إن وجد منه الزنا حال نومه فلا حد عليه لأنه مرفوع عنه القلم، ولو أقر حال نومه لم يلتفت إلى اقراره لأن كلامه ليس بمعتبر ولا يدل على صحة مدلوله (فصل) فإن كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في إفاقته أنه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة أنه زنى في إفاقته فعليه الحد لا نعلم فيه خلافاً وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن الزنا الموجب للحد وجد منه في حال إفاقته وهو مكلف والقلم غير مرفوع عنه وإقراره وجد في حال اعتبار كلامه، فان أقر في إفاقته ولم يضفه الى حال أو شهدت عليه البينة بالزنى ولم تضفه إلى حال إفاقته لم يجب الحد لأنه يحتمل أنه وجد في حال جنونه فلم يجب الحد مع الاحتمال، وقد روى أبو داود في حديث المجنونة التي أتي بها عمر أن علياً قال هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها أتاها في بلائها، فقال عمر لا أدري فقال علي وأنا لا أدري (مسألة) (ولا يجب الحد إلا على عالم بالتحريم) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة أهل العلم، وقد روى سعيد بن المسيب قال ذكر الزنا بالشام فقال رجل زنيت البارحة، قالوا ما تقول؟ قال ما علمت أن الله حرمه فكتب بها الى عمر فكتب إن كان يعلم أن الله حرمه فحدوه وإن لم يكن علم فأعلموه فان عاد
فارجموه، وسواء جهل تحريم الزنا أو تحريم عين المرأة مثل أن يزف اليه غير امرأته فيظنها زوجته أو يدفع اليه جارية فيظنها جاريته فيطؤها فلا حد عليه (مسألة) (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه) لأنه حق لله تعالى فيفتقر الى الإجتهاد ولا يؤمن من إستيفائه الحيف فوجب تفويضه الى نائب الله تعالى في خلقه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه بعده ولا يلزم حضور الإمام إقامته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وأمر برجم ماعز ولم يحضر وأتي بسارق فقال (اذهبوا به فاقطعوه) وجميع الحدود في هذا سواء حد القذف وغيره لأنه لا يؤمن فيه الحيف والزيادة على الواجب ويفتقر الى الإجتهاد فأشبه سائر الحدود (مسألة) (إلا السيد فإن له إقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن وهل له القتل في الردة والقطع في السرقة؟ على روايتين) وجملة ذلك ان للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن في قول أكثر العلماء، روي نحو ذلك علي وابن مسعود وابن عمر وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقمة والاسود والزهري وهبيرة والحسن بن أبي مريم وأبي ميسرة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر
وقال ابن أبي ليلى أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا، وعن الحسن بن محمد أن فاطمة حدت جارية لها زنت وعن ابراهيم أن علقمة والأسود كانا يقيمان الحدود على من زنا من خدم عشائرهم روى ذلك سعيد في سننه، وقال أصحاب الرأي ليس له ذلك لأن الحدود الى السلطان ولأن من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار وتعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين أو في مجلس واحد وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج الى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها وكذلك الاقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الامام أو نائبه كحد الأحرار ولأنه حد هو حق الله تعالى فيفوض إلى الامام كالقتل والقطع ولنا ما روى سعيد ثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا زنت أمة احدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير) وقال حدثنا أبو الأحوص ثنا عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ورواه الدارقطني ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها فلمك اقامة الحد عليها كالسلطان وبهذا فارق الصبي إذا ثبت هذا فإنما يملك الحد بشروط أربعة
(أحدها) أن يكون جلداً كحد الزنا والشرب وحد القذف، فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكهما إلا الامام، وهذا قول أكثر أهل العلم وفيها رواية أخرى أن السيد يملكهما وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) وروي أن ابن عمر قطع عبداً سرق وكذلك عائشة، وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها ولأن ذلك حدا يشبهه الجلد ولنا أن الأصل تفويض الحد إلى الامام لأنه حق لله تعالى فيفوض إلى نائبه كما في حق الاحرار ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لأنه تأديب والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب وهذا من جنسه وإنما افترقا في أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر، وهذا لا أثر له في منع السيد منه بخلاف القطع والقتل فانهما اتلاف لجملته أو بعضه الصحيح ولا يملك السيد هذا من عبده ولا شيئاً من جنسه والخبر الوارد في حد السيد عبده إنما جاء في الزنا خاصة وانما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد وقوله (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) إنما جاء في سياق الحد في الزنا فان أول الحديث عن علي رضي الله عنه قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة له فجرت فأرسلني اليها فقال (اجلدها الحد - قال فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها فرجعت اليه فقال - أفرغت؟ فقلت وجدتها لم تجف من دمها قال - إذا جفت من دمها فاجلدها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه، وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها وشق عليه، وما روي عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه (مسألة) (ولا يملك إقامته على من بعضه حر ولا أمته المزوجة) وقال مالك والشافعي يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة لعموم الخبر ولأنه مختص بملكها وإنما يملك الزوج بعض منافعها فأشبهت المستأجرة ولنا ما روى عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج رفعت إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولا نعرف له مخالفاً في عصره ولأن نفعها مملوك لغيره مطلقاً أشبهت المشتركة ولأن المشترك إنما منع من إقامة الحد عليه لأنه يقيمه في غير ملكه لأن الجزء الحر أو المملوك لغيره ليس بمملوك له وهذا شبهه لأن محل الحد هو محل استمتاع الزوج وهو بدنها فلا يملكه والخبر مخصوص بالمشترك فنقيس عليه والمستأجرة إجارتها مؤقتة تنقضي، ويحتمل أن نقول لا يملك إقامة الحد عليها في حال إجارتها لأنه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر وكذلك الامة المرهونة يخرج فيها وجهان (فصل) ويشترط أن يكون السيد بالغاً عاقلاً عالماً بالحدود وكيفية إقامتها لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات والجاهل بالحد لا يمكنه اقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض اليه
(مسألة) (فإن كان السيد فاسقاً أو امرأة فله اقامته في ظاهر كلامه ويحتمل أن لا يملكه) في الفاسق وجهان (أحدهما) لا يملكه لأن هذه ولاية فنافاها الفسق كولاية التزويج (والثاني) يملكه لأنها ولاية استفادها بالملك فلم ينافها الفسق كبيع العبد وفي المرأة أيضاً وجهان (أحدهما) لا تملكه لأنها ليست من أهل الولايات (والثاني) تملكه لأن فاطمة جلدت أمة لها وعائشة قطعت أمة لها سرقت وحفصة قتلت أمة لها سحرتها ولأنها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل وفيه وجه ثالث أن الحد يفوض إلى وليها لأنه يزوج أمتها (مسألة) (ولا يملكه المكاتب لأنه ليس من أهل الولاية، وفيه وجه أنه يملكه) لأنه يستفاد بالملك فأشبه سائر تصرفاته (مسألة) (وسواء ثبت ببينة أو إقرار) إذا ثبت باعتراف فللسيد إقامته إن كان يعترف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة اعتبر أن تثبت عند الحاكم لأن البينة تحتاج الى البحث في العدالة ومعرفة شروط سماعها ولفظها ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد بها كما يقيمه بالاقرار وهذا ظاهر نص الشافعي لأنها احد ما يثبت به الحد فأشبهت الاقرار.
(مسألة) (وإن ثبت بعلمه فله إقامته نص عليه، ويحتمل أن لا يملكه كالامام) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أن السيد لا يقيمه بعلمه وهذا قول مالك لأن الامام لا يقيمه بعلمه فالسيد أولى ولأن ولاية الامام للحد أقوى من ولاية السيد لكونها متفقاً عليها وثابتة بالاجماع فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم فههنا أولى، وعن أحمد رواية أخرى انه يقيمه بعلمه لأنه قد ثبت عنده فملك اقامته كما لو أقر به ولانه يملك تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب ويفارق الحاكم لأن الحاكم متهم لا يملك محل إقامته وهذا بخلافه وهذا ظاهر المذهب (مسألة) (ولا يقيم الامام الحد بعلمه) هذا ظاهر المذهب روى ذلك عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: له إقامته بعلمه وهو قول أبي ثور وعن أحمد رحمه الله نحو ذلك لأنه اذا جازت له اقامته بالبينة والاعترف (والاعتراف) الذي لا يفيد فبما يفيد العلم أولى ولنا قول الله تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال سبحانه (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) وقال عمر أو كان الحبل أو الاعتراف ولأنه لا يجوز له أن يتكلم
به ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفاً يلزمه حد القذف فلم تجز اقامة الحد لقول غيره ولأنه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى (مسألة) (ولا تقام الحدود في المساجد) لما روى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المسجد وأن ينشد فيه الاشعار وأن تقام فيه الحدود لأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شئ يتلوث به المسجد فان أقيم فيه سقط الفرض لحصول المقصود وهو الزجر ولأن المرتكب للنهي غير الحدود فلم يمنع ذلك سقوط الفرض عنه كما لو اقتص في المسجد (مسألة) (ويضرب الرجل قائماً) وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يضرب جالسا قال أبو الخطاب، وقد روى حنبل أنه يضرب قاعداً لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام ولأنه مجلود في حد أشبه المرأة ولنا قول علي رضي الله عنه: لكل موضع من الحسد حظ الا الوجه والفرج، وقال للجلاد
اضرب وأوجع واتق الرأس والوجه ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب وقوله إن الله لم يأمر بالقيام قلنا ولم يأمر بالجلوس ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا لأن المرأة يقصد سترها ويخشى هتكها.
إذا ثبت هذا فانه يضرب
بسوط، وحكي عن بعضهم أن حد الشرب يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه رواه أبو داود ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اذا شرب الخمر فاجلدوه) والجلد إنما يفهم من إطلاقه الضرب بالسوط والخلفاء الراشدون ضربوا فيه بالسياط وكذلك غيرهم فصار إجماعاً ولأنه جلد في حد فكان بالسوط كغيره فأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الاسلام ثم جلد النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت الامور فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وفي حديث ابن عمر قال ائتوني بسوط فجاءه أسلم مولاه بسوط دقيق فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم ائتني بسوط غير هذا فأتاه به تاما فأمر عمر بقدامة فجلد.
إذا ثبت هذا فان السوط يكون وسطاً لا حديداً فيجرح ولا خلعا فلا يؤلم لما روي أن رجلاً اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بسوط مسكور فقال فوق هذا مأتي بسوط حديد لم يكسر بموته فقال بين هذين رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين يعني وسطاً لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع (مسألة) (ولا يمد ولا يربط ولا يجرد قال ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد)
وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد بل يكون عليه القميص والقميصان، وان كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب قال أحمد لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك يجرد لأن الامر بجلده يقتضي مباشرة جسمه ولنا قول ابن مسعود ولم نعلم عن أحد من الصحابة خلافه والله تعالى لم يأمر بتجريده وإنما أمر بجلده ومن جلد من فوق الثوب فقد جلد (مسألة) (ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد) لأن المقصود أدبه لا هلاكه، ويفرق الضرب على اعضائه وجسده فيأخذ كل عضو منه حصته ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين ويتقى المقاتل وهي الرأس والوجه والفرج من المرأة والرجل جميعاً لقول علي رضي الله عنه لكل موضع من الجسد حظ الا الوجه والفرج لأن ما عدا الاعضاء الثلاثة ليس بمقتل فأشبه الظهر ولأن الرأس مقتل فأشبه الوجه ولأنه ربما أدى في رأسه الى ذهاب سمعه أو بصره أو عقله أو قتله والمقصود أدبه لا قتله (مسألة) (والمرأة كذلك فيما ذكرنا من صفة الجلد إلا أنها تضرب جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وقال أبو يوسف تحد المرأة قائمة كاللعان
ولنا قول علي ويفارق اللعان فإنه لا يؤدي إلى كشف العورة وما عدا الاعضاء الثلاثة (مسألة) (والجلد في الزنا أشد الجلد ثم جلد القذف ثم الشرب ثم التعزير) وكذلك قال أصحابنا وقال مالك كلها واحد لأن الله تعالى أمر بجلد الزاني والقاذف أمراً واحداً ثم مقصود جميعها واحد وهو الزجر فيجب تساويها في الصفة، وعن أبي حنيفة التعزير أشدها ثم حد الزاني ثم الشرب ثم حد القذف ولنا أن الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) فاقتضى مزيد تأكيد ولا يمكن ذلك في العدد فجعل في الصفة، ولأن ما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعه وهذا دليل على أن ماخف في عدده كان أخف في صفته ولأن ما دونه أخف منه عدداً فلا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعه لأنه يفضي إلى التسوية أو زيادة القليل على ألم الكثير (مسألة) (وإن رأى الامام الجلد في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك) لما ذكرنا من حديث أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعلين والضارب بثوبه، رواه أبو داود (مسألة) (قال أصحابنا ولا يؤخر الحد للمرض فإن كان جلداً وخشي عليه من السوط أقيم
بأطراف الثياب والعثكول ويحتمل أن يؤخر للمرض المرجو زواله أما إذا كان الحد رجماً لم يؤخر لأنه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتماً وإذا كان جلداً فالمريض على ضربين (أحدهما) يرجى برؤه فقال أصحابنا يقام عليه الحد ولا يؤخر فان خشي عليه من السوط ضرب بسوط يؤمن معه التلف فان خيف من السوط أقيم بالعثكول وهذا قول أبي بكر وبه قال إسحاق وأبو ثور لأن عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان أجماعاً، ولأن الحد واجب على الفور فلا يؤخر ما أوجبه الله تعالى بغير حجة قال القاضي ظاهر قول الخرقي تأخيره لقوله من يجب عليه الحد وهو صحيح عاقل وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف فكان أولى، وأما حديث عمر في جلد قدامة فإنه يحتمل أنه كان مرضاً خفيفاً لا يمنع من إقامة الحد على الكمال ولهذا لم ينقل عنه أنه خفف عنه في السوط وإنما اختار له سوطاً وسطاً كالذي يضرب به الصحيح، ثم ان فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار علي وفعله وكذلك الحكم في تأخيره في الحر والبرد المفرط (الضرب الثاني) المريض الذي لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير
وشمراخ النخل فان خيف عليه من ذلك جمع ضغثاً فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة وبهذا قال الشافعي وأنكر مالك هذا وقال قد قال الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا جلدة واحدة ولنا ماروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا اشتكى
حتى ضني فدخلت عليه امرأة فهش لها فوقع بها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة، رواه أبو داود والنسائي وقال ابن المنذر في إسناده مقال، ولأنه لا يخلو من أن يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلاً أو يضرب ضرباً كاملاً: لا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة ولا أن يجلد جلداً تاماً لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلدة واحدة قلنا يجوز أن يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق أيوب (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل (فصل) واذا وجب الحد على حامل لم يقم عليها حتى تضع سواء كان الحمل من زنا أو غيره قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع، وروى بريدة أن امرأة من بني غامد قالت يا رسول الله طهرني قال (وماذاك) قالت انها حبلى من زنا قال (انت) قالت نعم فقال (لها ارجعي حتى تضعي ما في بطنك) قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قال قد وضعت الغامدية فقال (إذاً لا نرجمها وتدع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه) فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها رواه مسلم وأبو داود، وروي أن امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها وهي حامل فقال معاذ إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها فقال عجز النساء أن يلدن مثلك ولم يرجمها وعن علي مثله، ولان في اقامة الحد عليها في حال حملها إتلافاً لمعصوم ولا سبيل إليه وسواء كان الحد رجماً أو غيره لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب وربما سرى إلى نفس المضروب فيفوت الولد بفواته، فإذا وضعت الولد فإن كان الحد رجماً لم ترجم حتى تسقيه اللبأ لأن الولد لا يكاد يعيش إلا به، ثم إن كان له من يرضعه أو تكفل احد برضاعه رجمعت وإلا تركت حتى تفطمه لما ذكرنا من حديث الغامدية ولما روى أبو داود باسناده عن بريدة أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني فجرت فوالله إني لحبلى فقال لها (ارجعي حتى تلدي) فرجعت فلما ولدت أتت بالصبي فقال (ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه) فجاءت به قد فطمته وفي يده شئ يأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت وأمر بها فصلي عليها ودفنت.
وإن لم يظهر حملها لم تؤخر لاحتمال
أن تكون حملت من الزنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية والجهنية ولم يسأل عن استبرائهما وقال لأنيس (اذهب الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يأمره بسؤالها عن استبرائها، ورجم علي رضي
الله عنه شراحة ولم يستبرئها، وإن ادعت الحمل قبل قولها كما قبل قول الغامدية، فان كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس وكانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها الحد وإن كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف تلفها لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وذكر القاضي أنه ظاهر كلام الخرقي وقال أبو بكر يقام عليها الحد في الحال بسوط يؤمن معه التلف فان خيف عليها من السوط أقيم بالعثكول وأطراف الثياب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب المريض الذي زنى فقال (خذوا له مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة) ولنا ماروى علي رضي الله عنه أنه قال إن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فاذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن اقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أحسنت) رواه مسلم وأبو داود ولفظه قال فأتيته فقال يا علي (أفرغت؟) فقلت أتيتها ودمها يسيل فقال (دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد) وفي حديث أبي بكرة أن المرأة انطلقت فولدت غلاماً فجاءت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها (انطلقي فتطهري من الدم) رواه أبو داود ولأنه لو توالى عليه حدان فاستوفي أحدهما لم يستوف الثاني حتى يبرأ من الأول (مسألة) (واذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله ولا يجب على أحد ضمانه جلدا كان أو غيره) لأنه حد وجب لله عزوجل فلم يود من مات به كالقطع في السرقة وهذا قول مالك وأصحاب
الرأي وبه قال الشافعي إذا لم يزد في حد الخمر على الاربعين وإن زاد على الاربعين فمات فعليه الضمان لأن ذلك تعزير إنما يفعله الامام برأيه، وفي قدر الضمان قولان (احدهما) نصف الدية لأنه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان (والثاني) تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين روي عن علي رضي الله عنه انه قال ما كنت لاقيم حداً على أحد فيموت فأجد في نفسي الا صاحب الخمر لو مات وديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولنا أنه حد وجب لله تعالى فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود وما زاد على الاربعين فهو من الحد على ما نذكره، وإن كان تعزيرا فالتعزير يجب فهو بمنزلة الحد، وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالاجماع فلم يبق فيه شبهة (فصل) ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في سائر الحدود أنه إذا أتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها لأنه فعلها بأمر الله وأمر رسوله فلا يؤاخذ به ولأنه نائب عن الله تعالى فكان التلف منسوبا الى الله سبحانه (مسألة) (وإن زاد على الحد سوطاً أو أكثر فتلف ضمنه وهل يضمن جميع الدية أو نصفها؟ على وجهين) إذا زاد على الحد فتلف المحدود وجب الضمان بغير خلاف نعلمه لأنه تلف بعدوانه فأشبه ما لو ضربه في غير الحد، قال أبو بكر وفي قدر الضمان وجهان (أحدهما) كمال الدية لأنه قتل حصل من جهة الله تعالى وعدوان الضارب فكان الضمان على العادي كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به ولأنه
تلف بعدوان وغيره أشبه مالو ألقى على سفينة موقرة حجراً فغرقها (والثاني) عليه نصف الضمان لأنه تلف بفعل مضمون وغير مضمون فوجب نصف الدية حسب كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر يجب من الدية بقدر ما تعدى به تقسط الدية على الأسواط كلها وسواء زاد خطأ أو عمداً لأن الضمان يجب في الخطأ والعمد، ثم ينظر فإن كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير أمر فالضمان على عاقلته لأن العدوان منه وكذلك إن قال له الامام اضرب ما شئت، وإن كان له من يعد عليه فزاد في العدد ولم يجبره فالضمان على من يعد سواء تعمد ذلك أو أخطأ في العدد لأن الخطأ منه، وإن أمره الامام بالزيادة على الحد فزاد فقال القاضي الضمان على الإمام، وقياس المذهب أنه إن اعتقد وجوب طاعة الامام وجهل تحريم الزيادة فالضمان على الامام وإن كان عالماً بذلك فالضمان عليه كما لو أمره الإمام بقتل رجل ظلماً فقتله، وكل موضع قلنا يضمن الامام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال؟ فيه روايتان (إحداهما) هو في بيت المال لأن خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته أجحف بهم قال القاضي هذا أصح (والثاني) هو على عاقلته لانها وجبت بخطائه فكانت على عاقلته كما لو رمى صيداً فقتل آدميا، ويحتمل أن تكون الروايتان فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ أما إذا تعمدها فهذا ظلم قصده فلا وجه لتعلق ضمان ببيت المال بحال كما لو تعمد جلد من لاحد عليه، وأما الكفارة التي تلزم الإمام فلا يحملها عنه غيره لأنها عبادة فلا
تتعلق بغير من وجد منه سببها ولأنها كفارة لفعله فلا تحصل إلا بتحمله إياها ولهذا لا يدخلها التحمل بحال (مسألة) (وإذا كان الحد رجماً لم يحفر له رجلا كان أو امرأة في أحد الوجهين) سواء ثبت ببينة أو إقرار أما إذا كان الزاني رجلا لم يوثق بشئ ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز قال أبو سعيد لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع فو الله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا رواه أبو داود ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه فوجب أن لا يثبت (مسألة) (واما المرأة فإن كان ثبت باقرارها لم يحفر لها وإن ثبت ببينة حفر لها الى الصدر) ظاهر كلام أحمد أن المرأة لا يحفر لها أيضاً وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف وذكر في المجرد أنه إن ثبت الحد باقرارها لم يحفر لها وإن ثبت بالبينة حفر لها الى الصدر قال أبو الخطاب وهذا أصح عندي وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكرة وبريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها الى الثندوة رواه أبو داود ولا حاجة الى تمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالاقرار فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه لأن رجوعها عن إقرارها مقبول
ولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لليهوديين والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ولا يقولون به فان التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها باقرارها ولا خلاف بيننا فيها فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم إياه، إذا ثبت هذا فان ثياب المرأة تشد عليها لئلا تنكشف وقد روى أبو داود باسناده عن عمران بن حصين قال فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ولأن ذلك استر لها (مسألة) (ويستحب أن يبدأ الشهود بالرجم وإن ثبت بالاقرار استحب أن يبدأ الامام) السنة أن يدور الناس حول المرجوم فان كان الزنا ثبت ببينة استحب أن يبدأ الشهود بالرجم وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم إن كان ثبت عنده ثم يرجم الناس بعده وقد روى سعيد باسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس ولأن فعل ذلك ابعد لهم من التهمة في الكذب عليه (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن إقراره قبل منه، وإن رجع في اثناء الحد لم يتمم) وجملة ذلك أن من شرط إقامة الحد بالاقرار البقاء عليه إلى تمام الحد فان رجع عن إقراره كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والثوري واسحاق وابو حنيفة وأبو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى يقام عليه الحد لا يترك لأن ماعزا هرب
فقتلوه، وروي أنه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه أبو داود ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته ولأنه حق وجب باقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وحكي عن الأوزاعي أنه إن رجع حد للفرية على نفسه، وإن رجع عن السرقة أو الشرب ضرب دون الحد.
ولنا أن ماعزا هرب فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (هل لا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) قال لما بن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزا هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه وعن بريدة قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلقهما وإنما رجمهما عند الرابعة رواه أبو داود
ولأن رجوعه شبهة والحد يدرأ بالشبهات ولأن الإقرار أحد بينتي الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد وفارق سائر الحقوق فانها لا تدرأ بالشبهات وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هريه لأنه ليس بصريح في الرجوع (مسألة) (وإن رجم ببينة فهرب لم يترك وإن كان باقرار ترك)
إذا ثبت الحد عليه باقراره فهرب لم يتبع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلا تركتموه؟) وإن لم يترك وقتل لم يضمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن ماعزا من قتله ولأن هربه ليس بصريح في رجوعه فإن قال ردوني إلى الحاكم وجب رده ولم يجز إتمام الحد فان أتم فلا ضمان على من أتمه لما ذكرنا في هربه وإن رجع عن إقراره وقال كذبت في إقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه فان قتله قاتل بعد ذلك فعليه ضمانه لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه فصار كمن لم يقر ولا قصاص على قاتله لأن العلماء اختلفوا في صحة رجوعه فكان اختلافهم شبهة درئ به القصاص ولأن صحة الرجوع ما يخفى فيكون ذلك عذرا مانعاً من وجوب القصاص فأما إن رجم ببينة فهرب لم يترك لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه فلم يؤثر فيه هربه كسائر الأحكام والله أعلم (فصل) وإذا اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها إذا اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن تكون خالصة لله تعالى فهي نوعان (أحدها) أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب ويقتل في المحاربة فهذا يقتل ويسقط سائرها وهذا قول ابن مسعود وعطاء والشعبي والنخعي والاوزاعي ومالك وحماد وأبي حنيفة وقال الشافعي تستوفى جميعها لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كقطع اليد قصاصاً ولنا قول ابن مسعود قال سعيد ثنا حسان بن منصور ثنا مجالد عن عامر عن مسروق عن
عبد الله قال: إذا اجتمع حدان أحدها القتل أحاط القتل بذلك، وقال إبراهيم يكفيه القتل وثنا هشيم انا حجاج عن ابراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشرت في عهد الصحابة والتابعين ولم يظهر لها مخالف فكان إجماعاً ولأنها حدود لله فيها قتل فسقط ما دونه
كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فانه يكتفى بقتله ولأن هذه الحدود تراد لمجرد الزجر ومع القتل لا حاجة إلى زجره لأنه لا فائدة فلا يشرع فيه ويفارق القصاص فان فيه غرض التشفي والانتقام ولا يقصد فيه مجرد الزجر إذا ثبت هذا فانه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة أو القتل للردة أو لترك الصلاة فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم لأن في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص، وإنما أثرت المحاربة تحتمه وحق الآدمي يجب تقديمه (النوع الثاني) أن لا يكون فيها قتل فان كانت من جنس مثل أن زنى أو سرق أو شرب مراراً قبل إقامة الحد عليه أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه.
قال إبن المنذر.
أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وأحمد واسحاق وأبو يوسف وأبو ثور وهو مذهب الشافعي فان أقيم عليه الحد ثم حدثت منه جناية أخرى ففيها حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة تزني قبل أن تحيض فقال (اجلدوها إن زنت ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها) ولأن تداخل الحدود إنما يكون مع اجتماعها والحد الثاني وجب بعد سقوط الحد الأول باستيفائه، وان كانت من أجناس استوفيت كلها من غير خلاف
ويبدأ وبالاخف فالأخف فاذا شرب وزنى وسرق حد للشرب أولا تم حد للزنا ثم قطع للسرقة وان أخذ المال في المحاربة قطع لذلك ويدخل فيه القطع للسرقة لأن محل القطعين واحد فتداخلا كالقتلين، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتخير بين البداءة بحد الزنا وقطع السرقة لأن كل واحد منهما ثبت بنص القرآن ثم بحد الشرب ولنا أن حد الشرب أخف فيقدم كحد القذف ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه فإنه منصوص عليه في السنة ومجمع على وجوبه وهذا التقدير على سبيل الاستحباب ولو بدأ بغيره جاز ووقع الموقع ولا يوالي بين هذه الحدود لأنه ربما أفضى الى تلفه بل متى برأ من حد أقيم عليه الذي يليه (مسألة) (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن) ويبدأ بغير القتل وهي القصاص وحد القذف فهذه تستوفى كلها ويبدأ بأخفها فيحد للقذف ثم يقطع ثم يقتل لأنها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم وهذا قول الأوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة يدخل ما دون القتل فيه لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك رواه سعيد في سننه وقياساً على الحدود الخالصة لله تعالى ولنا أن ما دون القتل حق لآدمي فلم يسقط به كديونهم وفارق حق الله تعالى فإنه مبني على المسامحة (مسألة) (فان اجتمعت مع حدود الله بدئ بها)
إذا اجتمعت حدود الله تعالى وحدود الآدميين فهذه ثلاثة أنواع (أحدها) أن لا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وعن مالك إن حد الشرب والقذف يتداحلان لاستوائهما فهما كالقتلين والقطعين ولنا أنهما حدان من جنسين لا يفوت بهما المحل فلم يتداخلا كحد الزنا والشرب ولا نسلم استواءهما فان حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون وإن سلم استواءهما لم يلزم تداخلهما لأن ذلك لو اقتضى تداخلهما لوجب دخولهما في حد الزاني لأن الأقل مما يتداخل يدخل في الأكثر وفارق القتلين والقطعين فان المحل يفوت بالأول فيتعذر استيفاء الثاني فهذا بخلافه فعلى هذا يبدأ بحد القذف لأنه اجتمع فيه معنيان خفته وكونه حقا لآدمي صحيح إلا إذا قلنا حد الشرب أربعون فانه يبدأ به لخفته ثم بحد القذف وأيهما قدم فالآخر يليه ثم بحد الزنا لأنه لا إتلاف فيه ثم بالقطع هكذا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يبدأ بالقطع قصاصا لأنه حق آدمي يتمحض فإذا بر أحد للقذف إذا قلنا هو حق آدمي ثم بحد الشرب فاذا برأ حد للزنا لأن حق الآدمي يجب تقديمه لتأكده (النوع الثاني) ان تجتمع حدود الله تعالى وحدود لآدمي وفيها قتل فان حدود الله تعالى تدخل في القتل سواء كان من حدود الله تعالى كالرجم في الزنا والقتل في المحاربة أو الردة أو لحق آدمي كالقصاص لما قدمنا.
وأما حقوق الآدمي فتستوفى كلها ثم إن كان القتل حقاً لله تعالى استوفيت
الحقوق كلها متوالية لانه لابد من فوات نفسه فلا فائدة في التأخير وإن كان القتل حقا لآدمي انتظر باستيفاء الثاني برؤه من الاول لوجهين (أحدهما) أن الموالاة بينهما يحتمل أن تفوت نفسه قبل القصاص فيفوت حق الآدمي (والثاني) أن العفو جائز فتأخيره يحتمل أن يعفو الولي فيحيى بخلاف القتل حقا لله سبحانه (النوع الثالث) أن يتفق الحقان في محل واحد كالقتل والقطع قصاصاً وحداً فأما القتل فان كان فيه ما هو خالص لحق الله تعالى كالرجم في الزنا وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي وإن اجتمع القتل في المحاربة والقصاص بدئ بأسبقهما لأن القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضاً فقدم أسبقهما فإن سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني وإن سبق القصاص قتل قصاصاً ولم يصلب لأن الصلب من تمام الحد وقد سقط الحد بالقصاص فسقط الصلب كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته لأن القتل تعذر استيفاؤه وهو قصاص فصار الوجوب الى الدية وهكذا لو مات القاتل في المحاربة وجبت الدية في تركته لتعذر استيفاء القتل من القاتل ولو كان القصاص سابقا فعفى ولي المقتول استوفي القتل للمحاربة سواء عفى مطلقاً أو إلى الدية وهذا مذهب الشافعي وأما القطع فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل قصاصاً
وحداً قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى لما ذكرناه وسواء تقدم سببه أو تأخر، وإن عفا ولي الجناية استوفى الحد فاذا قطع يداً وأخذ المال في المحاربة قطعت يده قصاصاً وينتظر برؤه فاذا برأ قطعت رجله للمحاربة لأنهما حدان وإنما قدم القصاص في القطع دون القتل لأن القطع في المحاربة حد محض وليس بقصاص والقتل فيهما يتضمن القصاص ولهذا لو فات القتل في المحاربة وجبت الدية ولو فات القطع لم يجب له بدل، وإذا ثبت أنه تقدم القصاص على القطع في المحاربة فقطع اليد قصاصاً فان رجله تقطع وهل تقطع يده الأخرى؟ نظرنا فإن كان المقطوع بالقصاص قد كان مستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية الموجبة للقصاص فيه لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق قطعهما لأن محل القطع ذهب بعارض حادث فلم يجب قطع بدله كما لو ذهب بعدوان أو مرض، وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعاً سقط القطع عنه بالكلية، وإن كان سبب القطع قصاصاً سابقاً على محاربته أو كان المقطوع غير العضو الذي وجب قطعه في المحاربة مثل ان وجب عليه القصاص في يساره بعد وجوب قطع يمناه في المحاربة فهل تقطع اليد الأخرى للمحاربة؟ على وجهين بناء على الروايتين في قطع يسرى السارق بعد قطع يمينه إن قلنا تقطع ثم قطعت ههنا وإلا فلا، وإن سرق وأخذ المال في المحاربة قطعت يده اليمنى لأسبقهما فإن كانت المحاربة سابقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا
وهل تقطع يسرى يديه للسرقة؟ على الروايتين فإن قلنا تقطع انتظر برؤه من القطع للمحاربة لأنهما حدان وإن كانت السرقة سابقة قطعت يمناه للسرقة ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة على وجهين (فصل) وان سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال قتل حتماً ولم يصلب ولم تقطع يده لأنهما حدان فيهما قتل فدخل ما دون القتل فيه ولم يصلب لأن الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل ولم يوجد وهذان حدان كل واحد منهما منفصل عن صاحبه فاذا اجتمعا تداخلا، وإن قتل في المحاربة جماعة قتل بالأول حتما وللباقين ديات أوليائهم لأن قتله استحق بقتل الأول وتحتم بحيث لا يسقط فتعينت حقوق الباقين في الدية كما لو مات (فصل) ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ اليه لم يستوف منه فيه ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه الحد وجملة ذلك أن من قتل خارج الحرم ثم لجأ اليه لم يستوف منه فيه، هذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه، وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن أحمد فيه روايتان (إحداهما) لا يستوفى من الملتجئ الى الحرم فيه (والثانية) يستوفى وهذا مذهب أبي حنيفة لأن المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل بقوله
عليه السلام (فلا يسفك فيها دم) وحرمة النفس أعظم فلا يقاس عليها غيرها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده: والأولى ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي، قال أبو بكر هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، وقال مالك والشافعي وابن المنذر يستوفى منه لعموم الامر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ان الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارا بجزية ولا دم) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة حديث صحيح ولأنه حيوان ابيح قتله لعصيانه فأشبه الكلب العقور ولنا قول الله تعالى (ومن دخله كان آمنا) يعني الحرم بدليل قوله تعالى (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) والخبر أريد به الأمر لأنه لو أريد الخبر لأفضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وانما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت الى حرمتها فلا يسفك فيه دم) متفق عليهما، والحجة فيه من وجهين (أحدهما) أنه حرم سفك الدم بها على الاطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيداً (والثاني) قوله (انما حلت لي ساعة من نهار) ثم عادت حرمتها ومعلوم أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم أحلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنه قياس غيره عليه والاقتداء به بقوله (فان أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم) وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل فانه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الاشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع، وأما جلد الزاني وقطع السارق والأمر بالقصاص فإنما هو مطلق في الأمكنة والأزمنة فإنه يتناول مكاناً غير معين ضرورة أنه لابد من مكان فيمكن إقامته في مكان غير الحرم ثم لو كان عاماً فإنما رويناه خاصاً يختص به مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فتأخر الحد عنه وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضاً بما ذكرناه، والقياس على الكلب العقور لا يصح فإن ذلك طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من
المأكولات فان الحرم يعصمها.
إذا ثبت هذا فانه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له اتق الله واخرج إلى الحل يستوفى منك الحق الذي قبلك فاذا خرج استوفي حق الله منه وهذا قول جميع من ذكرناه، وإنما كان كذلك لأنه لو أطعم أو أووي لتمكن من الاقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به، قال ابن عباس رحمه الله من أصاب حداً فلجأ إلى الحرم فإنه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه الذي يطلبه فيقول أي فلان اتق الله فاذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد، رواه الأثرم، فان قتل من له عليه قصاص في الحرم أو أقام حد الجلد أو قتل أو قطع طرفا أساء ولا شئ عليه لأنه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه مالو اقتص في حر شديد أو برد مفرط.
(مسألة) (فان فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه) وجملة ذلك أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حداً أو قصاصاً فانه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عباس أنه قال من أحدث حدثاً في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شئ وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم، ولأن
أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظاً لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت
هذه المصالح التي لابد منها ولا يجوز الإخلال بها، ولأن الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا تنتهض الحرمة لتحريم دمه وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجئ إليها لجناية صدرت منه في غيرها.
(فصل) فأما حرم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص، لأن النص إنما ورد في حرم الله تعالى، وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد، لأن أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الأمكنة والأزمنة خرج منها الحرم لمعنى لا يلفى في غيره لأنه محل الانساك وقبلة المسلمين وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس ومقام ابراهيم وآيات بينات فلا يلحق به سواه ولا يقاس عليه لأنه ليس في معناه والله سبحانه أعلم.
(مسألة) (وان أتى حدا في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه) وجملة ذلك أن من أتى حداً من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى
يقفل فيقام عليه حده وبهذا قال الأوزاعي واسحاق وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يقام الحد في كل موضع، لأن أمر الله تعالى باقامته مطلق في كل مكان وزمان إلا أن الشافعي قال إذا لم يكن أمير الجيش الإمام أو أمير اقليم ليس له إقامته يؤخر حتى يأتي الامام لأن إقامة الحدود إليه وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شغل عنه أخر وقال أبو حنيفة لاحد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع ولنا على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله به وعلى تأخيره ماروى بسر بن أبي أرطأة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق جنيبة فقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تقطع الأيدي في الغزاة) قطعتك أخرجه أبو داود وغيره، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فروى سعيد بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلاً من المسلمين حداً وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار
وعن أبي الدرداء، مثل ذلك وعن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا والوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة اتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ وأني سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال أبو محجن.
كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً علي وثاقيا وقال لابنة حفصة امرأة سعد أطلقيني ولك الله على إن سلمني الله أن ارجع حتى أضع رجلي في القيد وإن قتلت استرحتم مني، قال فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال وصعدوا به فوق العذيب ينظر الى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم أخذ رمحاً فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول الصبر صبر البلقاء والطعن طعن
أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد فأخبرت ابنة حصفة سعداً بما كان من أمره فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم فخلى سبيله، فقال أبو محجن قد كنت أشربها إذ تقام علي الحد وأطهر منها فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها ابداً.
وهذا اتفاق لم يظهر خلافه فأما إذا رجع فإنه يقام عليه الحد لعموم الآيات والأخبار وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فاذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب قافلا (فصل) وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه لأنها من بلاد الاسلام والحاجة داعية إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم، وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يجلد من شرب الخمر ثمانين وهو بالشام وهو من الثغور.
باب حد الزنا الزنا حرام وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى (ولا تقربو الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال تعالى (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وعن عبد الله بن مسعود
قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب؟ أعظم قال (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) قال قلت ثم أي قال (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قال قلت ثم أي قال (أن تزاني حليلة جارك) متفق عليه وكان حد الزاني في صدر الاسلام الحبس في البيت والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر لقوله سبحانه (واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) قال بعض أهل العلم المراد بقوله من نسائكم الثيب لأن قوله من نسائكم إضافة الى زوجية كقوله (للذين يؤلون من نسائهم) ولا فائدة في اضافته ههنا نعلمها إلا إعتبار الثيوبة ولأنه قد ذكر عقوبتين (إحداهما) أغلظ من الأخرى فكانت الأغلظ للثيب والأخرى للبكر كالرجم والجلد ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه مسلم فإن قيل فكيف ينسخ القرآن بالسنة؟ قلنا قد ذهب أصحابنا إلى جوازه لأن الكل من عند الله وإن اختلفت طريقه ومن منع ذلك قال ليس هذا نسخاً إنما هو تفسير للقرآن وتبيين له لأن النسخ رفع حكم ظاهره الاطلاق
فأما ما كان مشروطاً بشرط وزال الشرط لا يكون نسخاً وههنا شرط الله سبحانه حبسهن إلى أن يجعل الله لهن سبيلا فبينت السنة السبيل فكان بيانا لا نسخا ويمكن أن يقال ان نسخه حصل بالقرآن فان الجلد كان في كتاب الله تعالى والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه (مسألة) (إذا زنى الحر المحصن فحده الرجم حتى يموت وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة (أحدها) في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو امرأة هذا قول عامة أعمل العلم من الصحابة والتابعين من بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار ولا نعلم احدا خالف فيه إلا الخوارج فانهم قالوا الجلد للبكر والثيب لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وقال لا يجوز ترك كتاب الله تعالى الثابت بالقطع واليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز ولنا أنه قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نذكره في أثناء الباب في موضعه إن شاء الله تعالى قد أنزله الله تعالى في كتابه وإنما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى فالرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال
والنساء إذا قامت به البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها فان الزاني يجب جلده فان كان ثيباً رجم مع الجلد والآية لم تتعرض إلى كيفية والى هذا أشار علي رضي الله عنه حين جلد ثم رجمها جلدتها بكتاب الله ثم رجمتها بسنة رسول الله ثم لو قلنا ان الثيب لا تجلد لكان هذا شراحة تخصيصاً للآية العامة وهذا سائغ بغير خلاف فإن عمومات القرآن في الاثبات كلها مخصصة وقولهم ان هذ نسخ ليس بصحيح وإنما هو تخصيص ثم لو كان نسخاً لكان نسخاً بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه وقد روينا أن رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم وقالوا ليس في كتاب الله إلا الجلد وقالوا الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة والصلاة أوكد فقال لهم عمر وأنتم لا تأخذون إلا بما في كتاب الله؟ قالوا نعم قال فأخبروني عن عدد
الصلوات المفروضات وعدد ركعاتها وأركنها وواجباتها أين تجدونه في كتاب الله؟ وأخبروني عما تجب الزكاة فيه ونصبها ومقاديرها؟ قالوا أنظرنا فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئاً مما سألهم عنه في القرآن فقالوا لم نجده في القرآن قال فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وفعله المسلمون بعده فقال لهم فكذلك الرجم وقضاء الصوم فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه.
إذا ثبت هذا فمعنى
الرجم أن يرمى بالحجارة وغيرها حتى يموت بذلك قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت ولأن اطلاق الرجم يقتضي القتل به لقوله تعالى (لتكونن من المرجومين) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين للذين زنيا وماعزا والغامدية حتى ماتوا (الفصل الثاني) أنه يجلد ثم يرجم في إحدى الروايتين فعل ذلك علي رضي الله عنه وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر رضي الله عنهم واختاره وذكر ذلك أبو بكر عبد العزيز عنهم وبه قال الحسن وداود وابن المنذر (والرواية الثانية) يرجم ولا يجلد روي عن عمر وعثمان انهما رجما ولم يجلدا وروي عن ابن مسعود أنه قال إذا اجتمع حدان لله فيهما القتل أحاط القتل بذلك وبهذا قال النخعي والزهري والاوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي واختاره الجوزجاني والاثرم ونصراه في سننهما لأن جابراً روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال (واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) متفق عليه ولم يأمره بجلدها وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب تقديمه، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة أنه اول حديث نزل وأن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده وعمر رجم ولم يجلد ونقل عنه اسماعيل بن سعيد نحو هذا ولأنه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد كالردة ولأن الحدود إذا اجتمعت
وفيها قتل سقط ما سواه فالحد الواحد أولى ووجه الرواية الأولى قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر فوجب الجمع بينهما وإلى هذا أشار علي بقوله جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث عبادة (والثيب بالثيب الجلد والرجم) وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله والأحاديث الباقية ليست صريحة فإنه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح بدليل أن التغريب يجب بذكره في هذا الحديث وليس بمذكور في الآية ولأنه زان فيجلد كالبكر ولأنه قد شرع في حق البكر عقوبتان الجلد والتغريب فيكون الجلد في مكان التغريب فعلى هذه الرواية يبدأ بالجلد أولا ثم يرجم فإن والى بينهما جاز لأن إتلافه مقصود فلا تضر الموالاة بينهما وإن جلده يوماً ثم رجمه في آخر جاز كما فعل علي رضي الله عنه جلد شراحة يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة (الفصل الثالث) إن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم وفي حديث عمران (الرجم حق على من زنى وقد احصن) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث) ذكر منها (أو زنا بعد إحصان) (مسألة) (والمحصن من وطئ امرأته في قبلها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران فان اختل شرط منها فلا إحصان لواحد منهما) يشترط للاحصان شروط سبعة (احدها) الوطئ في القبل ولا خلاف في اشتراطه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (والثيب بالثيب الجلد والرجم) والثيابة تحصل بالوطئ في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في أن النكاح
الخالي عن الوطئ لا يحصل به إحصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطئ فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شئ من ذلك لأن هذا لا تصير به المرأة ثيباً ولا تخرج به عن حد الابكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر ولابد أن يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لأن ذلك الوطء الذي تتعلق به أحكامه (الثاني) أن يكون في نكاح لأن النكاح يسمى إحصاناً بدليل قوله تعالى (والمحصنات من النساء) يعني المتزوجات ولا خلاف بين أهل العلم في ان وطئ الزنا ووطئ الشبهة لا يصير به الواطئ محصناً ولا نعلم خلافاً في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه.
(الثالث) أن يكون النكاح صحيحاً وهو قول أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور يحصل الاحصان بالوطئ في نكاح فاسد، وحكي ذلك عن الليث والاوزاعي لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الاحكام من وجوب المهر والعدة وتحريم الربيبة وأم المرأة ولحاق الولد فكذلك الإحصان ولنا أنه وطئ في غير ملك فلم يحصل به الإحصان كوطئ الشبهة ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الأحكام وإنما ثبت بالوطئ فيه وهذه ثبتت في كل وطئ وليست مختصة النكاح إلا أن النكاح ههنا صار شبهة فصار الوطئ فيه كوطئ الشبهة سواء