الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 357-396
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(مسألة) (وإن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد، وعنه على كل واحد جزاء، وعنه إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة) روي عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة ثلاث روايات (إحداهن) أن الواجب جزاء واحد وهو الصحيح.
يروى هذا عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء والزهري والنخعي والشعبي والشافعي واسحاق (والثانية) على كل واحد جزاء ذكرها ابن أبي موسى اختارها أبو بكر، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة، ويروى عن الحسن لأنها كفارة قتل يدخلها الصوم أشبهت كفارة قتل الآدمي (والثالثة) إن كان صوماً فعلى كل واحد منهم صوم تام، وإن كان غيره فجزاء واحد، وإن أهدى أحدهما أو أطعم وصام الآخر فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر صيام تام لأن الجزاء ليس بكفارة، وإنما هو بدل بدليل أن الله تعالى عطف عليه الكفارة فقال (فجزاء مثل ما قتل من النعم..أو كفارة) والصيام كفارة فيكمل ككفارة قتل الآدمي ولنا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) والجماعة إنما قتلوا صيدا فلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتحاد الجزاء في الهدي وجب اتحاده في الصيام لأن الله تعالى قال (أو عدل ذلك صياما) والاتفاق حاصل على أنه معدول بالقيمة إما قيمة المتلف أو قيمة مثله فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفاً ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحداً كالدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع فلا تتبعض في إبعاضه ولا تختلف باختلافه، فلم يتبعض على الجماعة بخلاف مسئلتنا (فصل) فإن كان شريك المحرم حلالاً أو سبعاً فالجزاء كله على المحرم في أحد الوجهين وفيه وجه آخر إن على المحرم بحصته كالمحرمين وقد ذكرناه (فصل) وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمي فالجزاء بينهما نصفين لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما نصفه ولا يزداد الواجب على المحرم باجتماع حرمة الإحرام والحرم، وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع الفعل منهما معا أو يجرحه أحدهما قبل الآخر ويموت منهما فإن جرحه أحدهما وقتله الآخر فعلى الجارح ما نقصه على ما مضى، وعلى القاتل جزاؤه مجروحاً (فصل) وان قتل صيداً مملوكاً ضمنه بالقيمة لمالكه والجزاء لله تعالى لأنه حيوان مضمون بالكفارة فجاز أن يجتمع التقويم في التكفير فلا ضمانه كالعبد

(فصل) وإذا قتل القارن صيداً فعليه جزاء واحد نص عليه أحمد فقال: إذا قتل القارن صيداً فعليه جزاء واحد وهؤلاء يقولون جزاآن فليزمهم أن يقولوا في صيد الحرم ثلاثة لأنهم يقولون في الحل اثنين ففي الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة وهذا قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي جزاآن، وكذلك إذا تطيب أو لبس، قال القاضي وإذا قلنا على القارن طوافان لزمه جزاآن ولنا قوله تعالى (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) ومن أوجب جزائين فقد أوجب مثلين، ولأنه صيد واحد فلم يجب فيه جزآان كما لو قتل المحرم في الحرم صيداً (باب صيد الحرم ونباته) (مسألة) (وهو حرام على الحلال والمحرم فمن أتلف من صيده شيئاً فعليه ما على المحرم في مثله) الأصل في تحريمه النص والإجماع، أما النص فما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من النهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها " فقال العباس يارسول الله: إلا الاذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إلا الاذخر " متفق عليه.
وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم (فصل) وفيه الجزاء على من يقتله بمثل ما يجزي به الصيد في الإحرام، وحكي عن داود أنه لا جزاء فيه لأن الأصل براءة الذمة ولم يرد فيه نص فيبقى بحاله

ولنا أن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في الحمام الحرم بشاة شاة، روى ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون إجماعاً، ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى أشبه الصيد في حق المحرم (فصل) للصوم مدخل في ضمان صيد الحرم عند الأكثرين خلافا لابي حنيفة ولنا أنه يضمن بالإطعام فيضمن بالصيام كالصيد في الإحرام (فصل) ويجب في حمام الحرم شاة، وقال أبو حنيفة فيه في الحرم شاة، وفي حمام الحل في الحرم حكومة، وفي حمام الحرم في الحل روايتان (إحداهما) حكومة (والثانية) شاة ولنا ما ذكرنا من قضاء الصحابة ولم يفرقوا.
ذكر هذين الفصلين القاضي أبو الحسن (فصل) وكل ما يضمن في الإحرام يضمن في الحرم إلا القمل فإنه يباح في الحرم بغير خلاف لأنه حرم في حق المحرم لأجل الترفه وهو مباح في الحرم كإباحة الطيب واللبس (فصل) ويضمن صيد الحرم في حق المسلم والكافر، والكبير والصغير، والحر والعبد، وقال أبو حنيفة لا يضمنه الصغير ولا الكافر ولنا أن الحرمة تعلقت بمحله بالنسبة إلى الجميع فوجب ضمانه كالآدمي

(فصل) ويضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة كصيد الإحرام والواجب عليهما جزاء واحد نص عليه أحمد، وظاهر كلامه أنه لافرق بين كون الدلالة في الحل والحرم، وقال القاضي لا جزاء على الدال إذا كان في الحل، والجزاء على المدلول وحده كالحلال إذا دل محرماً ولنا أن قتل الصيد الحرمي حرام على الدال فيضمن بالدلالة كما لو كان في الحرم يحققه أن صيد الحرم محرم على كل أحد لقوله عليه السلام " لا ينفر صيدها " وفي لفظ " لا يصاد صيدها " وهذا عام في كل أحد، ولأن صيد الحرم معصوم بمحله فحرم قتله عليهما كالملتجئ إلى الحرم، وإذا ثبت تحريمه عليهما فيضمن بالدلالة ممن يحرم عليه قتله كما يضمن بدلالة المحرم عليه، وكل ما يضمن به في الإحرام يضمن به في الحرم ومالا فلا لأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى فيضمن بكل ما به في الإحرام وكان حكمه حكمه في وجوب الضمان وعدمه قياساً عليه (مسألة) (وإن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم، او أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين) إذا رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم، او أرسل جارحاً عليه فقتله، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل ضمنه، وبه قال الشافعي والثوري وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن

أحمد رواية أخرى لاجزاء عليه لان القاتل حلال في الحل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ينفر صيدها " ولم يفرق بين من هو في الحل والحرم، وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم وهذا من صيده، ولأن صيد الحرم معصوم بمحله لحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم كالملتجئ، وكذلك الحكم لو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم فإنه يضمن الفراخ لما ذكرنا دون الأم لأنها من صيد الحل وهي حلال (مسألة) (وان قتل من الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه، أو صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم، او أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين) هذه المسائل عكس التي قبلها والصحيح أنه لا ضمان في ذلك لأنه ليس من صيد الحرم، قال أحمد فيمن أرسل كلبه في الحرم فصاد في الحل فلا شئ عليه، وعنه رواية أخرى عليه الضمان في جميع الصور وعن الشافعي ما يدل عليه، وذهب الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر فيمن قتل طائراً على غصن في الحل أصله في الحرم لا جزاء عليه، وهو ظاهر قول أصحاب الرأي، وقال اسحاق وابن الماجشون عليه الجزاء لأن الغصن تابع للأصل وهو في الحرم ولنا أن الأصل حل الصيد حرم صيد الحرم بالنص والإجماع فبقي ما عداه على الأصل ولأنه صيد حل أصابه حلال فلم يحرم كما لو كانا في الحل، ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم، أو صيد المحرم وليس هذا واحداً منهما

(فصل) وإن كان الصيد والصائد في الحل فرماه بسهمه، أو أرسل كلبه عليه فدخل الحرم ثم خرج فقتل الصيد في الحل فلا جزاء فيه، وبه قال أصحاب الرأي وأبو ثور وابن المنذر، وحكي عن الشافعي أن عليه الجزاء ولنا ما ذكرنا قال القاضي لا يزيد سهمه على نفسه، ولو عدا بنفسه فسلك الحرم في طريقه ثم قتل صيداً في الحل لم يكن عليه شئ فسهمه أولى (مسألة) (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيدا في الحرم فعلى وجهين، وان فعل ذلك بسهمه ضمنه) أما إذا رمى من الحل صيداً فيه فقتل صيدا في الحرم فعليه الجزاء، وبهذا قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور لا جزاء عليه ولنا أنه قتل صيداً حرمياً فلزمه جزاؤه كما لو رمى حجراً في الحرم فقتل صيداً.
يحققه أن الخطأ كالعمد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أحدهما، فأما إن أرسل كلبه على صيد في الحل فقتله في الحرم فنص أحمد على أنه لا يضمنه وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يرسل الكلب على الصيد في الحرم، وإنما دخل باختيار نفسه أشبه مالو استرسل بنفسه، وقال عطاء وأبو حنيفة وصاحباه عليه الجزاء لأنه قتل صيداً حرمياً بإرسال كلبه عليه فضمنه كما لو قتله بسهمه وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز

وحكى صالح عن أحمد أنه إن كان الصيد قريباً من الحرم ضمنه لأنه فرط بإرساله وإلا لم يضمنه وهذا قول مالك فإن قتل صيداً غيره لم يضمنه، وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يرسل الكلب على ذلك الصيد فأشبه مالو استرسل بنفسه، وفيه رواية أخرى أنه يضمن إن كان الصيد قريباً من الحرم لأنه مفرط فأشبه المسألة التي قبلها.
إذا ثبت هذا فإنه لا يأكل الصيد في هذه المواضع كلها ضمنه أولا لأنه صيد حرمي قتل في الحرم كما لو ضمنه، ولأننا إذا ألغينا فعل الآدمي صار الكلب كأنه استرسل بنفسه فقتله (فصل) فإن رمى الحلال من الحل صيداً فجرحه فتحامل الصيد فدخل الحرم فمات فيه حل أكله ولا جزاء فيه لأن الذكاة حصلت في الحل فأشبه مالو جرح صيداً ثم أحرم فمات الصيد بعد إحرامه ويكره أكله لموته في الحرم (فصل) وإن وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم فقتله قاتل ضمنه تغليباً للحرم وبه قال أصحاب الرأي وأبو ثور وإن نفر صيداً من الحرم فأصابه شئ في حال نفوره ضمنه لأنه تسبب إلى إتلافه فأشبه ما لو تلف بشركة أو شبكته وإن سكن من نفوره ثم أصابه شئ لم يضمنه نص عليه وهو قول الثوري لأنه لم يكن سبباً لإتلافه وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه وقع على ردائه حمامة فأطارها فوقعت على واقف فانتهزتها حية فاستشار عثمان ونافع بن الحارث فحكما عليه

بشاة وهذا يدل على أنهم رأوا عليه الضمان بعد سكونه فإن انتقل عن المكان الثاني فأصابه شئ فلا ضمان عليه لأنه خرج عن المكان الذي طرد إليه وقول الثوري وأحمد يدل على هذا قال سفيان إذا طردت في الحرم شيئاً فأصاب شيئاً قبل أن يقع أو حين وقع ضمنت وإن وقع من ذلك المكان الى مكان آخر فليس عليك شئ فقال أحمد رحمه الله جيد (فصل) قال المصنف رحمه الله (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه إلا اليابس والاذخر وما زرعه الآدمي وفي جواز الرعي وجهان) أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم البري الذي لم ينبته الآدمي وعلى إباحة أخذ الاذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين حكى ذلك ابن المنذر والأصل ما روينا من حديث ابن عباس وروى أبو شريح وأبو هريرة بنحوه والكل متفق عليها وفي حديث أبي هريرة " ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها " وروى الأثرم حديث أبي هريرة وفيه " لا يعضد شجرها ولا يحتش حشيشها ولا يصاد صيدها " فأما ما أنبته الآدمي من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل له قلعه من غير ضمان كالزرع، وقال القاضي: ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعي في شجر الحرم الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه، وحكى ابن البنا في الخصال

مثل ذلك لعموم قوله عليه السلام " ولا يعضد شجرها " وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما أنبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه ولا فيما أنبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم ونحوه لأن الحرم يختص تحريمه ما كان وحشياً من الصيد كذلك الشجر، وقول شيخنا وما زرعه الآدمي يحتمل اختصاصه بالزرع دون الشجر فيكون كما حكاه ابن البنا وهو قول الشافعي ويحتمل أن يعم جميع ما يزرع كقول أبي الخطاب ويحتمل أن يريد ما أنبت الآدميون حشيشه، قال شيخنا والأولى الاخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله إلا ما أنبته الآدميون من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي من الحيوان فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله أنسيا دون من تأنس من الوحشي كذا ههنا (فصل) ويحرم قطع الشوك والعوسج وقال القاضي وابو الخطاب وابن عقيل لا يحرم وروي عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي لأنه يؤذي بطبعه أشبه السباع من الحيوان ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا يعضد شوكها " وفي حديث أبي هريرة " لا يختلي شوكها " وهذا صريح وهو راجح على القياس (فصل) ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه بمنزلة الميت ولا يقطع ما انكسر ولم يبن لأنه قد تلف فهو بمنزلة الظفر المنكسر ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من

الشجر بغير فعل آدمي ولا فيما سقط من الورق نص عليه ولا نعلم فيه خلافاً لأن الخبر إنما ورد في القطع وهذا لم يقطع فأما إذا قطعه آدمي فقال أحمد لم أسمع إذا قطع ينتفع به وقال في الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به كالصيد يذبحه المحرم ويحتمل إن يباح لغير القطع للانتفاع به لأنه انقطع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو أقلعته الريح ويفارق الصيد الذي ذبحه لأن الذكاة يعتبر لها الأهلية ولهذا لا يحصل بفعل البهيمة بخلاف هذا (فصل) وليس له أخذ ورق الشجر وقال الشافعي له أخذه لأنه لا يضر به وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ورخص فيه عمرو بن دينار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها " رواه مسلم ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطير وقولهم لا يضر به ممنوع فإنه يضعفه وربما آل إلى تلفه (فصل) ويحرم قطع حشيش الحرم إلا ما استثناه الشرع من الاذخر وما أنبته الآدميون واليابس لقوله عليه السلام " لا يحتش حشيشها " وفي استثنائه الاذخر دليل على تحريم ما عداه وفي جواز رعيه وجهان (أحدهما) لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل

عليه ما يتلفه كالصيد (والثاني) يجوز وهو مذهب عطاء والشافعي لان الهديا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه فلم ينقل أنها كانت تسد أفواهها ولأن الحاجة تدعو إليها أشبه قطع الاذخر ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع لانه لاأصل له فأشبه الثمرة وروى حنبل قال يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس (مسألة) (ومن قطعه ضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقصه فإن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين) يجب الضمان في إتلاف شجر الحرم وحشيشه، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك وأبو داود وابن المنذر لا يضمن لأن المحرم لا يضمنه في الحل فلا يضمن في الحرم كالزرع قال إبن المنذر لااجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضا في كتاب ولا سنة ولا إجماع وأقول كما قال مالك نستغفر الله تعالى ولنا ما روى أبوهشيمة قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بشجر كان في المسجد بضر بأهل الطواف فقطع وفدا قال وذكر البقرة رواه حنبل في المناسك وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة قال والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة ونحوه عن عطاء ولأنه ممنوع منه لحرمة الحرم فضمن كالصيد ويخالف المحرم فانه لايمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم إذا ثبت هذا فإنه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما

نقص كأعضاء الحيوان، وبه قال الشافعي وقال أصحاب الرأي يضمن الكل بقيمته، وعن أحمد مثل ذلك وعنه في الغصن الكبير شاة ولنا قول ابن عباس وعطاء لأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد فإن قطع غصناً أو حشيشاً فاستخلف سقط ضمانة كما لو قطع شعر آدمي فنبت وفيه وجه آخر أنه لا يسقط لأن الثاني غير الأول فهو كما لو حلق المحرم شعراً فعاد (فصل) ومن قلع شجرة من الحرم فغرسها في مكان آخر فيبست ضمنها، لأنه أتلفها وإن غرسها في الحرم فنبتت لم يضمنها لأنه لم يتلفها ولم تزل حرمتها وإن نقصت ضمن نقصها وإن غرسها في الحل فنبتت فعليه ردها إليه لأنه أزال حرمتها فإن تعذر ردها أو ردها فيبست ضمنها وإن قلعها غيره من الحل فقال القاضي الضمان على الثاني لأنه أتلفها فإن قيل فلم لا يجب على المخرج كالصيد إذا نفره إنسان من الحرم فقتله إنسان في الحل فإن الضمان على المنفر قلنا الشجر لا ينتقل بنفسه ولا تزول حرمته بإخراجه ولهذا وجب على مخرجه رده والصيد يكون تارة في الحرم وتارة في الحل فمن نفره فقد فوت حرمته فلزمه جزاؤه وهذا لم يفوت حرمتها بالإخراج فكان الجزاء على المتلف لأنه أتلف شجراً حرمياً محرماً إتلافه (مسألة) (وإن قطع غصنا في الحل أصله في الحرم ضمنه وإن قطع غصناً في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين) إذا كانت الشجرة في الحرم غصها في الحل فعلى قاطعة الضمان لأنه تابع لأصله وإن كانت في

الحل وغصنها في الحرم لم يضمنه في أحد الوجهين اختاره القاضي لأنه نابع لأصله فهي كالتي قبلها وفي الآخر يضمنه اختاره ابن أبي موسى لأنه في الحرم فإن كان بعض الأصل في الحرم وبعضه في الحل ضمن الغصن سواء كان في الحل أو في الحرم تغليباً لحرمة الحرم كالصيد الواقف بعضه في الحل وبعضه في الحرم (فصل) يكره إخراج تراب الحرم وحصاه لأن ابن عباس وابن عمر كرهاه ولا يكره إخراج ماء زمزم لأنه يستخلف فهو كالثمرة (فصل) قال رحمه الله ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة القائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه صيد المدينة وشجرها وحشيشها حرام، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرم لأنه لو كان محرماً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً ولوجب فيه الجزاء كصيد الحرم ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المدينة حرم مابين ثور إلى عير " متفق عليه وروى تحريم المدينة أبو هريرة ورافع وعبد الله بن زيد في المتفق عليه ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس رضي الله عنهم وهذا يدل على تعميم البيان وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم وقد قبلوه وأثبتوا أحكامه على أنه ليس بممتنع أن يبينه بياناً خاصاً أو بينه بيانا عام فينقل خاصاً كصفة الاذان والإقامة

(فصل) ويفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين (أحدهما) انه يجوز أنه يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف لما روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا يارسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا فقال " القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شئ " قيل المسند مرود البكرة

فاستثنى ذلك وجعله مباحاً كاستثناء الاذخر بمكة وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المدينة حرام مابين عائر إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره " رواه أبو داود ولا المدينة يقرب منها وزرع فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر بخلاف مكة (الثاني) إن من صاد من خارج المدينة صيداً ثم أدخله إليها لم يلزمه

إرساله نص عليه أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم " يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " وهو طائر صغير فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة ولم ينكر ذلك وحرمه مكة أعظم من حرمة المدينة بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم وإذا جاز إمساك الصيد فيها جاز ذبحه فيها كغيرها

(مسألة) (ولا جزاء في صيد المدينة وعنه جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه) ليس في صيد المدينة وشجرها جزاء في إحدى الروايتين وهو قول أكثر أهل العلم لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وج (والثانية) فيه الجزاء روى ذلك عن ابن أبي ذئب وهو قول الشافعي القديم وابن المنذر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إني أحرم المدينة مثل ما حرم

إبراهيم مكة " ونهى أن يعضد شجرها ويؤخذ طيرها فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك إذا لم يظهر بينهما فرق وجزاؤه إباحة سلب القاتل لما أخذ لما روى مسلم باسناده عن عامر بن سعد أن سعداً رضي الله عنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً ويخبطه فسلبه فلما جاء سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم فقال معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول

الله صلى الله عليه وسلم وأبي أن يرد عليهم، وعن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من وجد أحداً يصيد فيه فليسلبه رواه أبو داود فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله أو قاطع الشجر سلبه وهو أخذ جميع ثيابه حتى السراويل فإن كان على دابة لم يملك أخذها لأن الدابة ليست من السلب وإنما أخذها

قاتل الكافر في الجهاد لأنها يستعان بها في الحرب بخلاف مسئلتنا فإن لم يسلبه أحد فلا شئ عليه سوى التوبة (مسألة) (وحد حرمها بين ثور إلى عير وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى) حد حرم المدينة ما بين لا بيتها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما

بين لابيتها حرام " متفق عله واللابة الحرة وهي أرض بها حجارة سود قال أحمد رحمه الله: ما بين لابيتها حرام بريد في بريد كذا فسره مالك بن أنس والبرد أربعة فراسخ وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى رواه مسلم وقد روي علي رضي الله عنه أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال " حرم المدينة ما بين ثور إلى عير " متفق عليه قال أهل العلم بالمدينة لا نعرف بها ثوراً ولا عيراً وإنما هما جبلان بمكة فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد قدر ما بين ثور وعير ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة وسماها ثوراً وعيراً تجوزاً والله تعالى أعلم

(فصل) ولا يحرم صيد وج ولا شجره وهو واد بالطائف، وقال أصحاب الشافعي يحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صيد وج وعضاهها محرم " رواه الإمام أحمد ولنا أن الأصل الإباحة والحديث ضعفه أحمد ذكره أبو بكر الخلاف في كتاب العلل (باب ذكر دخول مكة) يستحب الاغتسال لدخول مكة لأن عبد الله بن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك رواه

البخاري ولأن مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها استحب له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة والمرأة كالرجل وإن كانت حائضاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد حاضت " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " ولأن الغسل يراد للتنظيف وهو يحصل مع الحيض وهذا مذهب الشافعي وفعله عروة والأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون والحرث بن سويد (مسألة) (ويستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من السفلى (1) وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها متفق عليهما ولا بأس بدخولها ليلاً ونهاراً لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ليلاً ونهاراً رواهما النسائي (فصل) ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة لما روى جابر في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد رواه مسلم وغيره (مسألة) فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفا وتكريما ومهاية وبرا، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا، الحمد الله رب العالمين كثيراً كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله وعظيم شأنه، الحمد الله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلاً، والحمد الله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت يرفع بذلك صوته) يستحب رفع اليدين عند رؤية البيت يروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي واسحاق وكان مالك لا يرى رفع اليدين كما روي عن المهاجر المكي قال سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ فقال ما كنت أظن أحداً يفعل هذا إلا اليهود حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله رواه النسائي ولنا ما روى ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة وعلى الموقفين والجمرتين " وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قول جابر وخبره عن ظنه وفعله وقد خالفه ابن عمر وابن عباس ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء (فصل) ويستحب أن يدعو عند رؤية البيت بالدعاء الذي ذكرناه لما روى ابن جريج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وبرا

وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً " وعن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام رواهما الشافعي بإسناده وباقي الدعاء ذكره الأثرم وابراهيم الحربي قال بعض أصحابنا ويرفع بذلك صوته وما زاد في الدعاء فحسن (فصل) إذا دخل المسجد فذكر صلاة مفروضة أو فائته أو أقيمت الصلاة المكتوبة قدمهما على الطواف لأن ذلك فرض والطواف تحية ولأنه لو أقيمت الصلاة وهو في طوافه قطعه لأجلها فلأن يبدأ بها أولى وإن خاف فوات ركعتي الفجر أو الوتر أو حضرت جنازة قدمها لأنها تفوت بخلاف الطواف (مسألة) ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً وبطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً) يستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ بالطواف بالبيت اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن جابرا قال في حديثه حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت متفق عليه وروى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله ابن عمر وغيرهم ولأن الطواف تحية المسجد الحرام فاستحب البداية به كما استحب لداخل غيره من المساجد البداية بتحية المسجد بصلاة ركعتين فإن كان معتمراً به أبطواف العمرة ولم يحتج إلا أن يطوف لها طواف قدوم لأن المقصود به تحية المسجد ومن دخل المسجد وقد قامت الصلاة اشتغل بها وأجزأت عن تحية المسجد كذلك ههنا وإن كان مفرداً أو قارناً بدأ بطواف القدوم وهي سنة بغير خلاف (مسلئة) (ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الا يمن وطرفيه على عاتقه الايسر) صفة الاضطباع ما ذكره ههنا وهو مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان افتعال منه وكان أصله اضتبع فقلبوا التاء طاء لأن التاء متى وقعت بعد صاد أو ضاد أو طاء ساكنة فلبت طاء وهو مستحب في طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع ومن في معناه لما روى أبو داود وابن ماجة عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً ورويا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى، وبه قال الشافعي وكثير من أهل العلم وقال مالك ليس الاضطباع بسنة وقال لم أسمع أحداً من بلدنا يذكر أن الاضطباع سنة وقد ثبت بما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه وقد أمر الله تعالى باتباعه وقد روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اضطبع ورمل وقال ففيم الرمل، ولم نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بل لن ندع شيئاً فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود (فصل) فإذا فرغ من الطواف سوى ردائه لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة وقال الاثرم

يزيل الاضطباع إذا فرغ من الرمل والأول أولى لأن قوله طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعاً ينصرف إلى جميعه ولا يضطبع في السعي وقال الشافعي يضطبع فانه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضطبع فيه والسنة في الاقتداء به قال أحمد رحمه الله ما سمعنا فيه شيئاً ولا يصح القياس إلا فيما عقل معناه وهذا تعبد محض (مسألة) (ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله وإن شاء استلمه وقبل يده وإن شاء أشار إليه ثم يقول الله أكبر إيمانا بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كلما استلمه يبتدئ الطواف من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه فان حاذاء ببعضه احتمل أن يجزئه لأنه حكم يتعلق بالبدن فأجزأ فيه بعضه كالحد ويحتمل أن لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر واستلمه وظاهر هذا أنه استقبله بجميع بدنة ولأن ما لزمه استقباله لزمه لجميع بدنة كالقبلة فإذا قلنا بوجوب فذلك فلم يفعله أو بدأ بالطاف من دون الركن كالباب ونحوه لم يحتسب له بذلك الشوط ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده ويصير الثاني أوله لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه وأتى على جميعه فمتى أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وأجزأه وإلا فلا (فصل) ثم يستلمه ويقبله ومعنى الاستلام المسح باليد مأخوذ من السلام وهي الحجارة فإذا مسح الحجر قيل استلم أي مس السلام قاله ابن قتيبة وذلك لما روى أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول

الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
متفق عليه وروى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنه قال استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فقال " يا عمر ههنا تسكب العبرات " فإن لم يكن الحجر موجوداً والعياذ بالله فإنه يقف مقابلاً مكانه ويستلم الركن فإن شق استلامه وتقبيله استمله وقبل يده روى ذلك عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس والثوري والشافعي واسحاق وقال مالك يضع يده على فيه من غير تقبيل ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده رواه مسلم فان شق عليه استلمه بشئ في يده وقبله رواه ابن عباس مرفوعاً أخرجه مسلم والاقام بحذائه واستقبله بوجهه وأشار إليه وكبر وهلل وكذا إن طاف راكباً لما روى البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشئ في يده وكبر.
فإن أمكنه استلامه بشئ في يده كالعصا ونحوه فعل، فقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن.
وهذا كله مستحب ويستحب أن يقول عنده ماروى عبد الله بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند استلامه " بسم الله والله أكبر إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم " يقول ذلك كلما استلمه

(مسألة) (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره) لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف كذلك وقد قال " لتأخذوا عني مناسككم " ولأن الله تعالى أمر بالطواف مجملاً وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله (مسألة) (فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده) الركن اليماني قبلة أهل اليمن وهو آخر ما يمر عليه من الأركان في طوافه لأنه يبدأ بالركن الذي فيه الحجر الأسود وهو قبلة أهل خراسان ثم يأخذ على يمين نفسه فينتهي إلى الركن الثاني وهو العراقي ثم يمر بالثالث وهو الشامي وهذان الركنان يليان الحجر ثم يأتي على الرابع وهو الركن اليماني واستلامه مستحب ولا يستحب تقبيله، وقال الخرقي يقبله والصحيح عن أحمد الأول وهو قول أكثر أهل العلم وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يستلم الركن اليماني قال ابن عبد البر جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والركن الأسود لا يختلفون في شئ من ذلك وإنما الذي فرقوا به بينهما التقبيل فرأوا تقبيل الأسود ولم يروا تقبيل اليماني وأما استلامهما فأمر مجتمع عليه قال وقد روي مجاهد عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده الأيمن عليه قال وهذا لا يصح إنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، وقال ابن عمر ما تركت استلامهما منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما في شدة ولا رخاء رواهما مسلم ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم عليه السلام فسن استلامه كالركن الأسود فأما تقبيله فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسن

(فصل) وأما العراقي والشامي وهما الركنان اللذان يليان الحجر فلا يسن استلامهما في قول الأكثرين وروي عن أنس ومعاوية وجابر وابن الزبير والحسن والحسين رضي الله عنهم استلامهما قال معاوية ليس شئ من البيت مهجور ولنا قول ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني وقال ما أراه يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك وروى ابن عباس أن معاوية طاف فجعل يستلم الأركان كلها وقال له ابن عباس لم تستلم هذين الركنين ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية ليس شئ من هذا البيت مهجوراً.
فقال ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . فقال معاوية: صدقت ولأنهما لم يتما على قواعد إبراهيم عليه السلام فلم بسن استلامها كالحائط الذي يلي الحجر (مسألة) (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول منها وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى ولا يثب وثباً ويمشي أربعا) يجب الطواف سبعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً ويرمل في الثلاثة الأول منها من الحجر إلى الحجر ومعنى الرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطو من غير وثب وهو سنة في الأشواط الثلاثة من

طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافاً ويمشي أربعة أشواط لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً رواه جابر وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وأحاديثهم متفق عليها فإن قيل إنما رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم إن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنها سنة ثابتة وقال ابن عباس رمل النبي صلى الله عليه وسلم في عمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده رواه الإمام أحمد في المسند وقد ذكرنا حديث عمر إذا ثبت أن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة فإنه يرمل من الحجر إلى الحجر لا يمشي في شئ منها روى ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم وسالم بن عبد الله يمشي مابين الركنين لما روى ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم الحمى فقال المشركون إنه يقدم عليكم قوم قدوهنتهم حمى يثرب ولقوامنها شراً فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فلما قدموا قعد المشركون مما يلي الحجر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ويمشوا مابين الركنين ليري المشركين جلدهم فلما رأوهم رملوا قال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد منا قال ابن عباس ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم متفق عليه

ولنا ماروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر ومن رواية مسلم عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر حتى انتهى إليه وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه منها أن هذا إثبات ومنها أن رواية ابن عباس أخبار عن عمرة القضية وهذا إخبار عن فعله في حجة الوداع فيكون متأخراً فيجب تقديمه ومنها أن ابن عباس كان صغيراً في تلك الحال وجابر وابن عمر كانا رجلين يتبعان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ويحرصان على حفظها فهما أعلم ويحتمل أن يكون ماقاله ابن عباس اختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم وما رويناه سنة في سائر الناس (فصل) ولا يسن الرمل في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم وطواف العمرة فإن ترك الرمل والاضطباع فيها لم يقضه في الأربعة الباقية لانها هيئة فان موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين الأولتين ولأن المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة فإذا رمل في الأربعة

الأخيرة كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه كمن ترك الجهر في الأولتين من العشاء وجهر في الآخرتين فإن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الاول أنى به في الاثنين الباقيين وإن تركه في اثنين أتى به في الثالث كذلك قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأولتين لا يسقطه في الثانية (فصل) وإن نسي الرمل فليس عليه إعادة لأن الرمل هيئة فلم تجب الإعادة بتركه كهيئات

الصلاة وكالاضطباع في الطواف ولو تركه عمداً لم يلزمه شئ، وبه قال عامة العلماء، وحكي عن الحسن والثوري وابن الماجشون أن عليه دما لانه نسك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من ترك نسكاً فعليه دم " ولنا أنها هيئة فلم يجب بتركها شئ كالاضطباع والحديث إنما يصح عن ابن عباس وقد قال: من ترك الرمل فلا شئ عليه.
ثم قد خص بالاضطباع (فصل) ويستحب الدنو من البيت في الطواف لأنه المقصود فإن كان قربة زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحداً وتمكن من الرمل وقف ليجمع بين الرمل والدنو من البيت وإن لم يظن ذلك وظن أنه إذا كان حاشية الناس تمكن من الرمل فعل وكان أولى من الدنو وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً أو يختلط بالنساء فالدنو أولى ويطول كيفما أمكنه فإذا وجد فرجة رمل فيها، وإن تباعد من البيت أجزأه ما لم يخرج من المسجد سواء حال بينه وبين البيت حائل من قبة أو غيره أو لم يحل لأن الحائل لا يضر في المسجد كما لو صلى مؤتماً بالإمام من وراء حائل فقد روت ام سلمة رضي الله عنها

قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال " طوفي من وراء الناس " قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت متفق عليه (مسألة) (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر لا إله إلا الله والله أكبر) يستحب استلام الحجر الركن اليماني في طوافه لأن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة قال نافع وكان ابن عمر يفعله رواه أبو داود فإن شق عليه استلامهما أشار إليهما لما روى البخاري بإسناده عن ابن عباس قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الركن أشار بيده وكبر (فصل) ويكبر كلما حاذى الحجر الأسود لما رويناه ويقول لا إله إلا الله والله أكبر قالت عاشئة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عزوجل رواه الاثرم وابن المنذر (مسألة) (ويقول بين الركنين (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار) لما روى أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار " وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وكل الله به - يعني الركن اليماني - سبعين ألف ملك فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة قالوا آمين (مسألة) (ويقول في سائر طوافه اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم) وكان عبد الرحمن بن عوف يقول رب قني شح نفسي وعن عروة قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لا إله إلا الله أنت، وأنت تحيي بعدما أمت، ويدعو بما أحب، ويكثر من ذكر الله تعالى، ويكثر الدعاء لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدع الحديث إلا ذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر أو ما لا بد له منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الطواف بالبيت صلاة فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير " (فصل) ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف، وبه قال مجاهد وعطاء والثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد كراهته وروي ذلك عن الحسن وعروة ومالك

ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في طوافه (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه، وقنا عذاب النار) وكان عمر وعبد الرحمن بن عوف يقولان ذلك في الطواف وهو قرآن، ولأن الطواف صلاة ولا تكره القراءة في الصلاة قال ابن المبارك: ليس شئ أفضل من القران (فصل) والمرأة كالرجل في البداية بالطواف وفيما ذكرنا إلا أنها إذا قدمت مكة نهاراً ولم تخش مجيئ الحيض استحب لها تأخير الطواف إلى الليل لأنه أستر، ولايستحب لها مزاحمة الرجال لتستلم الحجر لكن تشير إليه بيدها كالذي لا يمكنه الوصول إليه: قال عطاء كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين فقالت انطلقي عنك وأبت (1) فإن خشيت الحيض أو النفاس استحب لها تعجيل الطواف كي لا يفوتها (مسألة) (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع وليس في غير هذا الطواف رمل والا اضطباع) قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة وليس عليهن اضطباع وذلك لأن الأصل فيها إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك من النساء إنما يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف (فصل) وليس على أهل مكة رمل وهذا قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما وكان ابن

عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل لأن الرمل إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد.
والحكم فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة لما ذكرنا عن ابن عمر، ولأنه أحرم من مكة أشبه أهل البلد.
وليس عليهم اضطباع لأن من لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع كالنساء والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد وقلنا يشرع له طواف القدوم لم يرمل فيه.
قال أحمد رحمه الله: ليس على أهل مكة رمل البيت ولا بين الصفا والمروة (فصل) وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك وذكر القاضي أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة لأنهما سنة أمكن قضاؤها فتقضى كسنن الصلاة وليس بصحيح لما ذكرنا من أن من تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة.
وكذلك من ترك الجهر في صلاة الفجر لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا يقتضي القياس أن يقضي هيئة عبادة في عبادة أخرى.
قال القاضي ولو طاف فرمل واضطبع ولم يسع بين الصفا والمروة فإذا طاف بعد ذلك رمل في طوافه لأنه يرمل في السعي بعده وهو تبع في الطواف فلو قلنا لا يرمل في الطواف أفضى إلى كون التبع أكمل من المتبوع، وهذا قول مجاهد والشافعي قال شيخنا: وهذا لا يثبت بمثل هذا الرأي الضعيف فإن المتبوع لا تتغير هيئاته تبعاً كتبعة ولو كانا متلازمين كان ترك الرمل في السعي تبعاً لعدمه في الطواف أولى من الرمل في الطواف تبعا للسعي

(مسألة) (ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه وعنه لا يجزئه إلا لعذر ولا يجزيء عن الحامل) يصح طواف الراكب للعذر بغير خلاف علمناه لأن ابن عباس روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " متفق عليهما وقال جابر رضي الله عنه طاف النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم يسألوه فإن الناس غشوه، والمحمول كالراكب فيما ذكرنا قياساً عليه (فصل) فإن فعل ذلك لغير عذر فعن أحمد فيه ثلاث روايات (إحداهن) لا يجزئ وهو ظاهر كلام الخرقي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطواف بالبيت صلاة ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر كالصلاة " (والثانية) يجزئه ويجبره بدم وهو قول أبي حنيفة إلا أنه قال بعيد ما كان بمكة فإن رجع جبره بدم لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج أشبه مالو دفع من عرفة قبل الغروب (والثالثة) يجزئ ولا شئ عليه اختارها أبو بكر وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً قال إبن المنذر لا قول لأحد مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً فكيفما أتى به أجزأه ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل (فصل) والطواف راجلاً أفضل بغير خلاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حجة الوداع طاف ماشياً

وأصحابه طافوا مشاة وفي قول أم سلمة شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني أشتكي فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " دليل على أن الطواف إنما يكون مشياً وانا طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكباً لعذر فإن ابن عباس روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب رواه مسلم.
وكذلك في حديث جابر: فإن الناس غشوه (1) ورواه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طاف راكباً لشكاة به وبهذا يعتذر من منع الطواف راكباً عن طواف النبي صلى الله عليه وسلم والحديث الأول أثبت فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذراً، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد تعليم الناس فلا يتمكن إلا بالركوب (فصل) وإذا طاف راكباً أو محمولاً فلا رمل فيه وقال القاضي يخب به بعيره والصحيح الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به ولا يتحقق فيه معنى الرمل (فصل) فأما السعي محمولاً وراكباً فيجزئه لعذر ولغير عذر لأن المعنى الذي منع الطواف راكباً غير موجود فيه (فصل) من طيف به محمولاً لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن ينويا جميعاً عن المحمول أو ينوي المحمول على نفسه ولا ينوي الحامل شيئاً فيقع عنه دون الحامل بغير خلاف (الثاني) أن يقصدا

عن الحامل فيقع عنه ولا شئ للمحمول وكذلك أن نوى الحامل عن نفسه ولم ينو المحمول (الثالث) أن يقصد كل واحد عن نفسه فيقع للمحمول دون الحامل وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر يقع للحامل لأنه الفاعل.
وقال أبو حنيفة يقع لهما لأن كل واحد منهما طائف بنية صحيحة فأجزأ الطواف عنه كما لو لم ينو صاحبه شيئاً ولأنه لو حمله بعرفات لكان الوقوف عنهما كذا هذا، قال (شيخنا) وهو قول حسن، ووجه الأول أنه طواف أجزأ عن المحمول فلم يقع عن الحامل كما لو نويا جميعاً ولأنه طواف واحد فلم يقع عن شخصين كالراكب أما إذا حمله بعرفة فما حصل الوقوف بالحمل فإن المقصود الكون عفرفات وهما كائنان بها والمقصود ههنا الفعل وهو واحد فلا يقع عن شخصين ووقوعه عن المحمول أولى لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه فإنه لو لم يقصد الطواف بالمحمول لما حمله فإن تمكنه من الطواف لا يقف على حمله قصار المحمول مقصوداً لهما ولم يخلص قصد الحامل لنفسه فلم يقع لعدم التعيين.
وقال أبو حفص العكبري لا يجزئ الطواف عن واحد منهما لأن فعلا واحدا لا يقع عن اثنين وليس أحدهما أولى به من الآخر، وقد ذكرنا أن المحمول أولى بخلوص نيته لنفسه وقصد الحامل له فإن عدمت النية منهما أو نوى كل واحد منهما عن الآخر لم تصح لواحد منهما (مسألة) (وإن طاف منكساً أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة، أو ترك شيئاً من طوافه وإن قل أو لم ينوه لم يجزه) إذا نكس الطواف فجعل البيت على يمينه لم يجزه، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يعيد ما كان بمكة فإن رجع جبره بدم لأنه ترك هيئة فلم تمنع الأجزاء كترك الرمل والاضطباع ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البيت في الطواف على يساره وقال عليه الصلاة والسلام " لتأخذوا

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل