزل على جهته لأن الإجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك، وإن بان له الخطأ ولم يعرف جهة القبلة كمن كان يصلي إلى جهة فرأى بعض منازل القمر في قبلته ولم يدر أهو في الشرق أم في الغرب واحتاج إلى الإجتهاد بطلت صلاته لأنه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة وليست له جهة يتوجه إليها فبطلت لتعذر إتمامها والله أعلم (باب النية) (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال) النية هي القصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب فإن لفظ بما نواه كان تأكيداً وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم تفسد صلاته وإن لم ينطق بلسانه أجزأ وهي واجبة لا نعلم فيه خلافاً ولا تنعقد الصلاة إلا بها ولا تسقط بحال لقول الله

تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخصلين له الدين) والإخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله تعالى وحده غيره، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات وإنما لأمرئ ما نوى " متفق عليه (مسألة) (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة وإلا أجزأته نية الصلاة) متى كانت الصلاة معينة لزمه شيئان: نية الفعل، والتعيين، فإن كان فرضاً ظهراً أو عصراً أو غيرهما لزمه تعيينها، وكذلك إن كانت نفلاً معينة كالوتر وصلاة الكسوف والاستسقاء والسنن الرواتب لزمه التعيين أيضا لعوم الحديث، وإن كانت نافلة مطلقة كصلاة الليل أجزأته نية مطلق الصلاة لا غير لعدم التعيين فيها (مسألة) (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين) اختلف أصحابنا في نية الفرضية في الفرض فقال بعضهم: لا يجب لأن التعيين يغني عنها لكون الظهر لا تكون من المكلف إلا ظهراً فرضاً، وقال ابن حامد لابد منها لأن المعينة قد تكون نفلاً كظهر الصبي والمعادة فعلى هذا يحتاج إلى نية الفعل والتعيين والفرضية (فصل) وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة، وهل يجب ذلك؟ على وجهين (أحدهما) يجب لقوله " وإنما لأمرئ، ما نوى " (والثاني) لا يجب وهو أولى لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلى ينويها أداء فبان أن وقتها قد خرج أن صلاته صحيحة ويقع قضاء وكذلك لو نواها قضاء ظناً أن الوقت قد خرج فبان فعلها في وقتها وقعت أداء من غير نيته كالأسير إذا تحرى وصام فبان أنه وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، فأما إن ظن أن عليه ظهراً فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم بان أنه لا قضاء عليه أجزأته في أحد الوجهين لأن الصلاة معينة وإنما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أن الوقت قد خرج فبان إنه لم يخرج أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله (والثاني) لا يجزئه لأنه لم ينو عين الصلاة أشبه ما لو نوى قضاء عصر فإنها لا تجزئه عن الظهر، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزئه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها، فأما إن كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم تجزئه عن واحدة منها لعدم التعيين (مسألة) (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام) لأنه أول الصلاة لتكون الينة مقارنة للعبادة (مسألة) (فإن تقدمت قبل ذلك بزمن يسير جاز) ذكره أصحابنا ما لم يفسخها، واشترط الخرقي أن يكون بعد دخول الوقت، فإن قطع النية أو طال الفصل لم يجزئه وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال

الشافعي وابن المنذر: تشترط مقارنة النية للتكبير لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فقوله مخلصين حال لهم في وقت العبادة، أي مخلصين حال العبادة، والإخلاص هو النية ولأن النية شرط فلم يجز أن تخلو العبادة عنها كسائر شروطها ولنا أنها عبادة فجاز تقديم نيتها عليها كالصوم وتقدم النية على الفعل لا يخرجه عن كونه منوياً ولا يخرج الفاعل عن كونه مخلصاً كالصوم ولأنه جزء من الصلاة أشبه سائر أجزائها (مسألة) (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة) معنى استصحاب حكمها أن لا يقطعها فلو ذهل عنها أو عزبت عنه في أثناء الصلاة لم يبطلها لأن التحرز من هذا غير ممكن وقياساً على الصوم وغيره، وقد روى مالك في الموضأ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان وله حصاص فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول أذكر كذا أذكر كذا حتى يضل أحدكم أن يدري كم صلى " وروي ان عمر صلى صلاة لم يقرأ فيها، فقيل له إنك لم تقرأ؟ فقال، أني جهزت جيشاً للمسلمين حتى بلغت بهم وادي القرى، وإن أمكنه إستصحاب ذكرها فهو أفضل لأنه أبلغ في الإخلاص (1) (مسألة) (فإن قطعها في أثنائها بطلت الصلاة وإن تردد في قطعها فعلى وجهين) وجملة ذلك أنه يشترط أن يدخل في الصلاة بنية جازمة فإن دخل بنية مترددة بين إتمامها وقطعها لم تصح لأن النية عزم جازم ولا يحصل ذلك مع التردد فإن تلبس بها بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة لا تبطل بذلك لأنها عبادة دخلها بنية صحيحة فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا أنه قطع حكم النية قبل إتمام صلاته ففسدت كما لو سلم ينوي الخروج منها ولأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها ففسدت لذهاب شرطها، وفارق الحج فإنه لا يخرج منه بمحظوراته بخلاف الصلاة.
فأما إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل لأنه دخل فيها بنية متيقة فلا يزول بالشك والتردد كسائر العبادات، وقال القاضي يحتمل أن تبطل وهو مذهب الشافعي لأن استدامة النية شرط ومع التردد لا يبقى مستديماً لها أشبه إذا نوى قطعها (فصل) فإن شك في أثناء الصلاة في النية أو في تكبيرة الإحرام أستأنفها لأن الأصل عدمها فإن ذكر أنه كان قد نوى أو كبر قبل قطعها أو شرع في عمل فله البناء لأنه لم يوجد مبطل لها وإن

عمل فيها عملاً مع الشك بطلت، ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن هذا العمل عري عن النية وحكمها لأن استصحاب حكمها مع الشك لا يوجد، وقال ابن حامد لا تبطل ويبني لأن الشك لا يزيل حكم النية فجاز له البناء كما لو لم يحدث عملاً لأنه لو أزال حكم النية لبطلت كما لو نوى قطعها، وإن شك هل نوى فرضاً أو نفلاً أتمها نفلاً إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملاً فيتمها فرضاً، وإن كان ذكره بعد أن أحدث عملاً خرج فيه الوجهان، فإن شك هل أحرم بظهر أو عصر فحكمه حكم مالو شك في النية لأن التعيين شرط.
ويحتمل أن يتمها نفلاً كما لو احرم بفرض فبان قبل وقته (مسألة) (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته إنقلب نفلاً) لأن نية الفرض تشتمل على نية النفل فإذا بطلت نية الفرضية بقيت نية مطلق الصلاة (مسألة) (وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً جاز، ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفرداً يريد الصلاة في جماعة) متى أحرم بفرض في وقته ثم قلبه نفلاً فإن كان لغير غرض كره وصح لأن النفل يدخل في نية الفرض، أشبه مالو أحرم بفرض فبان قبل وقته وكما لو قلبها لغرض، ذكره أبو الخطاب ويكره ذلك لأنه أبطل عمله.
وقال القاضي في موضع لا يصح رواية واحدة، كما لو إنتقل من فرض إلى فرض، وقال في الجامع يخرج على روايتين (إحداهما) يصح لما ذكرنا (والثانية) لا يصح لأنه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة، وللشافعي قولان كالوجهين.
وإن كان لغرض صحيح مثل من أحرم منفرداً فحضرت جماعة فقلبها نفلاً ليحصل فضيلة الجماعة صح من غير كراهة لما ذكرنا، وقال القاضي: فيه روايتان (إحداهما) لا تصح لما ذكرنا (والثانية) تصح لتحصل له مضاعفة الثواب (مسألة) (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان) تبطل الأولى لأنه قطع نيتها ولا تصح الثانية لأنه لم ينوها من أولها (مسألة) (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما) يشترط أن ينوي الإمام أنه إمام والمأموم أنه مأموم لأن الجماعة يتعلق بها أحكام وجوب الإتباع وسقوط السهو عن المأموم وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية فكانت شرطاً، فإن نوى أحدهما دون صاحبه لم يصح ولأن الجماعة إنما تنعقد بالنية فاعتبرت منهما قياساً لأحدهما على الآخر فإن صلى رجلان ينوي كل واحد منهما أنه إمام صاحبه أو مأموم له فصلاتهما فاسدة نص عليهما لأنه إئتم بمن ليس بإمام في الصورة الثانية وأم من لم يأتم به في الأولى، ولو رأى رجلين يصليان فنوى الإئتمام

بالمأموم لم يصح لأنه إئتم بمن ليس بإمام وإن نوى الإئتمام بأحدهما لا بعينه لم يصح حتى يعين الإمام لأن تعيينه شرط.
وإن نوى الإئتمام بهما معاً لم يصح لأنه إئتم بمن ليس بإمام ولأنه لا يجوز الإئتمام بأكثر من واحد.
ولو نوى الإئتمام بإمامين لم يجز لأنه لا يمكن إتباعهما معاً (مسألة) (فإن أحرم منفرداً ثم نوى الإئتمام لم يصح في أصح الروايتين) متى أحرم منفرداً ثم نوى جعل نفسه مأموماً بأن تحضر جماعة فينوي الدخول معهم في صلاتهم ففيه روايتان (إحداهما) يجوز سواء كان أول صلاته أو في أثنائها لأنه نقل نفسه إلى الجماعة فجاز كما لو نوى الإمامة (والثانية) لا يجوز وهي أصح لأنه نقل نفسه مؤتماً فلم يجز كالإمام، وفارق نقله إلى الإمامة لأن الحاجة تدعو إليه قال أحمد في رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثاً ينوي الظهر ثم جاء المؤذن فأقام الصلاة: سلم من هذه وتصير له تطوعاً ويدخل معهم.
قيل له فإن دخل مع القوم في الصلاة واحتسب به؟ قال لا يجزئه بها حتى ينوي بها الصلاة مع الإمام في إبتداء الفرض (مسألة) (وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي) إذا أحرم منفرداً ثم إنتقل إلى نية الإمامة في النفل صح نص عليها أحمد لما روى ابن عباس قال بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متطوعاً من الليل فقام إلى القربة فتوضأ فصلى فقام - فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي (1) من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن متفق عليه واللفظ لمسلم، وروت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام الناس يصلون بصلاته (فصل) فأما في الفريضة فان كان ينتظر أحداً كإمام المسجد يحرم وحده وينتظر من يأتي ويصلي معه جاز ذلك نص عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم وحده فجاء جابر وجبار فصلى بهما رواه أبو داود.
والظاهر أنها كانت مفروضة لأنهم كانوا مسافرين وإن لم يكن كذلك لم يصح وهو قول الثوري واسحاق وأصحاب الرأي في الفرض والنفل جميعاً لأنه لم ينو الإمامة في إبتداء الصلاة أشبه مالو أئتم بمأموم.
ويحتمل أن يصلي وقد روي عن أحمد ما يدل عليه وهو مذهب الشافعي، قال شيخنا: وهو الصحيح إن شاء الله لأنه قد ثبت في النفل بحديث ابن عباس وعائشة والأصل

مساواة الفرض للنفل في النية ومما يقوي ذلك حديث جابر وجبار في الفرض ولأن الحاجة تدعو إليه فصح كحالة الاستخلاف.
وبيانها أن المنفرد إذا جاء قوم فأحرموا معه فإن قطع الصلاة وأخبرهم بحاله قبح لما فيه من إبطال العمل وإن أتم الصلاة ثم أخبرهم بفساد صلاتهم فهو أقبح وأشق وقياسهم ينتقض بحالة الاستخلاف والله أعلم (مسألة) (وإن أحرم مأموماً ثم نوى الإنفراد لعذر جاز) لما روى جابر قال صلى معاذ بقومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له نافقت قال ما نافقت ولكن لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال " أفتان أنت يا معاذ؟ " مرتين متفق عليه ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بالإعادة، والأعذار التي يخرج لأجلها مثل هذا والمرض وخشية غلبة النعاس أو شئ يفسد صلاته أو خوف فوات مال أو تلفه أو فوت رفقته أو من يخرج من الصف ولا يجد من يقف معه ونحو ذلك (مسألة) (وإن كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين) لأنه ترك متابعة إمامه لغير عذر أشبه مالو تركها من غير نية المفارقة (والثانية) يصح كما إذا نوى المنفرد الإمامة بل ههنا أولى فان المأموم قد يصير منفرداً بغير نية وهو المسبوق إذا سلم إمامه والمنفرد لا يصير مأموماً بغير نية بحال (مسألة) (وإن نوى الإمامة لإستخلاف الإمام له إذا سبقه الحدث صح في ظاهر المذهب) وجملة ذلك أنه إذا سبق الإمام الحدث فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة روى ذلك عن عمر وعلي وهو قول الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن أحمد رواية أخرى أن صلاة المأمومين تبطل، وقال أبو بكر تبطل صلاتهم رواية واحدة لأنه فقد شرط صحة الصلاة في حق الإمام فبطلت صلاة المأموم كما لو تعمد الحدث ولنا أن عمر رضي الله عنه لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة ولم ينكره منكر فكان إجماعاً.
فإن لم يستخلف الإمام فقدم المأمومون رجلاً فأتم بهم جاز وإن صلوا وحداناً جاز قال الزهري في امام ينو به الدم أو يرعف: ينصرف وليقل أتموا صلاتكم وإن قدمت كل طائفة من المأمومين إماماً فصلى بهم فقياس المذهب جوازه، وقال أصحاب الرأي تفسد صلاتهم، ولنا أن لهم أن يصلوا وحداناً فجاز لهم أن يقدموا رجلاً كحالة ابتداء الصلاة وإن قدم بعضهم رجلاً وصلى الباقون وحداناً جاز.
(فصل) فأما إن فعل ما يبطل صلاته عامداً فسدت صلاة الجميع فإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاة المأمومين نص عليه أحد في الضحك وروى عن أحمد فيمن سبقه الحدث الروايتان وقد ذكرناه

(فصل) فأما الإمام الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته ويلزمه استئنافها قال أحمد يعجبني أن يتوضأ ويستأنف وهذا قول الحسن وعطاء والنخعي لما روى علي بن طلق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته " رواه أبو داود ولأنه فقد شرط الصلاة في أثنائها على وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير ففسدت صلاته كما لو تنجس نجاسة يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك، وفيه رواية ثانية أنه يتوضأ ويبني روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته " وعنه رواية ثالثة إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ وإن كان من غيرهما بنى لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ والأثر إنما ورد في غيرها والأولى أولى وحديثهم ضعيف (فصل) قال أصحابنا يجوز إستخلاف من سبق ببعض الصلاة ولمن جاء بعد حدث الإمام فيبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة، وإذا استخلف من جاء بعد حدث الإمام فينبغي أن تجب عليه قراءة الفاتحة ولا يبنى على قراءة الإمام لأن الإمام لم يتحمل عنه القراءة ههنا ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين.
وحكي هذا القول عن عمر وعلي وأكثر من قال بالإستخلاف، وقيه رواية أخرى أنه مخير بين أن يبني أو يبتدئ.
قال مالك يصلي لنفسه صلاة تامة فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه حتى يتم ويسلم بهم لأن إتباع المأمومين للإمام أولى من إتباعه لهم وكذلك على الرواية الأولى ينتظرونه حتى يقضي ما فاته ويسلم بهم لأن الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف فانتظارهم له أولى وإن سلموا ولم ينتظروه جاز.
وقال ابن عقيل يستخلف من يسلم بهم والأولى إنتظاره وإنهم أن سلموا لم يحتاجوا إلى خليفة لأنه لم يبق من الصلاة إلا السلام فلا حاجة الى الإستخلاف فيه.
قال شيخنا ويقوى عندي أنه لا يصح الإستخلاف في هذه الصورة لأنه أن بنى جلس في غير موضع جلوسه وصار تابعاً للمأمومين وإن ابتدأ جلس المأمومون في غير موضع جلوسهم ولم يرد الشرع بهذا وإنما ثبت الإستخلاف في موضع الإجماع حيث لم يحتج إلى شئ من هذا فلا يلحق به ما ليس في معناه (فصل) فإن سبق المأموم الحدث في فساد صلاته الروايات الثلاث فإن كان مع الإمام من تنعقد به صلاة غيره وإلا فحكمه كحكم الإمام معه فيما فصلناه في قياس المذهب وإن فعله عمداً بطلت صلاته وصلاة الإمام لان ارتباط الإمام بالمأموم كإرتباط صلاة المأموم بالإمام فما فسد ثم فسد ههنا وما صح ثم صح ههنا (مسألة) (وإن سبق إثنان ببعض الصلاة فأتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما فعلى وجهين)

(أحدهما) يصح لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة لعذر فجاز كالإستخلاف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وأبو بكر في الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتم بهم الصلاة (والثاني) لا يصح بناء على عدم جواز الإستخلاف (مسألة) (وإن كان لغير عذر لم يصح) يعني إذا إنتقل عن إمامه إلى إمام آخر فأتم به أو صار المأموم إماماً لغيره من غير عذر لم يصح لأنه إنما ثبت جواز ذلك في محل العذر بقضية عمر رضي الله عنه وغير حال العذر لا يقاس عليه (مسألة) (وإن أحرم إماماً لغيبة إمام الحي ثم حضر إمام الحي في أثناء الصلاة فأحرم بهم وبني على صلاة خليفته وصار الإمام مأموماً فهل يصح على وجهين) روي عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات (أحدها) يصح لما روى سهل بن سعد قال ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فصلى أبو بكر فجاء رسول الله والناس في الصلاة فخلص حتى وقف في الصف فإستأخر أبو بكر حتى إستوى في الصف وتقدم النبي فصلى ثم انصرف متفق عليه.
وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان جائزاً لأمته ما لم يقم دليل الإختصاص (والرواية الثانية) أن ذلك يجوز للخليفة دون بقية الإئمة نص عليه في رواية المروذي لأن رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الأئمة فلا يلحق بها غيرها (والثالثة) لا يصح لأنه لا حاجة إليه وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون خاصاً به لأن أحداً لا يساويه في الفضل ولا ينبغي أن يتقدم عليه بخلاف غيره ولهذا قال أبو بكر ما كان لا بن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصول في أدب المشي إلى الصلاة) يستحب للرجل إذا أقبل إلى الصلاة أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وعليه السكينة ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته فإن كل خطوة يكتب له بها حسنة، لما روى زيد بن ثابت قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه فقارب في الخطا ثم قال " أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة " ويكره أن يشبك بين أصابعه لما روى كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة " رواه أبو داود (فصل) ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة

وهو يقول " اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نوراً، وإجعل في بصري نوراً، وإجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، وإجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً وأعطني نوراً " أخرجه مسلم.
وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وإبتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله إليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك " رواه الإمام أحمد وابن ماجة (فصل) فإن سمع الإقامة لم يسع إليها لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " وعن أبي قتادة قال بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال " ما شأنكم " قالوا استعجلنا إلى الصلاة فقال " لا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكنية فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " متفق عليهما.
قال الامام أحمد فإن طمع أن يدرك التكبيرة فلا بأس أن يسرع شيئاً ما لم تكن عجلة تقبح.
جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شيئاً إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى (فصل) فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وإذا خرج قدم اليسرى.
ويقول ما روى مسلم بإسناده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم إفتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسلك من فضلك " وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وقال " رب أغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " وإذا خرج صلي على محمد وقال " رب اغفر لي وافتح لي أبواب فضلك " فإذا دخل لم يجلس حتى يركع ركعتين، لما روى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " متفق عليه.
ثم يجلس مستقبل القبلة فإنه قد روي خير المنازل ما استقبل به القبلة، ويشتغل بذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو يسكت ولا يشبك أصابعه لما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه " رواه الإمام أحمد في المسند

(باب صفة الصلاة) روى محمد بن عمر وابن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فاعرض قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يرفع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصوب رأسه ولا يقنعه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا، ثم يقول الله أكبر ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ويسجد، ثم يقول الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا أقام من الركعة فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يفعل ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر.
قالوا صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم رواه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وفي لفظ رواه البخاري قال فإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار إلى مكانه فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين

جلس على اليسرى ونصب الأخرى فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وجلس متوركا على شقه الأيسر وقعد على مقعدته (مسألة) (يستحب أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة) قال ابن عبد البر: على هذا أهل الحرمين.
وقال الشافعي يقوم إذا فرغ المؤذن من الإقامة وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم والزهري يقومون في أول بدوة من الإقامة.
وقال أبو حنيفة يقوم إذا قال حي على الصلاة فإذا قال قد قامت الصلاة كبر وكان أصحاب عبد الله يكبرون كذلك وبه قال النخعي واحتجوا بقول بلال: لا تسبقني بآمين.
فدل على أنه كان يكبر قبل فراغه.
وعندنا لا يستحب أن يكبر إلا بعد فراغه من الإقامة وهو قول الحسن وأبي يوسف والشافعي واسحاق وعليه جل الأئمة في الأمصار، وإنما قلنا يقوم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة لأن هذا خبر بمعنى الأمر ومقصوده الإعلام ليقوموا فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالا للأمر وإنما قلنا إنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكبر بعد فراغه يدل عليه ما روى عنه أنه كان يعدل الصفوف بعد اقامة الصلاة فروى أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال " سووا صفوفكم وتراصوا فإني

أراكم من وراء ظهري " رواه البخاري.
ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن فروى أبو داود عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " أقامها الله وأدامها " وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، فأما حديثهم فإن بلالا كان يقيم في موضع أذانه وإلا فليس بين لفظ الإقامة والفراغ منها ما يفوت بلالا " آمين " مع النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا ثبت هذا فإنما يقوم المأمومون إذا كان الإمام في المسجد أو قريبا منه.
قال أحمد ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام لما روى أبو هريرة قال كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه.
رواه مسلم، فأما إن أقيمت الصلاة والإمام في غير المسجد ولم يعلموا قربه لم يقوموا لما روى أبو قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت " رواه مسلم (مسألة) (ثم يسوي الإمام الصفوف) وذلك مستحب، يلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم الله وعن يساره كذلك لما ذكرنا من الحديث ولما روى محمد بن مسلم قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدري لم صنغ هذا العود؟ قلت: لا والله، فقال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمنه فقال " اعتدلوا وسووا صفوفكم " ثم أخذه بيساره وقال

" اعتدلوا وسووا صفوفكم " رواه أبو داود، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " متفق عليه (فصل) قيل لاحمد قبل التكبير تقول شيئاً؟ قال لا، يعني ليس قبله دعاء مسنون إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولأن الدعاء يكون بعد العبادة لقوله تعالى " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (مسألة) (ويقول الله أكبر لا يجزئه غيرها) لا تنعقد الصلاة إلا بقول الله أكبر: وهو قول مالك وكان ابن مسعود والثوري والشافعي يقولون افتتاح الصلاة التكبير، وعليه عوام أهل الحديث قديما وحديثا إلا أن الشافعي قال: تنعقد بقوله الله الأكبر لأن الألف واللام لم تغيره عن بنيته ومعناه وإنما أفادت التعريف، وقال أبو حنيفة تنعقد بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم كقوله الله عظيم أو كبير أو جليل وسبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله ونحوه قول الحاكم لأنه ذكر لله على وجه التعظيم أشبه قوله الله أكبر ولأن الخطبة لا يتعين في أولها لفظ كذلك هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " تحريمها التكبير " رواه أبو داود، وقوله للمسئ في صلاته " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " متفق عليه، وفي حديث رفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقبل الله صلاة امرئ.
حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر " رواه أبو داود، وكان

النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بقوله " الله أكبر " لم ينقل عنه عدول عن ذلك حتى فارق الدنيا وقياسهم يبطل بقوله اللهم اغفر لي، ولا يصح القياس على الخطبة لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها لفظ بعينه في جميع الخطبة ولا أمر به ولأنه يجوز فيها الكلام بخلاف الصلاة، وما قاله الشافعي عدول عن المنصوص، فأشبه ما لو قال الله العظيم، وقولهم لم يغير بنيته ولا معناه ممنوع لأن التنكير متضمن لإضمار أو تقدير بخلاف التعريف فإن معنى قوله " الله أكبر " أي من كل شئ ولأن ذلك لم يرد في كلام الله تعالى ولا في كلام رسوله ولا في المتعارف في كلام الفصحاء إلا كما ذكرنا فإطلاق لفظ التكبير ينصرف إليها دون غيرها كما أن إطلاق لفظ التسمية إنما ينصرف إلى قوله بسم الله دون غيره، وهذا يدل على أن غيرها لا يساويها (فصل) والتكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به لا يسقط في عمد ولا سهو وهو قول مالك والشافعي وقال سعيد بن المسيب والحسن والزهري والاوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح أجزأته تكبيرة الركوع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " تحريمها التكبير " فدل على أنه لا يدخل الصلاة بدونه (فصل) ولا يصح إلا مرتبا فإن نكسه لم يصح لأنه لا يكون تكبيرا، ويجب على المصلي أن يسمعه نفسه إماماً كان أو غيره إلا أن يكون به عارض من طرش أو ما يمنع السماع فيأتي به بحيث لو كان سميعا أو لا عارض به سمعه لأنه ذكر محله اللسان فلا يكون كاملا بدون الصوت.
والصوت

ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه فمتى لم يسمعه لم يعلم أنه أتى بالقول والرجل والمرأة سواء فيما ذكرنا (فصل) ويبين التكبير ولا يمد في غير موضع المد فإن فعل بحيث لم يغير المعنى مثل أن يمد الهمزة الأولى في اسم الله تعالى فيقول آلله فيصير استفهاما أو يمد أكبر فيصير ألفا فيبقى جمع كبر وهو الطبل لم يجز لتغير المعنى، وإن قال الله أكبر وأعظم ونحوه لم يستحب، نص عليه وانعقدت به الصلاة (مسألة) (فإن لم يحسنها لزمه تعلمها فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته) وجملة ذلك أنه لا يجزئه التكبير بغير العربية مع قدرته عليها، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة يجزئه لقول الله تعالى (وذكر اسم ربه فصلى) وهذا قد ذكر اسم ربه ولنا ما تقدم من النصوص وهي تخص ما ذكروه فإن لم يحسن العربية لزمه تعلم التكبير بها لأنه ذكر واجب في الصلاة لا تصح بدونه فلزمه تعلمه كالقراءة فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته في أظهر الوجهين وهو مذهب الشافعي لأنه ذكر عجز عنه بالعربية فلزمه الإتيان به بغيرها كالفظ النكاح، ولأن ذكر الله تعالى يحصل بكل لسان (والثاني) لا يصح ذكره القاضي في الجامع ويكون حكمه حكم الأخرس لأنه ذكر تنعقد به الصلاة فلم يجز التعبير عنه بغير العربية كالقراءة فإن عجز عن بعض اللفظ أو بعض الحروف أتى بما يمكنه كمن عجز عن بعض الفاتحة (فصل) فإن كان أخرس لو عاجزا عن التكبير بكل لسان سقط عنه وعليه تحريك لسانه ذكره

القاضي في المجرد لأن الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر.
قال شيخنا: وهذا غير صحيح لأنه قول عجز عنه فلم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة وإنما لزمه تحريك لسانه مع التكبير ضرورة توقف التكبير عليه فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته كمن سقط عنه القيام سقط عنه النهوض إليه وإن قدر عليه، ولأن تحريك لسانه بغير النطق مجرد عبث فلم يرد الشرع به كالعبث بسائر جوارحه (مسألة) ويجهر الإمام بالتكبير كله ليسمع المأمومون فيكبروا بتكبيره فان لم يمكنه إسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم أو يسمع من لا يسمعه الإمام لما روى جابر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا متفق عليه (مسألة) (ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه) لا يستحب لغير الإمام الجهر بالتكبير لأنه لا حاجة إليه وربما ليس على المأمومين إلا أن يحتاج إلى الجهر بالتكبير ليسمع المأمومين كما ذكرنا ويجب عليه أن يكبر بحيث يسمع نفسه وكذلك القراءة لأنه لا يسمى كلاما بدون ذلك وقد ذكرناه قبل هذا (فصل) وعليه أن يأتي بالتكبير قائما فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعا قبل إنهاء التكبير لم تنعقد صلاته إن كانت فرضاً لأن القيام فيها واجب ولم يأت به، وإن كانت نافلة فظاهر قول القاضي أنها تنعقد فإنه قال إن كبر في الفريضة في حال انحنائه إلى الركوع انعقدت نفلا لسقوط القيام فيه فإذا تعذر الفرض وقعت نفلا كمن أحرم بفريضة فبان قبل وقتها.
قال شيخنا: ويحتمل أن لا تنعقد النافلة إلا أن يكبر في حال قيامه أيضا لأن صفة الركوع غير صفة القعود ولم يأت بالتكبير قائما ولا قاعدا

ولأن عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه (فصل) ولا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير.
وقال أبو حنيفة يكبر معه كما يركع معه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " متفق عليه والركوع مثل ذلك، إلا أنه لا تفسد صلاته بالركوع معه لأنه قد دخل في الصلاة، وههنا بخلافه فإن كبر قبل إمامه لم تنعقد صلاته وعليه إعادة التكبير بعد تكبير الإمام (فصل) والتكبير من الصلاة خلافا لأصحاب أبي حنيفة في قولهم ليس منها لأنه أضافه إليها في قوله " تحريمها التكبير " ولا يضاف الشئ الى نفسه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة " إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " رواه مسلم.
وما ذكروه فلا يصح، فإن أجزاء الشئ تضاف إليه كيد الإنسان وسائر أطرافه

(مسألة) (ثم يرفع يديه مع ابتداء التكبير ممدودة الأصابع مضموما بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه) رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مستحب بغير خلاف نعلمه، قال إبن المنذر: لا يختلف أهل العلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، فروى

ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين متفق عليه.
وهو مخير في رفعهما إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه؟ يعني أنه يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع لأن كلا الأمرين قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالرفع إلى المنكبين قد روي في حديث ابن عمر، ورواه علي وابو هريرة وهو قول الشافعي وإسحاق، والرفع إلى حذو الأذنين رواه واثل بن حجر ومالك بن الحويرث من رواية مسلم وقال به ناس من أهل العلم إلا أن ميل أبي عبد الله إلى الأول لكثرة رواته وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
وجوز الآخر لصحة روايته فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا، ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ويضم بعضها إلى بعض لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا، وقال الشافعي: السنة أن يفرق أصابعه، وقد روى ذلك عن أحمد لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينشر أصابعه للتكبير ولنا ما رويناه وحديثهم خطأ قاله الترمذي، ثم لو صح كان معناه المد، قال أحمد: أهل العربية قالوا هذا الضم - وضم أصابعه - وهذا النشر - ومد أصابعه - وهذا التفريق - وفرق أصابعه - ولأن النشر لا يقتضي التفريق كنشر الثوب

(فصل) ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه فإذا انقضى التكبير حط يديه لأن الرفع للتكبير فكان معه.
فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما لأنه سنة فات محلها وإن ذكره في أثناء التكبير رفعهما لبقاء محله، فان لم يمكنه رفع اليدين إلى المنكبين رفعهما قدر الإمكان، وإن أمكنه رفع إحداهما حسب رفعها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " فان لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما لأنه يأتي بالسنة وزيادة مغلوب عليها وهذا كله قول الشافعي.
وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحيث يمكن لما روى وائل بن حجر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة، وفي رواية قال ثم جئت في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تتحرك أيديهم تحت الثياب رواهما أبو داود وفيه فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم ولا فرق في ذلك بين النافلة والفريضة والإمام والمأموم والمنفرد لعموم الأخبار والله أعلم (مسألة) (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى ويجعلهما تحت سرته) وضع اليمنى على اليسرى

في الصلاة مسنون روي عن علي وأبي هريرة والنخعي وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وحكاه ابن المنذر عن مالك والذي عليه أصحابه إرسال اليدين روى ذلك عن ابن الزبير والحسن ولنا ما روى قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه، رواه الترمذي وقال حديث حسن وعليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، وعن غطيف قال: ما نسيت من الأشياء فلم أنس أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمنه على شماله في الصلاة من المسند.
ويضعهما على كوعه أو قريبا منه لما روى وائل بن حجر أنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في وصفه ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى - والرسغ والساعد (فصل) ويجعلهما تحت سرته، روى ذلك عن علي وأبي هريرة والثوري واسحاق قال علي رضي الله عنه من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة، رواه الإمام أحمد وأبو داود، وعن أحمد أنه يضعهما على صدره فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير والشافعي لما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فوضع يديه على صدره إحداهما إلى الأخرى، وعنه رواية ثالثة أنه مخبر في ذلك لأن الجميع مروي والأمر في ذلك واسع (مسألة) وينظر إلى موضع سجوده وذلك مستحب لأنه أخشع للمصلي، وأكف لنظره.
قال محمد بن سيرين وغيره في قوله تعالى (والذين هم في صلاتهم خاشعون) هو أن لا يرفع بصره عن موضع سجوده.
قال أبو هريرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل

(الذين هم في صلاتهم خاشعون) رموا بأبصارهم إلى موضع السجود (مسألة) (ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) الاستفتاح من سنن الصلاة في قول أكثر أهل العلم، وكان مالك لا يراه بل يكبر ويقرأ لما روى أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين متفق عليه.
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسفتح بما سنذكره وعمل به الصحابة رضي الله عنهم فكان عمر يستفتح به صلاته يجهر به ليسمعه الناس، وعبد الله بن مسعود.
وحديث أنس أراد به القراءة كما روى أبو هريرة يقول الله تعالى " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " وفسره بالفاتحة مثل قول عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ويتعين حمله على هذا لما ذكرنا من فعل عمر وهو ممكن روى عنه أنس (1) (فصل) ومذهب أحمد رحمه الله الاستفتاح الذي ذكرنا وقال: لو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح كان حسنا، والذي ذهب إليه أحمد قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود والثوري واسحاق وأصحاب الرأي، قال الترمذي.
وعليه العمل عند أهل العلم من التابعين وغيرهم.
وذهب الشافعي وابن المنذر إلى الاستفتاح بما روي عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لاحسن الاخلاق لا يهدي لاحسنها

إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت ربنا وتعاليت، أستغفرك وأتوب اليك " راه مسلم وأبو داود.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت إسكاتة حسنة، قال هنيهة بين التكبير والقراءة.
فقلت يا رسول الله؟ أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد " متفق عليه.
وإنما اختار أحمد رحمه الله الاستفتاح الأول لما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.
وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله من رواية النسائي والترمذي ورواه أنس أيضا وعمل به عمر بين يدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك اختاره أحمد وجوز الاستفتاح بغيره لكونه قد صح، الا أنه قد قال في حديثهم بعضهم يقول في صلاة الليل ولأن العمل به متروك، فإنا لا نعلم أحداً يستفتح به كله، وإنما يستفتحون بأوله قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالاستفتاح وعليه عامة أهل العلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر به وإنما جهر به عمر ليعلم الناس، فإن نسيه أو تركه عمدا حتى شرع في الاستعاذة لم يعد إليه لأنه سنة فات محلها، وكذلك إن نسي التعوذ حتى شرع في القراءة لم يعد إليه لذلك (مسألة) (ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة سنة في قول الحسن وابن سيرين والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول " أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه "

قال الترمذي هذا أشهر حديث في هذا الباب.
وقال مالك لا يتسعيذ لحديث أنس وقد مضى جوابه وصفتها كما ذكرنا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي للآية.
وقال ابن المنذر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وعن أحمد أنه يقول " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " لحديث أبي سعيد فإنه متضمن للزيادة، ونقل حنبل عنه أنه يزيد بعد ذلك " أن الله هو السميع العليم " وهذا كله واسع وكيفما استعاذ فحسن (مسألة) (ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) قراءة بسم الله الرحمن الرحيم مشروعة في الصلاة في أول الفاتحة وأول كل سورة في قول أكثر أهل العلم، وقال مالك والاوزاعي لا يقرؤها في أول الفاتحة لحديث أنس، وعن ابن عبد الله بن المغفل قال سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني محدث، إياك والحدث، قال ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام - يعني منه - فإني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها فإذا صليت فقل (الحمد لله رب العالمن) رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا ما روى عن نعيم المجمر أنه قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن وقال والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي، وروى ابن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم.
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية والحمد لله رب العالمين آيتين.
فأما حديث أنس فقد سبق جوابه ثم يحمل على ان الذي كان يسمع منهم الحمد لله رب العالمين وقد جاء مصرحاً به فروى شعبة وشيبان عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ كلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر بسم الله الرحمن

الرحيم وأبا بكر وعمر، رواه ابن شاهين، وحديث عبد الله بن المغفل محمول على هذا أيضاً جمعاً بين الأخبار، ولأن مالكا قد سلم أنه يستفتح بها في غير الفاتحة والفاتحة أولى لأنها أول القرآن وفاتحته (مسألة) (وليست من الفاتحة وعنه أنها منها ولا يجهر بشىء من ذلك) قد مضى ذكر الاستفتاح ولا نعلم خلافاً في أنه لا يجهر بالاستعاذة، فأما بسم الله الرحمن الرحيم فالجهر بها غير مسنون عند أحمد رحمه الله لا اختلاف عنه فيه، قال الترمذي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود وعمار وابن الزبير وهو قول الحكم وحماد والاوزاعي والثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي، ويروى الجهر بها عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وهو مذهب الشافعي لحديث أبي هريرة أنه قرأ بها في الصلاة وقد قال ما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفي علينا أخفينا عنكم متفق عليه، وعن أنس أنه صلى وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وقال أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما تقدم من حديث أم سلمة ولأنها آية من الفاتحة فيجهر بها الإمام في صلاة الجهر كسائر آياتها ولنا ما ذكرنا من حديث أنس وعبد الله بن المغفل، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، متفق عليه وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم يدل على أنه لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم، وأما حديث أبي هريرة الذي احتجوا به فليس فيه أنه جهر بها ولا يمتنع أن يسمع منه حال الإسرار كما سمع الاستفتاح والاستعاذة من النبي صلى الله عليه وسلم مع إسراره بهما فقد روي انه كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الظهر من رواية أبي قتادة

متفق عليه، وكذلك حديث أم سلمة ليس فيه ذكر الجهر وباقي أخبار الجهر ضعيفة لأن رواتها هم رواة الإخفاء بإسناد صحيح ثابت لا يختلف فيه فدل على ضعف ما يخالفه، وقد بلغنا أن الدارقطني قال: لم يصح في الجهر حديث (فصل) وليست من الفاتحة في إحدى الروايتين عن أحمد وهي المنصورة عند أصحابنا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والاوزاعي، ثم اختلف عن أحمد فيها فقيل هي آية منفردة كانت تنزل بين كل سورتين فصلا بين السور (1) وقيل عنه إنها هي بعض آية من سورة النمل (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) (والرواية الثانية) أنها آية من الفاتحة خاصة تجب قراءتها في الصلاة أولا اختارها أبو عبد الله بن بطة وأبو حفص وهو قول ابن المبارك والشافعي واسحاق وأبي عبيد، قال عبد الله بن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية، وكذلك قال الشافعي لحديث أم سلمة.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قرأتم (الحمد لله رب العالمين) فاقرءوا (بسم الله الرحمن الرحيم) فإنها أم الكتاب وإنها السبع المثاني " وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها ولأن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها في المصاحف ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن، ووجه الرواية الأولى ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال (مالك يوم الدين) قال الله مجدني عبدي فإذا قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال " هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " رواه مسلم فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية لعدها وبدأ بها ولم

يتحقق التنصيف، فإن قيل فقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان " يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي " قلنا ابن سمعان متروك الحديث لا يحتج به قاله الدارقطني وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " سورة هي ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي تبارك الذي بيده الملك " وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم ولأن مواضع الآي كالآي في أنها لا تثبت إلا بالتواتر ولا تواتر في هذا.
فأما حديث أم سلمة فلعله من رأيها أو نقول هي آية مفردة للفصل بين السور وحديث أبي هريرة موقوف عليه فان راويه أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال قال أبو بكر: راجعت فيه نوحا فوقفه، وإما إثباتها بين السور فللفصل بينها ولذلك كتبت سطرا على حدتها والله أعلم.

(مسألة) (ثم يقرأ الفاتحة وفيها إحدى عشرة تشديدة) قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والثوري والشافعي واسحاق.
وروي عن عمر وعثمان ابن أبي العاص وخوات بن جبير رضي الله عنهم أنهم قالوا لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
وروى عن أحمد أنها لا تتعين ويجزئ قراءة آية من القرآن أي آية كانت وهو قول أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " وقول الله تعالى (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ولأن الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الأحكام كذلك في الصلاة

ولنا ما روى عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " متفق عليه.
ولأن القراءة ركن في الصلاة فكانت معينة كالركوع والسجود.
فأما خبرهم فقد روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي " ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل