أراد إجابته لم يجبر على ترك أسيره ورد إلى مأمنه وقال أصحاب الشافعي يطلق الأسير ولا تطلق المشركة لأن المسلم حر لا يجوز أن يكون ثمن مملوكة ويقال إن اخترت شراءها فائت بثمنها ولنا أن هذا يفهم منه الشرط فوجب الوفاء به كما لو صرح به ولأن الكافر فهم منه ذلك وبنى عليه فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة وقولهم لا يكون الحر ثمن مملوكة قلنا لكن يصلح أن يفادى بها فقد فادى النبي صلى الله عليه وسلم بالأسيرة التي أخذها من سلمة بن الاكوع برجلين من المسلمين وفادى برجلين من المسلمين بأسير من الكفار ووفي لهم برد من جاء مسلماً وقال (إنه لا يصلح في ديننا الغدر) وإن كان رد المسلم إليهم ليس بحق لهم، ولأنه التزم اطلاقها فلزمه ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون على شروطهم - وقوله - إنه لا يصلح في ديننا الغدر) (مسألة) (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول قوله وعنه القول قول الأسير وعنه قول من يدل الحال على صدقة) إذا جاء المسلم بمشرك فادعى المشرك أنه أمنه وادعى المسلم أسره ففيه ثلاث روايات (إحداهن) القول قول المسلم لأن الأصل إباحة دم الكافر وعدم الأمان (والثانية) القول قول الأسير لأن صدقة محتمل فيكون ذلك شبهة تمنع قتله وهذا اختيار أبي بكر (والثالثة) يرجع إلى قول من يدل ظاهر الحال على صدقة فإن كان الكافر ذا قوة معه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفاً مسلوب السلاح فالظاهر كذبه فلا يلتفت الى قوله وقال أصحاب
الشافعي لا يقبل قوله وإن صدقه المسلم لأنه لا يقدر على أمانه فلم يقبل إقراره به ولنا أنه كافر لم يثبت أسره ولا نازعه فيه منازع فقبل قوله في الأمان كالرسول (فصل) ومن طلب الامان ليسمع كلام الله تعالى ويعرف شرائع الاسلام لزمه اجابتهم ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم فيه خلافاً وبه قال قتادة ومكحول والاوزاعي والشافعي وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز إلى الناس لقول الله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) قال الأوزاعي هي إلى يوم القيامة (مسألة) (ومن أعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه علينا حرم قتلهم واسترقاقهم) . إذا حصر المسلمون حصناً فناداهم رجل أمنوني افتح لكم الحصن جاز أن يعطوه أماناً فإن زياد بن لبيد لما حصر النحير قال الأشعث بن قيس أعطوني الأمان لعشرة افتح لكم الحصن ففعلوا فإن أشكل عليهم وادعى كل واحد من الحصن أنه الذي أمنوه لم يجز قتل واحد منهم، لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لاضرورة إليه فحرم الكل كما لو اشتبهت ميته بمذكاة وأخته بأجنبيات أو زان محصن بمعصومين، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافا ويحرم استرقاقهم أيضاً في أحد الوجهين وذكر القاضي أن أحمد نص عليه وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في تحريم
القتل فإن استرقاق من لا يحل استرقاقه محرم (والوجه الثاني) يقرع فيخرج صاحب الأمان بالقرعة ويسترق الباقون، قاله أبو بكر لأن الحق لواحد منهم غير معلوم فأخرج بالقرعة كما لو أعتق عبداً من عبيده وأشكل ويخالف القتل فإنه إراقة دم يندرئ بالشبهات بخلاف الرق، ولهذا يمتنع القتل في النساء والصبيان دون الاسترقاق، وقال الأوزاعي إذا أسلم واحد من أهل الحصن قبل فتحه أشرف علينا ثم أشكل فادعى كل واحد منهم أنه الذي أسلم سعى كل واحد منهم في قيمة نفسه ويترك له عشر قيمته وقياس المذهب أن فيها وجهين كالتي قبلها.
(فصل) قال أحمد إذا قال الرجل كف عني حتى أدلك على كذا فبعث معه قوماً ليدلهم فامتنع من الدلالة فلهم ضرب عنقه لأن أمانه بشرط ولم يوجد.
قال أحمد إذا لقي علجاً وطلب منه الأمان فلا يؤمنه لأنه يخاف شره وإن كانوا سرية فلهم أمانه يعني أن السرية لا يخافون من غدر العلج بخلاف الواحد وإن لقيت السرية اعلاجا فادعوا أنهم جاءوا مستأمنين فإن كان معهم سلاح لم يقبل منهم لأن حملهم السلاح يدل على محاربتهم وإن لم يكن معهم سلاح قبل قوله لأنه دليل على صدقهم.
(مسألة) (ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية وعند أبي
الخطاب لا يقيمون سنة إلا بجزية) .
يجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمن رسل المشركين ولما جاءه رسولا مسليمة (مسيلمة) قال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة ويجوز عقد الأمان لكل واحد منهما مطلقاً ومقيداً بمدة سواء كانت طويلة أو قصيرة بخلاف الهدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة لأن في جوازها مطلقة ترك للجهاد وهذا بخلافه ويجوز أن يقيموا مدة الهدنة بغير جزية، ذكره القاضي، قال أبو بكر هذا ظاهر كلام أحمد.
وقال أبو الخطاب عندي أنه لا يجوز أن يقيم سنة بغير جزية وهو قول الأوزاعي والشافعي لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ووجه الأول أنه كافر أبيح له الاقامة في دار الإسلام من غير التزام جزية فلم يلزمه كالنساء والصبيان ولأن الرسول لو كان مما لا يجوز أخذ الجزية منه لاستوى في حقه السنة وما دونها في أن الجزية لا تؤخذ منه في المدتين فإذا جازت له الإقامة في إحداهما جازت في الأخرى قياساً لها عليها وقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون) أي يلتزمونها ولم يرد حقيقة الإعطاء وهذا مخصوص منها بالاتفاق فإنه تجوز له الإقامة من غير التزام لها ولأن الآية تخصصت بما دون الحول فنقيس على المحل المخصوص.
(مسألة) (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان وادعى أنه رسول أو تاجر معه متاع يبيعه قبل منه) .
إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان وادعى أنه رسول قبل منه ولم يجز التعرض له لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما) ولأن العادة جارية بذلك وإن ادعى أنه تاجر وقد جرت العادة بدخول تجارهم إلينا لم يعرض له إذا كان معه ما يبيعه لأنهم دخلوا يعتقدون الامان أشبه مالو دخلوا بإشارة مسلم.
قال أحمد إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو ويريدون بلاد الاسلام لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع ولم يسأل عن شئ وإن لم يكن معه تجارة فقال جئت مستأمنا لم يقبل منه وكان الإمام فيه مخيراً ونحو هذا قول الاوزاعي والشافعي وكذلك إن كان جاسوساً لأنه حربي أخذ بغير أمان فأشبه المأخوذ في حال الحرب وإن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه في إحدى الروايتين لأنه أخذ بغير قتال في دار الإسلام فكان لآخذه كالصيد والحشيش والأخرى يكون فيئاً للمسلمين لأنه أخذ بغير قتال أشبه مالو أخذ في دار الحرب، وقد روي عن أحمد رحمه الله أنه سئل عن الدابة تخرج من بلد الروم أو تنفلت فتدخل القرية وعن القوم يضلون عن الطريق فيدخلون القرية من
قرى المسلمين فيأخذونهم فقال يكون لأهل القرية كلهم وسئل عن مركب بعث به ملك الروم وفيه رجاله فطرحته الريح إلى طرسوس فخرج إليه أهل طرسوس فقتلوا الرجالة واخذوا الأموال فقال هذا فيئ للمسلمين مما أفاء الله عليهم، وقال الزهري هو غنيمة وفيه الخمس.
(فصل) ومن دخل دار الحرب رسولاً أو تاجراً بأمانهم فخيانتهم محرمة عليه لانهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بترك خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ فهو معلوم في المعنى وكذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا فهو ناقض لأمانه ولأن خيانتهم غدر ولا يصلح في ديننا الغدر فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض شيئاً وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان رده إليهم وإلا بعث به إليهم لأنه أخذه على وجه يحرم عليه أخذه فلزمه رده كما لو أخذه من مال مسلم.
(مسألة) (وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الأمان في ماله يبعث إليه إن طلبه) وجملة ذك (ذلك) أن من دخل من أهل الحرب إلى دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلماً أو ذمياً أو أقرضهما إياه ثم عاد إلى دار الحرب لحاجة يقضيها أو رسولاً ثم يعود إلى دار الاسلام فهو على أمانه في
نفسه وماله لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة بدار الإسلام فأشبه الذمي إذا دخل لذلك، وإن دخل مستوطناً
أو محارباً بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي معه تبعاً فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله لاختصاص المبطل في نفسه فيختص البطلان به، فإن قيل إنما يثبت الأمان لماله تبعاً فإذا بطل في المتبوع بطل في التبع قلنا بل يثبت له الامان لمعنى وجد فيه وهو إدخاله معه وهذا يقتضي ثبوت الأمان له وإن لم يثبت في نفسه بدليل مالو بعثه مع مضارب له أو وكيل فإنه يثبت له الأمان وإن لم يثبت في نفسه ولم يوجد فيه ههنا ما يقتضي نقض الأمان فيه فبقي على ما كان عليه فإن أخذه معه إلى دار الحرب انتقض الأمان فيه كما انتقض في نفسه لوجود المبطل فيهما.
إذا ثبت هذا فإذا طلبه صاحبه بعث إليه وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما صح تصرفه لأنه ملكه وإن مات في دار الحرب انتقل المال إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه، وقال أبو حنيفة يبطل وهو قول الشافعي لأنه قد صار لوارثه ولم يعقد فيه أماناً فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله ولنا أن الأمان حق واجب لازم متعلق بالمال فإذا انتقل إلى الوارث انتقل بحقه كسائر الحقوق من الرهن والضمين والشفعة وهذا اختيار المزني ولأنه مال له أمان فينقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كالمال الذي مع مضاربه وإن لم يكن له وارث صار فيئاً لبيت المال كمال الذمي إذا مات وليس له وارث فإن كان له وارث في دار الإسلام لم يرثه ذكره القاضي لاختلاف الدارين والأولى أنه يرثه
لأن ملتهما واحدة فورثه كالمسلمين فإن مات المستأمن في دار الإسلام فهو كموته في دار الحرب سواء لأن المستأمن حربي تجري عليه أحكامهم وإن رجع إلى دار الحرب فسبي واسترق فقال القاضي يكون أمره موقوفاً حتى يعلم آخر أمره فإن مات كان فيئاً لأن الرقيق لا يورث وإن عتق كان له وإن لم يسترق ولكن من عليه الإمام أو فاداه فماله له وإن قتله فماله لورثته كما لو مات إن لم يسب لكن دخل دار الإسلام بغير أمان ليأخذ ماله جاز قتله وسبيه لأن ثبوت الأمان لماله لا يثبت الأمان لنفسه كما لو كان ماله وديعة بدار الإسلام وهو مقيم بدار الحرب (فصل) وإن أخذ المسلم من الحربي في دار الحرب مالاً مضاربه أو وديعة ودخل به دار الاسلام فهو في أمان حكمه حكم ما ذكرنا وإن أخذه ببيع في الذمة أو قرض فالثمن في ذمته عليه أداؤه إليه وإن اقترض حربي من حربي مالاً ثم دخل الينا فأسلم فعليه رد البدل لأنه أخذه على سبيل المعاوضة فأشبه ما لو تزوج حربية ثم أسلم لزمه مهرها (فصل) وإذا سرق المستأمن في دار الإسلام أو قتل أو غصب ثم عاد إلى دار الحرب ثم خرج مستأمناً مرة ثانية استوفي منه ما لزمه في أمانه الأول كما لو لم يدخل دار الحرب وإن اشترى عبداً مسلماً فخرج به إلى دار الحرب ثم قدر عليه لم يغنم لأنه لم يثبت ملكه عليه لكون الشراء باطلاً
ويرد بائعه الثمن إلى الحرب لأنه حصل في أمان فإن كان العبد تالفاً فعلى الحربي قيمته ويترادان الفضل (فصل) وإذا دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذمياً في دارناً ثم أرادت الرجوع لم تمنع إذا رضي زوجها أو فارقها وقال أبو حنيفة تمنع ولنا أنه عقد لا يلزم الرجل به المقام فلا يلزم المرأة كعقد الاجارة (مسألة) (وإذا أسر الكفار مسلماً فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة لزمه الوفاء لهم ولم يكن له أن يهرب) نص عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمنون عند شروطهم) وقال الشافعي لا يلزمه، وإن أطلقوه وأمنوه صاروا في أمان منه لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه فإن أمكنه المضي إلى دار الإسلام لزمه وإن تعذر عليه أقام وكان حكمه حكم من أسلم في دار الحرب فإن خرج فأدركوه وتبعوه قاتلهم وبطل الأمان لأنهم طلبوا منه الأمان وهو معصية (مسألة) (فإن لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب) أما إذا أطلقوه ولم يؤمنوه فله أن يأخذ منهم ما قدر عليه ويسرق ويهرب لم يؤمنهم ولم يؤمنوه وكذلك إن شرطوا كونه رقيقاً فرضي بذلك أولم يرض لأن كونه رقيقاً حكم شرعي لا يثبت عليه بقوله ولو ثبت لم يقتض أماناً له منهم ولا لهم منه وهذا مذهب الشافعي وإن أحلفوه على ذلك وكان مكرهاً لم تنعقد يمينه وإن كان مختاراً انعقدت يمينه ويحتمل أن تلزمه الإقامة إذا قلنا يلزمه الرجوع إليهم على ما نذكره في المسألة التي بعدها وهو قول الليث
(مسألة) (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً وإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء لهم إلا أن تكون امرأة فلا ترجع إليهم وقال الخرقي لا يرجع الرجل أيضاً) وجملة ذلك أن الأسير إذا أطلقه الكفار وشرطوا عليه أن يبعث إليهم بفدائه أو يعود إليهم واحلفوه فإن كان مكرهاً لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء لقول النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه، وإن لم يكره وقدر على الفداء الذي شرط على نفسه لزمه أداؤه وبه قال الحسن وعطاء والزهري والنخعي والثوري والاوزاعي ونص الشافعي على أنه لا يلزمه لأنه حر لا يستحقون بدله ولنا قول الله تعالى (وأوفو بعهد الله إذا عاهدتم) ولما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية على رد من جاءه مسلما وفي لهم وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى وفي الغدر مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده والحاجة داعية إليه فلزمه الوفاء كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة ولأنه عاهدهم على أداء مال فلزمه الوفاء لهم كثمن المبيع والمشروط في عقد الهدنة في موضع يجوز شرطه فإن عجز عن الفداء وكانت امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى (فلا ترجعونهن إلى الكفار) ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار
بعد صلحه على ردهن في قضية الحديبية وفيها فجاء نسوة مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن رواه أبو دواد وغيره وإن كان المفادى رجلا فقيه روايتان (إحداهما) لا يرجع اختاره الخرقي وهو قول الحسن والنخعي والثوري والشافعي لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب الخمر (والثانية) يلزمه وهو قول عثمان والزهري والاوزاعي لما ذكرنا في بعث الفداء ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً على رد من جاءه مسلما فرد أبا بصير وأبا جندل وقال (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) وفارق رد المرأة فإن الله تعالى فرق بينهما في هذا الحكم حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً على رد من جاءه منهم مسلماً فأمضى الله سبحانه ذلك في الرجال ونسخه في النساء وسنذكر الفرق بينهما في هذا الباب الذي بعده انشاء الله تعالى (فصل) فإن اشترى الأسير شيئاً مختاراً أو اقترضه فالعقد صحيح ويلزمه الوفاء لهم لأنه عقد معاوضة فأشبه مالو فعله غير الأسير وإن كان مكرهاً لم يصح وإن أكرهوه على قبضه لم يضمنه ولكن عليه رده إليهم إن كان باقيا لأنهم دفعوه إليه بحكم العقد وإن قبضه باختياره ضمنه لأنه قبضه باختياره عن عقد فاسد وإن باعه والعين قائمة لزمه ردها وإن عدمت رد قيمتها (فصل) وإذا اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو فإن كان بإذنه لزمه أن يؤدي إلى الذي اشتراه ما أداه فيه بغير خلاف علمناه لأنه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه فكان الثمن على الآمر كالوكيل، وإن كان بغير إذنه لزم الأسير الثمن أيضاً وبه قال الحسن والزهري والنخعي
ومالك والاوزاعي، وقال الثوري والشافعي وابن المنذر لا يلزمه لأنه تبرع بما لا يلزمه ولم يؤذن له فيه أشبه ما لو عمر داره ولنا ما روى سعيد بن عثمان بن مطر ثنا أبو جرير عن الشبعي (الشعبي) قال أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا العرب فكتب السائب بن الأكوع إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم فكتب عمر: أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما قسم فلا سبيل إليه.
وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى.
فحكم للتجار برؤوس أموالهم، ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه حقاً امتنع من أدائه، فعلى هذا إذا اختلفا في قدر الثمن فالقول قول الأسير وهو قول الشافعي إذا أذن له، وقال الأوزاعي القول قول المشتري لأنهما اختلفا في فعله وهو أعلم به ولنا ان الأسير منكر للزيادة والقول قول المنكر ولأن الأصل براءة ذمته من الزيادة فيرجح قوله بالأصل
(فصل) ويجب فداء أسير المسلمين إذا أمكن وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق.
ويروى عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي رضي الله عنهما على من فكاك الأسير؟ قال على الأرض التي يقاتل عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني)
وروى سعيد بإسناده عن حبان بن أبي جبلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن على المسلمين في فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم) وفادي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل، وفادى بالمرأة التي استوهب من سلمة بن الاكوع رجلين.
ويجب فداء أسير أهل الذمة سواء كانوا في معونتنا أو لا هذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول عمر بن عبد العزيز والليث لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم فلزمنا المدافعة من ورائهم والقيام دونهم فإذا عجزنا عن ذلك وأمكننا تخليصهم لزمنا ذلك كمن يحرم عليه إتلاف شئ فإذا أتلفه ضمن غرمه وقال القاضي إنما يجب فداؤهم إذا استعان بهم الامام في قتالهم فسبوا وجب عليه ذلك لأن أسرهم كان لمعنى من جهته وهو المنصوص عن أحمد، ومتى وجب فداؤهم فإنه يبدأ بفداء المسلمين قبلهم لأن حرمة المسلم أعظم والخوف عليه أشد وهو معرض لفتنته عن دينه الحق بخلاف أهل الذمة
(باب الهدنة) ومعناها أن يعقد الإمام أو نائبه عقداً على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض ويسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة وهي جائزة لقوله تعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) وقوله تعالى (فإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وروى مروان والمسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، وإنما تجوز للنظر للمسلمين أما لضعفهم عن القتال أو للطمع في إسلامهم بهدنتهم أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، وتجوز على غير مال لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح يوم الحديبية على غير مال، وتجوز على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى، فأما إن
صالحهم على ما يبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغاراً للمسلمين قال شيخنا وهذا محمول على غير حال الضرورة مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك والاسر فيحوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال كذا هذا.
ولأن بذل المال وإن كان صغارا ًفإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم
وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزهري قال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبينة بن حصن وهو مع أبي سفيان يعني يوم الأحزاب (أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب؟) فأرسل إليه عبينة إن جعلت لي الشطر فعلت قال فحدثني ابن أبي نجيح أن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا يا رسول الله والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها فالآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (فنعم إذا) ولولا أن ذلك جائز لما بذله النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ولا يجوز عقد الهدنة إلا من الإمام أو نائبه) لأنه عقد مع جملة الكفار وليس ذلك لغيره ولأنه يتعلق بنظر الإمام وما يراد من المصلحة على ما قدمنا، ولأن تجويزه لغير الإمام يتضمن تعطيل الجهاد بالكلية أو إلى تلك الناحية وفيه إفتيات على الإمام، فإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح، فإن دخل بعضم دار الإسلام بهذا الصلح كان آمناً لأنه دخل معتقداً للأمان ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح، وإن عقد الإمام الهدنة ثم مات أو عزل لم ينتقض عهده وعلى من بعده الوفاء به لان الإمام عقده باجتهاده فلم يجز نقضه اجتهاد غيره كما لا يجوز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاده، وإذا عقد الهدنة لزمه الوفاء بها لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقال تعالى (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) ولأنه إذا لم يف بها لم يسكن إلى عهده وقد يحتاج إلى عقدها (فصل) فان نقضوا العهد بقتال أو مظاهرة أو قتل مسلم أو أخذ مال انتقض عهدهم لأن
الهدنة تقتضي الكف فانتقضت بتركه ولا يحتاج في نقضها إلى حكم الإمام لأنه إنما يحتاج إلى حكمه في أمر محتمل وفعلهم لا يحتمل غير نقض العهد وإذا انتقض جاز قتالهم لقول الله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) الآيتين.
وقال تعالى (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) ولما نقضت قريش عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم وقاتلهم وفتح مكة، وإن نقض بعضهم دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض ولم يوجد منهم انكار ولا مراسلة الإمام ولا تبرؤ فالكل ناقضون لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هادن قريشاً دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم وبنو بكر في حلف قريش فعدت بنو بكر على خزاعة وأعانهم بعض قريش وسكت الباقون فكان ذلك نقص عهدهم وسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم ولأن سكوتهم يدل على رضاهم كما أن عقد الهدنة مع بعضهم يدخل فيه جميعهم لدلالة سكوتهم على رضاهم كذلك في النقض، فإن أنكر من لم ينقض على الباقين بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال أو راسل الإمام بأني منكر لما فعله الناقض مقيم على العهد لم ينتقض في حقه ويأمره الإمام بالتمييز ليأخذ الناقض وحده فإن امتنع من التميز أو إسلام الناقض صار ناقضاً لأنه منع من أخذ الناقض فصار بمنزلته، وإن
لم يمكنه التميز لم ينتقض عهده لأنه كالأسير.
فإن أسر الإمام منهم قوماً فادعى الأسير أنه لم ينقض وأشكل ذلك عليه قبل قول الأسير لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا من قبله (مسألة) (فمتى رأى المصلحة جاز له عقدها مدة معلومة وإن طالت وعنه لا يجوز في زيادة على العشر فإن زاد على عشر بطل في الزيادة وفي العشر وجهان) إذا رأى الإمام المصلحة في عقد الهدنة جاز عقدها لما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشاً ولا يجوز عقدها إذا لم يرى المصلحة فيه لأنه يتصرف لهم على وجه النظر أشبه ولى اليتيم ولايجوز عقدها إلا على مدة معلومة لأن مهادنتهم مطلقاً تفضي إلى تعطيل الجهاد بالكلية لكونها تقتضي التأييد فلم يجز ذلك وتجوز على المدة القصيرة والطويلة على حسب ما يراه الإمام من المصلحة في إحدى الروايتين وبهذا قال أبو حنيفة لأنه عقد يجوز في العشر فجاز في الزيادة عليها كعقد الإجارة (والرواية
الثانية) لا يجوز على أكثر من عشر سنين قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد واختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي لأن قوله تعالى (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم الحديبية عشراً فما زاد يبقى على مقتضى العموم فعلى هذا إن زاد على العشر يبطل في الزيادة وهل يبطل في العشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة وكذلك إن هادنهم أكثر من قدر الحاجة
(مسألة) (وإن هادنهم مطلقاً لم يصح) لأن ذلك يقتضي التأبيد فيفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وذلك لا يجوز (مسألة) (وإن شرط فيها شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء أو رد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم أو ادخالهم الحرم لم يصح الشرط وفي العقد وجهان) الشروط في عقد الهدنة تنقسم قسمين صحيح وفاسد فالفاسد مثل أن يشترط نقضها لمن شاء منهما فلا يصح ذلك لأنه يفضي الى ضد المقصود منها وإن قال هادنتكم ما شئتم لم يصح لأنه جعل الكفار متحكمين على المسلمين، وإن قال ما شئنا أو شاء فلان أو شرط ذلك لنفسه دونهم لم يجز أيضاً ذكره أبو بكر لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح وقال القاضي يصح وهذا قول الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على أن يقرهم ما أقرهم الله تعالى ولنا أنه عقد لازم فلم يجز اشتراط نقضه كسائر العقود اللازمه ولم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل خيبر هدنة فإنه فتحها عنوة وإنما ساقاهم وقال لهم ذلك وإنما يدل ذلك على جواز المساقاة وليس هو بهدنة اتفاقاً، وقد واقفوا الجماعة في أنه لو شرط في عقد الهدنة إني أقركم ما أقركم الله لم يصح فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع الإجماع على أنه لا يجوز اشتراط؟ وكذلك إن شرط رد النساء المسلمات إليهم
أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئاً من سلاحنا أو من آلة الحرب أو يشرط لهم مالا في موضع لا يجوز بذله أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة وكذلك إن شرط ادخالهم الحرم لقول الله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقربو المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ولا يجوز الوفاء بشئ من هذه الشروط وإنما لم يصح شرط رد النساء المسلمات لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنونهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله منع الصلح في النساء) وتفارق المرأة الرجل من ثلاثة أوجه (أحدها) أنها لا تأمن أن تزوج كافراً يستحلها أو يكرهها من ينالها واليه أشار الله سبحانه بقوله (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) (الثاني) إنها ربما فتنت عن دينها لأنها أضعف قلباً وأقل معرفة من الرجل (الثالث) أن المرأة لا يمكنها الهرب عادة بخلاف الرجل ولا يجوز رد الصبيان العقلاء إذا جاءوا مسلمين لانهم بمنزلة المرأة في ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب، فأما الطفل الذي لا يصح اسلامه فيجوز شرط رده لأنه ليس بمسلم وهل يفسد العقد بالشروط الفاسدة؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع إلا فيما إذا شرط أن لكل واحد منهما نقضها متى شاء فينبغي أن لا يصح العقد وجهاً واحداً لأن طائفة الكفار يبنون على هذا الشرط فلا يحصل الأمن منهم ولا أمنهم
منا فيفوت معنى الهدنة ومتى وقع العقد باطلا فدخل بعض الكفار دار الإسلام معتقداً للأمان كان آمناً لأنه دخل بناء على العقد ويرد إلى دار الحرب ولا يقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح (فصل) وإذا عقد الهدنة من غير شرط فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان لم يجب رده إليهم ولم يجز ذلك سواء كان حرا أو عبدا أو رجلاً أو امرأة ولا يجب رد مهر المرأة، وقال أصحاب الشافعي إن خرج العبد إلينا لم يصر حراً لأنهم في أمان منا والهدنة تمنع من جواز القهر وقال الشافعي في قول له: إذا جاءت امرأة مسلمة وجب رد مهرها لقول الله تعالى (وآتوهم ما أنفقوا) يعني رد المهر إلى زوجها إذا جاء يطلبها وإن جاء غيره لم يرد اليه شئ ولنا أنه من غير أهل دار الإسلام خرج إلينا فلم يجب رده ولا رد شئ عنه كالحر من الرجال
وكالعبد إذا خرج ثم أسلم، قولهم إنهم في أمان منا.
قلنا إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الامام فأما من هو في دارهم ومن ليس في قبضته فلا يمنع منه بدليل ما لو خرج العبد قبل إسلامه ولهذا لما قتل أبو بصير الرجل الذي جاء ليرده لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يضمنه ولما انفرد هو وأبو جندل وأصحابهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فقطعوا الطريق عليهم وقتلوا من قتلوا منهم واخذوا المال لم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم برد ما أخذوه ولا غرامه ما أتلفوه وهذا الذي أسلم كان في دارهم وقبضتهم وقهرهم على نفسه فصار حراً كما لو أسلم بعد خروجه وأما المرأة فلا يجب رد مهرها لأنها لم تأخذ منهم شيئاً ولو أخذته كانت قد قهرتهم عليه في
دار القهر، ولو وجب عليها عوضه لوجب مهر المثل دون المسمى، وأما الآية فقد قال قتادة نسخ رد المهر، وقال عطاء والزهري والثوري لا يعمل بها اليوم، وعلى أن الآية إنما نزلت في قضية الحديبية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط رد من جاءه مسلما، فلما منع الله رد النساء وجب رد مهورهن، وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط فليس هو في معنى ما تناوله الأمر، وإن وقع الكلام فيما إذا شرط رد النساء لم يصح أيضاً لأن الشرط الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم شرطه كان صحيحاً وقد نسخ فإذا شرط الآن كان باطلاً ولا يجوز قياسه على الصحيح والالحاق به.
(مسألة) (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز ولا يمنعهم أخذه ولا يجبره على ذلك وله أن يأمرهم بقتالهم والفرار منهم) .
قد ذكر قسم الشروط الفاسدة والشروط الصحيحة مثل أن يشترط عليهم مالاً أو معونة المسلمين عند حاجتهم إليهم أو يشترط رد من جاء من الرجال مسلماً أو بأمان فهذا صحيح وقال أصحاب الشافعي لا يصح شرط رد المسلم إلا أن تكون له عشيرة تحميه وتمنعه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة ولأن ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به
بمعنى أنهم إذا جاءوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبره عل المضي معهم، وله أن يأمره سراً بالهرب.
منهم ومقاتلتهم فان أبا بصير لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الكفار في طلبه قال له النبي صلى الله عليه وسلم (إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عاهدناهم عليه ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً) فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم وأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلمه بل قال (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال) فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر وأنحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة، فجعلوا لا تمر عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها، فارسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم ان يضمهم إليه ولا يرد إليهم أحداً جاءه ففعل، فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية ويقتلوا من قدروا عليه من الكفار ويأخذوا أموالهم ولا يدخلون في الصلح، فإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأخذ اموالهم، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما جاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هارباً من الكفار يرسف في قيوده قام إليه أبوه فلطمه وجعل يرده قال عمر فقمت إلى جانب أبي جندل وقلت إنهم الكفار وإنما دم أحدهم دم كلب وجعلت أدني منه قائم السيف لعله أن يأخذه فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه، (فصل) وإذا طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار جاز لكل مسلم إخراجها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة وقفت ابنة حمزة على الطريق فلما مر بها علي قالت يا ابن عم إلى من تدعني فتناولها فدفعها إلى فاطمة حتى قدم بها المدينة.
(مسألة) (وعلى الامام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم) .
وذلك أن الإمام إذا عقد الهدنة لقوم فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الذمة، لأنه امنه ممن هو
في قبضته وتحت يده كما أمن من في قبضته منهم، ومن أتلف من المسلمين أو من أهل الذمة عليهم شيئاً فعليه ضمانه ولا يلزمه حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط، فإن أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، وذكر عن الشافعي ما يدل على هذا ويحتمل جواز ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا يجب عليه من يدفع عنهم فلم يحرم استرقاقهم بخلاف أهل الذمة، فعلى هذا إن استولى المسلمون على الذين اشتروهم وأخذوا اموالهم لم يلزم رده إليهم على هذا القول، ومقتضى القول الأول وجوب رده كما يجب رد أموال أهل الذمة.
(مسألة) (وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم لقول الله تعالى (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليم على سواء) .
أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن امارة تدل عليه، ولا يفعل ذلك إلا الإمام لأن نقضها لخوف الخيانة يحتاج إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم ومتى
نقضها وفي دارنا منهم أحد وجب ردهم إلى مأمنهم لانهم دخلوا بأمان فوجب ردهم إلى مأمنهم كما لو أفردهم بالأمان، وإن كان عليهم حق استوفي منهم، ولا يجوز أن يبدأهم بقتال ولا غارة قبل إعلامهم بنقض العهد للآية، ولأنهم آمنون منه بحكم العهد فلا يجوز قتلهم ولا أخذ مالهم، فإن قيل فقد قلتم أن الذمي إذا خيف منه الخيانة لم ينتقض عهده؟ قلنا عقد الذمة آكد لأنه يجب على الإمام إجابتهم إليه وهو نوع معاوضة وعقده مؤبد يخلاف الهدنة والأمان، ولهذا لو نقض بعض أهل الذمة لم ينتقض عهد الباقين بخلاف الهدنة، ولأن أهل الذمة في قبضه الإمام وتحت ولايته ولا يخشى الضرر كثيراً من نقضهم بخلاف أهل الهدنة فإنه يخشى منهم الغارة والضرر الكثير (فصل) ومن أتلف منهم شيئاً على مسلم فعليه ضمانه وإن قتله فعليه القصاص وإن قذفه فعليه الحد، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعرض فلزمهم ما يجب في ذلك ومن شرب منهم خمراً أو زنى لم يحد لأنه حق لله تعالى ولم يلتزموه بالهدنة، وإن سرق مال مسلم ففيه وجهان (أحدهما) لا يقطع لأنه حد خالص لله تعالى أشبه حد الزنا (والثاني) يقطع لأنه يجب صيانة لحق الآدمي فهو كحد القذف (فصل) وإذا نقضوا العهد حلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهدهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم ولما هادن قريشاً فنقضوا عهده حل له منهم ما كان حرم عليه منهم، ولأن الهدنة عقد مؤقت ينتهي بانقضاء مدته فيزول بنقضه وفسخه كعقد الإجارة بخلاف عقد الذمة
(باب عقد الذمة) لا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبد فلم يجز أن يفتات به على الإمام، فإن فعله غيرهما لم يصح لكن إن عقده على مال لا يجوز أن يطلب منهم أكثر منه لزم الإمام إجابتهم إليه وعقدها عليه، والأصل في جواز عقد الذمة وأخذ الجزية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأما السنة فما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه انه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية رواه البخاري: وعن بريدة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً وقال له إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منه وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) رواه مسلم في أخبار كثيرة وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة (مسألة) (ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين
بالتوارة والإنجيل كالسامرة والفرنج ومن له شبهة كتاب وهم المجوس وعنه يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب) وجملة ذلك أن الذين تقبل منهم الجزية صنفان أهل كتاب ومن له شبهة كتاب في ظاهر المذهب فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوارة ويعملون بشريعة موسى وإنما خالفوهم في فروع دينهم وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والفرتج والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالأنجيل وانتسب إلى دين عيسى والعمل بشريعته فكلهم من أهل الأنجيل ومن عدا هؤلاء من الكفار فليسوا من أهل الكتاب بدليل قوله تعالى (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) فأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود فلا تقبل منهم الجزية لأنهم من غير الطائفتين ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع إنما هي مواعظ وأمثال كذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر، وأما الذين لهم شبهة كتاب فهم المجوس فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع فصار بذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم ولم ينتهض في إباحة نكاح نسائهم ولا ذبائحهم هذا قول أكثر أهل العلم ونقل عن أبي ثور أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونساؤهم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد فامتنع منهم ودعي أهل مملكته وقال أتعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد أنكح بنيه بناته؟ فأنا على دين آدم قال فتابعه قوم وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري بكتابهم ورفع العلم الذي
في صدورهم فهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - وأراه قال - وعمر منهم الجزية رواه الشافعي وسعيد وغيرهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) والمجوس من غير الطائفتين، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) فدل على أنهم غيرهم وروى البخاري بإسناده عن بجالة أنه قال: ولم يكن عمر رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس
حتى قال له عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ولو كانوا اهل كتاب لما وقف عمر في أخذ الجزية منهم مع أمر الله تعالى بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
وما ذكروه هو الذي صار لهم به شبهة كتاب.
وما رووه عن علي فقد قال أبو عبيد لا أحسبه محفوظاً ولو كان له أصل لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم نساءهم وهو كان أولى بعلم ذلك، ويحوز أن يصح هذا الذي ذكر عن علي مع تحريم نسائهم لأن الكتاب المبيح لذلك هو الكتاب المنزل على إحدى الطائفتين وليس هؤلاء منهم ولأن كتابهم رفع فلم ينتهض للإباحة وثبت به حقن دمائهم، فأما قول أبي ثور في حل ذبائحهم ونسائهم فيخالف الإجماع فلا يلتفت إليه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنو بهم سنة أهل الكتاب) أي في أخذ الجزية منهم إذا ثبت ذلك فإن أخذ الجزية من أهل الكتابين والمجوس اذا لم يكونوا من العرب ثابت بالإجماع لا نعلم فيه خلافا فان الصحابة رضي الله عنه أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم مع دلالة الكتاب العزيز على أخذ الجزية من أهل الكتابين ودلالة السنة المذكورة على أخذها من المجوس فإن كانوا من العرب فحكمهم حكم العجم فيما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي والاوزاعي وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو يوسف لا تؤخذ الجزية من العرب لأنهم شرفوا بكونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم
ولنا عموم الآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل فأخذ أكيدر دومة فصالحه على الجزية وهو من العرب رواه ابودواد وأخذ الجزية من نصارى نجران وهم عرب وبعث معاذاً إلى اليمن فقال إنك تأتي قوماً من أهل كتاب وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً ولو كانوا عرباً ولأن ذلك إجماع فإن عمر أراد أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وابوا ذلك وسألوه أن يأخذ منهم مثلما يأخذ من المسلمين فأبى ذلك عليهم حتى لحقوا بالروم ثم صالحهم على ما يأخذ منهم عوضاً عن الجزية فالمأخوذ منهم جزية غير أنه على غير صفة جزية غيرهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعاً.
وقد ثبت بطريق القطع أن كثيراً من نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة في بلاد الإسلام ولايجوز إقرارهم
فيها بغير جزية فثبت يقيناً انهم أخذوا الجزية منهم (فصل) ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين (أحدهما) التزام إعطاء الجزية في كل حول (والثاني) التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة (فادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ولا تعتبر حقيقة الإعطاء ولا جريان الأحكام لأن الإعطاء إنما يكون في آخر الحول والكف عنهم في ابتدائه عند البذل.
والمراد بقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد) أي يلتزموا وهذا كقوله (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فإن المراد به التزام ذلك فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول
(فصل) فأما غير اليهود والنصارى والمجوس من الكفار فلا تقبل منهم الجزية ولا يقرون بها ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل هذا ظاهر المذهب.
وروى عنه الحسن بن ثواب أنها تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب لأن حديث بريدة يدل بعمومه على قبول الجزية من كل كافر إلا أنه خرج منه عبدة الأوثان من العرب لتغليظ كفرهم من وجهين (أحدهما) دينهم (والثاني) كونهم من رهط النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس لكن في أهل الكتب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود ومن تمسك بدين آدم وجهان (أحدهما) يقرون بالجزية لأنهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى.
وقال أبو حنيفة تقبل من جميع الكفار إلا العرب لأنهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقرون على غير دينه وغيرهم يقر بالجزية لأنه يقر بالاسترقاق فأقر بالجزية كالمجوس.
وعن مالك أنها تقبل من جميعهم إلا مشركي قريش لأنهم ارتدوا.
وعن الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنها تقبل من جميعهم وهو قول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر لحديث بريدة ولأنه كافر فأقر بالجزية كأهل الكتاب ولنا قول الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) وهذا عام خص منه جميع أهل الكتاب بالآية والمجوس بالسنة فمن عداهم من الكفار يبقى على قضية العموم وقد بينا أن
أهل الصحف من غير أهل الكتاب المراد بالآية
(فصل) وإذا عقد الذمة لكفار زعموا انهم أهل كتاب ثم تبين أنهم عبدة أوثان فالعقد باطل من أصله وإن شككنا فيهم لم ينتقض عهدهم بالشك لأن الأصل صحته فإن أقر بعضهم بذلك دون بعض قبل من المقر في نفسه فانتقض عهده وبقي فيمن لم يقر بحاله (مسألة) (فأما الصابئ فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله وإلا فلا) اختلف أهل العلم في الصابئين فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى وقال في موضع آخر بلغني أنهم يسبتون فإذا اسبتوا فهم من اليهود وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال هم يسبتون وقال مجاهد هم بين اليهود والنصارى وقال السدي والربيع هم بين أهل الكتاب وتوقف الشافعي في أمرهم والصحيح ما ذكر ههنا من أنه ينظر فيهم فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين في نبيهم وكتابهم فهم منهم، وإن خالفوهم في ذلك فليسوا منهم ويروى عنهم أنهم يقولون الفلك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهة فإن كانوا كذلك فهم كعبدة الأوثان (مسألة) (ومن تهود أو تنصر بعد بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو ولد بين أبوين لا يقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين) (أحدهما) أنه لا فرق بين من دخل في دينهم قبل تبديل كتابهم أو بعده ولا بين أن يكون ابن كتابيين أو كتابي ووثني وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أبو الخطاب من دخل في دينهم بعد تبديل كتابهم لم تقبل منهم الجزية لأنه دخل في دين باطل ومن ولد بين أبوين احدهما تقبل من
الجزية والآخر لا تقبل منه ففيه وجهان وهذا مذهب الشافعي والصحيح الأول لعموم النص فيهم ولأنهم من أهل دين تقبل منه الجزية فيقرون بها كغيرهم وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية أي يلتزموا أداءها فما لم يوجد ذلك يبقوا على إباحة دمائهم وأموالهم (مسألة) (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلي ما تؤخذ من أموال المسلمين) بنو تغلب بن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر رضي الله عنه إلى بذل الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة فقال عمر لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة وهم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن عدوك عليك بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر في طلبهم فردهم وضعف عليهم من الابل من كل خمس شاتين ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين ومن كل عشرين دينارا دينارا ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم وفيما
سقت السماء الخمس وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر فاستقر ذلك من قول عمر ولم يخالفه أحد من الصحابة فكان اجماعا وقال به العلماء بعد الصحابة منهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى على نصارى بني تغلب الا الجزية وقال لا والله إلا الجزية وإلا فقد آذنتكم بالحرب وحجته عموم الاية فيهم وروي عن علي رضي الله عنه انه قال لأن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم رأي لاقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم وذلك أن عمر رضي الله عنه صالحهم على أن لا ينصروا أولادهم والعمل على الأول لما ذكرنا من الإجماع وأما الآية فإن هذا المأخوذ منهم جزية باسم الصدقة فإن الجزية يجوز أخذها عروضا (مسألة) (ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم) كذلك قال أصحابنا تؤخذ الزكاة منهم مضاعفة من مال من تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد وذكر أنه قول أهل الحجاز فعلى هذا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم.
زمناهم ومكافيفهم وشيوخهم إلا أن أبا حنيفة لا يوجب الزكاة في مال صبي ولا مجنون من المسلمين فكذلك الواجب في مال بني تغلب لا يجب على صبي ولا مجنون إلا في الارض خاصة وذهب الشافعي إلى أن هذا جزية تؤخذ باسم الصدقة فعنده لا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالنساء
والصبيان والمجانين قال وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم
وقال النعمان بن زرعة خذ منهم الجزية باسم الصدقة ولأنهم أهل ذمة فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة كغيرهم من أهل الذمة ولأنه مال يؤخذ من أهل الكتاب لحقن دمائهم فكان جزية كما لو أخذ باسم الجزية، يحققه أن الزكاة طهرة وهؤلاء لاطهرة لهم قال شيخنا وهذا أقيس وحجة أصحابنا أنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما يأخذ بعضهم من بعض فأجابهم عمر إليه بعد الامتناع منه والذي يأخذه بعضنا من بعض هو الزكاة من كل مال زكوي لأي مسلم كان من صغير وكبير وصحيح ومريض كذلك المأخوذ من بني تغلب ولأن نساءهم وصبيانهم صينوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال والعقلاء وعلى هذا من كان منهم فقيراً أو له مال غير زكوي كالرقيق والدور وثياب البذلة فلا شئ عليه كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين ولا تؤخذ من مال لم يبلغ نصابا (مسألة) (ومصرفه مصرف الجزية اختاره القاضي) وهو مذهب الشافعي لأنه مأخوذ من مشرك ولأنه جزية مسماة بالصدقة وقال أبو الخطاب مصرفه مصرف الصدقات لأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسلك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها والأول أقيس وأصح لأن معنى الشئ أخص به من اسمه ولهذا لو سمي رجل أسداً
لم يصر له حكم المسمى بذلك ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراء من أخذت منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة (تؤخذ من اغنائهم فترد في فقرائهم) (فصل) فإن بذل التغلبي أداء الجزية وتحط عنه الصدقة لم يقبل منه لأن الصلح وقع على هذا فلا يغير، ويحتمل أن يقبل لقول الله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) أي يبذلوها وهذا قد أعطى الجزية وإن كان الذي بذلها منهم حربياً قبلت منه للآية وخبر بريدة ولأنه لم يدخل في صلح الأولين فلم يلزمه حكمه وهو كتابي باذل للجزية فيحقن بها دمه فإن أراد الإمام نقض العهد
وتجديد الجزية عليهم كفعل عمر بن عبد العزيز لم يكن له ذلك لأن عقد الذمة على التأبيد وقد عقده معهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يكن لأحد نقضه ماداموا على العهد.
(مسألة) (ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم، وقال القاضي تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم) وجملته أن سائر أهل الكتاب من اليهود والنصارى العرب وغيرهم تقبل منهم الجزية إذا بذلوها ولا يؤخذون بما يؤخذ به نصارى بني تغلب، نص عليه أحمد رواه عن الزهري قال ونذهب إلى أن يأخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة وتضعف عليهم كما فعل عمر رضي الله عنه وذكر القاضي وابو الخطاب ان حكم من تنصر من تنوخ وبهرا وتهود من كنانة وحمير وتمجس من
تميم حكم بني تغلب سواء وذكر أن الشافعي نص عليه في تنوخ وبهرا لأنهم من العرب فأشبهوا بني تغلب.
ولنا عموم قوله تعالى (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال (خذ من كل حالم دينارا) وهم عرب وقبل الجزية من أهل نجران وكانوا نصارى وأخذ الجزية من اكيدر دومة وهو عربي ولأن حكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة في كل كتابي عربياً كان أو غير عربي إلا ما خص به بنو تغلب لمصالحة عمر إياهم ففيما عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة ولم يكن بين غير بني تغلب وبين أحد من الأئمة صلح كصلح بني تغلب فيما بلغنا ولا يصح قياس غير بني تغلب عليهم لوجوه (أحدها) أن قياس سائر العرب عليهم يخالف النصوص التي ذكرناها ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما يلزم منه مخالفة النص (الثاني) أن العلة في بني تغلب الصلح ولم يوجد في غيرهم ولا يصح القياس مع تخلف العلة (الثالث) أن بني تغلب كانوا ذوي قوة وشوكة لحقوا بالروم وخيف منهم الضرر إن لم يصالحوا ولم يوجد هذا في غيرهم فإن وجد في غيرهم فامتنعوا من أداء الجزية أو خيف الضرر بترك مصالحتهم فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة جاز إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم
من الجزية أو زيادة، وذكر هذا أبو إسحاق في كتابه المهذب والحجة في هذا قصة بني تغلب وقياسهم عليهم قال علي بن سعيد سمعت أحمد يقول أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقة ولا في أموالهم إنما تؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صولحوا على أن تؤخذ منهم كما صنع عمر بنصارى بني تغلب حين أضعف عليهم الصدقة في صلحه إياهم إذا كانوا في معناهم، أما قياس من لم يصالح عليهم في جعل جزيتهم صدقة فلا يصح (مسألة) (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير يعجز عنها) لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن الجزية لا تجب على صبي ولا امرأة ولا زائل العقل وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأبي ثور وقال ابن المنذر لا أعلم من غيرهم خلافاً وقد دل على هذا أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى رواه سعيد وابو عبيد والاثرم والمجنون كالصبي لأنه غير ملكف وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ (خذ من كل حالم دينارا) دليل على أنها لا تجب على غير بالغ ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها ولا تجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه رجلاً (فصل) فإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها، فإن قالت أنا أتبرع بها أو أنا أؤديها قبلت منها ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت فلها ذلك وإن بذلت
الجزية لتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شئ ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام وتعقد لها الذمة ولا يؤخذ منها شئ إلا أن تتبرع به بعد معرفتها ان لا شئ عليها وإن أخذ منها على غير ذلك رد إليها لأنها بذلته معتقدة أنه عليها وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالاً إلى من يعتقد أنه له فتبين أنه ليس له.
ولو حاصر المسلمون حصناً ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شئ وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء، فان كان في الحصن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء والصبيان دون الرجال لم يصح لأنهم جعلوها على غير من هي عليه
وبرءوا من تجب عليه، وان بذلوا جارية عن الرجال ويؤدوا عن النساء والصبيان من أموالهم جاز وكان ذلك زيادة في جزيتهم وإن كان من أموال النساء والصبيان لم يجز لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزئ في الجزية أخذوه وسقط الباقي (فصل) ولا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ فان ولا على من هو في معناهم كمن به داء لا يستطيع معه القتال ولا يرجى برؤه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه تجب عليهم الجزية بناء على قتلهم وقد سبق قولنا في أنهم لا يقتلون فلا تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان (فصل) وأما العبد فإن كان لمسلم لم تجب عليه الجزية بغير خلاف علمناه لأنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا جزية على العبد) وعن ابن عمر مثله ولأن ما لزم العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إيجابها على
العبد المسلم إلى إيجابها على المسلم وإن كان لكافر فكذلك نص عليه أحمد وهو قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزية على العبد وذلك لما ذكرنا من الحديث ولأنه محقون الدم أشبه النساء والصبيان، أو لا مال له أشبه الفقير العاجز ويحتمل كلام الخرقي وجوب الجزية عليه وروي ذلك عن أحمد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضاً ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذا نفذه الله منه قال أحمد رضي الله عنه أراد عمر أن تتوفر الجزية لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه والذمي يؤدي عنه وعن مملوكة خراج جماجمهم وروي عن علي مثل حديث عمر ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر والأول أولى (فصل) واذا اعتق لزمته الجزية لما يستقبل سواء كان معتقه مسلماً أو كافراً هذا الصحيح عن أحمد وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان والليث والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعنه يقر بغير جزية وروي نحوه عن الشعبي لأن الولاء شعبة كشعبة الرق وهو ثابت عليه ووهن الخلال هذه الرواية وقال هذا قول قديم رجع عنه وعن مالك كقول الجماعة وعنه إن كان المعتق له مسلماً فلا جزية عليه لأن عليه الولاء لمسلم أشبه ما لو كان عليه الرق
ولنا أنه حر مكلف موسر من أهل القتال فلم يقر في دارنا بغير جزية كالحر الأصلي.
إذا ثبت
هذا فإن حكمه فيما يستقبل من جزيته حكم من بلغ من صبيانهم أو أفاق من مجانينهم على ما ذكرناه (فصل) ومن بعضه حر فقياس المذهب أن عليه من الجزية بقدر ما فيه من الحرية لأنه حكم يختلف بالرق والحرية فينقسم على قدر ما فيه كالإرث ولا جزية على أهل الصوامع من الرهبان ويحتمل أن تجب عليهم وهذا أحد قولي الشافعي وروي عن بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات الجزية على كل راهب ديناراً لعموم النصوص ولأنه كافر صحيح حر قادر على أداء الجزية فأشبه الشماس.
ووجه الأول أنهم محقونون بدون الجزية فلم تجب عليهم كالنساء وقد ذكرنا دليل تحريم قتلهم والنصوص مخصوصة بالنساء وهؤلاء في معناهن ولأنه لا كسب له أشبه الفقير غير المعتمل (فصل) ولا تجب على فقير عاجز عنها وهذا أحد قولي الشافعي وله قول أنها تجب عليه لقوله عليه السلام (خذ من كل حالم ديناراً) ولأن دمه غير محقون فلا تسقط عنه الجزية كالقادر ولنا أن عمر رضي الله عنه جعل الجزية على ثلاث طبقات جعل أدناها على الفقير المعتمل فدل على أن غير المعتمل لا شئ عليه ولأن الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولأنه مال يجب بحلول الحول فلم يلزم الفقير العاجز كالزكاة ولأن الخراج ينقسم إلى خراج أرض وخراج رؤوس وقد ثبت أن خراج الأرض على قدر طاقتها وما لا طاقة له لا شئ عليه كذلك خراج الرؤوس وأما الحديث فيتناول الأخذ ممن يمكن الأخذ منه والأخذ ممن لا يقدر على شئ مستحيل فكيف يؤمر به ويؤخذ منه بقدر ما أدرك؟
(مسألة) (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول ويؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك) ولا يحتاج إلى استئناف عقد له وقال القاضي في موضع هو مخير بين التزام العقد وبين أن يرد
إلى مأمنه فيجاب إلى ما يختار وهو قول الشافعي ولنا أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه تجديد عقد لهؤلاء ولأن العقد يكون مع سادتهم فدخل فيه سائرهم ولأنه عقد مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه كذلك كالهدنة ولأن الصغار والمجانين دخلوا في العقد فلم يحتج إلى تجديده له عند تغير أحوالهم كغيرهم.
إذا ثبت هذا فإن كان البلوغ والافاقة في أول أحوال قومه أخذ منه في آخره معهم، وإن كان في أثناء الحول أخذ منه عند تمام الحول بقسطه ولم يترك حتى يتم لئلا يحتاج إلى أفراده بحول وضبط حول كل إنسان منهم وربما أفضى إلى أن يصير لكل واحد حول مفرد وذلك يشق.
(مسألة) (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه ويحتمل أن يؤخذ في آخر كل حول بقدر إفاقته منه) .
إذا كان يجن ويفيق لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون غير مضبوط مثل من يفيق ساعة من أيام أو من يوم أو يصرع ساعة من يوم أو من أيام فهذا يعتبر حالة بالأغلب لأن هذه الإفاقة غير ممكن ضبطها فلم تمكن مراعاتها.