الإقرار الاعتراف والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله قال أأقر رتم وأخذتم على ذلك إصري؟ قالوا أقررنا) وقال تعالى (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) وقال تعالى (ألست بربكم قالوا بلى) في أي كثيرة مثل هذا، وأما السنة فما روي أن ما عزا أقر بالزنا فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الغامدية وقال (وأغديا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فارجمها)) وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار ولأن الإقرار إخبار على وجه تنتفي عنه التهمة والريبة فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبا يضربها ولهذا كان آكد من الشهادة فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة وإنما ستمع إذا أنكر ولو كذب المدعي بينته لم تسمع وإن كذب المقر ثم صدقه سمع.
(مسألة) (ويصح الإقرار من كل مكلف مختار غير محجور عليه.
أما الطفل المجنون فلا يصح إقرارهما وكذلك المبرسم والنائم والمغمى عليه) لا نعلم في هذا خلافا وقد قال عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) فنص عن الثلاثة والمبرسم والمغمى عليه في معنى المجنون
والنائم ولأنه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم كالبيع والطلاق، فأما الصبي المميز فإن كان محجوراً عليه لم يصح إقراره للنص وإن كان مأذوناً له في البيع والشراء فبيعه وشراؤه جائز، وإن أقر أنه اقتضى شيئاً من ماله جاز بقدر ما أذن له وليه فيه وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو بكر وابن أبي موسى إنما يصح إقراره فيما أذن له في التجارة فيه في الشئ اليسير وقال الشافعي لا يصح إقراره بحال لعموم الخبر ولأنه غير بالغ أشبه الطفل ولأنه لا تقبل شهادته ولا روايته أشبه الطفل ولنا أنه عامل مختار يصح تصرفه فصح إقراره كالبالغ وقد دللنا على صحة تصرفه فيما مضى والخبر محمول على رفع التكليف والإثم.
(مسألة) (وكذلك العبد المأذون له في التجارة)
لما ذكرنا في الصبي بل صحة إقرار العبد أولى لأنه ملكف
(مسألة) (فإن أقر مراهق غير مأذون له ثم اختلف هو المقر له في بلوغه فالقول قول المقر)
إلا أن تقوم بينة ببلوغه لأن الاصل الصغر ولا يحلف لاننا حمنا بعدم بلوغه إلا أن يختلفا بعد ثبوت بلوغه فعليه اليمين أنه حين أقر لم يكن بالغاً (مسألة) (ولا يصح إقرار السكران وتتخرج صحته بناء على طلاقه) أما من زال عقله بسبب مباح أو معذور فيه فهو كالمجنون لا يصح اقراره ببغير خلاف وإن كان
خلاف وإن كان بمعصية كالسكران ومن شرب ما يزيل عقله عامداً لغير حاجة لم يصح إقراره ويتخرج أن يصح كطلاقه وهو منصوص الشافعي لأن أفعاله تجري مجرى الصاحي ولنا أنه غير عاقل فلم يصح إقراره كالمجنون الذي سبب جنونه فعل محرم ولأن السكران لا يوثق بصحة ما يقول ولا تنتفي عنه التهمة فيما يخبر به فلم يوجد معنى الإقرار الموجب لقبول قوله.
* (مسألة) * (ولا يصح إقرار المكره إلا أن يقر بغير ما أكره عليه مثل أن يكره على الإقرار لإنسان فيقر لغيره أو على الإقرار بطلاق امرأة فيقر بطلاق غيرها أو على الإقرار بدنانير فيقر بدراهم فيصح)
لا يصح إقرار المكره بما أكره على الاقرار به، وهذا مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالبيع فأما إن أقر بغير ما أكره عليه مثل أن يكره على الإقرار لرجل فيقر لغيره أو بنوع من المال فيقر بغيره أو على الإقرار بطلاق امرأة فيقر بطلاق أخرى أو أقر بعتق عبد صح لأنه أقر بما لم يكره عليه فصح كما لو اقر به ابتداء
* (مسألة) * (وإن أكره على وزن ثمن فباع داره في ذلك صح بيعه)
نص عليه أحمد لأنه لم يكره على البيع، ومن أقر بحق ثم ادعى أنه كان مكرهاً لم يقبل قوله إلا
ببينة سواء أقر عنه سلطان أو عند غيره لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن يكون هناك دلالة على الإقرار كالقيد والحبس والتوكل به فيكون القول قوله مع يمينه لأن الحال تدل على الإكراه، ولو ادعى أنه كان زائل العقل حال إقراره لم يقبل قوله إلا بينة لأن الأصل السلامة حتى يعلم غيرها، ولو شهد الشهود بإقراره لم تفتقر صحة الشهادة إلى أن يقولوا طوعاً في صحة عقله لأن الظاهر السلامة وصحة الشهادة وقد ذكرنا إقرار السفيه والمفلس فيما مضى
* (مسألة) * (وأما المريض مرض الموت المخوف فيصح إقراره بغير المال)
لأنه لا تهمة عليه في ذلك وانما تلحقه التهمة في المال
(مسألة) (وإن أقر بمال لمن لا يرثه صح في أصح الروايتين)
لأنه غير متهم في حقه وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز، وحكى أصحابنا رواية أنه لا يقبل لأنه إقرار في مرض الموت أشبه الإقرار للوارث وفيه رواية أخرى أنه لا يصح بزيادة على الثلث ذكرها أبو الخطاب لأنه ممنوع من عطية الوارث فلم يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون ولنا أنه إقرار غير متهم فيه فقبل كالإقرار في الصحة يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وأبرأ لذمته وتحري الصدق فكان أولى بالقبول وفارق الإقرار للوارث فإنه متهم فيه
(مسألة) (ولا يحاص المقر له غرماء الصحة)
وقال أبو الحسن التميمي والقاضي يحاصهم إذا ثبت عليه دين في الصحة ثم أقر لأجنبي بدين في مرض موته واتسع ماله لهما تساويا وإن ضاق عنهما فقيل بينهما سواء، والمذهب أن يقدم الدين الثابت على الدين الذي أقر به في المرض قاله أبو الخطاب قال القاضي وهو قياس المذهب، نص أحمد في المفلس على أنه إذا أقر وعليه دين ببينة يبدأ بالدين الذي بالبينة، وبهذا قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي لأنه أقر بعد تعلق الحق بتركته فوجب أن لا يشارك المقر له من ثبت دينه ببينة كغريم المفلس الذي أقر له بعد الحجر عليه، والدليل على تعلق الحق بماله منعه من التبرع والإقرار لوارث ولأنه محجور عليه ولهذا لا تنفذ هباته فلم يشارك من أقر له قبل الحجر ومن ثبت دينه ببينة كالذي أقر له المفلس وظاهر كلام الخرقي إنهما يتحاصان وهو قول أبي الحسن التميمي وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وذكر أبو عبيد أنه قول أكثر أهل المدينة فإن أقر لهما في المرض جميعاً تساويا
(مسألة) (وإن أقر لوارث لم يقبل إلا ببينة)
وبهذا قال شريح وأبو هاشم وابن أذينة والنخعي ويحيى الانصاري وأبو حنيفة وأصحابه وروي ذلك عن القاسم وسالم وقال عطاء والحسن واسحاق وأبو ثور يقبل لأن من صح الإقرار له في الصحة صح في المرض كالاجنبي وللشافعي قولان كالمذهبين وقال مالك يصح إذا لم يتهم ويبطل إذا اتهم كمن له بنت وابن
عم فأقر لابنته لم يقبل وإن أقر لابن عمه قبل لانه لايتهم في انه يزوي ابنته ويوصل المال إلى ابن عمه وعلة منع الإقرار التهمة فاختص المنع بموضعها ولنا أنه إيصال لماله إلى وارثه بقوله في مرض موته فلم يصح بغير رضا بقية ورثته كهبته ولأنه محجور عليه في حقه فلم يصح الإقرار له كالصبي في حق جميع الناس، وفارق الأجنبي فإن هبته تصح وما ذكره مالك لا يصح فإن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها فأجيز اعتبارها بمظنتها وهو الإرث ولذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما
(مسألة) (إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فما دونه فيصح)
في قول الجميع لا نعلم فيه مخالفاً إلا أن الشعبي قال لا يجوز اقراره لها لأنه إقرار لوارث ولنا أنه إقرار با تحقق سببه وعلم وجوده ولم تعلم البراءة منه فأشبه مالو كان عليه دين ببينة فأقر بأنه لم يوفه وكذلك إن اشترى من وارثه شيئاً فأقر له بثمن مثله لأن القول قول المقر له في أنه لم يقبض ثمنه وإن أقر لامرأته بدين سوى الصداق لم يقبل (فصل) فإن أقر لها ثم أبانها ثم تزوجها ومات من مرضه لم يقبل إقراره لها وقال محمد ابن الحسن يقبل لأنها صارت إلى حال لايتهم فيها فأشبه مالو أقر لمريض ثم برئ، ولنا أنه أقر لوارث في مرض الموت
(مسألة) (وإن أقر الوارث وأجنبي بطل في حق الوارث وصح في حق الأجنبي) وفيه وجه آخر أنه لا يصح كما لو شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها بطلت شهادته في الكل كما لو شهد لابنه وأجنبي وقال أبو حنيفة إن أقر لهما بدين من الشركة فاعترف الأجنبي بالشركة صح الإقرار لهما وإن جحدها صح له دون الوارث.
ولنا أنه أقر لوارث وأجنبي فيصح للأجنبي دون الوارث كما لو أقر بلفظين أو كما لو جحد الأجنبي الشركة ويفارق الإقرار الشهادة لقوة الإقرار ولذلك لا تعتبر فيه العدالة، ولو أقر بشئ له فيه نفع كالإقرار بنسب وارث موسر قبل، ولو أقر بشئ يتضمن دعوى على غيره قبل فيما عليه دون ماله كما لو قال لامرأته خلعتك على ألف بانت بإقراره والقول قولها في نفي العوض وكذلك إن قال لعبده اشتريت نفسك مني بألف
(مسألة) (وإن أقر لوارث فصار عند الموت غير وارث لم يصح وإن أقر لغير وارث صح وإن صار وارثاً نص عليه وقال ان الاعتبار بحال الموت فيصح في الأولى ولا يصح في الثانية كالوصية)
وجملة ذلك أنه إذا أقر لوارث فصار غير وارث أقر لأخيه ولا ولد له ثم ولد له ابن لم يصح إقراره له، وإن أقر لغير وارث ثم صار وارثاً صح إقراره له نص عليه أحمد في رواية ابن منصور إذا أقر لامرأة بدين في المرض ثم تزوجها جاز إقراره لأنه غير متهم وحكي له قول سفيان في رجل
له ابنان فأقر لأحدهما بدين في مرضه ثم مات الابن وترك ابناً والأب حي ثم مات بعد ذلك جاز قراره فقال أحمد لا يجوز وبهذا قال عثمان البتي، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى في الصورتين مخالفة لما قلنا وهو قول سفيان الثوري والشافعي لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث فكان الاعتبار فيه بحالة الموت كالوصية ولنا أنه قول يعتبر فيه التهمة فاعتبرت حال وجوده دون غيره كالشهادة ولأنه إذا أقر لغير وارث ثبت الإقرار وصح لوجوده من أهله خالياً عن تهمة فثبت الحق به ولم يوجد مسقط له فلا يسقط وإذا أقر لوارث وقع باطلا لاقتران التهمة به فلا يصح بعد ذكل ولأنه إذا أقر لوارث فلا يصح كما لو استمر الميراث وإن أقر لغير وارث صح واستمر كما لو استمر عدم الإرث اما الوضية فإنها عطية بعد الموت فاعتبرت فيها حالة الموت يخالف مسئلتنا
(مسألة) (وإن أقر لامرأته بدين ثم أبانها ثم تزوجها لم يصح إقراره لها)
إذا مات من مرضه لأنه إقرار لوارث في مرض الموت أشبه مالو لم يبنها
(مسألة) (وإن أقر المريض بوارث صحيح صح وعنه لا يصح)
يصح إقرار المريض بوارث في إحدى الروايتين والأخرى لا يصح لأنه أقر لوارث فأشبه الإقرار له بمال والأول أصح لأنه عند الإقرار غير وارث فصح كما لو لم يصر وارثاً ويمكن بناء هذه المسألة على ما إذا أقر لغير وارث فصار وارثاً فمن صحح الإقرار ثم صححه هاهنا ومن أبطله أبطله
(مسألة) (وإن أقر بطلاق امرأته في صحته لم يسقط ميراثها)
إذا كان الإقرار في مرضه لأنه متهم بقصد حرمانها الميراث فلم يبطل كما لو طلقها في مرضه (فصل) ويصح إقرار المريض بإحبال الأمة لأنه ملك ذلك فملك الإقرار به وكذلك كل ما ملكه ملك الإقرار به فإذا أقر بذلك ثم مات فإن بين أنه استولدها في ملكه فولده حر الأصل وأمه أم ولد تعتق من رأس المال وإن قال من نكاح أو وطئ شبهة عتق الولد ولم تصر الأمة أم ولد فإن كان من نكاح فعليه الولاء لأنه مسه رق وإن كان من وطئ شبهة لم تصر الأمة أم ولد وإن لم يتبين السبب فالأمة مملوكة لأن الأصل الرق ولم يثبت سبب الحرية ويحتمل أن تصير أم ولد لأن الظاهر استيلادها في ملكه من قبل أنها مملوكته والولادة موجودة ولا ولاء على الولد لأن الأصل عدمه فلا يثبت إلا بدليل.
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (وإن أقر العبد بحد أو قصاص أو طلاق صح وأخذ به إلا أن يقر بقصاص في النفس فنص أحمد أنه يتبع به عبد العتق وقال أبو الخطاب يؤخذ به في الحال) وجملة ذلك أن العبد يصح إقراره بالحد والقصاص فيما دون النفس لأن الحق له دون مولاه ولا يصح إقرار المولى عليه بما يوجب القصاص ويجب المال دون القصاص لأن المال يتعلق برقبته وهي مال السيد فصح إقراره بجناية الخطأ وهو الذي ذكره شيخنا في كتاب الكافي وأما إقراره بما يوجب
القصاص في النفس فالمنصوص عن أحمد أنه لا يقبل ويتبع به بعد العتق وبه قال زفر والمزني وداود وابن جرير الطبري لأنه يسقط حق سيده باقراره فأشبه الإقرار بقتل الخطأ ولأنه يتهم في أنه يقر لرجل ليعفو عنه ويستحق أخده فيتخلص بذلك من سيده، واختار أبو الخطاب أنه يصح إقراره وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولأنه أحد نوعي القصاص فصح اقرره به كما دون النفس، وبهذا الأصل ينتقض دليل الأول وينبغي على هذا القول أن لا يصح عفو ولي الجناية على مال إلا باختيار سيده لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره ولا يقبل اقرار العبد بجناية الخطأ ولا شبه العمدولا بجناية عمد موجبها المال كالجائفة والمأمومة لأنه إيجاب حق في رقبته وذلك بتعلق بالمولى (مسألة) (وإن أقر العبد غير المأذون له بمال لم يقبل في الحال ويتبغ به بعد العتق) لأنه تصرف فيما هو حق للسيد فعلى هذا يتبع به بعد العتق عملا بإقراره على نفسه وعنه يتعلق برقبته كجنايته
(مسألة) (وإن أقر السيد عليه بمال أو ما يوجبه كجناية الخطأ قبل)
لأنه إيجاب حق في ماله
(مسألة) (وإن أقر العبد بسرقة مال في يده وكذبه السيد قبل إقراره في القطع دون المال)
وجملة ذلك أن العبد إذا أقر بسرقة موجبها القطع والمال فأقر بها العبد وجب قطعه ولم يجب المال سواء كان ما أقر بسرقته باقياً أو تالفاً في يد السيد أو يد العبد قال أحمد
في عبد أقر بسرقة دراهم في يده أنه سرقها من رجل والرجل يدعي ذلك والسيد يكذبه فالدراهم لسيده ويقطع العبد ويتبع بذلك بعد العتق وللشافعي في وجوب المال في هذه الصورة وجهان، ويحتمل أن لا يجب القطع لأن ذلك شبهة فيدرأبها القطع لكونه حداً يدرأ بالشبهات وهذا قول أبي حنيفة وذلك لأن العين التي أقر بسرقتها لم يثبت حكم السرقة فيها فلا يثبت حكم القطع بها (فصل) وإن أقر العبد برقه لغير من هو في يده لم يقبل إقراره لأن إقراره بالرق إقرار بالملك والعبد لا يقبل إقراره بمال لا نا لو قبلنا إقراره أضر بالسيد ولأنه إذا شاء أقر لغير سيده فأبطل ملكه فإن أقر السيد لرجل وأقر هو لآخر فهو للذي أقر له السيد لأنه في يد السيد لا في يد نفسصه ولأنه لو قبل إقرار العبد لما قبل إقرار السيد كالحد وجناية العمد (فصل) ويصح الإقرار لكل من يثبت له الحق فإذا أقر لعبد بنكاح أو قصاص أو تعزير القذف صح الإقرار له صدقه المولى أو كذبه لأن الحق له دون سيده وله المطالبة بذلك والعفو عنه وليس لسيده مطالبته به ولا عفو وإن كذبه العبد لم يقبل اقراره، وإن أقر له بمال صح ويكون لسيده لأن يد العبد كيد سيده، وقال أصحاب الشافعي إن قلنا يملك المال صح الإقرار له وإن قلنا لا يملك كان الإقرار لمولاه يلزم بتصديقه ويبطل برده (مسألة) (وإن أقر السد لعبده بمال لم يصح) لأن العبد لسيده فلا يصح إقراره لنفسه وإن أقر
العبد لسيده لم يصح لأنه أقر له بماله فلم يفده الإقرار شيئا
ً (مسألة) (وإن أقر إنه باع عبده من نفسه بألف وأقر العبد به ثبت ويكون كالكتابة وإن أنكر عتق ولم يلزمه الألف)
لان أقر لعبده بسبب العتق فتعق وتبقى دعواه عليه لا تلزمه كما لم تلزم غيره
(مسألة) (وإن أقر لعبد غيره بمال صح وكان لمالكه)
لأن مال العبد لسيده
(مسألة) (وإن أقر لبهيمة لم يصح)
لأنها لا تملك ولا لها أهلية الملك، وإن قال على بسبب هذه البهيمة لم يكن إقراراً لأحد لأنه لم يذكر لمن هي ومن شرط صحة الإقرار ذكر المقر له فإن قال لمالكها ولزيد علي بسببها ألف صح الاقرار، وإن قال بسبب حمل هذه البهيمة لم يصح إذ لا يمكن ايجاب شئ بسبب الحمل وقيل يصح ويكون لما لكها كالإقرار للعبد (مسألة) (وإن تزوج مجهولة النسب فأقرت بالرق لم يقبل اقزارها) لأنها تقر على حق الزوج وعنه تقبل في نفسها لأنها عاقلة مكلفة فيقبل إقرارها على نفسها كما لو أقرت بمال، ولا يقبل إقرارها بفسخ النكاح ورق الأولاد لأن ذلك حق الزوج وإن أولدها بعد الإقرار ولداً كان رقيقاً لأنه حدث بعد ثبوت رقها وإن أقر بولد أمته أنه ابنه ثم مات ولم يتبين هل أتت به في ملكه أو غيره؟ فهل تصير أم ولد؟ على وجهين (أحدهما) لا تصير أم ولد لاحتمال أنها أتت به في ملك غيره (والثاني) تصير أم ولد له لأنه أقر بولدها وهي في ملكه فالظاهر أنه استولدها في ملكه
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (وإذا أقر الرجل نسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه به) وجملة ذلك أن للإقرار بالنسب شروطاً وهو على ضربين: (أحدهما) أن يقر على نفسه خاصة (والثاني) أن يقر عليه وعلى غيره فإن أقر على نفسه خاصة مثل أن يقر بنسب ولد فيعتبر في ثبوت نسبه أربعة شروط (أحدها) أن يكون المقر به مجهول النسب، فإن كان معروف النسب لم يصح لأنه يقطع نسبه الثابت من غيره وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه (الثاني) أن لا ينازعه فيه منازع لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارضا فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر (الثالث) أن يمكن صدقه بأن يكون المقر به يحتمل أن يولد لمثل المقر (الرابع) أن يكون ممن لا قول له كالصغير والمجنون أو يصدق المقر إن كان ذا قول وهو المكلف لانه ملكف أقر بحق ليس فيه نفع فلزم كما لو اقر بمال فإن كان غير المكلف لم يعتبر تصديقه فإن كبر وعقل فأنكر لم يسمع إنكاره لأن نسبه ثابت وجرى ذلك مجرى من ادعى ملك عبد صغير في يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد ذلك ولو طلب إحلافه على ذلك لم يستحلف لأن الأب لو عاد بجحد النسب لم يقبل منه ويحتمل أن يبطل نسب المكلف باتفاقهما على الرجوع عنه لأنه يثبت باتفاقهما فزال برجوعهما كالمال والأول أصح لأنه نسب ثبت بالإقرار فأشبه نسب الصغير والمجنون، وفارق المال لأن النسب يحتاط
لإثباته وإن اعترف إنسان أن هذا أبوه فهو كاعترافه بأنه ابنه (الضرب الثاني) أن يقر عليه وعلى غيره كإقراره بأخ فسنذكره إن شاء الله تعالى
* (مسألة) * (فإن كان الصغير المقر بنسبه ميتاً ورثه لأنه ثبت نسبه وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن يثبت نسبه دون ميراثه لأنه متهم في قصد أخذ ميراثه، وقال أبو حنيفة لا يثبت نسبه ولا إرثه لذلك
ولنا أن علة ثبوت نسبه في حياته الإقرار به وهو موجود بعد الموت فيثبت كحالة الحياة وما ذكروه يبطل بما إذا كان المقر به حياً موسراً والمقر فقيراً فإنه يثبت نسبه ويملك المقر التصرف في ماله وإنفاقه على نفسه، وإن كان المقر به كبيراً عاقلاً فكذلك في قول القاضي وظاهر مذهب الشافعي أنه لا قول له أشبه الصغير وفيه وجه آخر لا يثبت نسبه لان نسب المكلف لا يبت إلا بتصديقه ولم يوجد ويجاب عن هذا بأنه غير مكلف فإن ادعى نسب المكلف في حياته فلم يصدقه حتى مات المقر ثم صدقه ثبت نسبه لأنه وجد الإقرار والتصديق (فصل) فإن أقرت امرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولانسب قبل إقرارها وإن كانت ذات زوج فهل يقبل إقرارها؟ على روايتين (إحداهما) لا يقبل لأن فيه حملا لنسب الولد على زوجها ولم يقر به أو إلحاقاً للعار به بولادة امرأته من غيره (والثاني) يقبل لأنها شخص أقر بولد يحتمل أن يكون منه فقبل كالرجل وقال أحمد في رواية ابن منصور في امرأة ادعت ولداً فان كان لها إخوة أو نسب معروف فلا بدان يثبت أنه ابنها وإن لم يكن لها دافع فمن يحول بينها وبينه وهذا لأنها إذا كانت ذات أهل
فالظاهر أنه لا يخفى عليهمو ولادتها فمتى ادعت ولداً لا يعرفونه فالظاهر كذبها، ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقاً لأن النسب يحتاط له فأشبهت الرجل وقد ذكرنا نحو ذلك في اللقيط (فصل) وإن قدمت امرأة من بلد الروم معها طفل فأقر به رجل لحقه لوجود الإمكان وعدم المنازع لأنه يحتمل أن يكون دخل أرضهم أو دخلت هي دار الإسلام فوطئها والنسب يحتاط لا ثباته ولهذا لو ولدت امرأة رجل وهو غائب عنها بعد عشر سنين أو أكثر من غيبته لحقه وإن لم يعرف له قدوم إليها ولا عرف لها خروج من بلدها
(مسألة) (ومن ثبت نسبه فجاءت أمه بعد موت المقر فادعت الزوجية لم يثبت بذلك)
لأنها مجرد دعوى فلم تثبت بها زوجية كما لو كان حياً ولأنه يحتمل أن يكون من وطئ شبهة أو نكاح فاسد.
(فصل) وإن أقر رجل بنسب صغير لم يكن مقرا بزوجية أمة، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كانت مشهورة بالحرية كان مقراً بزوجيتها لأن أنساب المسلمين وأحوالهم يجب حملها على الصحة وهو أن يكون ولدته منه في نكاح صحيح ولنا أن الزوجة ليست مقتضى لفظه ولا مضمونه فلم يكن مقراً بها كما لو لم تكن معروفة بالحرية وما ذكروه لا يصح فإن النسب محمول على الصحة وقد يلحق بالوطئ والنكاح الفاسد والشهبة فلا يلزم بحكم إقراره ما لم يوجبه لفظ ولا يتضمنه
(فصل) إذا كان له أمة لها ثلاثة اولاد ولازوج لها ولا أقر بوطئها فقال أحد هؤلاء ولدي فإقراره صحيح ويطالب بالبيان فإن عين أحدهم ثبت نسبه وحريته، ثم يسئل عن كيفية الاستيلاد فإن قال بنكاح فعلى الولد الولاء والأم والآخران من أولادها رقيق، فإن قال استولدتها في ملكي فالمقر به حر الاصل لاولاء عليه والأمة أم ولد ثم إن كان المقر به الأكبر فأخواه ابنا أم ولد حكمهما حكمها في العتق بموت سيدها وإن كان الاوسط فالاكبرقن والاصفر له حكم أمه وإن عين الأصغر فأخواه رقيق قن لأنها ولدتهما قبل الحكم بكونها أم ولد، وإن قال هي من وطئ شبهة فالولد حر الأصل وأخواه مملوكان وإن مات قبل أن يبين أخذ ورثته بالبيان ويقوم بيانهم مقام بيانه فإن بينوا النسب ولم يبينوا الاستيلاد ثبت النسب وحرية الولد ولم يثبت للام ولا لو لديها حكم الاسيتلاد لأنه يحتمل أن يكون من نكاح أو وطئ شبهة، وإن لم يبينوا النسب وقالوا لا نعرف ذلك ولا الاستيلاد فإنا نريه القافة فإن ألحقوا به واحداً منهم ألحقناه ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره فإن لم يكن قافة أقرع بينهم فمن وقعت له القرعة عتق وورث وبهذا قال الشافعي لأنه لا يورثه بالقرعة.
ولنا أنه حر استندت حريته إلى إقرار أبيه فورث كما لو عينه في إقراره (فصل) إذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد فقال أحد هذين ولدي من أمتي نظرت فإن كان لكل
واحدة منهما زوج يمكن إلحاق الولد به لم يصح إقراره ولحق الولدان بالزوجين وإن كان لإحداهما زوج دون الأخرى انصرف الإقرار إلى ولد الأخرى لأنه الذي يمكن إلحاقه به وإن لم يكن لكل واحدة منهما زوج
ولكن أقر السيد بوطئهما صارنا فرشاو لحق ولداهمابه إذا أمكن أن يولد ابعد وطئه وإن أمكن في إحداهما دون الأخرى انصرف الإقرار إلى من أمكن لأنه ولده حكماً، وإن لم يكن اقر بوطئ واحدة منها صح إقراره وثبتت حرية المقر به لأنه أقر بنسب صغير مجهول النسب مع الإمكان لا منازع له فيه فلحقه نسبه ثم يكلف البيان كما لو طلق إحدى نسائه فإذا بين قبل بيانه لأن المرجع في ذلك إليه ثم يطالب ببيان كيفية الولادة فإن قال استولدتها في ملكي فالولد حرا لاصل لا ولاء عليه وأمه أم ولد وإن قال في نكاح فعلى الولد الولاء لأنه مسه رق والأمة قن لأنها علقت بمملوك، وان قال بوطئ شبهة فالولد حر الأصل والأمة قن لأنها علقت به في غير ملك، وإن ادعت الأخرى إنها التي استولدها فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم الاستيلاد فأشبه ما لو ادعت ذلك منغير إقرار بشئ فإذا حلف رقت له ورق ولدها فإذا مات ورثه ولده المقر به وإن كانت أمة قد صارت أم ولد عتقت، وإن لم تصر أم ولد عتقت على ولدها إن كان هو الوارث وحده وإن كان معه غيره عتق منها بقدر ماملك وإن عادت قبل ان يببن قام وارثه مقامه في البيان لأنه يقوم مقامه في إلحاق النسب وغيره فإذا بين كان كما لو بين الموروث، وان يعلم الوارث كيفية الاستيلاد ففي الأمة وجهان (أحدهما) يكون رقيقاً لأن الرق الأصل فلا يزول بالاحتمال (والثاني) يعتق لأن الظاهر أنها ولدته في ملكه لأنه أقر لولدها وهي في ملكه وهذا منصوص الشافعي، فإن لم يكن وارث أو كان وارث لم يعين عرض على القافة فإن ألحقته بأحدهما ثبت نسبه وكان حكمه
كما لو عين الوارث فإن لم تكن قافة أو كانت فلم تعرف أقرع بين الولدين فيعتق أحدهما بالقرعة لأن للقرعة مدخلا في إثبات الحرية وقياس المذهب ثبوت نسبه وميراثه على ما ذكرنا في التي قبلها وقال الشافعي لا يثبت نسبب ولا ميراث، واختلفوا في الميراث فقال المزني يوقف نصيب الابن لأنا تيقنا ابناً وارثاً ولهم وجه آخر لا يوقف شئ لأنه لا يرجى انكشافه وقال أبو حنيفة يعتق من كل واحد نصفه ويستسعى في باقيه ولا يرثان، وقال ابن أبي ليلى مثل ذلك إلا أن يجعل الميراث بينهما نصفين ويدفعانه في سعايتهما والكلام في قسمة الحرية والسعاية ذكره في باب العتق
(مسألة) (وإن أقر بنسب أخ أو عم في حياة أبيه وحده لم يقبل وإن كان بعد موتهما وهو الوارث وحده قبل إقراره وثبت النسب وإن كان معه غيره لم يثبت النسب وللمقر له من الميراث ما فضل في يد المقر)
إنما لم يقبل إقراره في حياتهما لأنه على غيره فلا يقبل فأما إن كان بعد الموت وهو الوارث وحده قبل إقراره وتثبت النسب سواء كان المقر واحداً أو جماعة ذكرا أو انثى وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف وحكاه عن أبي حنيفة لأن الوارث يقوم مقام المورث في ديونه والديون التي عليه وفي دعاويه كذلك في النسب إلا أن يكون الميت قد نفاه فلا يثبت لأنه يحمل على غيره نسباً حكم بنفيه فإن كان وارثاً ومعه شريك في الميراث لم يثبت النسب لأنه لا يثبت في حق شريكه فوجب أن لا يثبت في حقه
وقد دل على ثبوت النسب بإقرار الواحد إذا كان وارثاً حديث عائشة رضي الله عنها أن سعد بن أبي وقاص اختصم هو وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة فقال سعد أوصاني أخي عتبة إذا قدمت أن أنظر إلى ابن أمة زمعة واقبضه فإنه ابنه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو لك يا عبدبن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر) فقضى به لعبد بن زمعة وقال (احتجبي منه يا سودة) والمشهور عن أبي حنيفة أنه لا يثبت إلا بإقرار رجلين أو رجل وامرأتين وقال مالك لا يثبت إلا بإقرار اثنين لأنه يحمل النسب على غيره فاعتبر فيه العدد كالشهادة ولنا أنه حق ثبت بالاقرار فلم يعتبر فيه العدد كالدين ولأنه قول لا يعتبر فيه العدالة فلم يعتبر فيه العدد كإقرار الموروث واعتباره بالشهادة لا يصح لأنه لا يعتبر فيه اللفظ ولا العدالة ويبطل بالإقرار بالدين وللمقر له من الميراث ما فضل في يد المقر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى (مسألة) (وإن أقر من عليه الولاء بنسب وارث لم يقبل إقراره إلا أن يصدقه مولاه لأن الحق لمولاه فلا يقبل إقراره بما يسقطه ويتخرج أن يقبل بدونه ذكره في المحرر (مسألة) (وإن أقرت امرأة بنكاح على نفسها فهل يقبل؟ على روايتين) (إحداهما) يقبل لأنه حق عليها فيقبل كما لو أقرت بمال (والأخرى) لا يقبل لأنها تدعي النفقة والكسوة والسكنى فلا يقبل
(مسألة) (فإن أقر المولى عليها به قبل إن كانت مجبرة)
لأن المرأة لا قول لها في حال الإجبار وكذلك إن كانت مقرة بالإذن نص عليه وقيل لا يقبل إلا على المجبرة من المحرر وإن لم تكن مجيرة لم يقبل لأنه اقرار على الغير فلم يلزمها كما لو أقر عليها بمال
(مسألة) (وإن أقر أن فلانة امرأته أو أقرت أن فلانا زوجها فلم يصدق المقر له المقر إلا بعد موت المقر صح)
وورثه كما لو صدقه في حياته وقد ذكرنا فيما إذا أقر بنسب كبير عاقل بعد موته هل يرثه؟ على وجهين بناء على ثبوت نسبه فيخرج ههنا مثله وإن كان قد كذبه في حياته ففيه وجهان (مسألة) (وإن أقر الورثة على موروثهم بدين لزمهم قضاؤه من التركة فإن أقر بعضهم لزمه بقدر ميراثه فإن لم تكن تركة لم يلزمهم شئ) إذا أقر الوارث بدين على موروثه قبل إقراره بغير خلاف نعلمه ويتعلق ذلك بتركة الميت كما لو اقربه الميت في حياته فإن لم يخلف تركه لم يلزم الوارث شئ لأنه لا يلزمه أداء دينه اذا كان حيا مفلساً فكذلك إذا كان ميتاً، وإن خلف تركة تعلق الدين بها وإن أحب الوارث تسليمها في الدين فله ذلك وان أحب استخلاصها ووفا الدين من ماله فله ذلك ويلزمه أقل الأمرين من قيمتها أو قدر الدين
بمنزلة الجاني فإن كان الوارث واحداً فحكمه ما ذكرنا وان كانا اثنين أو أكثر وثبت الدين بإقرار الميت أو ببينة أو إقرار جميع الورثة فكذلك وإذا اختار الورثة أخذ التركة وقضاء الدين من أموالهم فعلى كل واحد منهم من الدين بقدر ميراثه وإن أقر أحدهم لزمه من الدين بقدر ميراثه والخيرة إليه في تسليم نصيبه في الدين أو استخلاصه، وإذا قدره من الدين فإن كانا اثنين لزمه النصف وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث وبهذا قال النخعي والحكم والحسن واسحاق وأبو عبيد وابو ثور والشافعي في أحد قوليه وقال أصحاب الرأي يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه وهو أحد قولي الشافعي رجع إليه بعد قوله كقولنا لأن الدين يتعلق بتركته فلا يستحق الوارث منها إلا ما فضل من الدين لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) ولأنه يقول ما أخذه المنكر أخذه بغير استحقاق فكان غاصباً فيتعلق الدين بما بقي من التركة كما لو غصبه أجنبي ولنا أنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث فلا يلزمه أكثر من نصف الدين كما لو أقر أخوه ولانه اقرر يتعلق بحصته أو حصة أخيه فلا يجب عليه إلا ما يخصه كالإقرار بالوصية وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة ولأنه حق لوثبت ببينة أو قول الميت أو إقرار الوارثين لم يلزمه إلا نصفه فلم يلزمه بإقراره أكثر من نصفه كالوصية ولأن شهادته بالدين مع غيره تقبل، ولو لزمه أكثر من حصته لم تقبل شهادته لأنه يجربها إلى نفسه نفعاً فإن كان عليه دين بينة أو إقرار الميت قدم على ما أقر به الورثة من المحرر
(فصل) قال رضي الله عنه (وإن أقر بحمل امرأة صح فإن ألقته ميتاً أو لم يكن حملاً بطل وإن ولدت حياً وميتاً فهو للحي وإن ولدتهما حيين فهو بينهما سواء الذكر والاثنى ذكره ابن حامد) إذا أقر لحمل امرأة بمال وعزاه إلى إرث أو وصية صح وكان للحمل وإن أطلق فقال أبو عبد الله بن حامد يصح وهو أصح قولي الشافعي لأنه يجوز أن يملك بوجه صحيح فصح له الإقرار المطلق كالطفل، فعلى هذا إن ولدت ذكر أو أنثى كان بينهما نصفين وإن عزاه إلى إرث أو وصية كان بينهما على حسب استحقاقها لذلك وإن ولدت حياً وميتاً فالكل للحي لأنه لا يخلو إما أن يكون الإقرار له عن إرث أو وصية وكلاهما لا يصح للميت، وقال أبو الحسن التميمي لا يصح الإقرار إلا أن يعزوه إلى إرث أو وصية وهو قول أبي ثور والقول الثاني للشافعي لأنه لا يملك بغيرهما، فإن وضعت الولد ميتاً كان قد عزا الإقرار إلى إرث أو وصية عادت إلى ورثة الموصي وموروث الطفل وإن أطلق الإقرار كلف ذكر السبب فيعمل بقوله فإن تعذر التفسير بموته أو غيره بطل إقراره كمن أقر لرجل لا يعرف من أراد بإقراره، وإن عزا الإقرار إلى جهة غير صحيحة فقال لهذا الحمل على ألف أقرضتها أو وديعة أخذتها منه فعلى قول التميمي الإقرار باطل وعلى قول ابن حامد ينبغي أن يصح اقراره لأنه وصل بإقراره ما يسقطه فيسقط ما وصله به كما لو قال له ألف لا يلزمني، وإن قال له على ألف جعلتها له أو نحو ذلك فهي عدة لا يؤخذ بها، ولا يصح الإقرار لحمل إلا إذا تيقن أنه كان موجوداً حال الإقرار على ما بين في الوصية له، وإن أقر لمسجد
أو مصنع أو طريق وعزاه إلى السبب صحيح مثل أن يقول من غلة وقفه صح وإن أطلق خرج على الوجهين وإن لم يكن ثم حمل بطل الإقرار لأنه أقر لغير شئ
(مسألة) (وإن أقر لكبير عاقل فلم يصدقه بطل إقراره في أحد الوجهين)
لأنه إقرار بحق أشبه النسب فعلى هذا يقر المال في يد المقر لأنه كان في يده فإذا بطل إقراره بقي كأنه لم يقر به والوجه الثاني يؤخذ المال الى بيت المال فيحفظه حتى ظهر مالكه لأنه بإقراره خرج عن ملكه ولم يدخل في ملك المقر له وكل واحد منهما ينكر ملكه فهو كالمال الضائع يترك في بيت المال قال صاحب المحرر فعلى هذا الوجه أيهما غير قوله لم يقبل منه وعلى الأول إن عاد المقر فادعاه لنفسه أو لثالث قبل منه ولم يقبل بعدها عود المقر له أولاً إلى دعواه، ولو كان عدوه إلى دعواه قبل ذلك ففيه وجهان ولو كان المقر به عبداً أو نفس المقر بأن أقر برقها للغير فهو كغيره من الأموال على الأول وعلى الثاني يحكم بحريتهما.
باب ما يحصل به الإقرار
إذا ادعى عليه ألفاً فقال نعم أو أجل أو صدقت أو أنا مقر بها أو بدعواك كان مقراً ومثله أنا مقر بما ادعيت لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق قال الله تعالى (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قالوا نعم) وإن
قال أليس لي عندك ألف؟ قال بلى كان إقراراً صحيحاً لأن بلى جواب للسؤال بحرف النفي قال الله تعالى (ألست بربكم؟ قالوا بلى) (مسألة) (وإن قال أنا اقر أولا أنكر أو يجوز أن يكون محقاً وعسى أو لعل أو أحسب أو أظن أو أقدر أوخذ أو اتزن أو افتح كمك لم يكن مقرا إذا قال أنا مقر لم يكن إقراراً لأنه وعد بالإقرار في المستقبل وكذلك إن قال لا أنكر لأنه لا يلزم من عدم الإنكار الإقرار فإن بينهما قسماً آخر وهو السكوت عنهما، وإن قال يجوز أن يكون محقاً لم يكن إقراراً كذلك وإن قال لعل أو عسى لم يكن مقرا لأنهما للترجي، وإن قال أظن أو أحسب أو أقدر لم يكن مقرا لأن هذه الألفاظ تستعمل للشك، وكذلك إن قال خذ أو اتزن أو افتح كمك لأنه يحتمل خذ الجواب أو اتزن أو افتح كمك لشئ آخر (مسألة) (وإن قال أنا مقر أو خذها أو اتزنها أو اقبضها أو احرزها أو هي صاح فهل يكون مقراً؟ يحتمل وجهين) إذا قال أنا مقر ولم يزد احتمل أن يكون مقراً لأن ذلك عقيب الدعوى فينصرف إليها وكذلك إن قال أقررت قال الله تعالى (قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالو أقررنا) ولم يقولوا أقررنا بذلك ولا زادوا عليه فكان منهم إقراراً ويحتمل أن لا يكون مقراً لأنه يحتمل أن يريد غير ذلك مثل
أن يريد أنا مقر بالشهادة أو بطلان دعواك، وإن قال خذها أو اتزنها أو اقبضها أو احرزها لي أو هي صحاح فهل يكون مقراً؟ يحتمل وجهين ففيه وجهان (أحدهما) ليس بإقرار لأن الصفة ترجع إلى المدعي ولم يقر بوجوبه ولا يجوز أن يعطيه ما يدعيه من غير أن يكون واجباً عليه فأمره بأخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب (والثاني) يكون إقراراً لأن الضمير يعود إلى ما تقدم
(مسألة) (وإن قال له على ألف إن شاء الله أو في علمي أو فيما أعلم أو قال اقضني ديني عليك ألفاً أو سلم إلي ثوبي هذا أو فرسي هذه فقال نعم فقد اقربها)
إذا قال لك على ألف إن شاء الله كان مقراً نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي ليس بإقرار لأنه علق إقراره على شرط فلم يصح كما لو علقه على مشيئة زيد ولأن ما علق على مشيئة الله لا سبيل إلى معرفته ولنا أنه وصل إقراره بما يرفعه كله ولا يصرفه إلى غير الإقرار فلزمه ما أقر به وبطل ما وصله به كما لو قال له على ألف إلا ألفاً ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكماً آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه مالو قال له على ألف ان شئت وان شاء في مشيئة الله وإن قال له على ألف إلا أن يشاء الله صح الإقرار لأنه أقر ثم علق رفع الإقرار على أمر لا يعلم فلم يرتفع، وإن قال له على ألف ان شئت وان شاء زيد لم يصح الإقرار وقال القاضي يصح لأنه عقبه ما يرفعه فصح الإقرار دون ما يرفعه كاستثناء الكل وكما لو قال إن شاء الله
ولنا أنه علقه علي شرط يمكن علمه فلم يصح كما لو قال له على ألف إن شهد به فلان وذلك لأن الإقرار إخبار بحق سابق فلا يتعلق على شرط مستقبل، ويفارق التعليق على مشيئة الله تعالى فإن مشيئة الله تذكر في الكلام تبركاً وصلة وتفويضاً إلى الله تعالى كقول الله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وقد علم الله سبحانه أنهم سيد خلونه بغير شك ويقول الناس صلينا إن شاء الله مع يقين صلاتهم بخلاف مشيئة الآدمي والثاني أن مشيئة الله تعالى لاتعلم إلا بوقوع الاومر فلا يمكن وقوف الأمر على وجودها ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا بتوقف الأمر على وجودها والماضي لا يمكن وقفه فتعين حمل الأمر ههنا على المستقبل فيكون لا إقراراً وعداً (فصل) ولو قال بعتك إن شاء الله أو زوجتك إن شاء الله فقال أبو إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافاً عنه في أنه إذا قيل له قبلت هذا النكاح فقال نعم إن شاء الله إن النكاح واقع وبه قال أبو حنيفة ولو قال بعتك ألف إن شئت فقال قد شئت وقبل صح لأن هذا الشرط من موجب العقد ومقتضاه فإن الإيجاب إذا وجد من البائع كان القبول إلى مشيئة المشتري واختياره (مسألة) (وإن قال له على ألف في علمي أو فيما أعلم كان مقراً به) لأن ما في علمه لا يحتمل إلا الوجوب ولو قال أقضيتني إلا ألف الذي لي عليك؟ قال نعم كان مقراً به لأنه تصديق لما ادعاه وإن قال سلم الي ثوبي وهذا أو فرسي هذه فقال نعم فقد أقر بها لما ذكرنا وإن قال اشتر عبدي هذا أو قال أعطني عبدي هذا فقال نعم كان إقراراً لما ذكرنا
(مسألة) (وإن قال إن قدم فلان فله على ألف درهم لم يكن مقراً)
لأنه ليس بمقر في الحال وما لا يلزمه في الحال لا يصير واجباً عند وجود الشرط، وإن قال له على ألف إن قدم فلان فعلى وجهين (أحدهما) لا يكون إقراراً كالمسألة قبلها (والثاني) يكون مقراً لأنه قدم الإقرار فثبت حكمه وبطل الشرط لأنه لا يصلح أن يكون أجلا
ً (مسألة) (وإن قال له على ألف إذا جاء رأس الشهر كان إقراراً وإن قال إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف فعلى وجهين)
قال أصحابنا في المسألة الأولى هو إقرار وفي الثانية ليس بإقرار وهو منصوص الشافعي لأنه في الأول بدأ بالإقرار ثم عقبه بمالا يقتضي رفعه لأن قوله إذا جاء رأس الشهر يحتمل أنه أراد المحل فلا يبطل الإقرار بأمر محتمل وفي الثانية بدأ بالشرط فعلق عليه لفظاً يصح للاقرار ويصلح للواعد فلا يكون اقرار امع الاحتمال ويحتمل أنه لا فرق بينهما لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء فيكون فيهما جميعاً وجهان
(مسألة) (وإن قال له على ألف إن شهد به فلان أو إن شهد به فلان صدقته لم يكن مقراً)
لأنه يجوز أن يصدق الكاذب (مسألة) (وإن قال إن شهد به فلان فهو صادق احتمل وجهين) (أحدهما) لا يكون إقراراً لأنه
علقه على شرط فهي كالتي قبلها (والثاني) يكون إقرارا في الحال لأنه لا يتصور صدقه إلا أن يكون ثابتاً في الحال وقد أقر بصدقه
(مسألة) (وإن أقر العربي بالعجمية أو العجمي بالعربية وقال لم أرد ما قلت فالقول قوله مع يمينه لأنه يحتمل أن يكون صادقاً فلا يكون مقراً
﴿باب الحكم فيما إذا وصل بإقراره ما يغيره﴾ إذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل أن يقول له على ألف لا يلزمني أو قد قبضه أو استوفاه أو ألف من ثمن خمر أو تكلفت به على أني بالخيار لزمته الألف ولا يقبل قوله ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وذكر القاضي إذا قال له علي ألف زيوف وفسره برصاص أو نحاص لم يقبل لأنه رفع كل ما اعترف به وقال في سائر الصور التي ذكرناها يقبل قوله لأنه عزا إقراره إلى سببه فقبل كما لو عزاه إلى سبب صحيح إلا في قوله علي ألف لا يلزمني ولنا أن هذا يناقض ما أقر به فلم يقبل كالصورة التي قبلها وكما لو قال له علي ألف لا تلزمني أو نقول رفع جميع ما أقربه فلم يقبل كاستثناء الكل وتناقض كلامه غير خاف فإن ثبوت ألف عليه في هذه المواضع لا يتصور وإقراره إخبار بثبوته فتنافيا وإن سلم ثبوت الألف عليه فهو ما قلنا
(مسألة) (وإن قال له على ألف إلا ألفاً لم يصح)
لأنه استثنى الكل ولا يصح بغير خلاف لأنه رجوع عن الاقرار وإن قال الاسمائة لم يصح وسنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا ماكان حداً لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لا سقاطه فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه عنها ولا نعلم في هذا خلافا
ً (مسألة) (وإن قال كان له عندي ألف وقضيته أو قضيت منه خمسمائة درهم فقال الخرقي ليس بإقرار والقول قوله مع يمينه)
وحكى ابن أبي موسى في هذه المسألة روايتين (أحدهما) أن هذا ليس بإقرار اختاره القاضي وقال لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا (والثانية) أنه مقر بالحق مدع لقضائه فعليه البينة بالقضاء والاحلف غريمه وأخذه اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة لأنه أقر بالدين وادعى القضاء بكلام منفصل ولأنه رفع جميع ما أثبته فلم يقبل كاستثناء الكل وللشافعي قولان كالمذهبين، ووجه قول الخرقي أنه قول متصل تمكن صحته ولا تناقض فيه فوجب أن لا يقبل كاستثناء البعض، وفارق المنفصل لأن حكم الأول قد استقر بسكوته عنه فلا يمكن رفعه بعد استقراره ولذلك لا يرفع بعضه باستثناء ولا غيره فما يأتي بعده من دعوى القضاء يكون دعوى مجردة لا تقبل إلا بينة
وأما استئناء الكل فمتناقض لأنه لا يمكن أن يكون عليه ألف وليس عليه شئ (فصل) فإن قال كان له على ألف وقضيته منه خمسمائة فالكلام فيه كالكلام فيما إذا قال وقضيته وإن قال له إنسان عليك مائة لي فقال قد قضيتك منها خمسين فقال القاضي لا يكون مقرا بشئ لأن الخمسين التي ذكر أنه قضاها في كلامه ما يمنع بقاءها وهو دعوى القضاء وباقي المائة لم يذكرها وقوله منها يحتمل أنه يريد بها مما يدعيه ويحتمل مما علي فلا يثبت عليه شئ بكلام محتمل ويجئ على قول من قال بالرواية الأخرى إنه يلزمه الخمسون التي ادعى قضاءها لأن في ضمن دعوى القضاء إقراراً بأنها كانت عليه فلا تقبل دعوى القضاء بغير بينة (فصل) فإن قال كان له على ألف وسكت لزمه الألف في ظاهر قول أصحابنا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يلزمه شئ وليس هذا باقرار لأنه لم يذكر عليه شيئاً في الحال إنما أخبر بذلك في زمن ماض فلا يثبت في الحال ولذلك لو شهدت البينة لم يثبت ولنا أنه أقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه فبقي على ما كان عليه، ولهذا لو تنازعا داراً فأقر أحدهما للآخرانها كانت ملكه حكم بها له إلا أنه ههنا إن عاد فادعى القضاء أو الإبراء سمعت دعواه لأنه لا تنافي بين الإقرار وبين ما يدعيه وهذا على إحدى الروايتين (فصل) وإن قال له على ألف قضيه إياه لزمه الألف ولم تقبل دعوى القضاء وقال القاضي تقبل
لأنه رفع ما أثبته بدعوى القضاء متصلا فأشبه مالو قال كان له على وقضيته له وقال ابن أبي موسى إن قال قضيت جميعه لم يقبل إلا ببينة ولزمه الألف الذي اقربه وله اليمين على المقر له وأما لو قال قضيت بعضه قبل منه في إحدى الروايتين لأنه رفع بعض ما اقربه بكلام متصل فأشبه مالو استثناه بخلاف ما إذا قال قضيت جميعه لكونه رفع جميع ما هو ثابت فأشبه استثناء الكل ولنا أن هذا قول متناقض إذا لا يمكن أن يكون عليه ألف قد قضاه فإن كونه عليه يقتضي بقاءه في ذمته واستحقاق مطالبته به وقضاءه بمقتضى براءة ذمته منه وتحريم مطالبته به وهذا ضدان لا يتصور اجتماعهما في زمن واحد بخلاف ما إذا قال له كان علي وقضيته فإنه أخبر بهما في زمانين ويمكن أن يرفع ما كان ثابتاً ويقضي ما كان ديناً وإذا لم يصح هذا في الجميع لم يصح في البعض لا ستحالة بقاء ألف عليه قد قضى بعضه، ويفارق الاستثناء فإن الاستثناء مع المستثنى منه عبارة عن الباقي من المستثنى منه فقول الله تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) عبارة عن تسعمائة وخمسين عاماً أما القضاء فإنما يرفع جزءاً كان ثابتاً فإذا ارتفع بالقضاء لا يجوز التعبير عنه بما يدل على القضاء (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ويصح استثناء ما دون النصف ولا يصح فيما زاد عليه وفي النصف وجهان) الاستثناء من الجنس - وهو ما دخل في المستثنى منه - جائز بغير خلاف علمناه فإن ذلك كلام العرب وقد جاء في الكتاب والسنة قال الله تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) وقال النبي
صلى الله عليه وسلم (يكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين) وذلك في كلام العرب كثير فإذا اقر بشئ واستثنى منه كان مقراً بالباقي بعد الاستثناء فإذا قال له على مائة إلا عشرة كان مقراً بتسعين لأن الاستثناء يمنع أن يدخل في اللفظ ما لولاه لدخل فإنه لو دخل ما أمكن إخراجه ولو أقر بالعشرة المستثناة لما قبل منه إنكارها وقول الله تعالى (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) أخبار بتسعمائة وخمسين فالاستثنا.
بين أن الخمسين المستثناة غير مرادة كما أن التخصيص يبين أن المخصوص غير مراد باللفظ العام إذا ثبت ذلك فلا نعلم خلافاً في جواز استثناء ما دون النصف وقد دل عليه ما ذكرنا من الكتاب والسنة (فصل) فأما استثناء ما زاد على النصف فلا يختلف المذهب أنه لا يصح وهو كاستثناء الكل يؤخذ بالجميع ويحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي وقال أبو حنيفة ومالك وأصحابهم يصح استثناء ما دون الكل فلو قال له على مائة إلا تسعة وتسعين لم يلزمه إلا واحد بدليل قول الله تعالى (قال فبعزتك لاغويهم أجميعن إلا عبادك منهم المخلصين) وقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) وأيهما كان الأكثر فقد دل على استثناء الأكثر وأنشدوا أدوا التي نقصت تعسين من مائة ثم ابعثوا حكماً بالحق قواما فاستثنى تسعين من مائة ولأنه في معنى الاستثناء ومشبه به ولأنه استثنى البعض فجاز كاستثناء الأقل
ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ فجاز كالتخصيص والبدل.
ولنا أنه لم يرد في لسان العرب الاستثناء إلا في الأقل وقد أنكروا استثناء الأكثر فقال أبو
إسحاق الزجاج لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير ولو قال قائل مائة إلا تسعة وتسعين لم يكن متكلماً بالعربية وكان عياً من الكلام ولكنة، وقال القتيبي يقال صمت الشهر إلا يوماً ولا يقال صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يوماً ويقال لقيت القوم جميعهم إلا واحداً أو اثنين ولا يجوزان يقال لقيت القوم إلا أكثرهم وإن لم يكن صحيحاً في الكلام لم يرتفع به ما أقر به كاستثناء الكل وكما لو قال له علي عشرة بل خسمة، وأما ما احتجوا به من التزيل فإنه في الآية الأولى استثنى المخلصين من بني آدم وهم الافل كما قال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصلحات وقليل ماهم) وفي الآية الأخرى استثنى الغاوين من العباد وهم الأقل فإن الملائكة من العباد وهم غير غاوين قال الله تعالى (بل عباد مكرمون) وقيل الاستثناء في هذه الآية منقطع بمعنى الاستدراك فيكون قوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) يبقى على عمومه لم يستثن منه شئ فيكون قوله (إلا من اتبعك من الغاوين) أي لكن من ابتعك من الغاوين فإنهم غووا باتباعك، وقد دل على صحة هذا قوله في الآية الأخرى لاتباعه (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) وعلى هذا لا يكون لهم فيها حجة وأما البيت فقال ابن فضال النحوي هو بيت مصنوع لم يثبت عن العرب على أن هذا ليس باستثناء فإن الاستثناء له كلمات مخصوصة
ليس هذا منها والقياس لا يجوز في اللغة ثم نعارضه بأنه استثنى أكثر من النصف فلم يجز كاستثناء الكل والفرق بين استثناء الأكثر والأقل أن العرب استحسنته في الأقل واستعملته ونفته في الأكثر وقبحته فلم يجز قياس ما قبحوه على ما حسنوه (فصل) وفي استثناء النصف وجهان (أحدهما) يجوز وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه ليس بالأكثر فجاز كالأقل (والثاني) لا يجوز ذكره أبو بكر لأنه لم يرد في كلامهم إلا في القليل من الكثير والنصف ليس بقليل وهو أولى (مسألة) (فإذا قال له على هولاء العبيد العشرة إلا واحداً لزمه تسليم تسعة) فإن عينه فقال إلا هذا صح وكان مقراً بمن سواه وإن قال إلا واحداً ولم يعينه صح لأن الإقرار يصح مجهولاً فكذلك الاستثناء منه ويرجع في تعيين المسمى إليه لأن الحكم يتعلق بقوله وهو أعلم بمراده به وإن عين من
عدا المستثنى صح وكان الباقي له.
(مسألة) (فإن ماتوا إلا وحدا فقال هو المستثنى فهل يقبل؟ على وجهين) (أحدهما) يقبل ذكره القاضي وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي (والوجه الثاني) لا يقبل ذكره أبو الخطاب وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه يرفع به الإقرار كله، والصحيح الأول لأنه يقبل تفسيره به في حياتهم لمعنى هو موجود بعد موتهم فقبل كحالة حياتهم وليس هذا رفعاً للإقرار وإنما تعذر تسليم المقر
به لتلفه لا لمعنى يرجع إلى التفسير فأشبه مالو عينه في حياته فتلف بعد تعيبنه فإن قتل الجميع إلا واحداً قبل تفسيره بالباقي وجهاً واحداً لأنه غير متهم لأن المقر له يحصل له قيمة المقتولين بخلاف الموت فإنه لا يحصل للمقر له شئ، وإن قتلوا كلهم فله قيمة أحدهم ويرجع في التفسير إليه، وإن قال غصبتك هؤلاء العبيد إلا واحداً قبل تفسيره به وجهاً واحداً لأن المقر له يستحق قيمة الهالكين فلا يفضي التفسير بالباقي إلى سقوط الإقرار بخلاف ما إذا ما توا (فصل) وحكم الاستثناء بسائر أدواته حكم الاستثناء بالافاذا قال له على عشرة سوى درهم أو ليس درهما أو خلا درهما أو عدا درهما أولا يكون درهما أو غير درهم بفتح الراء كان مقراً بدرهم وإن قال غير درهم بضم الراء وهو من أهل العربية كان مفسراً بعشرة لأنها تكون صفة للعشرة المقر بها ولا تكون استثناء فإنها لو كانت استثناء كانت منصوبة وإن لم يكن من أهل العربية لزمه تسعة لان الظهر أنه يريد الاستثناء وإنما ضمها جهلا منه بالعربية لا قصداً للصفة (فصل) ولا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلاً بالكلام فإن سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه أو فصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام أجنبي لم يصح لأنه إذا سكت وعدل عن إقراره إلى شئ آخر استقر حكم ما أقر به فلم يرفع بخلاف ما إذا كان في كلامه فإنه لا يثبت حكمه أو ينظر ما يتم به كلامه ويتعلق به حكم الاستثناء والشرط والبدل ونحوه
(مسألة) (وإن قال له هذه الدار إلا هذا البيت لي قبل منه لأن الأول استثناء فلا يدخل البيت في إقراره والثاني في معنى الاستثناء لكونه أخرج بعض ما يتناوله اللفظ بكلام متصل وسواء كان البيت اكثر من نصف الدار أو أقل
(مسألة) (وإن قال له علي درهمان وثلاثة الادرهمين فهل يصح على وجهين؟)
(أحدهما) يصح لأن الاستثناء يعود إلى الجملتين وهو أقل من النصف (والثاني) لا يصح لأنه يعود إلى أقرب المذكورين فيكون استثناء أكثر من النصف (مسألة) (وإن قال له على درهم ودرهم الادرهما أو ثلاثة ودرهمان إلا درهمين أو ثلاثة ونصف إلا نصفا أو إلا درهماً أو خمسة وتسعون إلا خمسة لم يصح الاستثناء.
ولزمه جميع ما أقر به قبل الاستثناء وهذا قول الشافعي وهو الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة وفيه وجه آخر أنه يصح لأن الواو العاطفة تجمع بين العددين وتجعل الجملتين كالجملة الواحدة وعندنا أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفاً بعضها على بعض بالواو عاد إلى جميعها كقولنا في قوله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) إن الاستثناء عاد إلى الجملتين فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) قال شيخنا والأول أولى لأن الواو لم تخرج الكلام من أن يكون جملتين والاستثناء برفع إحداهما جميعها ولا نظير لهذا في كلامهم ولأن صحة الاستثناء تجعل إحدى الجملتين مع الاستثناء لغواً لأنه أثبت شيئاً بلفظ مفرد ثم رفعه كله فلا يصح كما لو استثنى منها وهى غير معطوفة على غيرها فأما الآية والخبر فإن الاستثناء لم يرفع إحدى الجملتين إنما أخرج من الجملتين معاً من اتصف بصفة فنظيره قوله للبواب من جاء يستأذن فائذن له وأعطه درهما إلا فلاناً ونظير مسئلتنا ما لو قال اكرم زيدا وعمراً إلا عمراً (مسألة) وإن قال له على خمسة إلا درهمين ودرهما لزمته الخمسة في أحد الوجهين) لأنه استثنى أكثر من النصف وفي الآخر يلزمه ثلاثة ويبطل الاستثناء الثاني (مسألة) (ويصح الاستثناء من الاستثناء)
فإذا استثنى استثناء بعد استثناء وعطف الثاني على الأول كان مضافاً إليه فإذا قال له على عشرة إلا ثلاثة وإلا درهمين كان مستثنيا الخمسة مقراً بخمسة فإن كان الثاني غير معطوف على الأول كان استثناء من الاستثناء وهو جائز في اللغة قال الله تعالى (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين) فإذا كان صدر الكلام إثباتاً كان الاستثناء الأول نفياً والثاني إثباتاً فإن استثنى استثناء ثالثاً كان نفياً يعود كل استثناء الى ما يليه من الكلام فإذا
قال له سبعة الا ثلاثة الادرهما لزمته خمسة لأنه أثبت سبعة ثم نفى منها ثلاثة ثم أثبت درهماً وبقي من الثلاثة المنفية درهمان مستثنيان من السبعة فيكون مقراً بخمسة
(مسألة) (وإن قال له علي عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة الادرهمين الادرهما لزمه عشرة)
على قول أبي بكر لأنه منع استثناء النصف وفي الوجه الآخر يلزمه ستة لأن الاستثناء إذا رفع الكل أو الا كثر سقط إن وقف عليه وإن وصله باستثناء آخر استعملناه فاستعملنا الاستثناء الأول لوصله بالثاني لأن الاستثناء مع المستثنى عبارة عما بقي فان عشرة الادرهما عبارة عن تسعة فإذا قال له على عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة صح استثناء الخمسة لأنه وصلها باستثناء آخر وكذلك صح استثناء الثلاثة والدرهمين لأنه وصل ذلك باستثناء آخر والاستثناء من الاثبات نفي ومن النفي اثبات فصح استثناء الخمسة وهو نفي فنفي خسمة وصح استثناء الثلاثة وهي إثبات فعادت ثمانية وصح استثناء الدرهمين وهي نفي فبقيت ستة ولم يصح استثناء الدرهم لأنه مسكوت عليه ويحتمل أن يكون وجه الستة أن يصح استثناء النصف ويبطل الزائد فيصح استثناء الخمسة والدرهم ولا يصح استثناء ثلاثة والاثنين (والوجه الثالث) يلزمه سبعة إذا صححنا الاستثناءات كلها فإذا قال عشرة إلا خمسة بقي خمسة فإذا قال إلا ثلاثة عادت ثمانية لأنها إثبات فإذا قال إلا درهمين كانت نفياً فبقي ستة فإذا استثنى درهما كان مثبتاً فصارت سبعة (والوجه الرابع) يلزمه ثمانية لأنه يلغي الاستثناء الأول لكونه النصف فإذا قال إلا ثلاثة كانت مثبتة وهي مستثناة
من الخمسة وقد بطلت فتبطل الثلاثة أيضاً لبطلان الخمسة ويبقى الاثنان لأنهما نفي والنفي يكون من
إثبات، وقد بطل الإثبات الذي قبلها فتكون منفية من العشرة تبقى ثمانية ولا يصح استثناء الواحد من الاثنين لأنه نصف (فصل) فإن قال له علي ثلاثة إلا ثلاثة إلا درهمين بطل الاستثناء كله لأن الاستثناء لدرهمين من الثلاثة استثناء الأكثر وهو موقوف عليه فبطل فإذا بطل الثاني بطل الأول لأنه استثنى الكل ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه (أحدها) يبطل الاستثناء لأن الأول بطل لكونه استثناء الكل فبطل الثاني من الإقرار لأنه فرعه (الثاني) يصح ويلزمه درهم لأن الاستثناء الأول لما بطل جعلنا الاستثناء الثاني من الإقرار لأنه وليه لبطلان ما بينهما ويصح (الثالث) ويكون مقراً بدرهمين لأنه استثناء لأكثر واستثناء الأكثر عندهم يصح ووافقهم القاضي في هذا الوجه، وإن قال ثلاثة الا إلا ثلاثة إلا درهماً بطل الاستثناء كله، ويجئ على قول أصحاب الشافعي فيه مثل ما قلنا في التي قبلها (مسألة) (ولا يصح الاستثناء من غير الجنس نص عليه) وبهذا قال زفر ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة إن استثنى مكيلا أو موزونا جاز وإن استثنى عبداً أو ثوباً من غير مكيل أو موزون لم يجز، وقال مالك والشافعي يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقاً لأنه ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب قال الله تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن) وقال سبحانه (لا يسمعون فيها لغوا الاسلاما) وقال الشاعر: وبلدة.
ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر: أعيت جواباً وما بالربع من أحد إلا أواري لأياما أينها ولنا أن الاستثناء صرف اللفظ بحرف الاسثنا عما كان يقتضيه لولاه وقيل أخرج بعض ما تناوله المستثنى منه مشتق من قواه ثنيت فلاناً عن رأيه إذا صرفته عن رأي كان عازما عليه وثبت عنان دابتي إذا صرفتها به عن وجهتها التي كانت تذهب إليها، وغير الجنس المذكور ليس بداخل في الكلام فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه ولا ثناه عن وجه استرساله فلا يكون استثناء وإنما سمي استثناء تجوزا وإنما هو في الحقيقة استدارك والاههنا بمعنى لكن هكذا قال أهل العربية منهم ابن قيبة وحكاه
عن سيبويه والاستدراك لا يأتي الابعد الجحد ولذلك لم يأت الاستثناء في الكتاب العزيز من غير الجنس إلا بعد النفي ولا يأتي بعد الإثبات إلا أن يوجد بعد جملة.
إذا تقرر هذا فلا مدخل للاستدراك في الإقرار لأنه إثبات للمقر به فإذا ذكر الاستدراك بعده كان باطلاً وإن ذكر بعده جملة كأنه قال له عندي مائة درهم إلا ثوباً لي عليه فيكون مقراً لشئ مدعيا لشئ سواه فيقبل إقراره وتبطل دعواه