الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 160-199
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(الرابع) الحرية وهي شرط في قول جميع أهل العلم الا ابا ثور قال: العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا إلا أن يكون الإجماع يخالف ذلك، وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة لم يرجم وهذه أقوال تخالف النص والإجماع فإن الله تعالى قال (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والرجم لا يتنصف وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الاجماع المنعقد قبله إلا أن يكون إذا عتقا بعد الاصابة فهذا فيه اختلاف سنذكره إن شاء الله، وقد وافق الأوزاعي على أن العبد إذا وطئ الأمة ثم عتقا لم يصيرا محصنين وهو قول الجمهور وزاد فقال في المملوكين: إذا عتقا وهما متزوجان ثم وطئها الزوج لا يصيران محصنين بذلك، وهذا أيضاً قول شاذ خالف أهل العلم به فان الوطئ وجد منهما حال كمالهما فحصنهما كالصبيين إذا بلغا (الشرط الخامس والسادس) البلوغ والعقل فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً.
هذا قول أكثر أهل العلم وقول الشافعي ومن أصحابه من قال يكون محصناً وكذلك العبد إذا وطئ ثم عتق يصير محصناً لأن هذا وطئ يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثاً فحصل به الإحصان كالموجود حال الكمال ولنا قوله عليه السلام (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله وهو خلاف الاجماع، ويفارق الإحصان

الإحلال لأن اعتبار الوطئ في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره لأن هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس فاعتبره الشارع زجراً عن الطلاق الثلاث، وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون بخلاف الإحصان فانه اعتبر لكمال النعمة فإن من كملت النعمة في حقه كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبة والنعمة في العاقل البالغ أكمل (الشرط السابع) أن يوجد الكمال فيهما جمعا (جميعا) حال الوطئ فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري واسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصناً إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الأوزاعي، واختلف عن الشافعي فقيل له قولان (أحدهما) كقولنا (والثاني) الكامل يصير محصناً وهو قول ابن المنذر، وذكر ابن أبي موسى نحو ذلك في الارشاد فقال: إذا وطئ الحر البالغ حرة صغيرة في نكاح صحيح صار محصناً دونها وإذا وطئ الصبي الحر الصغير الكبيرة صارت محصنة دونه كما أنه لا يجب على الصغير الحد ويجب على الكبير ولنا أنه وطئ لم يحصن أحد المتواطئين فلم يحصن الآخر كالتسري ولأنه متى كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوطئ فلا يحصل به الإحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه (مسألة) (ويثبت الاحسان للذميين وهل تحصن الذمية مسلماً؟ على روايتين)

لا يشترط الإسلام في الإحصان، وبه قال الزهري والشافعي فعلى هذا يكون الذميان محصنين فان تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين وفيه رواية أخرى أن الذمية لا تحصن المسلم، وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري هو شرط في الإحصان فلا يكون الكافر محصناً ولا تحصن الذمية مسلماً لأن ابن عمر روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أشرك بالله فليس بمحصن) ولأنه إحصان من شروطه الحرية فكان الاسلام شرطاً فيه كاحصان القذف وقال مالك كقولهم إلا أن الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين وينبغي أن يكون ذلك قولا للشافعي ولنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا وامرأة زنيا وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه ولأن الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي فيجب أن يستويا في الحد، وحديثهم لم يصح ولا نعرفه في مسند وقيل هو موقوف على ابن عمر ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعاً بين الحديثين فان راويهما واحد وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبرهم على الاحصان الآخر فإن قالوا إنما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعها فلما تبين له أن ذلك حكم الله تعالى عليهم اقامه فيهم وفيها أنزل الله سبحانه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) قلنا إنما حكم عليهم بما أنزل الله عزوجل إليه بدليل قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ولأنه لا يسوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الحكم بغير شريعته ولو ساغ ذلك له ساغ لغيره وإنما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم وأنهم تاركون شريعتهم مخالفون لحكمهم ثم هذا حجة لنا فان حكم الله في وجوب الرجم إن كان ثابتاً في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الاحصان فيهم فانه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الاحصان فيه وإن منعوا ثبوت الحكم في حقهم فلم حكم به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولا يصح القياس على إحصان القذف لأن من شرطه العفة وليست شرطاً ههنا (مسألة) (وإن كان لرجل ولد من امرأة فقال ما وطئتها لم يثبت إحصانه ولا يرجم إذا زنى) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجم لأن الولد لا يكون إلا من وطئ فقد حكم بالوطئ ضرورة الحكم بالولد.
ولنا أن الولد يلحق بامكان الوطئ واحتماله والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطئ فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى فيه بالامكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا فانه قال لو تزوج امرأة بحضرة الحاكم في مجلسه ثم طلقها فيه فأتت بولد لحقه مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية

فكيف يحكم بحقيقة الوطئ مع تحقق انتفائه؟ وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك (فصل) ولو شهدت بينة الاحصان أنه دخل بزوجته فقال أصحابنا يثبت الاحصان به لأن المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة (وقول) محمد بن الحسن لا يكتفى به حتى تقول جامعها أو باضعها أو نحوها لأن الدخول يطلق على الخلوة بها ولهذا تثبت بها أحكامه قال شيخنا وهذا أصح القولين إن شاء الله تعالى، أما إذا قالت جامعها أو باضعها أو نحوه فلا نعلم خلافاً في ثبوت الاحصان وكذلك ينبغي إذا قالت وطئها وان قالت باشرها أو مسها أو أصابها أو أتاها فينبغي أن لا يثبت به الاحصان لأن هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيراً فلا يثبت به الإحصان الذي يندرئ بالاحتمال (فصل) وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصناً رجم لما روى جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم به فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم رواه أبو داود، ولأنه إن وجب الجمع بينهما فقد أتى ببعض الواجب فيجب إتمامه وإن لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم يأت بالحد الواجب (فصل) وإذا رجم الزانيان غسلا وصلي عليهما ودفنا إذا كانا مسلمين، أما غسلهما ودفنهما فلا خلاف فيه بين أهل العلم، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما قال الامام أحمد سئل علي عن شراحة وكان رجمها فقال اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم وصلى علي عليها وقال مالك من قتله الامام في حد فلا

يصلي عليه لأن جابرا قال في حديث ماعز فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيراً ولم يصل عليه متفق عليه، ووجه الاول ماروى أبو داود بإسناده عن عمران بن الحصين في حديث الجهنية فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها فقال عمر يارسول الله تصلي عليها وقد زنت؟ فقال والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت افضل من أن جادت بنفسها؟) ورواه الترمذي وفيه فرجمت وصلي عليها وقال حديث حسن صحيح وقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه فصلي عليه بعده كالسارق وأما حديث ماعز فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره أو اشتغل عنه بأمر أو غير ذلك فلا يعارض مارويناه (مسألة) (وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة وغرب عاما إلى مسافة القصر وان كان ثيبا) ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصناً وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وجاءت لاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عاما في قول الجمهور روى ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن أبي وأبي ذر وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وإليه ذهب عطاء وطاوس وابن أبي ليلى والشافعي واسحاق وأبو ثور، وقال مالك والاوزاعي يغرب الرجل دون المرأة لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة ولأنها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم: لا يجوز بغير محرم لقول رسول الله

صلى الله عليه وسلم (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها بالفجور وتضييع لها وإن غربت بمحرم أفضى الى تغريب من ليس بزان ونفي من لاذنب له وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم والعام يجوز تخصيصه لأنه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فانه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمه لأن الحد وجب زجراً عن الزيادة وفي تغريبها إغراء به وتمكين منه مع أنه قد يخصص في حق الثيب باسقاط الجلد في قول الأكثرين فتخصيصه ههنا أولى قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يجب التغريب لأن علياً رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة أن ينفيا وعن ابن المسيب أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخر الى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب مسلما بعد هذا ابداً ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فايجاب التغريب زيادة على النص ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) وروى ابو هريرة وزيد بن خالد أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته وانني افتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب

عام والرجم على امرأة هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: على ابنك جلد مائة وتغريب عام) وجلد ابنه وغربه عاماً وأمر أنيسا الاسلمي يأتي امرأة الآخر فان اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه وفي الحديث فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، وهذا يدل على أن هذا كان مشهوراً عندهم من حكم الله وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل إن الذي قال لهم هذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولأن التغريب فعله الخلفاء الراشدون ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان أجماعاً، ولأن الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب فكذلك في حق البكر وما رووه عن علي لا يثبت لضعف روايه وإرساله وقول عمر لا أغرب بعده مسلماً فلعله أراد تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه.
قال شيخنا وقول مالك يخالف عموم الخبر والقياس لان ماكان حداً في الرجل يكون حداً في المرأة كسائر الحدود، وقال مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح لأنه يستوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد ويمكن قلب هذا القياس بأنه حد فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل كسائر الحدود (فصل) ويغرب البكر الزاني حولاً فان عاد قبل مضي الحول أعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرا ويبني على ما مضى، ويغرب الرجل إلى مسافة القصر لأن ما دونها في حكم الحضر بدليل أنه لا يثبت في حقه أحكام المسافرين ولا يستبيح شيئا من رخصهم

(مسألة) (وعنه أن المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر) وقيل عنه إن خرج معها محرمها نفيت إلى مسافة القصر وإن لم يخرج معها محرمها فنقل عن أحمد أن المرأة تغرب إلى مسافة القصر كالرجل وهذا مذهب الشافعي وروي عنه أنها تغرب الى دون مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها، ويحتمل كلام أحمد أن لا يشترط في التغريب مسافة القصر فيهما فإنه قال في رواية الأثرم ينفى من عمله إلى عمل غيره وقال أبو ثور وابن المنذر لو نفي من قرية إلى قرية اخرى بينهما ميل أو أقل جاز وقال إسحاق يجوز من مصر الى مصر ونحوه قال ابن أبي ليلى لأن النفي ورد مطلقا غير مقدر فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، والقصر يسمى سفراً تجوز فيه صلاة النافلة على الراحة ولا يحبس في البلد الذي نفي إليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس ولنا أنها زيادة لم يرد بها الشرع فلم تشرع كالزيادة على العام (فصل) وإن زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه وإن زنى في البلد الذي غرب إليه غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه لأن الأمر بالتغريب حيث كان لأنه قد أنس بالبلد الذي يسكنه (فيبعد) عنه (مسألة) (ويخرج مع المرأة محرمها ليسكنها في موضع ثم إن شاء رجع إذا أمن عليها وإن شاء أقام معها حتى يكمل حولها، وإن أبى الخروج معها بذلت له الاجرة) قال أصحابنا: وتبذل من مالها لأن هذا من مؤونة سفرها ويحتمل أن لا يجب ذلك عليها لأن الواجب عليها التغريب بنفسها فلم يلزمها زيادة عليه كالرجل ولأن هذا من مؤونة إقامة الحد فلم يلزمها كأجرة الجلاد.
فعلى هذا تبذل الاجرة من بيت المال وعلى قول اصحابنا إن لم يكن لها مال بذلت

من بيت المال فان أبى محرمها الخروج معها لم يجبر، وإن لم يكن لها محرم غربت مع نساء ثقات والقول في أجرة من يسافر معها منهن كالقول في أجرة المحرم فان اعوز فقال أحمد تنفى بغير محرم وهو قول الشافعي لأنه لا سبيل إلى تأخيره فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات المحرم في الطريق، ويحتمل أن يسقط النفي إذا لم تجد محرما كما يسقط سفر الحج إذا لم يكن لها محرم فان تغريبها على هذه الحال إغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة وعموم الحديث مخصوص بعوم النهي عن سفرها بغير محرم (فصل) ويجب أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال اصحابنا: والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد، والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع الذي يقيم الحد لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة فيتعين صرف الأمر إلى غيره، وقال عطاء واسحاق اثنان فان اراد به واحداً مع الذي يقيم الحد فهو كالقول الأول وإن أراد اثنين غيره فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على الواحد وأقله اثنان، وقال الزهري ثلاثة لأن الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك أربعة لأنه العدد الذي يثبت به الزنا وللشافعي قولان كقولي الزهري ومالك، وقال ربيعة خمسة وقال الحسن عشرة وقال قتادة نفر واحتج اصحابنا بقول ابن عباس فان اسم الطائفة يقع على الواحد بدليل قول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - ثم قال - فأصلحوا بين أخويكم) وقيل في قوله تعالى (إن نعف عن طائفة منكم) إنه محش بن حمير وحده ولا يجب

أن يحضر الامام ولا الشهود وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة إن ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم، وإن ثبت باعتراف وجب على الامام الحضور والبداءة بالرجم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس رواه سعيد باسناده ولأنه إذا لم يحضر البينة ولا الإمام كان في ذلك شبهة والحد يسقط بالشبهات ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضرهما والحد ثبت باعترافهما وقال (يا أنيس اذهب إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يحضرها ولأنه حد فلم يلزم أن يحضره الامام ولا البينة كسائر الحدود ولا نسلم أن تخلفهم عن الحضور ولا امتناعهم من البداءة بالرجم شبهة، وأما قول علي رضي الله عنه فهو على سبيل الاستحباب والفضيلة قال أحمد: سنة الاعتراف أن يرجم الامام ثم الناس ولا نعلم خلافاً في استحباب ذلك والأصل فيه قول علي، وقد روي في حديث رواه أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم امرأة فحفر لها الى الثندوة ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال (ارموا واتقوا الوجه) رواه أبو داود (مسألة) (وإن كان الزاني رقيقاً فحده خمسون جلدة بكل حال ولا يغرب) حد العبد والامة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر العلماء منهم

عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والاوزاعي وابو حنيفة والشافعي والبتي والعنبري وقال ابن عباس وابو عبيد إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حد على غيرهما لقول الله تعالى (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيدل بخطابه على أنه لا حد على غير المحصنات، وقال داود، على الأمة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال وفي الأمة إذا لم تتزوج روايتان (إحداهما) لا حد عليها (والأخرى) تجلد مائة لأن قول الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) عام خرجت منه الأمة المحصنة بقوله (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيبقى العبد والأمة التي لم تحصن على مقتضى العموم، ويحتمل دليل الأمر في الخطاب أن لا حد عليها كقول ابن عباس وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم لعموم الأخبار فيه ولأنه حد لا يتبعض فوجب تكميله كالقطع في السرقة ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله وزيد بن خالد قالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال (إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير) متفق عليه قال ابن شهاب: وهذا نص في جلد الأمة إذا لم تحصن وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن وخمسين إذا كانت محصنة خلاف

ما شرع الله تعالى فإن الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها فجعل الرجم على المحصنة والجلد على الكبر وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة واتباع شرع الله تعالى أولى، وأما دليل الخطاب فقد روي عن ابن مسعود أنه قال إحصانها اسلامها وقرأها بفتح الالف ثم دليل الخطاب إنما يكون دليلاً إذا لم تكن (للتخصيص) بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له فائدة أخرى لم يكن دليلا مثل أن يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني ولهذا قال الله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ولم يختص التحريم باللائي في حجورهم وقال (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) وحرم حلائل الابناء من الرضاع وأبناء الابناء وقال (ليس عليكم أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا) وأبيح القصر بدون الخوف، وأما العبد فلا فرق بينه وبين الأمة فالتنصيص على أحدهما يثبت حكمه في حق الآخر كما أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أعتق شركا له في عبد ثبت حكمه في حق الامة) ثم المنطوق أولى منه على كل حال، وأما أبو ثور فخالف نص قوله تعالى (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وعمل به فيما لم يتناوله النص وخرق الاجماع في إيجاب الرجم على المحصنات كما خرق داود الاجماع في تكميل الجلد على العبد وتضعيف حد الابكار على المحصنات (فصل) ولا تغريب على عبد ولا أمة وبهذا قال الحسن وحماد ومالك واسحاق وقال الثوري

وابو ثور يغرب نصف عام لقوله تعالى (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وجلد بن عمر مملوكا ونفاه إلى فدك، وعن الشافعي قولان، واحتج من أوجبه بعموم قوله عليه السلام (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ولنا الحديث المذكور في حجتنا ولم يذكر فيه تغريباً ولو كان واجباً لذكره لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحديث علي رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس أقيموا على ارقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فذكر الحديث رواه أبو داود ولم يذكر أنه غربها وأما الآية فانها حجة لنا فان العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير فينصرف التنصيف إليه دون غيره بدليل أنه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم ولأن التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه فلم يجب في الزنا كالتغريم ثم بيان ذلك أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه لأنه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعاً في حق غير الزاني والضرر على غير الجاني وما فعل ابن عمر ففي حق نفسه وإسقاط حقه وله فعل ذلك من غير زنا ولا جناية فلا يكون حجة في حق غيره (فصل) إذا زنى العبد ثم عتق فعليه حد الرقيق لأنه إنما يقام عليه الحد الذي وجب عليه ولو زنى

حر ذمي ثم لحق بدار الحرب ثم سبي فاسترق حد حد الاحرار لأنه وجب عليه وهو حر، ولو كان أحد الزانيين رقيقا والآخر حراً فعلى كل واحد منهما حده لأن كل واحد منهما إنما تلزمه عقوبة جنايته، ولو زنى بعد العتق وقبل العلم به فعليه حد الاحرار لأنه زنى وهو حر وإن أقيم عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته ثم علمت بعد تمم عليه حد الأحرار وإن عفى السيد عن عبده لم يسقط عنه الحد في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه قال يصح عفوه وليس بصحيح لأنه حق لله تعالى فلا يسقط باسقاط سيده كالعبادات وكالحر إذا عفا عنه الامام (فصل) فان فجر بأمة ثم قتلها فعليه الحد وقيمتها وبهذا قال الشافعي وابو حنيفة وأبو ثور وقال أبو يوسف إذا وجبت عليه قيمتها أسقطت الحد عنه لأنه يملكها بغرامته إياها فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد ولنا أن الحد وجب عليه فلم يسقط بقتل المزني بها كما لو كانت حرة فغرم ديتها وقوله إنه يملكها غير صحيح لأنه إنما غرمها بعد قتلها ولم يبق محلا للملك ثم لو ثبت أنه ملكها فإنما ملكها بعد وجوب الحد فلم يسقط عنه كما لو اشتراها (مسألة) (وإن كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام ويحتمل أن لا يغرب أما الرجم فلا يجب عليه وإن كان محصناً) لأن الحرية لم تكمل فيه وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة ونصف حد العبد خمس وعشرون

فيكون عليه خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نص عليه أحمد ويحتمل أن لا يغرب لأن حق السيد في جميعه في كل الزمان ونصيبه من العبد لا تغريب عليه فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه ولا تأخير حقه بالمهايأة من غير رضاه، وإن قلنا بوجوب تغريبه فينبغي أن يكون زمن التغريب محسوباً على العبد من نصيبه الحر وللسيد نصف عام بدلا عنه وما زاد عن الحرية أو نقص عنها فبحساب ذلك، فإن كان فيها كسر مثل أن يكون ثلثه حرا فيلزم بمقتضى ما ذكرنا أن يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان فينبغي أن يسقط الكسر لأن الحد متى دار بين الوجوب والإسقاط سقط، والمدبر والمكاتب وأم الولد بمنزلة القن في الحد لأنه رقيق كله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (مسألة) (وحد اللوطي كحد الزاني سواء وعنه حده الرجم بكل حال) أجمع أهل العلم على تحريم اللواط وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في حده فروي عنه أن حده الرجم بكراً كان أو ثيباً وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبيد الله ابن معمر والزهري وأبى حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي (والرواية الثانية)

أن حده حد الزنا وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي وقتادة والاوزاعي وأبو يوسف ومحمد ابن الحسن وهو المشهور من قولي الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان) ولأنه ايلاج في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالايلاج في فرج المرأة.
إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والأخبار فيه لأنه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق اللوطي وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر الى خالد فحرقه وقال الحكم وأبو حنيفة لا حد عليه لأنه ليس بمحل للوطئ أشبه غير الفرج ووجه الرواية الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أبو داود وفي لفظ فارجموا الأعلى والأسفل ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فانهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته واحتج أحمد بعلي رضي الله عنه انه كان يرى رجمه ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم وقول من أسقط الحد عنه يخالف النص والاجماع وقياس الفرج على غيره لا يصح لما بينهما من الفرق.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكون في مملوك له

أو أجنبي لأن الذكر ليس بمحل لوطئ الذكر فلا يؤثر ملكه له، ولو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان محرماً ولا حد فيه لأن المرأة محل للوطئ في الجملة وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد بخلاف التلوط (مسألة) (ومن أتى بهيمة فحده حد اللوطي عند القاضي واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر وتقتل البهيمة) اختلفت الرواية عن احمد في الذي يأتي البهيمة فروي عنه أنه يعزر ولا حد عليه اختاره الخرقي وأبو بكر وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وهو قول الشافعي (والرواية الثانية) حكمه حكم اللائط سواء، وقال الحسن حده حد الزاني وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) رواه أبو داود.
ووجه الرواية الأولى أنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطئ في فرج الآدمي لانه لاحرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فإن النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فيبقى على الأصل في انتفاء الحد والحديث يرويه عمر وبن أبي عمر ولم يثبته أحمد وقال الطحاوي هو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روى عنه قال أبو داود هذا يضعف الحديث عنه قال اسماعيل بن سعيد سألت

أحمد عن الرجل يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز أن يثت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف لكنه يعزر ويبالغ في تعزيره لأنه وطئ في فرج محرم لا شبهة له فيه لم يوجب الحد فاوجب التعزير كوطئ الميتة (فصل) وتقتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي وسواء كانت مملوكة له أو لغيره مأكولة أو غير مأكولة، وذكر ابن أبي موسى في الإرشاد في وجوب قتلها روايتين وقال أبو بكرالاختيار قتلها وإن تركت فلا بأس، وقال الطحاوي إن كانت مأكولة ذبحت وإلا لم تقتل وهذا القول الثاني للشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة.
ووجه الأول الحديث المذكور وفيه الأمر بقتل البهيمة فلم يفرق بين كونها مأكولة وغير مأكولة ولا بين ملكه وملك غيره، فإن قيل الحديث ضعيف ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه أولى، قلنا إنما لم يعمل به في قتل الفاعل على إحدى الروايتين لوجهين (أحدهما) لأنه حد والحد يدرأ بالشبهات وهذا اتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه (الثاني) أنه اتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على إتلافه إلا بدليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في إتلاف مال ولا حيوان سواه، فعلى هذا إن كان الحيوان للفاعل ذهبت هدراً وإن كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لأنه سبب إتلافه فيضمنه كما لو نصب له شبكة فتلف بها

(مسألة) (وكره أحمد أكل لحمها وهل يحرم؟ على وجهين) وللشافعي أيضاً في ذلك وجهان (أحدهما) يحل أكلها لقول الله تعالى (أحلت لكم بهيمة الأنعام) ولأنه حيوان ذبحه من هو أهل للذكاة يجوز أكله فأشبه ما لو لم يفعل به هذا الفعل ولكن يكره أكله لشبهة التحريم (والثاني) لا يحل أكلها لما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما شأن البهيمة؟ قال ما اراه قال ذلك إلا أنه كره أكلها وقد فعل بها هذا الفعل، ولأنه حيوان يجب قتله لحق الله تعالى فلم يجز أكله كسائر المقتولات، واختلف في علة قتلها فقيل إنما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها وقد روى ابن بطة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة.
قال (لا يقال هذه وهذه) وقيل لئلا تلد خلقاً مشوهاً وقيل لئلا تؤكل وإليه أشار ابن عباس في تعليله ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل بها ببينة فأما إن أقر الفاعل فان كانت البهيمة له ثبت بإقراره وإن كانت لغيره لم يجز قتلها بقوله لأنه اقرار على ملك غيره فلم يقبل كما لو أقر بها لغير مالكها وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين وإقرار مرة ويعتبر فيه ما يعتبر في الزنا على وجهين نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ولا يجب الحد إلا بشروط ثلاثة (أحدها) أن يطأ في الفرج قبلا أو دبرا) .

لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطئ امرأة في قبلها حراما لاشبهة له في وطئها أنه يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه والوطئ في الدبر مثله في كونه زنا لأنه وطئ في فرج امرأة لا ملك له ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطئ في القبل، ولأن الله تعالى قال (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل لهن سبيلا (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) والوطئ في الدبر فاحشة لقول الله تعالى في قوم لوط (أتأتون الفاحشة؟) يعني الوطئ في أدبار الرجال ويقال أول ما بدأ قوم لوط بوطئ النساء في أدبارهن ثم صاروا إلى ذلك في الرجال (مسألة) (وأقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج) لأن أحكام الوطئ تتعلق به ولا تتعلق بما دونه (مسألة) (وإن وطئ دون الفرج فلا حد عليه) لما روى ابن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني وجدت امرأة في البستان فأصبت منها كل شئ غير أني لم أنكحها فافعل بي ما شئت فقرأ عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) الآية رواه النسائي وعليه التعزير لأنه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فأشبه ضرب الناس والتعدي عليهم وظاهر الحديث يدل على أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائباً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ويفارق ضرب الناس والتعدي عليهم لأنه حق آدمي

(مسألة) (وان أتت المرأة المرأة فلا حد عليهما) اذا تدالكت امرأتان فهما ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ولاحد عليهما لان لا يتضمن إيلاجاً فأشبه المباشرة دون الفرج وعليهما التعزير لأنه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع.
(فصل) ولو وجد رجل مع امرأة يقبل كل واحد منهما صاحبه ولم يعلم هل وطئها أولا فلا حد عليهما، وفان قالا نحن زوجان واتفقا على ذلك فالقول قولهما، وبه قال الحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي، فإن شهد عليهما بالزنا فقالا نحن زوجان فقيل عليهما الحد إن لم تكن بينة بالنكاح وبه قال أبو ثور وابن المنذر لأن الشهادة بالزنا تنفي كونهما زوجين فلا تبطل بمجرد قولهما ويحتمل أن لا يجب الحد إذا لم يعلم كونها اجنبية منه لأن ما ادعياه محتمل فيكون ذلك شبهة كما لو شهد عليه بالسرقة فادعى ان المسروق ملكه.
(فصل) الثاني انتفاء الشبهة فان وطئ (جارية) ولده أو جارية له فيها شرك أو لولده فلا حد عليه، وجملة ذلك أن من وطئ جارية ولده فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر عليه الحد إلا أن يمنع منه إجماع لأنه وطئ في غير ملك أشبه وطئ جارية أبيه

ولنا أنه وطئ تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد كوطئ الامة المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك) فأضاف مال ولده إليه وجعله له فإذا لم تثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والاوزاعي ومن وافقهما قد اشتهر قولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان ذلك إجماعاً وكذلك إن كان لولده فيها شرك لما ذكرنا ولا حد على الجارية لأن الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك فينتفي عن الموطوءة كوطئ الجارية المشتركة ولأن الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في أحد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته ولا يصح القياس على وطئ جارية الأب لأنه لاملك للولد فيها ولا شبهة ملك بخلاف مسئلتنا وحكي عن ابن أبي موسى قول في وطئ جارية الأب والأم أنه لا يحد لأنه لا يقطع بسرقة ماله أشبه الأب والأول أصح وعليه عامة أهل العلم فيما علمنا (فصل) ولا يجب الحد بوطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور يجب.
ولنا أنه فرج له فيه ملك فلا يجد بوطئه كالمكاتبة والمرهونة (مسألة) (أو وجد امرأة نائمة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو (دعا) الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها فلا حد عليه)

وجملة ذلك أن من زفت إليه غير زوجته وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه لا نعلم فيه خلافاً.
وإن لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته فوطئها أو دعا زوجته فجاءته غيرها فوطئها يظنها المدعوة أو اشتبه عليه ذلك لعماه يعتقدها زوجته فلا حد عليه وبه قال الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أن عليه الحد لأنه وطئ في محل لا ملك له فيه ولنا أنه وطئ اعتقد إباحته بما تعذر مثله فيه فأشبه مالو قيل له هذه زوجتك ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها، فأما إن دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له شبهة كالجارية المشتركة أو لم يكن لأنه لا يعذر بهذا فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه فبان أجنبياً.
(مسألة) (أو وطئ في نكاح مختلف في صحته أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها) لا يجب الحد بالوطئ في نكاح مختلف في صحته كنكاح المتعة والشغار والنكاح بلا ولي والتحليل والنكاح بغير شهود ونكاح الأخت في عدة أختها والخامسة في عدة الرابعة والبائن: ونكاح المجوسية وهذا قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف في إباحة الوطئ فيه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات وحكي عن ابن حامد وجوب الحد بالوطئ في النكاح بلا ولي والمذهب الأول قال إبن المنذر أجمع

كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات وكذلك ان وطئ امرأته في دبرها أو جاريته فهو محرم ولا يجب به الحد لأن المرأة محل للوطئ في الجملة، وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد والوطئ في الحيض والنفاس صادف ملكا فكان شبهة (مسألة) (ولا حد على من لم يعلم بتحريم الزنا) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وهو قول عامة أهل العلم فإن ادعى الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالاسلام والناشئ ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقاً وإن كان ممن لا يخفي عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه فإن ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولأن مثل هذا يجهل كثيراً ويخفى على غير أهل العلم.
(مسألة) (أو أكره على الزنا فلا حد عليه وقال أصحابنا إن أكره الرجل فزنى حد) لا يجب الحد على مكرهة على الزنا في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه النسائي وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد رواه الأثرم قال وأتي عمر بإماء من اماء

الامارة استكرههن غلمان من غلمان الامارة فضرب الغلمان ولم يضرب الاماء، وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب قال: أتي عمر بامرأة قد زنت قالت إني كنت نائمة فلم استيقظ إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها ولأن هذه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الاكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه نص عليه أحمد في راع جاءته امرأة قد عطشت فسألته ان يسقيها فقال لها امكنيني من نفسك قال هذه مضطرة، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي ما ترى فيها؟ قال انها مضطرة فأعطاها عمر شيئاً وتركها، فان أكره الرجل فزنى فقال أصحابنا عليه الحد وبه قال محمد بن الحسن وابو ثور لان الوطئ لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه فاذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد كما لو أكره على غير الزنا فزنى، وقال أبو حنيفة ان أكرهه السلطان فلا حد عليه وإن أكرهه غيره حد استحساناً، وقال الشافعي وابن المنذر لا حد عليه لعموم الخبر ولأن الحدود تدرأ بالشبهات والإكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت امرأة، يحققه أن الاكراه إذا كان بالتخويف أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة فاذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه، وقولهم ان التخويف ينافي الانتشار لا يصح لأن التخويف بترك الفعل والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى (مسألة) (وإن وطئ ميتة أو ملك أمه أو أخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين)

إذا وطئ ميتة فعليه الحد في أحد الوجهين وهو قول الأوزاعي لأنه وطئ في فرج آدمية أشبه وطئ الحية ولأنه أعظم ذنبا وأكثر إثما لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة (الثاني) لا حد عليه وهو قول الحسن، قال أبو بكر وبهذا أقول لأن الوطئ في الميتة كلا وطئ لأنه عوض مستهلك ولأنها لا يشتهى مثلها وتعافها النفس فلا حاجة الى تسرع (شرع) الزاجر عنها، وأما إذا ملك أمة (أمه) أو أخته من الرضاع فوطئها فذكر القاضي عن أصحابنا أن عليه الحد لأنه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطئ فيه كفرج الغلام وقال بعض أصحابنا لا حد فيه وهو قول أصحاب الرأي، الشافعي لأنه وطئ في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب الحد عليه كالوط في الجارية المشتركة فأما إن اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا لأن الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة (مسألة) (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع فعليه الحد) إذا تزوج ذات محرمه فالنكاح باطل بالاجماع فإن وطئها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد واسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري لا حد عليه لأنه وطئ تمكنت الشبهة منه فلم يوجب الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للاباحة فإذا لم يثبت

حكمه وهو الإباحة بقيت صورته دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات.
ولنا أنه وطئ في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطئ من أهل الحد عالم بالتحريم فلزمه الحد كما لو لم يوجد العقد، وصورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد ههنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو أكرهها وعاقبها ثم زنى بها ثم يبطل بالاستيلاء عليها فإن الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة، وأما إذا اشترى أخته من الرضاع فهو ممنوع وإن سلمناه فان الملك المقتضي للاباحة صحيح ثابت وإنما تخلفت الإباحة لمعارض بخلاف مسئلتنا فان المبيح غير موجود فإن عقد النكاح باطل والملك به غير ثابت فالمقتضي معدوم فهو كما لو اشترى خمراً فشربه، إذا ثبت هذا فاختلف في الحد فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال وبهذا قال جابر بن زيد واسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة، وروى اسماعيل بن سعيد عن أحمد في رجل تزوج امرأة أبيه فقال يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال (والرواية (الثانية) حده حد الزنا وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر، ووجه الأولى ما روى البراء قال: لقيت عمي ومعه الراية فقلت إلى أين تريد؟ فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن ضرب عنقه وآخذ ماله رواه أبو داود والجوزاني والترمذي، وقال حديث حسن وسمى الجوزجاني عمه الحارث بن عمرو، وروى الجوزجاني وابن ماجة باسنادهما إلى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب اخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من ههنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله ابن أبي مطرف فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من تخطى المؤمنين فخطوا رأسه بالسيف) وهذه

الأحاديث مما ورد في الزنا فتقدم، والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد (فصل) وكل عقد أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو مزوجة أو معتدة أو نكاح المطلقة ثلاثاً إذا وطئ فيه عالماً بالتحريم فهو زنا موجب للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه لا حد فيه لما ذكروه فيما إذا عقد على ذوات محارمه.
وقال النخعي يجلد مائة ولا ينفى ولنا ما ذكرناه فيما مضى وروي أبو نصر المروزي باسناده عن عبيد بن نضيلة قال: رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال هل علمتها؟ قالا لا قال لو علمتما لرجمتكما فجلده أسواطاً ثم فرق بينهما، وروى أبو بكر باسناده قال: رفع الى علي عليه السلام امرأة تزوجت ولها زوج كتمته فرجمها وجلد زوجها الأخير مائة جلدة، فإن لم يعلم تحريم ذلك فلا حد عليه لعذر الجهل ولذلك درأ عمر عنهما الحد لجهلهما.
(مسألة) (أو استأجر امرأة للزنا أو لغيره فزنى بها أو زنى بامرأة له عليها القصاص أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها أو أمكنت العاقلة البالغة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها فعليهم الحد) إذا استأجر امرأة لعمل شئ فزنى بها أو استأجرها ليزني بها وفعل ذلك أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فعليهما الحد، وبه قال أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا حد عليهما في هذه المواضع إلا إذا استأجرها لعمل شئ لأن ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد ولا يحد بوطئ امزأة هو مالك لها.

ولنا عموم الآية والاخبار ووجود المعنى المقتضي لوجوب الحد، وقوله ان ملكه لمنفعتها شبهة لا يصح فإنه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها نفسها له ومطاوعتها إياه فلأن لا يسقط بملك محل آخر اولى وأما إذا استأجر امرأة للزنا لم تصح الإجارة فوجود ذلك كعدمه فأشبه وطئ من لم يستأجرها، وأما إذا زنى بامرأة له عليها قصاص فعليه الحد لأنه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه ما لو لم يكن له عليها قصاص وكما لو كان له عليها دين، وأما إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فانه ما وجب عليه الحد بوطئ مملوكته ولا زوجته وإنما وجب بوطئ أجنبية فتغير حالها لا يسقطه كما لو ماتت، وأما إذا أمكنت المكلفة من نفسها صغيراً أو مجنوناً فوطئها أو استدخلت ذكر نائم فعليها الحد دونه، وقال أبو حنيفة لا حد عليها لأن فعل الصبي والمجنون ليس زنا فلم يجب عليها الحد اذا أمكنته منه كما لو أمكنته من ادخال اصبعه في فرجها.
ولنا أن سقوط الحد عن أحد الواطئين لمعنى يخصه لا يوجب سقوطه عن الآخر كما لو زنى المستأمن بمسلمة أو زنى بمجنونة أو نائمة، وقولهم ليس بزنا لا يصح لأنه لا يلحق به النسب وإنما لم يجب الحد عليه لعذره وزوال تكليفه، وكذلك الحكم في الرجل يظن أن المرأة زوجته فيطؤها وهي تعلم أنه أجنبي وفي المرأة تظنه زوجها وهو يعلم أنها أجنبية (فصل) فأما الصغيرة فان كانت ممن يمكن وطؤها فهو زنا يوجب الحد لأنها كالكبيرة في ذلك وإن كانت ممن لا تصلح للوطئ ففيها وجهان كالميتة على ما ذكرنا، وقال القاضي لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ تسعاً لأنها لا ينتهي مثلها أشبه ما لو أدخل اصبعه في فرجها، وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر صبي لم يبلغ عشراً فلا حد عليها.
قال شيخنا والصحيح أنه متى وطئ من أمكن وطؤها

أو أمكنت المرأة من يمكنه الوطئ فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما ولا يصح تحديد ذلك بتسع ولا عشر لأن التحديد إنما يكون بالتوقيف ولا توقيف في هذا، وكون التسع وقتاً لامكان الاستمتاع غالبا لايمنع وجوده قبله كما أن البلوغ يوجد في خمس عشرة عاماً غالباً ولا يمنع من وجوده قبله (فصل) الثالث أن يثبت الزنا ولا يثبت إلا بأحد شيئين (أحدهما) أن يقر اربع مرات في مجلس او مجالس وهو بالغ عاقل ويصرح بذكر حقيقة الوطئ ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد، لا يثبت الزنا الا باقرار أو بينة فإن ثبت باقرار اعتبر إقرار اربع مرات وبهذا قال الحكم وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي، وقال الحسن وحماد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يحد باقراره مرة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) واعتراف مرة اعتراف وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهنية وإنما اعترفت مرة، وقال عمران الرجم حق واجب على من زنى وقد احصن اذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ولأنه حق فثبت باعتراف مرة كالاقرار بالقتل ولنا ما روى أبو هريرة قال أتى رجل من الاسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أبك جنون - قال لا - قال هل أحصنت؟ - قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ارجموه) متفق عليه

ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى، وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟) قال بفلانة رواه أبو داود وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هو الموجب، وروى أبو برزة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم إن أقررت أربعاً رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل من وجهين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ (الثاني) أنه قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه، فأما أحاديثهم فإن الاعتراف لفظ للمصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعاً (فصل) وسواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الزاني يردد أربع مرات؟ قال نعم على حديث ماعز هو أحوط، قلت له في مجلس واحد أو في مجالس شتى؟ قال أما الأحاديث فليست تدل إلا على مجلس واحد إلا على ذلك الشيخ بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وذلك عندي منكر الحديث، وقال أبو حنيفة لا يثبت إلا بأربع إقرارات في أربعة مجالس لأن ماعزاً أقر في أربعة مجالس ولنا أن الحديث الصحيح إنما يدل أنه أقر أربعاً في مجلس واحد وقد ذكرنا الحديث ولأنه أحد حجتي الزنا فاكتفي به في مجلس واحد كالبينة (فصل) ويعتبر في صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، لأن الزنا يعبر به عن ما ليس بموجب للحد وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز (لعلك قبلت أو غمزت؟) قال لا قال

(افنكتها؟) قال نعم قال (حتى غاب ذاك منك في ذاك منها؟) قال نعم قال (كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم قال (أتدري ما الزنا؟) قال نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالا وذكر الحديث رواه أبو داود (فصل) وإن أقر أنه زنى بامرأة فكذبته فعليه الحد دونها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا حد عليه لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكوماً بكذبه ولنا ماروى أبو داود بإسناده عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه فاقر عنده أنه زنى بامرأة فسماها له فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فانكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها، ولأن انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل قراره كما لو سكتت أو كما لو لم تسأل ولأن عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه وهو قول عمر إذا كان الحبل أو الاعتراف، وقولهم انا صدقناها في إنكارها غير صحيح فانا لم نحكم بصدقها وانتفاء الحد إنما كان لعدم المقتضى وهو الاقرار أو البينة لا لوجود التصديق بدليل مالو سكتت أو لم تكمل البينة.
إذا ثبت هذا فإن الحر والعبد والبكر والثيب في الإقرار سواء لأنه أحد حجتي الزنا فاستوى الكل فيه كالبينة (فصل) ويشترط أن يكون المقر بالغا عاقلا ولا خلاف في اعتبار ذلك في وجوب الحد وصحة الإقرار لأن الصي والمجنون قد رفع القلم عنهما ولا حكم لكلامهما لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (فصل) والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنى بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه

الزنى حال نومه فلا حد عليه لان القلم مرفوع عنه، ولو أقر في حال نومه لم يلتفت إلى اقراره لأن كلامه غير معتبر ولا يدل على صحة مدلوله: وأما السكران ونحوه فعليه حد الزنى والسرقة والشرب والقذف اذا فعله في حال سكره لأن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا عليه حد الفرية لكون السكر مظنة لها ولأنه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر فيه فأشبه من لا عذر له، وفيه وجه آخر لا يجب عليه الحد لأنه غير عاقل فيكون ذلك شبهة في درء ما يندري بالشبهات ولأن طلاقه لا يقع في رواية فأشبه النائم، والأول أولى لأن إسقاط الحد عنه يفضي إلى أن من أراد فعل هذه المحرمات شرب الخمر وفعل ما أحب فلا يلزمه شئ ولأن السكر مظنة لفعل المحارم وسبب اليه فقد تسبب الى فعلها حال صحوه فأما إن أقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر إقراره لأنه لا يدري ما يقول ولا يدل قوله على صحة خبره فأشبه قول النائم والمجنون وقد روى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم استنكه ماعزا، رواه أبو داود وإنما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران أو لا ولو كان السكران مقبول الإقرار لما احتيج الى تعرف براءته منه (فصل) وأما الأخرس فإن لم تفهم إشارته فلا يتصور منه إقرار وإن فهمت إشارته فقال القاضي عليه الحد وهو قول الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبو ثور وابن المنذر لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقراره به كالناطق وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحد باقرار ولا بينة لأن الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات ولا يجب بالبينة لاحتمال أن يكون له شبهة لم يمكنه التعبير عنها ولم يعرف كونها شبهة ويحتمل كلام الخرقي إن لا يلزمه الحد بإقراره لأنه شرط أن يكون صحيحا وهذا غير صحيح ولأن الحد لا يجب بالشبهة فأما الإشارة فلا تنتفي معها الشبهات وأما البينة فيجب عليه بها الحد لأن قوله معها غير معتبر

(فصل) ولا يصح الإقرار من المكره فلو ضرب الرجل ليقر بالزنى لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنى ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن إقرار المكره لا يجب به حد، وروي عن عمر رضي الله عنه قال ليس الرجل مأموناً على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته رواه سعيد وقال ابن شهاب في رجل اعترف بعد جلده ليس عليه حد ولأن الاقرار إنما يثبت به المقر به لوجود الداعي الى الصدق وانتفاء التهمة عنه فان العاقل لايتهم بقصد الإضرار بنفسه ومع الإكراه يغلب على الظن أن إقراره لدفع ضرر الإكراه فانتفى ظن الصدق عنه فلم يقبل (فصل) وإن أقر بوطئ امرأة وادعى أنها امرأته فأنكرت المرأة الزوجية نظرنا فإن لم تقر المرأة بوطئه إياها فلا حد عليه لأنه لم يقر بالزنى ولا مهر لها لأنها لا تدعيه، وان اعترفت بوطئه اياها أو اعترفت بأنه زنى بها مطاوعة فلا مهر عليه أيضاً ولا حد على واحد منهما إلا أن يقر اربع مرات لأن الحد لا يجب بدون إقرار أربع، وإن ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليه فعليه المهر لأنه أقر بسببه وقد روى منها عن أحمد أنه سأله عن رجل وطئ امرأة وزعم أنها زوجته وأنكرت هي أن يكون زوجها واقرت بالوطئ فقال هذه قد أقرت على نفسها بالزنا ولكن يدرأ عنه الحد بقوله انها امرأته ولا مهر عليه وأدرأ عنها الحد حتى تعترف مراراً، قال أحمد وأهل المدينة يرون عليها الحد يذهبون الى قول النبي صلى الله عليه وسلم (واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وقد تقدم الجواب عن قولهم (فصل) ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد لأن من شروط إقامة الحد بالاقرار البقاء عليه على تمام الحد فان رجع عن إقراره أو هرب كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والشافعي والثوري وإسحاق وابو حنيفة وأبو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن

أبي ليلى يقام الحد ولا يترك لأن ماعزا هرب فقتلوه وروي أنه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه أبو داود وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحدود (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن إقراره قبل منه) وقد ذكرنا الخلاف فيه والله أعلم (الثاني) أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنا ويجيئون في مجلس واحد سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين يشترط في شهود الزنا سبعة شروط ذكرها الخرقي (احدها) أن يكونوا أربعة وهذا إجماع ليس فيه اختلاف بين أهل العلم لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وقال تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) وقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا امهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (نعم) رواه مالك في الموطأ وابو داود (الشرط الثاني) أن يكونوا رجالاً كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافاً إلا شيئاً يروى عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو قول شاذ لا يعول عليه لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة ولا خلاف في أن الاربعة إذا كان بعضهم نساء أنه لا يكتفى بهم وإن أقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال اليهن قال الله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) والحدود تدرأ بالشبهات (الشرط الثالث) الحرية فلا تقبل شهادة العبيد ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا رواية حكيت عن

أحمد وهو قول أبي ثور لعموم النصوص فيه ولأنه عدل مسلم ذكر فتقبل شهادته كالحر ولنا أنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد لأنه يندرئ بالشبهات (الشرط الرابع) العدالة ولا خلاف في اشتراطها فانها تشترط في سائر الشهادات فههنا مع مزيد الاحتياط فيها أولى فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقاً (الشرط الخامس) أن يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي لأن أهل الذمة كفار لا تتحقق العدالة فيهم فلا تقبل روايتهم ولا أخبارهم الدينية ولا تقبل شهادتهم كعبدة الأوثان (الشرط السادس) أن يصفوا الزنى فيقولوا رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر وهذا قول معاوية بن أبي سفيان والزهري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روينا في قصة ماعز أنه لما اقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى فقال (انكتها؟ - فقال نعم قال - حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم واذا اعتبر التصريح في الاقرار كان اعتباره في الشهادة أولى وروى أبو داود باسناده عن جابر قال جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ائتوني باعلم رجلين منكم) فأتوه بابني صوريا فنشدهما (كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟) قالا إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال (فما يمنعكم أن ترجموهما؟) قالوا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود (فجاؤا له)

أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ولأنهم إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه قال بعض أهل العلم يجوز للشهود أن ينظروا الى ذلك منهما لاقامة الشهادة عليهما فيحصل الردع بالحد فان شهدوا أنهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى والتشبيه تأكيد (فصل) فأما تعيين المزني بها إن كانت الشهادة على رجل أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة ومكان الزنا فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها ويعتبر ذكر المكان لئلا تكون شهادة أحدهم على غير الفعل الذي شهد به الآخر ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم (إنك أقررت أربعاً فبمن؟) وقال ابن حامد لا يعتبر ذكر هذين لأنه لا يعتبر ذكرهما في الإقرار ولم يأت ذكرهما في الحديث الصحيح وليس في حديث الشهادة في رجم اليهوديين ذكر المكان ولأن ما لا يشترط فيه ذكر الزمان لا يشترط فيه ذكر المكان كالنكاح ويبطل ما ذكروه بالزمان (الشرط السابع) مجئ الشهود كلهم في مجلس واحد ذكره الخرقي فقال: وإن جاءوا أربعة متفرقين والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي والبتي وابن المنذر لا يشترط ذلك لقول الله تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) ولم يذكر المجلس، وقال تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت) ولأن كل شهادة مقبولة إذا اتفقت (وغير) مقبولة إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات ولنا أن أبا بكرة ونافعاً وسهل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد

زياد فحد الثلاثة ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم وبهذا فارق سائر الشهادات، وأما الآية فانها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكروا العدالة وصفة الزنا ولأن قوله (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) لا يخلو من أن يكون مطلقاً في الزمان كله أو مقيداً لا يجوز أن يكون مطلقاً لأنه يمنع من جواز جلدهم لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به فيكون متناقضاً، وإذا ثبت أنه مقيد بالمجلس لأن المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه خيار المجلس واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم ولو جاءوا متفرقين واحداً بعد واحد في مجلس واحد قبل شهادتهم وقال مالك وأبو حنيفة إن جاءوا متفرقين فهم قذفة لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم فلم تقبل شهادتهم كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولنا قصة المغيرة فان الشهود جاءوا واحداً بعد واحد وسمعت شهادتهم وإنما حدوا لعدم كمالها في المجلس وفي حديثه أن أبا بكرة قال أرأيت لو جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: أي والذي نفسي بيده ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه مالو جاءوا مجتمعين ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرنا وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد لأن من شهد بالزنا ولم تكمل الشهادة يلزمه الحد لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها فهم قذفة وعليهم الحد) إذا لم يكمل شهود الزنا فعليهم الحد في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين وحكي عن الشافعي فيهم قولان (أحدهما) لا حد عليهم لأنهم شهود فلم يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم فاسق ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وهذا يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قال أربعة ولأنه إجماع الصحابة فان عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد وروى صالح بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك عمر ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان: والله لقد كدت يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين: رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد قال فأمر بأولئك النفر فجلدوا، وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي زياد فقال عمر أرى شابا حسناً وأرجو ألا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا أمير المؤمنين رأيت استاً تنبو ونفساً يعلو ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار ولا أدري ما وراء ذلك فقال عمر: الله اكبر الله اكبر وامر بالثلاثة فضربوا، وقول عمر يا سلح العقاب معناه أنه يشبه سلح العقاب الذي يحرق كل شئ أصابه كذلك هو يوقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته حد المشهود عليه وإن لم تكمل حد أصحابه، فإن قيل فقد خالفهم أبو بكرة وأصحابه الذين شهدوا قلنا لم يخالفوا في وجوب الحد عليهم إنما خالفوهم في صحة ما شهدوا به ولأنه

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل