الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 247-286
أهل الأثرالأرشيف العلمي

العادة وفي هذا انفصال عما ذكروه، وكذلك إذا اشتد الحب يجوز بيعه كذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " حتى يبيض " فجعل ذلك غاية للمنع من بيعه فيدل على الجواز بعده، وفي رواية نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد، ولأنه إذا اشتد حبه بدا صلاحه فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها

وإذا اشتد بعض حبه جاز بيع جميع ما في البستان من نوعه كالشجرة ﴿مسألة﴾ (ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك لأنه يجب عليه تسليم الثمرة كاملة) وذلك يكون بالسقي فإن قيل فلم قلتم إنه إذا باع الأصل وفيه ثمرة للبائع لا يلزم المشتري سقيها

قلنا لأن المشتري ليس عليه تسليم الثمرة لأن البائع لم يملكها من جهته، وإنما بقي مكله عليها بخلاف مسئلتنا، فإن امتنع البائع من السقي لضرر يلحق بالأصل أجبر عليه لأنه دخل على ذلك (فصل) ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها روى ذلك عن الزبير بن العوام والحسن البصري وأبي

حنيفة والشافعي وابن المنذر، وكرهه ابن عباس وعكرمة وأبو سلمة لأنه تبع له قبل قبضه فلم يجز كما لو كان على وجه الأرض ولم يقبضه.
ولنا أنه يجوز له التصرف فيه فجاز بيعه كما لو قطعه، وقولهم لم يقبضه ممنوع فإن قبض كل شئ بحسبه وهذا قبضه التخلية وقد وجدت

﴿مسألة﴾ (وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع، وعنه إن أتلفت الثلث فصاعداً ضمنه البائع وإلا فلا) كل ما تهلكه الجائحة من الثمر على أصوله قبل أوان الجزاز من ضمان البائع وبهذا قال أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث وهو قول الشافعي القديم،

وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد هو من ضمان المشتري لما روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " تألى فلان أن لا يفعل خيراً " متفق عليه، ولو كان واجباً

لاجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف فتعلق بها الضمان كالنقل والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي فكذلك لا يضمنه بإتلاف غيره ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " رواهما مسلم، ورواه أبو داود ولفظه " من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئا على م يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟ " وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه قال الشافعي لم يثبت عندي

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعده، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير: قلنا الحديث ثابت رواه الإمام أحمد ومسلم وابو داود وابن ماجة وغيرهم: فإما حديثهم فلا حجة لهم فيه فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب فقد تألى أن لا يفعل

خيراً، وإنما لم يجبره النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قول بمجرد قول المدعي من غير إقرار بالبائع ولا حضوره، وأما التخلية فليست قبضاً تاما بدليل مالو تلفت بعطش عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الإجارة يباح التصرف فيها كانت من ضمان المؤجر كذلك الثمرة في شجرتها كالمنافع قبل استيفائها تؤخذ حالاً فحالاً وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة

(فصل) والجائحة كل آفة لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والبرد والعطش لما روي الساجي باسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجائحة تكون في البرد والحر وفي الحبق وفي السيل وفي الريح وهذا تفسير من الرواي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليه، فأما ما

كان بفعل آدمي فقال القاضي يخير المشتري بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة كالمكيل والموزون إذا أتلفه آدمي قبل القبض لأنه أمكن الرجوع ببدله بخلاف التالف بالجائحة ألا إن في إحراق اللصوص ونهب العساكر والحرامية وجهين، فإن قيل فقد نهى النبي صلى الله

عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن والثمرة غير مضمونة على المشتري، فإذا كانت القيمة أكثر من الثمن فقد ربح فيه.
قلنا إن المراد بالخبر النهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز ذلك بالإجماع

(فصل) وظاهر المذهب أنه لافرق بين قليل الجائحة وكثيرها الا أن ما جرت العادة بتلف مثله كاليسير الذي لا ينضبط لا يلتفت عليه، قال أحمد إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ولا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت جائحة تستغرق الثلث أو الربع أو الخمس توضع، وعن أحمد أن ما دون الثلث

من ضمان المشتري وهو مذهب مالك والشافعي في القديم لأنه لابد أن يأكل الطائر منها وتنثر الريح وتسقط منها فلم يكن بد من ضابط وحد والثلث قد اعتبره الشارع في الوصية وعطية المريض قال الأثرم قال أحمد إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة

بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية " الثلث والثلث كثير " فلهذا قدر به ولنا عموم الأحاديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وما دون الثلث داخل فيها فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من ضمان البائع، وإن نقص عن الثلث كالتي على الأرض

وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة فلا يدخل في الخبر ولأنه لا يمكن التحرز منه فهو معلوم الوجود بحكم العادة فأنه مشروط.
إذا ثبت ذلك فمتى تلف شئ له قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذاهب، وإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على

الرواية الثانية فإنه يعتبر ثلث الثمرة وقيل ثلث القيمة، فإن تلف الثلث فما زاد رجع بقسطه من الثمن وإن كان دونه لم يرجع بشئ، وإن اختلفا في الجائحة أو قدر التالف فالقول قول البائع لأن الأصل بالسلامة، ولأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم

(فصل) فإن بلغت الثمرة أوان الجزاز فلم يجزها حتى أصابتها جائحة فقال القاضي عندي لا توضع لأنه مفرط بترك النقل في وقته مع قدرته فكان الضمان عليه، ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط

القطع فأمكنه قطعها فلم يقطعها حتى تلفت فهي من ضمانه لذلك، وإن تلفت قبل إمكان قطعها فهي من مال البائع كالمسألة قبلها.

(فصل) فإن استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزرع فلا شئ على المؤجر نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض ولم يتلف إنما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها

ليقصر فيها ثياباً فتلفت الثياب فيها ﴿مسألة﴾ ﴿وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح لجميعها﴾

لا يختلف فيه فيباح بيع جميعها بذلك لا نعلم فيه خلافاً وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين أظهرهما أنه يكون صلاحاً فيجوز بيعه وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن قياساً

على الشجرة الواحدة، ولأن اعتبار الصلاح يشق ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الا يدي فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا كالشجرة الواحدة (والثانية) لا يكون صلاحاً، ولا يجوز

بيع إلا ما بدا صلاحه لأنه لم يبد صلاحه فلم يجز بيعه كالذي في البستان الآخر.

(فصل) فأما النوع الآخر من ذلك الجنس فقال القاضي لا يجوز بيعه وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وقال محمد بن الحسن ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه وما

يتأخر تأخراً كثيراً فلا يجوزه في الباقي، وقال أبو الخطاب يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأن الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب فيتبعه

في جواز البيع كالنوع الواحد، والأول أولى لأن النوعين قد يتباعد إدراكهما فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصلاح كالجنسين ويخالف الزكاة فإن القصد هو الغني من جنس ذلك المال لتقارب منفعته

وقيام كل نوع مقام الآخر في المقصود والمعنى ههنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ودفع الضرر الحاصل بالاشتراك واختلاف الأيدي ولا يحصل ذلك في النوعين فصار في هذا كالجنسين

(فصل) فأما النوع الواحد من بساتين فلا يتبع أحدهما الآخر في جواز بيع أحدهما ببدو صلاح الآخر سواء كانا متجاورين أو متباعدين وهذا مذهب الشافعي، وحكي عن أحمد أن بدو الصلاح

في شجرة من القراح صلاح له ولما قاربه وبهذا قال مالك، لأنهما يتقاربان في الصلاح فأشبه القراح الواحد ولأن المقصود الأمن من العاهة وقد وجد والأول المذهب لأنه إنما جعل ما لم يبد صلاحه

بمنزلة ما بدا دفعاً لضرر الاشتراك واختلاف الأيدي وإلا فالأصل اعتبار كل شئ بنفسه والذي في القراح الآخر لا يوجد فيه هذا الضرر فوجب أن لايتبع الآخر كما لو تباعدا فإن بدا صلاح النوع

الواحد فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه من بقية النوع من ذلك البستان لم يجز لدخوله تحت عموم النهي وتعذر قياسه على الصورة المخصوصة من العموم وهي إذا باعه ما بدا صلاحه لأنه دخل في البيع تبعاً

دفعاً لمضرة الاشتراك ولا يوجد ذلك ههنا، ولأنه قد يدخل في البيع تبعاً ما لا يجوز إفراده كالثمرة تباع مع الأصل والزرع مع الأرض، ويحتمل الجواز لأن الكل في حكم ما بدا صلاحه فأشبه بيعه معه

وكما لو أفرد بالبيع ما بدا صلاحه ﴿مسألة﴾ (وبدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أو يتموه، وفي سائر الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله) وجملة ذلك أن ما كان من الثمر يتغير لونه عند صلاحه كثمرة النخل والعنب غير الأبيض والإجاص

فبدو صلاحه بذلك، فإن كان العنب أبيض فصلاحه بتموهه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفو لونه، فإن كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو ويطيب، وإن كان بطيخاً أو نحوه فبأن ينمو وفيه النضج

وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيبا كالقثاء والخيار فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة، وقال القاضي وأصحاب الشافعي بلوغه تناهي عظمه وما قلناه أشبه بصلاحه مما قالوه فإن بدو صلاح الشئ ابتداؤه

وتناهي عظمه آخر صلاحه، ولأن بدو الصلاح في الثمر يسبق حال الجزاز فلا يجوز أن يجعل بدو صلاحه فيما يقاس عليه بسبقه قطعه عادة وما قلنا في هذا الفصل فهو قول مالك والشافعي وكثير من

أهل العلم أو مقارب له، وقال عطاء لا يباع حتى يؤكل من الثمر قليل أو كثير وروي عن ابن عمر وابن عباس ولعلهم أرادوا صلاحه للأكل فيرجع معناه إلى ما قلنا فإن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل