الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 453-492
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لغيره من غير قرابة جاز له أن يتزوجها كالإمام وقولهم لم يوجد إيجاب ولا قبول عديم الأثر فإنه لو وجد لم يحكموا بصحته وعلي أنه إذا لم يوجد فقد وجد ما يدل عليه وهو جعل العتق صداقا فأشبه ما لو تزج امرأة هو وليها ولو قال الخاطب للولي أزوجت قال نعم صح عند أصحابنا وكما لو أتى بالكنايات عند أبي حنيفة ومن وافقه (فصل) ولا فرق بين أن يقول أعتقتك وجعلت عتقك صداقك وتزوجتك أولا يقول وتزوجتك وكذلك قوله وجعلت عتقك صداقك وجعلت صداقك عتقك كذلك ذكره الخرقي ونص أحمد في رواية صالح إذا قال جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك كان ذلك جائزاً، ويشترط لصحة النكاح أن لا يكون بينهما فصل فلو قال أعتقتك وسكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه أو تكلم بكلام أجنبي لم يصح الناح لأنها صارت بالعتق حرة فتحتاج إلى أن يتزوجها برضاها بعقد وصداق جديد ولابد من حضور شاهدين إذا قلنا باشتراطا الشهادة في النكاح نص على ذلك في رواية الجماعة لقوله لا نكاح إلا بولي وشاهدين.
(فصل) وإذا قلنا بصحة النكاح فطلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمتها لأن الطلاق قبل

الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها وقد فرض لها نفسها ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله فرجع بنصف قيمة نفسها وبهذا قال الحسن والحاكم وقال الأوزاعي يرجع بقيمتها ولنا أنه طلاق قبل الدخول فأوجب الرجوع بالنصف كسائر الطلاق وتعتبر القيمة حالة الإعتاق لأنها حالة الإتلاف فإن لم تكن قادرة على نصف القيمة فهل تستسعى فيها أو يكون ديناً تنظر به إلى حالة القدرة؟ على روايتين، وإن قلنا أن النكاح لا ينعقد بهذا القول فعليها قيمة نفسها لأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له فرجع إلى قمية المفوت كالبيع الفاسد وكذلك إن قلنا إن النكاح العقد به فارتدت قبله أو فعلت ما ينفسخ به نكاحها مثل أن أرضعت زوجة له صغيرة ونحو ذلك انفسخ نكاحها وعليها قيمة نفسها.
(مسألة) (وإن قال لأمته أعتقتك على أن تزوجيني نفسك ويكون عتقك صداقك أو لم يقل ويكون عتقك فقبلت عتقك ولم يلزمها أن تزوجه نفسها) لأنه سلف في نكاح فلم يلزمها كما لو أسلف حرة ألفاً على أن يتزوجها ولانه اسقط حقه من الخيار قبل وجود سببه فلم يسقط كالشفيع يسقط شفعته قبل البيع ويلزمها قيمة نفسها أومأ إليه أحمد

في رواية عبد الله وهو مذهب الشافعي لأنه أزال ملكه منها بشرط عوض لم يسلم فاستحق الرجوع بقيمته كالبيع الفاسد إذا تلفت السلعة في يد المشتري والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول ويحتمل أن لا يلزمها شئ بناء على ما إذا قال لعبده أعتقتك على أن تعطيني الفاً وهذا قول مالك وزفر لأن هذا ليس بلفظ شرط فأشبه ما لو قال أعتقتك وزوجيني نفسك.
وتعتبر القيمة حال العتق ويطالبها في الحال إن كانت قادرة عليها وإن كانت معسرة فهل تنظر إلى الميسرة أو تجبر على الكسب؟ على وجهين أصلهما في المفلس هل يجبر على الكسب؟ على روايتين (فصل) وإن اتفق السيد والأمة على أن يعتقها وتزوجه نفسها فتزوجها على ذلك صح ولا مهر لها غير ما شرط من العتق وبه قال أبو يوسف وقال أبو حنيفة والشافعي لا يكون العتق صداقاً لكن إن تزوجها على القيمة التي له في ذمتها وهما يعلمان القيمة صح الصداق ولنا أن العتق صداقاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيجز وفي حق أمته كالدراهم ولأنه يصلح عوضاً في البيع فإنه لو قال أعتق عبدك على ألف جاز فلأن يكون عوضاً في النكاح أولى فإن النكاح لا يقصد فيه العوض، وعلى هذا لو تزوجها على أن يعتق أباها صح نص عليه أحمد في رواية عبد الله

إذا ثبت هذا فإن العتق يصير صداقاً كما لو دفع إليها مالا ثم تزوجها عليه فإن بذلت له نفسها ليتزوجها فامتنع لم يجبر وكانت له القيمة لأنها إذا لم تجبر على تزويجه نفسها لم يجبر هو على قبولها وحكم المدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد حكم الأمة القن في جميع ما ذكرنا (فصل) ولا بأس أن يعتق الرجل الأمة ثم يتزوجها سواء أعتقها لوجه الله تعالى أو أعتقها ليتزوجها وكره أنس تزويج من أعتقها لوجه الله تعالى قال الأثرم قلت لأبي عبد الله روى شعبة عن قتادة عن أنس أنه كره أن يعتق الأمة ثم يتزوجها قال نعم ذاك إذا أعقها لله كره أن يرجع لي في شئ ولنا ما روى أوبو موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن إليها ثم اعتقها وتزوجها فذلك له أجران) متفق عليه ولأنه إذا تزوجها فقد أحسن إليها بإعفافها وصيانتها فلم يكره ما لو زوجها غيره وليس في هذا رجوع فيما جعل الله فإنه إنما يتزوجها بصداقها فهو بمنزلة من اشترى منها شيئاً (فصل) وإذا قال أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتي فأعتقه لم يلزمه أن يزوجه ابنته لأنه سلف في نكاح وعليه قيمة عبد وقال الشافعي في احد القولين لا يلزمه شئ لأنه لا فائدة له في العتق

ولنا أنه أزال ملكه عن عبده بعوض شرطه فلزمه عوضه كما لو قال أعتق عبدك عني وعلي ثمنه وكما لو قال طلق زجتك على ألف فطلقها أو ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه وبهذه الأصول يبطل قولهم أنه لا فائدة له في العتق (فصل) قال رضي الله عنه (الرابع الشهادة فلا ينعقد إلا بشاهدين عدلين بالغين عاقلين وإن كانا ضريرين) المشهور عن أحمد أن الشهادة شرط لصحة النكاح روى ذلك عن عمر وعلي وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي وقتادة والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه يصح بغير شهود فعله ابن عمر والحسن بن علي وابن الزبير وسالم وحمزة ابنا ابن عمر وبه قال عبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون والعنبري وأبو ثور وابن المنذر وهو قول الزهري ومالك إذا أعلنوه قال إبن المنذر لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر وقال ابن عبد البر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين) من حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر ألا إن في نقلة ذلك ضعيفاً فلم أذكره قال إبن المنذر وقد

أعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي وتزوجها بغير شهود قال أنس بن مالك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية بسبعة أرؤس قال الناس ما ندري أتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جعلها أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها فعلموا أنه تزوجها متفق عليه قال فاستدلوا على تزويجها بالحجاب وقال يزيد بن هارون أمر الله بالإشهاد في البيع دون النكاح فاشترط أصحاب الرأي الشهادة في النكاح ولم يشترطوها في البيع، ووجه الأولى أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل) رواه الخلال باسناده وروى الدارقطني عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لابد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين) ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو لولد فاشترطت الشهادة فيه لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه بخلاف البيع فأما نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بغير ولي وشهود فمن خصائصه في النكاح فلا يلحق به غيره (فصل) ويشترط في الشهود الذكورية والعدالة والعقل والبلوغ والإسلام، فأما الذكورية فقال أحمد إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز ذلك لما روى أبو عبيد في الأموال عن الزهري قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق ولأنه عقد ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فلم يثبت بشهادتهن

كالحدود (والثاني العدالة) ففي انعقاد النكاح بشهادة الفاسقين روايتان (إحداهما) لا ينعقد وهو مذهب الشافعي للخبر ولأن النكاح لا يثبت بشهادتهما فلم ينعقد بحضورهما كالمجنونين (والثانية) ينعقد بشهادتهما وهو قول أبي حنيفة لأنه تحمل فصحت من الفاسق كسائر التحملات، وعلى كلتا الروايتين لا تعتبر حقيقة العدالة بل ينعقد بشهادة مستوري الحال لأن النكاح يكون في القرى والبوادي وبين عامة الناس مما لا يعرف حقيقة العدالة فاعتبار ذلك يشق فاكتفى بظاهر الحال وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه فإن تبين بعد العقد أنه كان فاسقاً لم يؤثر في العقد لأن الشرط العدالة ظاهر وهو أن لا يكون ظاهر الفسق وقد تحقق ذلك وقيل تبين أن النكاح كان فاسداً لعدم الشرط ولا يصح لأنه لو كانت العدالة الباطنة شرطاً لوجب الكشف عنها لأنه مع الشك فيها يكون الشرط مشكوكاً فيه فلا ينعقد النكاح ولا تحل المرأة مع الشك في صحة نكاحها، وإن حدث الفسق فيهما لم يؤثر في صحة النكاح لأن الشرط إنما يعتبر حالة العقد ولو أقر رجل وامرأة أنهما نكحا بولي وشاهدي عدل قبل منهما وثبت النكاح بشهادتهما (الثالث العقل) فلا ينعقد بشهادة مجنونين ولا طفلين لأنهما ليسا من أهلا الشهادة ولا لهما قول يعتبر (الرابع البلوغ) فلا ينعقد بشهادة صبيين لأنهما ليسا من أهل الشهادة أشبها الطفل وعنه أنه ينعقد

بشهادة مراهقين عاقلين بناء على أنهما من أهل الشهادة (الخامس الإسلام) فلا ينعقد النكاح بشهادة كافرين سواء كان الزوجان مسلمين أن الزوج مسلماً وحده نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كانت المرأة ذمية صح بشهادة ذميين ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الرواية التي تقول بقبول شهادة بعض أهل الذمة على بعض والأول أصح لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ولأنه نكاح مسلم فلم ينعقد بشهادة ذميين كنكاح المسلمين (فصل) وينعقد بشهادة ضريرين وللشافعية في ذلك وجهان ولنا انها شهادة على قول فقبلت من الضرير كالشهادة بالاستفاضة، ويعتبر أن يتيقن الصوت على وجه لا يشك فيهما كما يعلم ذلك من رآهما وينعقد بشهادة عبدين وقال أبو حنيفة والشافعي لا ينعقد والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في قبول شهادتهما في سائر الحقوق وسنذكر ذلك في موضعهه إن شاء الله، (وعنه ينعقد بحضور فاسقين) وقد ذكرنا ذلك (ورجل وامرأتين) ظاهر المذهب أن النكح لا ينعقد برجل وامرأتين وهو قول النخعي والاوزاعي والشافعي وعن أحمد أنه قال إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز فإن كان معهن رجل فهو أهون فيحتمل أن هذا رواية أخرى في انعقاده بذلك وهو قول أصحاب

الرأي وروي عن الشعبي لأنه عقد معاوضة فانعقد بشهادتهن بالرجال كالبيع ولنا الخبر المذكور ولأنه عقد ليس المقصود منه المال ويحضره الرجال فلم يقبل فيه شهادة النساء كالحدود ولهذا فارق البيع (مسألة) (وعنه ينعقد بحضور مراهقين عاقلين) وقد ذكرناه

(مسألة) (ولا ينعقد نكاح المسلم بشهادة ذميين ويتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية وقد ذكرنا ذلك)

(مسألة) (ولا ينعقد بحضور أصمين ولا أخرسين)

لأن الأصمين لا يسمعان والأخرسين يتعذر الأداء منهما، وفي انعقاده بشهادة أهل الصنائع الرديئة كالحجام ونحو وجهان بناء على قبول شهادتهم

(مسألة) (وهل ينعقد بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما؟ على وجهين)

أحدهما ينعقد اختاره أبو عبد الله بن بطة لعموم قوله (وشاهدي عدل) ولأنه ينعقد بهما نكاح غير هذا الزوج فانعقد بهما نكاحه كسائر العدول (والثاني) لا ينعقد لأن العدو لا تقبل شهادته على عدوه والابن لا تقبل

شهادته لوالده وعنه أن الشهادة ليست من شروط النكاح وقد ذكرنا الخلاف في ذلك والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (الخامس) كون الرجل كفؤاً لها في إحدى الروايتين فلو رضيت المرأة والاولياء بغيره لم يصح) اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح فروي عنه أنها شراط فإنه قال إذا تزوج المولى العربية فرق بينهما وهذا قول سفيان قال أحمد في الرجل يشرب الشراب ما هو بكفء لها يفرق بينهما وقال لو كان المتزوج حائكاً فرقت بينهما لقول عمر رضي الله عنه لأمنعن تزويج ذوات الاحساب الامن الأكفاء رواه الخلال باسناده وعن أبي إسحاق الهمداني قال خرج سلمان وجرير في سفر فأقيمت الصلاة فقال جرير لسلمان تقدم فقال سلمان بل أنت تقدم فإنكم معشر العرب لا نتقدم في صلاتكم ولا تنكح نساءكم إن الله فضلكم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعله فيكم ولأن التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث في الأولياء بغير إذنه فلم يصح كما لو زوجها بغير إذنها وقد روى الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا تنكحوهن إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء) إلا أن ابن عبد البر قال: هذا ضعيف لا أصل له ولا يحتج بمثله، ولو رضيت المرأة والأولياء بغير كف لم يصح النكاح لفوات شرط وهذا اختيار الخرقي وإذا اقلنا باشتراطها فإنما يعتبر

وجودها حال العقد فإن عدمت بعده يبطل النكاح فإن كانت معدومة حال العقد فهو فاسد حكمه حكم العقود الفاسدة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (والثانية) ليست شرطاً في النكاح وهي أصح، وهو قول أكثر أهل العلم روي نحوه عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وعبيد بن عمير وحماد بن أبي سليمان وابى سبرين وابن عون ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لقول الله تعالى (أن أكرمكم عند الله أتقاكم) وقالت عائشة أن أبا حذيفة ابن عتبة بن ربيعة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار، أخرجه البخاري وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره متفق عليه وزوج زيد بن حارثة ابنة عمه زينب بنت جحش الأسدية، وقال ابن مسعود لأخيه أنشدك الله أن لا تزوج إلا مسلماً وإن كان أحمر رومياً أو أسود حبشياً ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقاً للمرأة أو للاولياء أولهما فلم يشترط وجودها كالسلامة من العيوب وروي أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم في اليافوخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه) رواه أبو داود إلا أن أحمد ضعفه وأنكره إنكاراً شديداً.

قال شيخنا والصحيح أنها غير مشروطة، وما روي فيها يدل على اعتبارها في الجملة ولا يلزم منه اشتراطها

(مسألة) (لكن إن لم ترض المرأة والأولياء جميعهم فلمن لم يرض الفسخ)

لأن للزوجة ولكل واحد من الأولياء فيها حقاً ومن لم يرض منهم فله الفسخ ولذلك لما زوج رجل ابنته من ابن أخيه ليرفع بها خسيسه جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم الخيار فاختارت ما صنع أبوها ولو فقد الشرط لم يكن لها خيار.
(فصل) وإذا قلنا ليست شرطا فرضيت المرأة والأولياء جميعهم صح النكاح، وإن لم يرض بعضهم فقد روي عن أحمد أن العقد يقع باطلا من أصله لأن الكفاءة حق الجميعهم والعاقد متصرف فيها بغير رضاهم فلم يصح كتصرف الفضولي وهذا أحد قولي الشافعي وظاهر المذهب أن العقد يقع صحيحاً ويثبت لمن لم يرض الفسخ لما ذكرنا من حديث المرأة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أبها زوجها بغير كف خيرها ولم يبطل النكاح من أصله ولأن العقد وقع بالاذن والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته وانما يثت الخيار كالعيب من العنة وغيرها فعلى هذه الرواية يثبت الفسخ لمن لم يرض، وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إذا رضيت المرأة وبعض الأولياء

لم يكن لباقي الأولياء فسخ لأن هذا الحق لا يتجزأ وقد أسقط بعض الشركاء بعضه فسقط جميعه كالقصاص.
ولنا أن كل واحد من الأولياء يعتبر رضاه فلم يسقط برضا غيره كالمرأة مع الولي.
فأما القصاص فلا يثبت بكل واحد كاملا فإذا سقط بعضه تعذر استيفاؤه وههنا بخلافه ولأنه لو زوجها بدون مهر مثلها ملك الباقون عند غيرهم الاعتراض مع أنه خالص حقها فههنا مع أنه حق لهم أولى.

(مسألة) (فلو زوج الاب بغير كفء برضاها فللاخوة الفسخ)

نص عليه أحمد وقال مالك والشافعي ليس لهم فسخ إذا زوج الأقرب لأنه لا حق للأبعد معه فرضاها لا يعتبر كالأجنبي ولنا أنه ولي في حال يلحقه العار بعدم الكفاءة فملك الفسخ كالمتساويين

(مسألة) (والكفاءة الدين والمنصب يعني بالمنصب النسب)

اختلف الرواية عن أحمد في شرط الكفاءة فعنه أنها شرطان الدين والمنصب لا غير وعنه خمسة هذان والحرية والصناعة واليسار، وذكر القاضي في المجرد أن فقد هذه الثلاثة لا يبطل النكاح رواية واحدة إنما الروايتان في الشرطين الأولين قال ويتوجه أن المبطل عدم الكفاءة في النسب لا غير لأنه

نقص لازم وما عداه غير لازم ولا يتعدى نقصه إلى الولد وذكر في الجامع الروايتين في جميع الشروط وذكره أبو الخطاب أيضا وقال مالك الكفاءة في الدين لا غير قال ابن عبد البر هذا جملة مذهب مالك وأصحابه وعن الشافعي كقول مالك، وقول آخر أنها الخمسة التي ذكرناها والسلامة من العيوب الاربعة فتكون سنة وكذلك قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح إلا في الصنعة والسلامة من العيوب ولم يعتبر محمد بن الحسن الدين إلا أن يكون ممن يسكر ويخرج ويسخر منه الصبيان فلا يكون كفؤاً لأن الغالب على الحنث الفسق ولا يعد ذلك نقصاً، والدليل على اعتبار الدين قول الله تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ولأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية غير مأمون على النفس والمال مسلوب الولايات ناقص عند الله وعند خلقه قليل الحظ في الدنيا والآخرة فلا يجوز أن يكون كفؤاً لعفيفة ولا مساوياً لها لكن يكون كفؤا لمثله.
فأما الفاسق من الحنث فهو ناقص عند أهل الدين والمروءات والدليل على اعتبار النسب في الكفاءة قول عمر لأمنعن تزويج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء قال قلت وما الاكتفاء؟ قال في الحسب رواه أبو بكر عبد العزيز بإسناده ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصاً وعاراً فإذا أطلقت الكفاءة وجب حملها على المتعارف ولأن في فقد ذلك نقصاً وعاراً فوجب أن تعتبر في الكفاءة

كالدين، فعلى هذا لاتزوج العفيفة بفاجر لما ذكرنا ولا عربية بعجمي فلا يكون المولى ولا العجمي كفؤاً لعربية لما ذكرنا من قول عمر رضي الله عنه وقال سلمان لجرير معشر العرب لا تقدم في صلاتكم ولا تنكح نساءكم إن الله فضلكم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعله فيكم

(مسألة) (والعرب بعضهم لبعض أكفاء وسائر الناس بعضهم لبعض أكفاء وعنه لا تزوج قرشية لغير قرشي ولا هاشمية لغير هاشمي)

اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أن غير قريش لا يكافئها وغير بني هاشم لا يكافئهم، وهو قول بعض أصحاب الشافعي لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش أخص به من سائر العرب وبنو هاشم أخص به من قريش ولذلك قال عثمان وجبير بن مطعم أن إخواننا من بني هاشم لا تنكر فضلهم علينا لمكانك الذي وضعك الله به منهم، وقال أبو حنيفة لا يكافي العجم العرب ولا العرب قريشاً وقريش كلهم أكفاء لأن ابن عباس قال قريش بعضهم لبعض أكفاء (والرواية الثانية) أن العرب بعضهم لبعض أكفاء والعجم بعضهم لبعض أكفاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته عثمان وزوج أبا العاص بن الربيع زينب وهما من بني عبد شمس وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة ابنة الحسين

ابن علي وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة وتزوجها أيضاً عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وزوج ابو بكر رضي الله عنه أخته أم فروة الأشعث بن قيس وهما كنديان وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية، ولأن العجم والموالي بعضهم لبعض أكفاء وإن تفاضلوا وشرف بعضهم على بعض فكذلك العرب وهذه الرواية الصحيحة إن شاء الله تعالى

(مسألة) (وعنه أن الحرية والصناعة واليسار من شروط الكفاءة فلا تزوج حرة بعبد ولا بنت بزاز بحجام ولا بنت بان بحائك ولا موسرة بمعسرة)

أما الحرية فالصحيح أنها من شروط الكفاءة فلا يكون العبد كفؤا الحرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت عبد فإذا ثبت الخيار بالحرية الطارئة فبالحرية المقارنة أولى ولأن نقص الرق كبير وضرره بين فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده ولا ينفق نفقة الموسرين ولا ينفق على ولده وهو كالمعدوم بالنسبة إلى نفسه ولا يمنع صحة النكاح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة (لو راجعتيه) قالت يا رسول الله أتأمرني؟ قال (إنما أنا شفيع) قالت: فلا حاجة لي فيه رواه البخاري ومراجعتها إياه ابتداء نكاح فإن نكاحها قد انفسخ باختيارها ولا يشفع إليها النبي

صلى الله عليه وسلم في أن تنكح عبداً إلا والنكاح صحيح فأما اليسار ففيه روايتان (إحداهما) هو شرط لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحسب المال) وقال (إن أحساب الناس بينهم هذا المال) وقال لفاطمة بنت قيس حين أخبرته أن معاوية خطبها (أما معاوية فصعلوك لا مال له) ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤونة أولاده ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بالنفقة فكذلك إذا كان مقارنا ولأن ذلك معدود نقصاً في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ قال نبيه بن الحجاج السهمي * سألتاني الطلاق ان وأتاني * قال مالي قد جئتماني بنكر * * ويكأن من له نسب يحبب * ومن يفتقر يعيش عيش ضر * فكان من شروط الكفاءة كالنسب (والثانية) ليس بشرط لأن الفقر شرف في الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً) وليس هو لازماً فأشبه العافية من من الرمض، واليسار المعتبر ما يقدر به على الأنفاق عليها حسب ما يجب لها ويمكنه أداء مهرها وأما الصناعة ففيها أيضاً روايتان (إحداهما) أنها شرط فمن كان من أهل الصنائع الدنيئة كالحائك والحجام والحارس والكساح والدباغ والقيم والحمامي والزبال فليس بكفء لبنات ذوي المرؤات كأصحاب

الصنائع الجليلة كالتجارة والبناية لأن ذلك نقص في عرف الناس فأشبه نقص النسب وقد جاء في حديث (العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكاً أو حجاما.
) قيل لاحمد وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال العمل عليه يعني أنه ورد موافقاً لأهل العرف.
وروي أن ذلك ليس بنقص ويروى نحو ذلك عن أبي حنيفة لأن ذلك ليس بنقص في الدين ولا هو لازماً فأشبه الضعف والمرض.
قال بعضهم: * ألا إنما التقوى هي العزو الكرم * وحدبك للدنيا هو الذل والسقم * وليس على عبد تقي نقيصة * إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم * وأما السلامة من العيوب فليست من شروط الكفاءة فإنه لا خلاف أنه لا يبطل النكاح بها، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء لأن ضرره يختص بها ولوليها معها من نكاح المجنون والأبرص والمجذوم وما عدا هذا فليس بمعتبر في الكفاءة (فصل) ومن أسلم أو أعتق من العبيد فهو كفء لمن له أبوان في الإسلام والحرية وقال أبو حنيفة ليس بكفء، ولا يصح ذلك لأن الصحابة أكثرهم أسلموا وكانوا أفضل الأمة فلا يجوز أن يقال أنهم غير أكفاء للتابعين

(فصل) وولد الزنا قد قيل انه كفء لذات نسب وعن أحمد أنه ذكر له أنه ينكح وينكح إليه فكأنه لم يجب ذلك لأن المرأة تعير به وهي وأولياؤها ويتعدى ذلك إلى ولدها وليس هو كفؤ للعربية بغير إشكال فيه لأنه أدنى حالا من المولى.
(فصل) والموالي أكفاء بعضهم لبعض وكذلك العجم قال أحمد في رجل من بني هاشم له مولاة يتزوجها الخراساني وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((مولى القوم منهم) هو في الصدقة فأما في النكاح فلا وذكر القاضي رواية عن أحمد أن مولى القوم يكافئهم لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج زيداً وأسامة عربيتين ولأن موالي بني هاشم ساووهم في حرمان الصدقة فساووهم في الكفاءة، وهذا لا يصح فانه يوجب أن يكون الموالي أكفاءً للعرب فإن المولى إذا كان كفوأ لسيده كان كفؤا لمن يكافئه سيده فيبطل اعتبار المنصب ولهذا لا يساووهم في استحقاق الخمس ولا في الإمامة ولا في اشرف، وأما زيد وأسامة فقد استدل بنكاحهما عربيتين على أن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح واعتذر أحمد عن تزويجهما بأنهما من كلب فهما عربيان وإنما طرأ عليهما رق فعلى هذا يكون حكم كل عربي الأصل كذلك.
(فصل) فأما أهل البدع فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي يفرق بينهما وكذلك إذا زوج الواقفي إذا كان يخاصم ويدعو وإذا زوج أخته من هؤلاء اللفظية وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي يفرق بينهما وقال لا يزوج بنته من حروري مرق من الدين ولامن الرافضي ولا من القدري فإذا

كان لا يدعو فلا بأس وقال من لم يربع بعلي في الخلافة فلاتنا كحوه ولا تكلموه قال القاضي المقلد منهم يصح تزويجه ومن كان داعية منهم فلا يصح تزويجه (فصل) وإنما تعتبر الكفاءة في الرجل دون المرأة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا مكافئ له وقد تزوج من أحياء العرب وتزوج صفية بنت حى وتسرى بالإماء، وقال (من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها وأحسن إليها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران) متفق عليه ولأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه فلم يعتبر ذلك في الأم ﴿باب المحرمات في النكاح﴾ وهن ضرابان محرمات على الأبد وهن أربعة اقسام: (أحدها) المحرمات بالنسب وهن سبع ذكرهن سبحانه في قوله (حرمت عليك أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) فأما الأمهات فهن كل من انتسبت إليها بولادة سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك أو مجازا وهي التي ولدت من ولدتك وإن علت ومن ذلك جدتا أم أمك وأم أبيك وجدتا أمك وجدتا أبيك وجدات جداتك وجدات أجدادك وإن علون وارثات كن أو غير وارثات كلهن أمهات محرمات ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال تلك أمكم يا بني ماء السماء

وفي الدعاء المأثور اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء والبنات وهن كل انثى انتسب إليك بولادتك كابنة الصلب.
وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن وارثات أو غير وارثات كلهن بنات محرمات لقوله تعالى (وبناتكم) فإن كل امرأة بنت آدم كما أن كل رجل ابن آدم قال الله تعالى (يا بني آدم) والأخوات من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب أو من الأم لقول الله تعالى (وأخواتكم) ولا تفريع عليهن.
والعمات أخوات الأب من الجهات الثلاث وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم قريباً كان الجد أو بعيداً وارثاً أو غير وارث لقول الله تعالى (وعماتكم) والخالات أخوات الأم من الجهات الثلاث وأخوات الجدات وإن علون وقد ذكرنا أن كل جدة أم فكذلك كل أخت لجدة خالة محرمة لقول الله تعلاى (وخالاتكم) وبنات الأخ كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادته فهي بنت أخ محرمة من أي جهة كان الأخ لقول الله تعالى (وبنات الأخ) وبنات الأخت كذلك أيضاً محرمات لقوله تعالى (وبنات الأخت) فهؤلاء المحرمات بالنسب (فصل) ولا فرق بين النسب الحاصل بنكاح أو ملك يمين أو وطئ شبهة أو حرام فتحرم عليه ابنته من الزنا لدخولها في عموم اللفظ ولأنها مخلوقة من مائه فحرمت كتحريم الزانية على ولدها وتحريم المنفية باللعان لأنها منفية ولاحتمال أن تكون ابنته وفيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى

(القسم الثاني) المحرمات بالرضاع فيحرم به ما يحرم من النسب سواء والذي ذكره الله تعالى اثنتان بقوله الله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) فالأمهات اللاتي أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن على حسب ما ذكرناه في النسب محرمات بالآية، وأما الأخوات فهي كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد كرجل له امرأتان لها منه لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى فهي أختك محرمة عليك بالآية وكذلك كل امرأة حرمت عليك حرم مثلها من الرضاع كالعمة والخالة والبنت وبنت الأخ وبنت الأخت على ما ذكرنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) متفق عليه وفي رواية لمسلم (الرضاع يحرم ما تحرم الولادة) ولأن المهات والأخوات منصوص عليهن والباقيات يقسن عليهن ولا نعلم في هذا خلافا (القسم الثالث) تحريم المصاهرة وهن أربع: أمهات النساء فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرد العقد نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين وكثير من التابعين وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكى عن علي رضي الله عنه أنها لا تحرم إلا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول بها ولنا قول الله تعالى (وأمهات نسائكم) والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية قال

ابن عباس أبهموا ما ابنهم القرآن يعني عمموا حكها في كال حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها لا بأس ان يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها) رواه أبو حفص بإسناده وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت لأنه يقوم مقام الدخول وقد ذكرنا ما يوجب التحريم مطلقاً سواء وجد الدخول أو الموت أو لم يوجد ولأنها حرمت بالمصاهرة بقول مبهم فحرمت بنفس العقد كحليلة الابن والأب (الثانية) حلائل الآباء يعني أزواجهم سميت امرأة الرجل حليلة لأنها محل إزار زوجها وهي محللة له فتحرم على الرجل امرأة أبيه وقريبا كان أو بعيداً وراثا أو غير وارث من نسب أو رضاع لقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آبأوكم من النساء) وقال البراء بن عازب لقيت خالي ومعه الراية قال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضر عنقه أو أقتله رواه النسائي وفي رواية لقيت عمي الحارث بن عمرو ومعه الراية وذكر الخبر رواه كذلك سعيد وغيره وسواء في هذا امرأة أبيه أو امرأة جده لأبيه وجده لأمه قرب أم بعد وليس في هذا بين أهل العلم اختلاف فيما علمنا وتحرم من وطئها أبوه بملك يمين أو شبهة كما يحرم عليه من وطئها في عقد نكاح قال إبن المنذر الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة

والثوري والاوزاعي وابو عبيد وأصحاب الرأي ولا تحفظ عن أحد خلافهم (الثالثة) حلائل الأبناء فتحرم على الرجل زوجة ابنه وابن ابنته من نسب أو رضاع قريباً كان أو بعيداً بمجردا العقد لقوله تعالى (وحلائل أبنائكم) ولا نعلم في هذه خلافاً، ولا تحرم بناتهن فيحل له نكاح ربيبة ابنه وأبيه لقوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (الرباعة) بنات النساء اللاتي دخل بهن وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة وارثة أو غير وارثة على حسب ما ذكرنا في البنات فإذ دخل بالأم حرمت عليه سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره وهو قول داود لقوله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) قال إبن المنذر وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول وذكرنا حديث عمرو بن شعيب في هذا وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) ولأن التربية لا تأثير هلا في التحريم كسائر المحرمات، فأما لآية فلم تخرج مخرج الشرط وإنما وصفها بذلك تعريفاً لها بغالب حالها وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه، وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت من نكاحه

(مسألة) (فإن متن قبل الدخول فهل تحرم بناتهن على روايتين)

(إحداهما) تحرم ابنتها وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر ولأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق فيقوم مقامه في تحريم الربيبة

(والثانية) لا تحرم وهو قول علي وعامة العلماء قال إبن المنذر اجمع عوام علماء الأمصار ان الرجل اذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حدل له أن يتزوج ابنتها كذلك قال مالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور ومن تبعهم لأن الله تعالى قال (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فئز جناح عليكم) وهذا نص لا يترك بقياس ضعيف وقد ذكرنا حديث عمرو بن شعيب ولأنها فرقة قبل الدخول فلم تحرم الربيبة كفرقة الطلاق والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر ولو قام مقامه من كل وجه فلا يترك نص الله تعالى ولا نص رسوله لقاس ولا غيره، ذا ثبت هذا فإن الدخول بها وطوها كنى عنه بالدخول فإن خلا بها ولم يطأها لم تحرم ابنتها لأنها غير مدخول بها (مسألة) (ويثبت تحريم المصاهرة بالوطئ الحلال والحرام) فإذا زنى بامرأة حرمت على ابيه وانبه وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو وطئها بشبهة أو حلالا ولو وطئ أم امرأته أو ابنتها حرمت عليه امرأته نص أحمد على هذا في رواية جماعة وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال الحسن وطاوس ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري واسحاق وأصحاب الرأي وروي عن ابن عباس ان وطئ الحرام لا يحرم وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وعروة والزهري ومالك والشافعي وابو ثور وابن المنذر لما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يحرم الحرام الحلال) ولانه وطئ لا تصير به الموطوءة فراشا كوطئ الصغيرة ولنا قوله سبحانه (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) والوطئ يسمى نكاحا قال الشاعر إذا زينت فأجد نكاحا فيدخل في عموم الآية وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطئ وهو قوله سبحانه (إنه كان فاحشة ومقنا وساء سبيلا) وهذا التغليظ إنما يكون في الوطئ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا ينظر الله عزوجل إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها) وروي الجوز جاني بإسناده عن وهب بن منبه قال ملعون من نظر امرأة وابنتها فذكرته لسعيد بن المسيب فأعجبه، ولأن ما تعلق من التحريم بالوطئ تعلق بالمحظور كوطئ الحائض ولأن النكاح عقد يفسده الوطئ بالشبهة فأفسهد الوطئ الحرام كالإحرام وحديثهم لا تعرف صحته وإنما هو من كلام ابن أشوع بعض قضاة العراق كذلك قال أحمد وقيل أنه من قول ابن عباس ووطئ الصغيرة ممنوع لم يبطل بوطئ الشبهة (فصل) والوطئ على ثلاثة أضرب: مباح وهو الوطئ من نكاح صحيح أو ملك ليمين فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع ويصير محرماً لمن حرمت عليه لأنها حرمت عليه على التأييد بسبب مباح أشبه النسب (الثاني) الوطئ بالشبهة وهو الوطئ في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطئ امرأة ظنها امرأته أو أمته أو وطئ الأمة التي فيها شرك وأشباه ذلك فيتعلق به التحريم كتعلقه بالوطئ المباح إجماعاً قال إبن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد

أو شراء فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده وهذا مذهب مالك والاوزاعي والشافعي واحمد واسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي لانه وطئ يلحق بها لنسب فأثبت التحريم كالوطئ المباح ولا يصير به الرجل محرماً لمن حرمت عليه ولا يباح له النظر الها بذلك والوطئ ليس بمباح والمحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطئ لأنها إباحة ولأن الموطوءة لم يستبح النظر الهيا فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى (الثالث) الحرام المحض وهو الزنا فيثبت به التحريم على الخلاف المذكور ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر لأنها إذا لم تثبت بوطئ الشبهة فبا لحرام المحض أولى ولا يثبت به النسب ولا يجب به المهر بالمطاوعة إذا كانت حرة (فصل) ويستوي في ذلك الوطئ في القبل والدبر لأنه يتعلق به التحريم إذا وجد في الزوجة والأمة فكذلك في الزنا (مسألة) (فإن كانت الموطؤة ميتة أو صغيرة لا يوطأ مثلها فعلى وجهين) أحدهما أن وطئ الميتة ينشر الحرمة لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة فلم يختص بالحياة كالرضاع والثاني لا ينشرها وهو وقول أبي حنيفة والشافعي لأنه ليس بسبب للبضعية ولأن التحريم معلق باستيفاء منفعة الوطئ والموت يبطل المنافع وأما الرضاع فيحرم ما يصحل به من إنبات اللحم وإنشاز العظم وهذا يحصل من لبن الميتة، وفي وطئ الصغيرة أيضاً، وجهان (أحدهما) ينشروه وقول أبي يوسف

لانه وطئ لآدمية حية في القبل اشبه وطئ الكبير (والثاني) لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة لأنه ليس بسبب للبضعية أشبه وطئ الميتة.
(مسألة) (وإن باشرا امرأة أو نظر إلى فرجها أو خلا بها لشهوة فعلى روايتين) إذا باشر فيما دون الفرج لغير شهوة لم ينشر الحرمة بغير خلاف نعلمه وإن كان لشهوة وكان في أجنبية لينشر الحرمة أيضاً قال الجوزجاني سألت أحمد عن رجل نظر إلى أم امرأته من شهوة أو قبلها أو باشرها فقال أنا أقول لا يحرم شئ من ذلك إلا الجماع وكذلك نقل أحمد القاسم وإسحاق بن منصور وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له كامرأته ومملوكته لم تحرم عليه ابنتها قال ابن عباس لا يحرم الربيبة إلا الجماع وبه قال طاوس وعمرو بن دينار لأن الله تعالى قال (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) وهذا ليس بدخلو فلا يترك النص الصريح من أجله.
وأما تحريم أمها وتحريمها على أبي الرجل المباشر لها وابنه فإنها في النكاح تحرم بمجرد العقد قبل المباشرة ولا يظهر للمباشرة أثر، وأما الأمة فمتى باشرها دون الفرج لشهوة فهل يثبت تحريم المصاهرة؟ فيه روايتان (إحداهما) ينشرها روى ذلك عن ابن عمر وابن عمرو ومسروق وبه قال القاسم والحسن ومكحول والنخعي والشعبي ومالك والاوزاعي وابو حنيفة وعلي بن المديني وهو أحد قولي الشافعي لأنه نوع استمتاع فيتعلق به تحريم المصاهرة كالوطئ (والثانية) لا يثبت بها التحريم لأنها ملامسة ولا توجب الغسل فلم يثبت بها التحريم كما لو لم تكن شهوة ولأن ثبوت التحريم إما أن يكون بنص أو قياس على المنصوص ولا نص في هذا ولا

هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فإن الوطئ يتعلق به من الأحكام استقرار المهر والإحصان والاغتسال والعدة وإفساد الإحرام والصيام بخلاف اللمس وذكر أصحابنا الروايتين في جميع الصور من غير تفصيل قال شيخنا وهذا الذي ذكرنا أقرب للصواب إن شاء الله تعالى (فصل) ومن نظر إلى فرج امرأة لشهوة فهو كلمسها لشهوة فيه أيضاً روايتان (إحداهما) ينشر الحرمة في موضع ينشرها المس روي عن عمر وابن عمر وعامر بن زمعة وكان بدرياً وعبد الله بن عمرو فيمن يشتري الخادم ثم يجردها أو يقبلها لا يحل لأبيه وطؤها وهو قول القاسم والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة لما روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها وبنتها - وفي رواية - لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها) والثانية لا يتعلق به التحريم وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم لقوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ولأنه نظر من غير مباشرة فلم يوجب التحريم كالنظر إلى الوجه والخبر ضعيف قال الدارقطني: وقيل هو موقوف على ابن مسعود ثم يحتمل أنه كنى بذلك عن الوطئ وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة وقال بعض أصحابنا لا فرق بين النظر إلى الفرج وسائر البدن لشهوة والصحيح خلاف هذا فإن غير الفرج لا يقاس عليه لما بينهما من الفرق ولا خلاف نعلمه في أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة فكذلك غيره ولا خلاف أيضاً

في أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة فكذلك غيره ولا خلاف أيضاً أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر الحرمة لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا لم يكن لشهوة فالنظر أولى وموضع الخلاف في اللمس والنظر فيمن بلغت تسع سنين فما زاد فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك وقد روي عن أحمد في بنت سبع إذا قبلها حرمت أمها قال القاضي هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة (فصل) فإن نظرت المرأة إلى فرج رجل لشهوة فحكمه في التحريم حكم نظره إليها نص عليه أحمد لأنه معنى يوجب التحريم فاستوى فيه الرجل والمرأة كالجماع وكذلك ينبغي أن يكون حكم لمسها له وقبلتها إياه لشهوة لما ذكرنا (فصل) والصحيح أن الخلوة بالمرأة لا تنشر الحرمة وقد روي عن أحمد: إذا خلا بالمرأة وجب الصداق والعدة ولا يحل له أن يتزوج أمها وابنتها قال القاضي هذا محمول على أنه حصل مع الخلوة مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما فأما مع خلوه من ذلك فلا يؤثر في تحريم الربيببة لما في ذلك من مخالفة قوله تعالى (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) وأما الخلوة بأجنبية أو أمته فلا ينشر تحريماً لا نعلم في ذلك خلافا

ً (مسألة) (ومن يلوط بغلام حرم على كل واحد منهما أم الآخر وابنته)

قاله بعض أصحابنا قال ونص عليه أحدم وهو قول الأوزاعي لأنه وطئ في الفرج فنشر الحرمة

كوطئ المرأة ولأنها بنت من وطئه أو أمه فحرمتا عليه كما لو كانت الموطوءة أنثى وقال أبو الخطاب يكون كالمباشرة فيما دون الفرج فيكون فيه الرايتان والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم فيدخل في عموم قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ولأنهن غير منصوص عليهن ولا هو في مععنى المنصوص عليه فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن ولان الوطئ في المرأة يكون سبباً للبضعية ويوجب المهر ويلحق به النسب وتصير به المرأة فراشاً وتثبت أحكاماً لا يثبتها اللواط فلا يجوز إلحاقه بهن لعدم العلة وانقطاع الشبه ولذلك لو أرضع الرجل طفلا لم يثبت به حكم التحريم فههنا أولى وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف فلا يجوز تخصيص عموم الكتاب به واطراح النص بمثله (فصل) ويحرم على الرجل نكاح ابنته من الزنا واخته وبنت انبه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنا في قول عامة الفقهاء وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه يجوز له لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعاً ولا يجري التوارث بينهما ولا تعتق عليه إذا ملكها ولا يلزمه نفقتها فلم تحرم عليه كسائر الأجانب

ولنا قوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) وهذه بنته فإنها مخلوقة من مائه وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية انظروه (يعني ولدها - فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء) يعني الزاني ولأنها مخلوقة من مائه فأشبهت المخلوقة من وطئ الشبهة ولأنها بضعة منه فلم تحل له كبنته من النكاح وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتاً كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره ثم يحفظها حتى تضع أو يشترك جماعته في وطئ امرأة فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره؟ فإنه يحرم على جميعهم لوجهين أحدهما أنها بنت موطوءتهم الثاني أنا نعلم أنها بنت بعضهم فتحرم على الجميع كما لو زوج الوليان ولم يعلم السابق منهما وتحرم على أولادهم لأنها ابنة بعضهم غير معلوم فإن ألحقتها القافة بأحدهم حلت لأولاد الباقين (القسم الرابع) الملاعنة تحرم على الملا عن على التأبيد أما إذ لم يكذب نفسه فلا نعلم أحداً قال بخلاف ذلك إلا قولاً شاذاً فإن كذب نفسه فالمشهور في المذهب أنها باقية على التحريم المؤبد وعن أحمد رواية شاذة أنها تحل له وتعود فراشاً له إذا لم يكن وجد منه ما يثبتها لانه رجع عن المعنى المحرم فزال التحريم ولذلك يحد ويلحقه نسب الولد وهذه الرواية شذبها حنبل عن أصحابه وتفرد بها

والعمل على الرواية الأولى وهذا يذكر في باب اللعان مبسوطاً إن شاء الله تعالى.
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثاني المحرمات إلى آمد وهن نوعان) (أحدهما) المحرمات لاجل المع فيحرم الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة من أبوين كانتا أو من أب أو أم وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى (وأن تجمعوا بين الأختين)

(مسألة) (ويحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها)

قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على القول به وليس بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافاً وهم الرافضة، والخوارج لم يحرموا ذلك ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) متفق عليه، وفي رواية أبي داود (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أختها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى) ولأن العلة في تحريم المع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم، فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه (وأحل لكم ما وراء ذلكم) خصصناه بما رويناه وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكر عليه رجم الزانينن والجمع

بين المرأة وعمتها وبنتها وبين خالتها، وقالا ليس هذا في كتاب الله تعالى، فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا: خمس صلوات في اليوم والليلة.
وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك.
وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها فأخبراه.
فقال وأين تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا لا نجده في كتاب الله.
قال فمن أين صرتما؟ فقالا فعله رسوله الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده قال فكذلك هذا ولا فرق بين الحالة والعمة حقيقة أو مجازاً كعمات آبائها وخالاتهم، وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن من نسب كان ذلك أو رضاع وكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى لأجل القرابة لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطع الرحم القريبة لما في الطباع من التنافس والغيرة من الضرائر، ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها في العقد لما ذكرناه ولأن الأم إلى بنتها أقرب من الأختين فإذا لم يجمع بنى الأختين فالمرأة وبنتها أولى (فصل) ولا يحرم الجمع بين ابنتي الخال في قول عامة أهل العم لعدم النص فيهما بالتحريم ودخولهما في عموم قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكراً وفي كراهة ذلك روايتان (إحداهما) يكره روى ذلك عن ابن مسعود وبه قال جابر ابن زيد وعطا والحسن وسعيد بن عبد العزيز، وروي أبو حفص بإسناده عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج المرأة على ذي قرابتها مخافة القطيعة ولأنه مفض إلى قطيعة

الرحم المأمور بصلتها فأقل أحواله الكراهة (والأخرى) لا يكره وهو قول سليمان بن يسار والشعبي وحسن بن حسن والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبي عبيد لأنهما ليست بينهما قرابة تحرم الجمع فلا يقتضي كراهة كسائر الأقارب

(مسألة) (فإن جمع بينهما في عقد واحد لم يصح)

إذا جمع بين الأختين في عقد واحد أو جمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في عقد عليهما معاً لم يصح العقد في واحدة منهما لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما ولا مزية لأحدهما على الأخرى فيبطل فيهما كما لو زوجت المرأة لرجلين وكذا لو تزوج خمساً في عقد واحد بطل في الجميع لذلك (مسألة) (وإن تزوجهما في عقدين أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى سواء كانت باثنا أو رجعية فنكاح الثانية باطل.
أما إذا تزجهما في عقدين وعلم الأولى فنكاحه صحيح لأنه لا جمع فيه ونكاح الثانية باطل لأن الجمع يحصل به وبالعقد على الأولى تحرم الثانية فلا يصح عقده عليها حتى تبين الأولى وتنقضي عدتها (فصل) (فإن لم يعلم أولاهما فعليه فرقتهما معاً) قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيتهما تزوج أولا؟ يفرق بينه وبينهما لأن إحداهما محرمة عليه ونكاحها باطل ولا يعرف المحللة له فقد اشتبها عليه ونكاح إحداهما صحيح ولا يتيقن بينونتها منه

لا بطلاقهما جميعاً أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان ولم يعرف الأول منهما وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس وسواء فعل ذلك بقرعة أو بغيرها ولا بخلو من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن لا يكون دخل بواحدة منهما فله أن يعقد على إحداهما في الحال بعد فراق الأخرى (الثاني) إذا دخل بإحداهما فإن أراد نكاحها فارق التي لم يصبها بطلقة ثم ترك المصابة حتى تنقضي عدتها ثم نكحها لأنا لا نأمن ان تكون هي الثانية فيكون قد أصابها في نكاح فاسد فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها ويحتمل جواز العقد علهيا في الحال لأن النسب لاحق به فلا يصان ذلك عن مائه فإن أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة ثم انتظرها حتى تقضي عدتها ثم تزوج أختها (القسم الثالث) إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة منهما حتى يفارق الأخرى وتنقضي عدتها من حين فارقها وتنقضي عدة الأخرى من حين أصابها، وإن ولدت إحداهما أو هما جميعاً فالنسب لإخوته لأنه إما من نكاح صحيح أو نكاح فاسد وكلاهما يلحق النسب فيه وإن لم يرد نكاح واحدة منهما فارقهما بطلقة طلقة (فصل) فأما المهر فإن لم يدخل بواحدة منهما فلإحداهما نصف المهر ولا نعلم من يستحقه منهما فيصطلحان عليه فإن لم يفعلا أقرع بينهما فكان لمن خرجت قرعتها مع يمينها وقال أبو بكر اختياري

أن يسقط المهر إذا كان مجبراً على الطلاق قبل الدخول فإن دخل بواحدة منهما أقرع بينهما فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها وإن وقعت على المصابة فلا شئ للأخرى وللمصابة المسمى جميعه وإن أصابهما فلا حداهما المسمى وللأخرى مهر المثل يقرع بينهما فيه إن قلنا الواجب في النكاح الفاسد مهر المثل وإن قلنا بوجوب المسمى فيه وجب ههنا لكل واحد منهما.
(فصل) قال أحمد إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية إنما كان كذلك لأنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطؤة فلذلك لا يجوز له وطئ امرأته حتى تنقضي عدة أختها التي اصلبها

(مسألة) (وإن اشترى أخت امرأته أو عمتها أو خالتها صح)

لأن الشراء يراد للاستمتاع ولغيره وكذلك صح شراء من لا تحل له كالمجوسية وأخته من الرضاع ولا يحل له وطؤها حتى يطلق امرأته وتنقضي عدتها لئلا يكون جامعاً بينهما في الفراش أو جامعاً ماءه في رحم أختين وذلك لا يحل لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين

(مسألة) (وإن اشتراهن في عقد واحد صح لما ذكرنا)

ولا نعلم حلافا في ذلك ولو اشترى جارية ووطئها حل له شراء أختها وعمتها وخالتها وقد ذكرناه كما لا يحل له شراء المعتدة والمزوجة مع أنها لا تحل له (مسألة) (وله وطئ إحداهما لأن الأخرى لم تصر فراشاً) وهذا قول أكثر أهل العلم وقال الحكم وحماد لا يقرب واحدة منهما وروي ذلك عن النخعي وذكره أبو الخطاب مذهبا لاحمد ولنا أنه لم يجمع بينهما في الفراش فلم يجز كما لو كان في ملكه إحداهما وحدها (فصل) وليس له الجمع بين الأختين من إمائه في الوطئ نص عليه أحمد في راية الجماعة وكرهه عمر وعثمان وعلي وعمار وابن عمرو ابن مسعود وممن قال بتحريمه عبد الله بن عتبة وجابر بن يزد وطاوس ومالك والازواعي وأبو حنيفة والشافعي وروي عن ابن عباس أنه قال أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله وروي ذلك عن علي أيضاً يريد بالمحرمة قوله تعالى (وإن تجمعوا بين الأختين) وبالمحللة قوله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) وروى ابن منصور عن احمد وأسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو؟ قال لا أقول حرام ولكن ينهى عنه وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم وقال داود وأهل الظاهر لا يحرم استدلالا بالآية المحللة لأن حكم الحرائر في الوطئ مخالف لحكم الإماء ولهذا تحرم الزيادة على أربع في الحرائر وتباح في الإماء بغير حصر والمذهب تحريمه للآية

المحرمة فإنه يريد بها الوطئ والعقد جميعاً بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن وآية الحل مخصوصة بالمحرمات جميعهن وهذا منهن ولأنها امرأة صارت فراشاً فحرمت أختها كالزوجة.

(مسألة) (وإن وطئ إحداهما فليس له وطئ الأخرى حتى يحرم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج)

هذا قول علي وابن عمر والحسن والاوزاعي واسحاق والشافعي فإن رهنها لم تحل له أختها لان منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريهما ولهذا يحل له بإذن المرتهن فيه ولأنه يقدر على فكها متى شاء وسترجاعها إليه، وقال قتادة انا ستبرأها حلت له أختها لأنه قد زال فراشه ولهذا لو أتت بولد فنفاه بدعوى الاستبراء انتفى فأشبه ما لو زوجها.
ولنا قول علي وابن عمر ولأنه لم يزل ملكه عنها ولا أحلها له فأشبه ما لو وطئت بشبهة فاستبرأها من ذلك الوطئ ولأن ذلك لا يمنعه وطأها فلا بأس من عوده إليها فيكون ذريعة إلى الجمع بينهما وإن حرم إحداهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحل له الأخرى وهو مقتضى كلام شيخنا في الكتاب المشروح وقال أصحاب الشافعي تحل له الأخرى لأنها حرمت عليه بسبب لا يقدر على رفعه فأشبه التزويج ولنا أنه نشأ من إباحتها بما لا يقف على غيرهما (فصل) وإذا أخرجها من ملكه لم تحل له أختها حتى يستبرئ المخرجة وتعلم براءتها من الحمل

فإن كانت حاملاً منه لم تحل لم أختها حتى تضع حملها لأنه يكون جامعاً في رحم أختين فهو بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها

(مسألة) (فإن عادت إلى ملكه لم يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى)

متى زال ملكه عن المؤطوة زوالا أحل له أختها فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه فليس له وطئ إحداهما حتى يحرم الأخرى بإخراج عن ملكه أو تزويج نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي لا ترحم عليه واحدة منهما لأن الأولى لم تبق فراشاً فأشبه ما لو وطي أمة ثم اشترى أختها ولنا أن هذه صارت فراشاً وقد رجعت إليه التي كانت فراشاً فحرمت كل واحدة منهما بكون أختها فراشاً كما لو انفردت به فأما إذا وطئ أمة ثم اشترى أختها فإن المشتراه لم تكن فراشاً له لكن هي محرمة عليه باستفراش أختها ولو اخرج الموطؤة عن ملكه ثم عادت إليه قبل وطئ أختها فهي حلال وأختها محرمة عليه لأن أختها فراشه وقد روي عن أحمد أن الجمع بين الأختين في الوطئ بملك اليمين لا يحرم بل ينهى عنه فيكون مكروهاً وقد ذكرناه والمذهب أن ذلك حرام والله أعلم (فصل) فإن وطئ أمتيه الاثنتين معا فوطئ الثانية محرم ولاحد فيه لأنها ملكه ولأن في حلها

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
(مسألة) (ولا ينعقد نكاح المسلم بشهادة ذميين ويتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية وقد ذكرنا ذلك)(مسألة) (ولا ينعقد بحضور أصمين ولا أخرسين)(مسألة) (وهل ينعقد بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما؟ على وجهين)(مسألة) (لكن إن لم ترض المرأة والأولياء جميعهم فلمن لم يرض الفسخ)(مسألة) (فلو زوج الاب بغير كفء برضاها فللاخوة الفسخ)(مسألة) (والكفاءة الدين والمنصب يعني بالمنصب النسب)(مسألة) (والعرب بعضهم لبعض أكفاء وسائر الناس بعضهم لبعض أكفاء وعنه لا تزوج قرشية لغير قرشي ولا هاشمية لغير هاشمي)(مسألة) (وعنه أن الحرية والصناعة واليسار من شروط الكفاءة فلا تزوج حرة بعبد ولا بنت بزاز بحجام ولا بنت بان بحائك ولا موسرة بمعسرة)(مسألة) (فإن متن قبل الدخول فهل تحرم بناتهن على روايتين)ً (مسألة) (ومن يلوط بغلام حرم على كل واحد منهما أم الآخر وابنته)(مسألة) (ويحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها)(مسألة) (فإن جمع بينهما في عقد واحد لم يصح)(مسألة) (وإن اشترى أخت امرأته أو عمتها أو خالتها صح)(مسألة) (وإن اشتراهن في عقد واحد صح لما ذكرنا)(مسألة) (وإن وطئ إحداهما فليس له وطئ الأخرى حتى يحرم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج)(مسألة) (فإن عادت إلى ملكه لم يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى)
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل