قلنا لا يصح عتقه فلا أثر لإقرارهم، وإن قلنا بصحته فهو كإقرارهم بعتقه قبل فلسه فان حكم الحاكم بصحته أو بفساده نفذ حكمه لأنه فصل مجتهد فيه فلزم ما حكم به الحاكم ولا يجوز نقضه ولا تغييره (فصل) فإن صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير وكذبه الغرماء لم يقبل إقراره لأن حقوقهم تعلقت بالثمرة ظاهراً فلم يقبل إقراره كما لو أقر بالنخيل وعلى الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون أن البائع رجع قبل التأبير لأن هذه اليمين لا ينوبون فيها عن المفلس بل هي ثابتة في حقهم ابتداء بخلاف مالو ادعى حقاً وأقام شاهداً فلم يحلف لم يكن للغرماء أن يحلفوا مع الشاهد لأن اليمين على المفلس فلو حلفوا حلفوا ليثبتوا حقاً لغيرهم ولا يحلف الإنسان ليثبت لغيره حقاً ولا يجوز أن يكون نائباً فيها لأن الإيمان لا تدخلها النيابة وفي مسئلتنا الأصل أن هذا الطلع قد تعلقت حقوقهم به لكونه في يد غريمهم ومتصل بنخله، والبائع يدعي ما يزيل حقوقهم عنه فأشبه سائر أعيان ماله ويحلفون على نفي العلم لأنه يمين على فعل غيرهم فكانت على نفي العلم كيمين الوارث على نفي الدين على الميت، ولو أقر المفلس بعين من أعيان ماله لأجنبي أو لبعض الغرماء فأنكر الباقون فالقول قولهم وعليهم اليمين أنهم لا يعلمون ذلك ومثله لو أقر بغريم آخر يستحق مشاركتهم فأنكروه حلفوا أيضاً على نفي العلم لذلك وإن أقر بعتق عبده انبنى على صحة عتق المفلس فإن قلنا بصحة عتقه صح إقراره وعتق لأن من ملك شيئاً ملك الإقرار به وإن قلنا لا يصح عتقه لم يقبل إقراره وعلى الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون ذلك، وكل موضع قلنا على الغرماء اليمين فهي على جميعهم فإن حلفوا وإلا قضي للمدعي إلا أن نقول برد اليمين على المدعى فيحلف ويستحق، وإن حلف بعضهم دون بعض أخذ الحالف نصيبه وحكم الناكل على ما ذكرنا (فصل) وإن أقر المفلس أنه أعتق عبده منذ سنة وكان العبد قد اكتسب بعد ذلك مالاً وأنكر
الغرماء فإن قلنا لا يقبل إقراره حلفوا واستحقوا العبد وكسبه، فإن قلنا يقبل إقراره لم يقبل في كسبه كان للغرماء أن يحلفوا أنهم لا يعلمون أنه أعتقه قبل الكسب ويأخذون كسبه لأن إقراره إنما قبل في العتق دون غيره لصحته منه لكونه ينبني على التغليب والسراية فلا يقبل في المال لعدم ذلك فيه ولا ننا نزلنا إقراره منزلة اعتاقه في الحال فلم نثبت به الحرية فيما مضى فيكون كسبه محكوماً به لسيده كما لو اقر بعتقه ثم أقر له بعين في يده ﴿مسألة﴾ (وإن غرس الأرض أو بنى فيها فله الرجوع ودفع قيمة الغراس والبناء فيملكه إلا أن يختار المفلس والغرماء القلع ومشاركته بالنقص) إذا كان المبيع أرضاً فبناها المشتري أو غرسها ثم أفلس فأراد البائع الرجوع في الأرض نظرت فإن اتفق المفلس والغرماء على قلع الغراس والبناء فلهم ذلك لأن الحق لهم لا يخرج عنهم فإذا قلعوه فللبائع الرجوع في أرضه لأنه وجد عين ماله، فإن أراد الرجوع قبل القلع فله ذلك وهو مذهب الشافعي لأنه أدرك متاعه بعينه وفيه مال المشتري على وجه البيع فلم يمنعه الرجوع كما لو صبغ الثوب ويحتمل أن لا يستحقه إلا بعد القلع لأنه قبل القلع لم يدرك متاعه إلا مشغولا بملك المشتري فأشبه مالو كان مسامير في باب المشتري، فإن قلنا له الرجوع قبل القلع فقلعوه لزمهم تسوية الأرض وأرش نقص الأرض الحاصل به لأن ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس فكان عليه كما لو دخل فصيل دار انسان فكبر فأراد صاحبه إخراجه فلم يمكن إلا بهدم بابها فإن الباب يهدم ليخرج ويضمن صاحبه ما نقص بخلاف ما إذا وجد البائع عين ماله ناقصة فرجع فيها فإنه لا يرجع في النقص فإن النقص كان
في ملك المفلس وههنا حدث بعد رجوعه في العين فلهذا ضمنوه، ويضرب بالنقص مع الغرماء، وإن قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم يلزمهم تسوية الحفر ولا أرش القص لأنهم فعلوا ذلك في أرض المفلس قبل رجوع البائع فيها فلم يضمنوا النقص كما لو قلعه المفلس قبل فلسه فإن امتنع المفلس والغرماء من القلع لم يجبروا عليه لأنه غرس بحق، ومفهوم قوله عليه السلام " ليس لعرق ظالم حق " أنه إن لم يكن ظالماً فله حق فإن بذل البائع قيمة الغراس والبناء ليملكه أو قال أنا أقلع وأضمن النقص فله ذلك إن قلنا له الرجوع قبل القلع لأن البناء والغراس حصل في ملكه لغيره بحق فكان له أخذه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه كالشفيع إذا أخذ الأرض وفيها غراس أو بناء للمشتري والمعير إذا رجع في أرضه بعد غرس المستعير، وإن قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم يكن له ذلك لأنه بناء المفلس وغرسه فلم يجبر على بيعه لهذا البائع ولا على قلعه كما لو لم يرجع في الارض ﴿مسألة﴾ (فإن أبوا القلع وأبى دفع القيمة سقط الرجوع) وهذا قول ابن حامد وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وقال القاضي يحتمل إن له الرجوع وهو قول للشافعي لأنه أدرك متاعه بعينه متصلا بملك المشتري على وجه التبع فلم يمنع الرجوع كالثوب إذا صبغه المشتري
ولنا أنه لم يدرك متاعه على وجه يمكنه أخذه منفرداً عن غيره فلم يكن له أخذه كالحجر في البناء والمسامير في الباب ولأن في ذلك ضرراً على المشتري والغرماء، ولا يزال الضرر بالضرر ولأنه لا يحصل بالرجوع ههنا انقطاع النزاع والخصومة بخلاف ما إذا وجدها غير مشغولة بشئ، وأما الثوب إذا صبغه فلا نسلم إن له الرجوع، وإن سلمنا فالفرق بينهما من وجهين (أحدهما) أن الصبغ تفرق في الثوب فصار كالصفة بخلاف البناء والغراس فإنهما أعيان متميزة وأصل في نفسه (الثاني) أن الثوب لايراد للبقاء بخلاف الأرض والبناء فإذا قلنا لا يرجع فلا كلام، وإن قلنا يرجع فرجع واتفق الجميع على بيعهما بيعاً لهما كذا ههنا، ويحتمل أن لا يجبر لأنه يمكن طالب البيع أن يبيع ملكه منفرداً بخلاف الثوب المصوغ فإن بيعا لهما قسم الثمن على قدر القيمتين فتقوم الارض لاشجر فيها ولا بناء ثم تقوم وهما فيها فما كان قيمة الأرض بغير غراس ولا بناء فللبائع قسطه من الثمن والزائد للمفلس والغرماء، وإن قلنا لا يجبر على البيع أو لم يطلب أحدهما البيع فإن اتفقا على كيفية كونهما بينهما جاز ما اتفقا عليه، وإن اختلفا كانت الأرض للبائع والغراس والبناء للمفلس والغرماء ولهم دخول الأرض لسقي الشجر وأخذ الثمرة وليس لهم دخولها للتفرج أو لغير حاجة، وللبائع دخولها للزرع ولما شاء لأن الأرض ملكه، فإن باعوا الشجر والبناء لإنسان فحكمه في ذلك حكمهم، فإن بذل المفلس والغرماء أو المشتري
للبائع قيمة الأرض ليدعها لهم لم يلزمه ذلك لأن الأرض أصل فلا يجبر على بيعها بخلاف الغراس والبناء (فصل) فإن اشترى غراساً فغرسه في أرضه ثم أفلس ولم يزد الغراس فله الرجوع فيه لأنه أدرك متاعه بعينه، فإذا أخذه فعليه تسوية الأرض وأرش نقصها الحاصل بقلعه لأنه نقص حصل لتخليص ملكه من ملك غيره، وإن بذل المفلس والغرماء قيمته له ليملكوه لم يجبر على قبولها لأنه إذا اختار أخذ ماله وتفريغ ملكهم وإزالة ضرره عنهم لم يكن لهم منعه كالمشتري إذا غرس في الأرض المشفوعة وإن امتنع من القلع فبذلوا له القيمة ليملكه المفلس أو أرادوا قلعه وضمان النقص فلهم ذلك، وكذلك لو أرادوا قلعه من غير ضمان النقص لأن المفلس إنما ابتاعه مقلوعاً فلم يجب عليه إبقاؤه في أرضه، وقيل ليس لهم قلعه من غير ضمان النقص لأنه غرس بحق فأشبه غرس المفلس في الأرض التي ابتاعها إذا رجع بائعها فيها، والفرق بينهما ظاهر فإن إبقاء الغراس في هذه الصورة حق عليه فلم يجب عليه بفعله، وفي التي قبلها إبقاؤه حق له فوجب له بغراسه في ملكه، فإن اختار بعضهم القلع وبعضهم التبقية قدم قول من طلب القلع سواء كان المفلس أو الغرماء أو بعض الغرماء لأن الإبقاء ضرر غير واجب فلم يلزم الممتنع من الإجابة إليه، وإن زاد الغراس في الأرض فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع إلا على رواية الميموني
(فصل) وإن اشترى أرضاً من رجل وغراسا من آخر فغرسه فيها ثم أفلس ولم يزد الشجر فلكل واحد منهما الرجوع في عين ماله، ولصاحب الأرض قلع الغراس من غير ضمان النقص بالقلع كما ذكرنا لأن البائع إنما باعه مقلوعاً فلا يستحقه إلا كذلك، وإن أراد بائعه قلعه من الأرض فقلعه فعليه تسوية الأرض وضمان نقصها الحاصل به لما تقدم، فإن بذل صاحب الغراس قيمة الأرض لصاحبها ليملكها لم يجبر على ذلك لأن الأرض أصل لا يجبر على بيعها تبعاً، وإن بذل صاحب الأرض قيمة الغراس لصاحبها ليملكه إذا امتنع من القلع فله ذلك لأن غرسه حصل في ملك غيره بحق فأشبه غرس المفلس في أرض البائع، ويحتمل أن لا يملك ذلك لأنه لا يجبر على ابقائه إذا امتنع مع دفع قيمته أو أرش نقصه فلا يكون له أن يتملكه بالقيمة بخلاف التي قبلها والأول أولى وهذا منتقض بغرس الغاصب (فصل) فإن كان المبيع صيداً فأفلس المشتري والبائع محرم لم يرجع فيه لأنه تملك للصيد فلم يجز في الإحرام كشرائه، وإن كان البائع حلالا في الحرم والصيد في الحل فأفلس المشتري فللبائع الرجوع فيه لأن الحرم إنما يحرم الصيد الذي فيه وهذا ليس من صيده فلا يحرمه، ولو أفلس المحرم وفي ملكه صيد بائعه حلال فله أخذه لأن المانع غير موجود فيه (فصل) إذا أفلس وفي يده عين دين بائعها مؤجل وقلنا لا يحل الدين بالفلس فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب يكون موقوفاً إلى أن يحل دينه فيختار البائع الفسخ أو الترك وهو قول بعض أصحاب الشافعي، والمنصوص عن الشافعي انه يباع في الديون الحالة ويتخرج لنا مثل ذلك لأنها حقوق حالة فقدمت على الدين المؤجل كدين من لم يجد عين ماله والقول الأول أولى للخبر، ولأن حق هذا البائع تعلق بالعين فقدم على غيره، وإن كان مؤجلاً كالمرتهن والمجني عليه
(فصل) قال أحمد في رجل ابتاع طعاما نسيئة ونظر إليه وقلبه وقال أقبضه غداً فمات البائع وعليه دين فالطعام للمشتري ويتبعه الغرماء بالثمن وإن كان رخيصاً، وكذلك قال الثوري واسحاق لأن الملك ثبت للمشتري فيه بالشراء وزال ملك البائع عنه فلم يشاركه غرماء البائع فيه كما لو قبضه (فصل) ورجوع البائع فسخ للبيع لا يحتاج إلى معرفة المبيع ولا القدرة على تسليمه، فلو رجع في المبيع الغائب بعد مضي مدة يتغير فيها ثم وجده على حاله لم يتلف شئ منه صح رجوعه، وإن رجع في العبد بعد إباقه أو الجمل بعد شروده صح وصار ذلك له فإن قدر عليه أخذه، وإن ذهب كان من ماله، وإن تبين أنه كان تالفاً حال استرجاعه بطل الاسترجاع وله أن يضرب مع الغرماء في الموجود من ماله، وإن رجع في المبيع واشتبه بغيره واختلفوا في عينه فالقول قول المفلس لأنه منكر لاستحقاق ما ادعاه البائع والأصل معه ﴿فصل﴾ قال رحمه الله تعالى (الحكم الثالث بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه وينبغي أن يحضره ويحضر الغرماء ويبيع كل شئ في سوقه) إذا حجر على المفلس باع الحاكم ماله لما ذكرنا من حديث معاذ، ولأنه مقصود الحجر ويستحب إحضار المفلس لمعان أربعة (أحدها) إحصاء ثمنه وضبطه (الثاني) أنه أعرف بثمن متاعه وجيده ورديئه فإذا حضر تكلم عليه وعرف الغبن من غيره (الثالث) أن الرغبة تكثر فيه فإن شراءه من صاحبه أحب إلى المشترين (الرابع) أنه أطيب لقلبه، ويستحب إحضار، الغرماء لأمور أربعة (أحدها) أن يباع لهم (الثاني) أنهم ربما رغبوا في شئ فزادوا في ثمنه فيكون أصلح لهم وللمفلس (الثالث)
أنه أطيب لقلوبهم وأبعد عن التهمة (الرابع) لعل فيهم من يجد عين ماله فيأخذها، فإن باعه من غير حضورهم كلهم جاز لأن ذلك مفوض إليه وموكول إلى اجتهاده فربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك والمبادرة إلى البيع قبل احضارهم ويأمرهم أن يقيموا منادياً ينادي على المتاع، فإن تراضوا بثقة أمضاه الحاكم وإن لم يكن ثقة رده، فإن قيل لم يرده وقد اتفق عليه أصحاب الحق فأشبه مالو اتفق المرتهن والراهن على أن يبيع الرهن غير ثقة لم يكن للحاكم الاعتراض؟ قلنا الحاكم ههنا له نظر واجتهاد لأنه قد يظهر غريم آخر فيتعلق حقه به بخلاف الرهن فإنه لا نظر للحاكم فيه، فإن اختار المفلس رجلاً واختار الغرماء آخر أقر الحاكم الثقة منهما فإن كانا ثقتين قدم المتطوع منهما لأنه أوفر، فإن كانا متطوعين ضم أحدهما إلى الآخر، وإن كانا بجعل قدم أو ثقهما وأعرفهما، فإن تساويا قدم من يرى منهما فإن وجد متطوعاً بالنداء وإلا دفعت الاحرة من مال المفلس لأن البيع حق عليه لكونه طريق وفاء دينه، وقيل يدفع من بيت المال لأنه من المصالح، وكذلك الحكم في أجر من يحفظ المتاع والثمن وأجر الحمالين ونحوهم، ويستحب بيع كل شئ في سوقه لأنه أحوط وأكثر لطلابه ومعرفة قيمته، فإن باع في غير سوقه بثمن المثل جاز لأن الغرض تحصيل الثمن وربما أدى الاجتهاد إلى انه أصلح، ولهذا لو قال بع ثوبي بثمن كذا في سوق عينه فباعه بذلك في غيره جاز ويبيع بنقد البلد لأنه اصلح، فان كان في البلد نقود باع بغالبها فإن تساوت باع بجنس الدين، فإن زاد في السلعة أحد في مدة الخيار لزم الأمين الفسخ لأنه أمكنه بيعه بثمن فلم يبيعه بدونه كما لو زيد فيه قبل العقد، وإن زاد بعد لزوم العقد استحب للأمين سؤال المشتري الإقالة واستحب للمشتري الإجابة لتعلقه بمصلحة المفلس وقضاء دينه
﴿مسألة﴾ (ويترك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم) لاتباع دار المفلس التي لا غنى له عن سكناها، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق والخادم في معنى الدار إذا كان محتاجاً إليه، وقال شريح ومالك والشافعي تباع ويكتري له بدلها.
اختاره ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال لغرمائه " خذوا ما وجدتم " وهذا مما وجدوه، ولأنه عين مال المفلس فوجب صرفه في دينه كسائر ماله.
ولنا أن هذا مما لاغني للمفلس
عنه فلم يصرف في دينه كثيابه وقوته والحديث قضية في عين يحتمل أنه لم يكن له عقار ولا خادم، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " خذوا ما وجدتم " مما تصدق به عليه والظاهر أنه لم يتصدق عليه بدرا وهو يحتاج إلى سكناها ولا خادم وهو محتاج إلى خدمته، ولأن الحديث مخصوص بثياب المفلس وقوته فنقيس عليه محل النزاع وقياسهم منتقض بذلك بأجر المسكن وسائر ماله يستغنى عنه بخلاف مسئلتنا، فإن كان له داران يستغني بإحداهما بيعت الاخرى لان به غني عن سكناها، وإن كان مسكنه واسعاً يفضل عن سكنى مثله بيع واشتري له مسكن مثله ورد الفضل على الغرماء، وكذلك الثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها (فصل) فإن كان المسكن والخادم الذي لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس بأثمانها ووجدها أصحابها فلهم أخذها بالشرائط المذكورة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " ولأن حقه تعلق بالعين فكان أقوى سبباً من المفلس ولأن الإعسار بالثمن سبب يستحق به الفسخ فلم يمنع منه تعلق حاجة المشتري
كما قبل القبض وكالعيب والخيار، ولأن منعهم من أخذ أموالهم يفتح باب الحيل بأن يشتري من لامال له في ذمته ثياباً يلبسها وداراً يسكنها، أو خادماً يخدمه وفرساً يركبها وطعاماً له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها لتعلق حاجته بها فتضيع أموالهم ويستغني هو بها، فعلى هذا يؤخذ ذلك ولا يترك له منه شئ لأنه أعيان أموال الناس فكانوا أحق بها منه كما لو كانت في أيديهم أو أخذها منهم غصبا ﴿مسألة﴾ (وينفق عليه بالمعروف إلى أن يفرغ من قسمته بين غرمائه) وجملة ذلك أنه إذا حجر على المفلس، فإن كان ذا كسب يفي بنفقته ونفقة من تلزمه مؤنته فهي في كسبه فإنه لا حاجة إلى إخراج ماله مع غناه بكسبه فلم يجز كالزيادة على النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته كملت من ماله، وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله مدة الحجر وإن طال لأن ملكه باق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " ومعلوم إن فيمن يعوله من تجب عليه نفقته ويكون ديناً عليه وهي زوجته، فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء، ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه بالاتفاق والحي آكد حرمة من الميت لأنه مضمون بالإتلاف، ويقدم أيضاً نفقة من تلزمه نفقته من أقاربه مثل الوالد والولد وغيرهم ممن تجب نفقته لأنهم يجرون مجرى نفسه في كون ذوي رحمه منهم يعتقون إذا ملكهم كما يعتق إذا ملك نفسه فكانت نفقتهم كنفقته، وكذلك نفقة زوجته لأن نفقتها آكد من نفقة الأقارب، وممن أوجب الإنفاق على المفلس وزوجته وأولاده أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً، وتجب كسوتهم لأن ذلك مما لابد منه، والواجب من النفقة والكسوة أدنى ما ينفق على مثله بالمعروف وأدنى ما يكتسي مثله، وكذلك كسوته من جنس ما يكتسبه
مثله، وكسوة امرأته ونفقتها مثل ما يفرض على مثله، وأقل ما يكفيه من اللباس قميص وسراويل وشئ يلبسه على رأسه قلنسوة أو عمامة أو غيرهما مما جرت عادته ولرجله حذاء إن كان يعتاده، وجبه أو فروة في الشتاء لدفع البرد، فإن كانت له ثياب لا يلبس مثله مثلها بيعت واشترى له كسوة مثله ورد الفضل على الغرماء، فإن كانت إذا بيعت واشترى له كسوة مثله لا يفضل منها شئ تركت لعدم الفائدة في بيعها (فصل) وإن مات المفلس كفن من ماله لأن نفقته كانت واجبة من ماله في حال حياته فوجب تجهيزه منه بعد الموت كغيره، وكذلك يجب كفن من يمونه لأنهم بمنزلته ولا يلزم كفن زوجته لأن نفقتها تجب في مقابلة الاستمتاع وقد فات بموتها فسقطت بخلاف الأقارب فإن قرابتهم باقية، ويلزمه تكفين من مات من عبيده وتجهيزه لأن نفقته ليست في مقابلة الانتفاع به بدليل وجوب نفقة الصغير والمبيع قبل التسليم، ويكفن في ثلاث أثواب كما كان يلبس في حياته، ويحتمل أن يكفن في ثوب يستره لانه يكفيه فلا حاجة الى الزيادة، وفارق حال الحياة لانه لابد من تغطيه رأسه وكشفه يؤذيه بخلاف الميت، ويمتد الإنفاق المذكور إلى حين فراغه من القسمة بين الغرماء لأنه لا يزول ملكه إلا بذلك ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل (فصل) فإن كان المفلس ذا صنعة يكسب ما يمونه ويمون من تلزمه مؤنته أو كان يقدر على أن يكسب ذلك من المباحات ما يكفيه أو يؤجر نفسه أو يتوكل بجعل يكفيه لم يترك له شئ من ماله
للنفقة، وإن لم يقدر على شئ ما ذكرناه ترك له من ماله قدر ما يكفيه.
قال أحمد رحمه الله في رواية
أبي داود: يترك له قوت يتقوته، وإن كان له عيال ترك له قوام، وقال في رواية الميموني يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي وهذا في حق الشيخ الكبير وذوي الهيآت الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم، وينبغي أن يجعل مما لا يتعلق به حق بعضهم بعينه لأن من تعلق حقه بالعين أقوى سبباً من غيره كما ذكرنا في الدار والخادم (فصل) وإذا تلف شئ من ماله تحت يد الأمين أو بيع شئ من ماله وأودع ثمنه فتلف عند المودع فهو من ضمان المفلس وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك العروض من ماله والدراهم والدنانير من مال الغرماء، وقال المغيرة الدنانير من مال أصحاب الدنانير والدراهم من مال أصحاب الدراهم ولنا أنه من مال المفلس ونمائه فكان تلفه ماله كالعروض من ﴿مسألة﴾ (ويبدأ ببيع ما يسرع اليه الفساد من الطعام الرطب) لان بقائه يتلفه بيقين، ثم ببيع الحيوان لأنه معرض للإتلاف ويحتاج إلى مؤنة في بقائه ثم ببيع الاناث لانه يخاف عليه وتناله اليد، ثم ببيع العقار آخراً لأنه لا يخاف تلفه بقاؤه أشهر له وأكثر لطلابه ﴿مسألة﴾ (ويعطي المنادي أجرته من المال) لأن البيع حق على المفلس لكونه طريق وفاء دينه، وقيل هو من بيت المال لأنه من المصالح ﴿مسألة﴾ (ويبدأ بالمجني عليه فيدفع إليه الأقل من الأرش أو ثمن الجاني) وقد ذكرنا ذلك في الرهن هذا إذا كان عبده الجاني، فعلى هذا يبدأ ببيعه وما فضل من ثمنه صرف إلى الغرماء، وإن كان المفلس هو الجاني فالمجني عليه أسوة الغرماء لأن حقه يتعلق بالذمة بخلاف جناية العبد وقد ذكرناه
﴿مسألة﴾ (ثم بمن له رهن فيخص بثمنه) يباع الرهن ويختص المرتهن بثمنه إذا كان ثمنه بقدر دينه أو أقل منه سواء كان المفلس حياً أو
ميتاً لأن حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معاً وسائرهم يتعلق حقه بالذمة دون العين فكان حقه أقوى.
لا نعلم في هذا خلافا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، فإن كان ثمن الرهن فضل عن دين المرتهن أعطي قدر دينه ورد الباقي على الغرماء، وإن فضل شئ من دينه ضرب بالفاضل مع الغرماء (فصل) ولو باع شيئاً أو باعه وكيله وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقه ساوى المشتري الغرماء لأن حقه لم يتعلق بعين المال فهو بمنزلة أرش جناية المفلس، وذكر القاضي احتمالا أنه يقدم على الغرماء لأنه لم يرض بمجرد الذمة فكان أولى كالمرتهن ولأنه لو لم يقدم على الغرماء لامتنع الناس من شراء مال المفلس خوفاً من ضياع أموالهم فتقل الرغبات فيه ويقل ثمنه فكان تقديم المشتري بذلك على الغرماء أنفع لهم وهذا وجه لأصحاب الشافعي ولنا أن هذا حق لم يتعلق بعين المال فلم يقدم كالذي جنى عليه المفلس وفارق المرتهن فإن حقه تعلق بالعين وما ذكروه من المعنى الأول منتقض بأرش جناية المفلس (والثاني) مصلحة لاأصل لها فلا يثبت الحكم بها، فإن كان الثمن موجوداً يمكن رده وجب رده وينفرد به صاحبه لأنه عين ماله لم يتعلق به حق أحد من الناس وكذلك صاحب السلعة المستحقة يأخذها، ومتى باع وكيل المفلس أو العدل أو باع الرهن وخرجت السلعة مستحقة فالعهدة على المفلس ولا شئ على العدل لأنه أمين (فصل) ومن استأجر داراً أو بعيرا بعينه أو شيئاً غيرهما بعينه ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أحق
بالعين التي استأجرها من الغرماء حتى يستوفي حقه لأن حقه متعلق بعين المال والمنفعة مملوكة له في هذه المدة فكان أحق بها كما لو اشترى منه شيئاً فإن هلك البعير أو انهدمت الدار قبل انقضاء المدة انفسخت الإجارة ويضرب مع الغرماء ببقية الإجرة، وإن استأجر جملاً في الذمة ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أسوة الغرماء لأن حقه لم يتعلق بالعين وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، وإن أجر داراً ثم أفلس فاتفق الغرماء والمفلس على البيع قبل انقضاء مدة الإجارة فلهم ذلك ويبيعونها مستأجرة فإن اختلفوا قدم قول من طلب البيع في الحال لأنه أحوط من التأخير.
فإذا استوفى المستأجر سلم المشتري فإن اتفقوا على تأخير البيع حتى تنقضي مدة الإجارة فلهم ذلك لأن الحق لا يخرج عنهم
(فصل) ولو باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها فالمشتري أحق بها من الغرماء سواء كانت من المكيل والموزون أو لم تكن لأن المشتري قد ملكها وثبت ملكه فيها فكان أحق بها كما لو قبضها، ولا فرق بين ما قبل قبض الثمن وبعده وإن كان عليه سلم فوجد المسلم الثمن قائماً فهو أحق به لأنه وجد عين ماله وإن لم يجده فهو أسوة الغرماء لأنه لم يتعلق حقه بعين ماله ولا يثبت ملكه فيه ويضرب مع الغرماء بالمسلم فيه لأنه الذي يستحقه دون الثمن.
فان كان في المال جنس حقه أخذ منه بقدر ما يستحقه، وإن لم يكن فيه جنس حقه عزل له قدر حقه فيشتري به المسلم فيه فيأخذه وليس له أن يأخذ المعزول بعينه لئلا يكون بدلاً عما في الذمة من المسلم فيه وذلك لا يجوز لقول النبي عليه السلام " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " فإن أمكن أن يشترى بالمعزول أكثر مما قدر له لرخص المسلم فيه اشترى له بقدر حقه ورد الباقي على الغرماء مثاله رجل أفلس وله دينار وعليه لرجل دينار ولآخر قفيز حنطة من سلم قيمته دينار فإنه يقسم
دينار المفلس نصفين لصاحب السلم نصفه فإن رخصت الحنطة فصار قيمة القفيز نصف دينار تبينا أن حقه مثل نصف حق صاحب الدينار فلا يستحق من دينار المفلس إلا ثلثه يشتري له به ثلثا قفيز فيأخذه ويرد سدس الدينار على الغريم الآخر، وإن غلا المسلم فيه فصار قيمة القفيز دينارين تبينا أنه يستحق مثلي ما يستحقه صاحب الدينار فيكون له من دينار المفلس ثلثاه فيشتري له بالنصف المعزول ويرجع على الغريم بسدس دينار يشتري له به أيضاً لأن المعزول ملك للمفلس وإنما للغريم قدر حقه فإن زاد فللمفلس وإن نقص فعليه ﴿مسألة﴾ (ثم بمن له عين مال يأخذها بالشروط المذكورة) وقد ذكرنا ذلك ثم يقسم الباقي بين باقي الغرماء على قدر ديونهم لتساويهم في الاستحقاق فإن كانت ديونهم من جنس الأثمان أخذوها، وإن كان فيهم من دينه من غير جنس الأثمان كالقرض لغير الأثمان فرضي أن يأخذ عوض حقه من الأثمان جاز وإن امتنع وطلب جنس حقه اشترى له بحصته من الثمن من جنس دينه، ولو أراد الغريم الأخذ من المال المجموع، وقال المفلس لا أقضيك إلا
من جنس دينك قدم قول المفلس لأن هذه معاوضة فلا تجوز إلا بتراضيهما ﴿مسألة﴾ (فإن كان فيهم من له دين مؤجل لم يحل وعنه أنه يحل فيشاركهم) لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه ذكره القاضي رواية واحدة، وحكى أبو الخطاب فيه رواية أخرى انه يحل وهو قول مالك، وعن الشافعي كالمذهبين، واحتجوا بأن الإفلاس يتعلق به الدين بالمال فأسقط الأجل كالموت.
ولا أن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ولأنه
لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه كالجنون والاغماء ولأنه دين مؤجل على حي فلم يحل قبل أجله كغير المفلس، والأصل المقيس عليه ممنوع وإن سلم فالفرق بينهما أن ذمته خربت بخلاف المفلس إذا ثبت هذا فإنه إذا حجر على المفلس، فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله فإن لم يقسم الغرماء حتى حل الدين شارك الغرماء كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته فإن أدرك بعض المال بل قسمته شاركهم فيه بجميع دينه، ويضرب مع باقي الغرماء ببقية ديونهم، وإن قلنا يحل الدين فهو كأصحاب الديون الحالة سواء ﴿مسألة﴾ (من مات وعليه دين مؤجل لم يحل إذا وثق الورثة وعنه أنه يحل) اختلفت الرواية في حلول الدين بالموت على من هو عليه فروي أنه لا يحل اختاره الخرقي بشرط أن يوثق الورثة وهو قول ابن سيرين وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد، والرواية الأخرى أنه يحل بالموت وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لأنه لا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال، ولايجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها ولارضي صاحب الدين بذممهم وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين ولا نفع للورثة فيه.
أما الميت فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه " وأما صاحبه فيتأخر حقه، وقد
تتلف العين فيسقط حقه، وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها، وإن حصلت لهم منفعة
فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم.
ولنا ما ذكرنا في المفلس ولأن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من ترك حقاً أو مالا فلورثته " وما ذكروه إثبات حكم بالمصلحة المرسلة لم يشهد لها شاهد الشرع باعتبار، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت كما كان ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه فإن أحب الورثة التزام أداء الدين ويتصرفون في المال لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغريم أو يوثقوا الحق بضمين ملئ أو رهن يثق به لوفاء حقه فإنهم قد لا يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم فيؤدي إلى فوات الحق، وذكر القاضي أن الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت موروثهم من غير أن يشترط التزامهم له فلا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لا يلتزمه ولم يتعاط سببه ولو لزمهم ذلك بموت موروثهم للزمهم وإن لم يخلف وفاء، فإن قلنا الدين يحل بالموت فأحب الورثة القضاء من غير التركة فلهم ذلك، وإن اختاروا القضاء منها فلهم ذلك وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين، وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجلة، قلنا يحل المؤجل بالموت اقتسموا التركة على قدر ديونهم، وإن قلنا لا يحل فأوثق الورثة لصاحب المؤجل اختص أصحاب الحال بالتركة، وإن امتنع الورثة من التوثيق حل دينه وشارك أصحاب الحال لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكلية (فصل) وذكر بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين هل يمنع اليد نقل التركة إلى الورثة؟
روايتين (إحداهما) لا يمنعه للخبر المذكور ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في العبد الجاني والرهن والمفلس فلم يمنع نقله فعلى هذا إن تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صح تصرفهم ولزمهم أداء الدين فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم كما لو باع السيد عبده الجاني (والثانية) يمنع نقل التركة إليهم لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فجعل التركة للوارث بعد الدين والوصية فلا يثبت لهم الملك قبلهما، فعلى هذا لا يصح تصرف الورثة لأنهم تصرفوا في غير ملكهم إلا أن يأذن لهم الغرماء وإن تصرف الغرماء لم يصح إلا بإذن الورثة ﴿مسألة﴾ (وإن ظهر له غريم بعد قسم ماله رجع على الغرماء بقسطه) وبهذا قال الشافعي وحكي عن مالك وحكي عنه لا يحاصهم لأنه نقض لحكم الحاكم ولنا أنه غريم يقاسمهم لو كان حاضراً، فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله وليس قسم الحاكم ماله حكماً إنما هو قسمه بان الخطأ فيها فأشبه مالو قسم أرضاً بين شركاء ثم ظهر شريك آخر وقسم الميراث ثم ظهر وارث سواه (فصل) ولو أفلس وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض المفلس الأجرة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة وسقط من الأجرة بقدر ذلك ثم إن وجد عين ماله أخذ منه بقدر ذلك، وإن لم يجده ضرب مع الغرماء بقدره وإن كان ذلك بعد قسم ماله رجع على الغرماء بحصته لأن سبب وجوبه قبل الحجر ولذلك يشاركهم إذا وجب قبل القسمة، ولو باع سلعة وقبض ثمنها ثم أفلس فوجد بها المشتري عيباً فردها به أو ردها بخيار أو اختلاف في الثمن ونحوه ووجد عين ماله أخذها لأن
البيع لما انفسخ زال ملك المفلس عن الثمن كزوال ملك المشتري عن المبيع، وإن كان بعد تصرفه فيه شارك المشتري الغرماء.
﴿مسألة﴾ (وإن بقيت على المفلس بقية وله صنعة فهل يجبر على إيجار نفسه لقضائها على روايتين) (إحداهما) لا يجبر وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولما روى أبو سعيد أن رجلا أصيب في ثمرة ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " تصدقوا عليه " فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " رواه مسلم ولأنه تكسب للمال فلم يجبر عليه كقبول الهبة والصدقة، وكما لا تجبر المرأة على التزويج لتأخذ المهر.
(والثانية) يجبر على الكسب وهو قول عمر بن عبد العزيز وسوار والعنبري واسحاق لما روي
أن النبي صلى الله عليه وسلم باع سرقاً في دينه وكان سرق دخل المدينة وذكر أن وراءه مالاً فداينه الناس
فركبته ديون ولم يكن وراءه مال فسماه سرقاً وباعه بخمسة أبعرة.
رواه الدرا قطني بمعناه من رواية خلد بن مسلم الربحي إلا أن فيه كلاماً والحر لا يباع ثبت أنه باع منافعه، ولان المنافع، ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في صحة العقد عليها وتحريم أخذ الزكاة وثبوت الغني بها فكذلك في وفاء الدين منها، ولأن الإجارة عقد معاوضة فجاز إجباره عليه كبيع ماله، ولأنها إجارة لما يملك إجارته فيجبر عليها لوفاء دينه كإجارة أم ولده.
فإن قيل حديث سرق منسوخ لأن الحر لا يباع والبيع وقع على رقبته بدليل أن في الحديث إن الغرماء قالوا لمشتريه ما تصنع به؟ قال اعتقه، قالوا: لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه قلنا هذا اثبات فسخ بالاحتمال ولا يجوز، ولم يثبت أن بيع الحر كان جائزاً في شريعتنا وحمل بيعه على بيع منافعه أسهل من حمله على بيع رقبته المحرم، فإن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه كثير في القرآن
وفي كلام العرب كقوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل واسأل القرية) وغير ذلك، وكذلك قوله أعتقه أي من حقي عليه يدل على ذلك قوله فأعتقوه يعني الغرماء وهم لا يملكون إلا الدين الذي عليه، وأما قوله تعالى (فنظرة إلى ميسرة) فيمكن منع دخوله تحت عمومها لما ذكرنا من أنه في حكم الأغنياء في حرمان الزكاة وسقوط نفقته عن قريبه ووجوب نفقة قريبه عليه، وحديثهم قضية عين لا يثبت حكمها إلا في مثلها ولم يثبت أن لذلك الغريم كسا يفضل عن قدر نفقته.
أما قبول الهدية والصدقة فمضرة تأباها قلوب ذوي المروءات لما فيها من المنة.
فعلى هذا لا يجبر على الكسب إلا من كسبه يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته لما تقدم.
(فصل) ولا يجبر على قبول صدقة، ولا هدية، ولا وصية، ولا قرض، ولا المرأة على التزويج ليأخذ مهرها لأن في ذلك ضرراً للحوق المنة في الهدية والصدقة والوصية والعوض في القرض وتملك الزوج للمرأة في النكاح وجوب حقوقه عليها، ولو باع بشرط الخيار ثم أفلس فالخيار بحاله ولا يجبر على ما فيه الحظ من الرد والإمضاء لأن الفلس يمنعه من إحداث عقد أما من امضائه وتنفيذ عقود فلا (فصل) وإن جنى على المفلس جناية توجب المال ثبت وتعلقت حقوق الغرماء به ولا يصح عفوه فإن كانت موجبة للقصاص فهو مخير بين القصاص والعفو ولا يجبر على العفو على مال لأن ذلك يفوت
القصاص الذي يجب لمصلحة الزحر، فإن اقتص لم يجب للغرماء شئ، وإن عفا على مال ثبت وتعلق به حقوق الغرماء، وإن عفا مطلقاً انبنى على الروايتين في موجب العمد إن قلنا القصاص خاصة لم يثبت شئ، وإن قلنا أحد أمرين ثبتت الدية أو تعلقت بها حقوق الغرماء، وإن عفا على غير مال وقلنا القصاص هو الواجب عيناً لم يثبت شئ، وإن قلنا أحد الامرين يثبت الدية ولم يصح إسقاطه لأن عفوه عن القصاص يثبت له الدية ولا يصح إسقاطها، وإن وهب هبة بشرط الثواب ثم أفلس فبذل له الثواب لزمه قبوله ولم يكن له إسقاطه لأنه أخذه على سبيل العوض عن الموهوب كالثمن في المبيع وليس له إسقاط شئ من ثمن مبيع أو أجرة إجارة ولاقبض ردئ، ولاقبض المسلم فيه دون صفاته إلا بإذن غرمائه ومذهب الشافعي في هذا الفصل على نحو ما ذكرنا
﴿مسألة﴾ (ولا ينفك عنه الحجر إلا بحكم حاكم) لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه كالمحجور عليه لسفه، وفيه وجه آخر أنه يزول بقسمة ماله لأنه حجر عليه لأجله فإذا زال ملكه عنه زال سبب الحجر فزال الحجر كزوال حجر المجنون لزوال جنونه والأول أولى وفارق الجنون فإنه يثبت بنفسه فزال بزواله بخلاف هذا ولأن فراغ ماله يحتاج إلى معرفة وبحث فوقف ذلك على الحاكم بخلاف الجنون (فصل) وإذا فك الحجر عنه فليس لأحد مطالبته وملازمته حتى يملك مالاً، فإن جاء الغرماء عقيب فك الحجر عنه فادعوا أن له مالاً لم يقبل الا ببينة، فإن جاءوا بعد مدة فادعوا أن في يده مالا أو ادعوا ذلك عقيب فك الحجر عنه وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله، فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه لأنه ما فك الحجر عنه حتى لم يبق له شئ، وإن أقر وقال هو لفلان وأنا وكيله أو مضاربة وكان المقر له حاضراً سأله الحاكم فإن صدقه فهو له ويستحلفه الحاكم لجواز أن يكونا تواطآ على ذلك ليدفع المطالبة عن المفلس.
وإن لم يصدقه عرفنا كذب المفلس فيصير كأنه أقر أن المال له فيعاد الحجر عليه إن طلب الغرماء ذلك، فإن أقر لغائب أقر في يديه حتى يحضر الغائب ثم يسأل كما حكمنا في الحاضر
﴿مسألة﴾ (ومتى فك عنه الحجر فلزمته ديون وظهر له مال فحجر عليه شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني) إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم والآخرين يضربون بجميعها، وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لايدخل غرماء الحجر الأول على هؤلاء الذين تجددت حقوقهم حتى يستوفوا إلا أن يكون له فائدة من ميراث أو يجني عليه جناية فيتحاص الغرماء فيه.
ولنا أنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته فتساووا في الاستحقاق كالذين ثبتت حقوقهم في حجر واحد وكتساويهم في الميراث وأرش الجناية، ولأن كسبه مال له فتساووا فيه كالميراث ﴿مسألة﴾ (وإن كان للمفلس حق له به شاهد فأبى أن يحلف معه لم يكن لغرمائه أن يحلفوا) المفلس في الدعوى كغيره فإذا ادعى حقه له به شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء وإن امتنع لم يجبر لأنا لا نعلم صدق الشاهد، ولو ثبت الحق بشهادته لم يحتج إلى يمين معه
فلا نجبره على مالا نعلم صدقه كغيره فان قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد لم يكن لهم ذلك وبهذا قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم يحلفون معه لأن حقوقهم تعلقت بالمال فكان لهم أن يحلفوا كالورثة يحلفون على مال موروثهم، ولنا أنهم يثبتون ملكاً لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك كالمرأة تحلف لإثبات ملك زوجها لتتعلق نفقتها به وكالورثة قبل موت موروثهم وفارق ما بعد الموت فإن المال انتقل إليهم فهم يثبتون بأيمانهم ملكا لا نفسهم.
﴿فصل﴾ قال رحمه الله (الحكم الرابع انقطاع المطالبة عن المفلس فمن أقرضه شيئاً أو باعه إياه لم يملك مطالبته حتى يفك الحجر عنه) إذا تصرف المحجور عليه في ذمته بشراء أو افتراض صح لأنه أهل للتصرف والحجر إنما تعلق بماله وقد ذكرناه وليس للبائع ولا للمقرض مطالبته في حال الحج لأن حق الغرماء تعلق بعين ماله الموجود حال الحجر وبما يحدث له من المال فقدموا على غيرهم ممن لم يتعلق حقه بعين المال كتقديم حق المرتهن بثمن الرهن، وتقديم حق المجني عليه بثمن العبد الجاني فلا يشارك أصحاب
هذه الديون الغرماء لما ذكرنا، ولأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك ومن لم يعلم فهو مفرط ويتبعونه بعد فك الحجر عنه كما لو أقر لإنسان بمال بعد الحجر عليه وفي إقراره خلاف ذكرناه فيما مضى فإن وجد البائع والمقرض أعيان أموالهما فهل لهم الرجوع فيها؟ على وجهين (أحدهما) لهما ذلك للخبر (والثاني) لافسخ لهما لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة فأشبه من اشترى معيباً يعلم عيبه وقد ذكرنا ذلك ﴿فصل﴾ قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثاني المحجور عليه لحظه وهو الصبي والمجنون والسفيه) الحجر على هؤلاء الثلاثة حجر عام لأنهم يمنعون التصرف في أموالهم وذممهم والأصل في الحجر عليهم قول الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (وابتلوا اليتامى) الآية قال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم عندك لا تؤته إياه وانفق عليه وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء وهي لغيرهم لأنهم قوامها، ومدبروها، وقوله (وابتلوا اليتامى) اختبروهم في حفظهم لاموالهم ﴿مسألة﴾ (فلا يصح تصرفهم قبل الإذن) لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع أموالهم وفيه ضرر عليهم ﴿مسألة﴾ (ومن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقياً) لأنه عين ماله وتصرفهم فاسد فإن أتلفه واحد منهم فهو من ضمان مالكه، وكذلك إن تلف
في يده لأنه سلطه عليه برضاه وسواء علم بالحجر على السفيه أو لم يعلم لأنه إن علم فقد فرط وإن لم يعلم فهو مفرط أيضاً إذ كان في مظنة الشهرة هذا إذا كان صاحبه قد سلطه عليه، فأما إن حصل في يده باختيار صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية فاختار القاضي أنه يلزمه الضمان إن أتلفه أو تلف بتفريطه إن كان سفيها لأنه أتلفه بغير اختيار صاحبه فأشبه مالو كان القبض بغير اختياره، ويحتمل أن لا يضمن لأنه عرضها لا تلافه وسلطه عليها فأشبه المبيع أما ما أخذه بغير اختيار المالك كالغصب والجناية فعليه ضمانه لأنه لا تفريط من المالك وكذلك الحكم في الصبي والمجنون فإن أودع عند الصبي والمجنون أو أعارهما فلا ضمان عليهما فيما تلف بتفريطهما لأنهما ليسا من أهل الحفظ، وإن أتلفاه ففيه وجهان نذكرهما في الوديعة ﴿مسألة﴾ (ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما بغير حكم حاكم ودفع
إليهما ما لهما ولا ينفك قبل ذلك بحال) إذا عقل المجنون ورشد انفك الحجر عنه ولايحتاج إلى حكم حاكم بغير خلاف وكذلك الصبي إذا بلغ ورشد وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك لا يزول إلا بحكم حاكم وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه موضع اجتهاد ونظر فإنه يحتاج في معرفة البلوغ والرشد إلى اجتهاد فيوقف ذلك على حكم حاكم كزوال الحجر عن السفيه.
ولنا قوله تعالى (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) أمر بدفع أموالهم إليهم عند البلوغ وإيناس الرشد فاشتراط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك حتى يحكم الحاكم وهذا مخالف لظاهر النص، ولأنه حجر ثبت بغير حكم الحاكم فيزول بغير حكمه كالحجر على المجنون ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظاً لماله عليه فمتى بلغ ورشد زال الحجر لزوال سببه، السفيه لنا فيه منع، فعلى هذا الحجر منقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يزول بغير حكم الحاكم وهو الحجر للجنون، وقسم لا يزول إلا بحكم حاكم وهو الحجر للسفه، وقسم فيه الخلاف وهو الحجر على الصبي
(فصل) ومتى انفك الحجر عنهما دفع إليهما مالهما لقول الله تعالى (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فقال ابن المنذر اتفقوا على ذلك ولأن منعه من التصرف إنما كان لعجزه عن التصرف حفظاً لماله فإذا صار أهلاً للتصرف زال الحجر لزوال سببه (فصل) ولا ينفك عنه الحجر ولا يدفع إليه ماله قبل البلوغ والرشد، ولو صار شيخاً وهو قول الأكثرين قال إبن المنذر أكثر علماء الأمصار من أهل العراق والحجاز والشام ومصر يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرا كان أو كبيراً وبه قال القاسم بن محمد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وروى الجوزجاني في كتابه قال: كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال فلا يجوز له أمر في ماله دونه لضعف عقله قال ابن إسحاق رأيته شيخاً يخضب وقد جاء إلى القاسم بن محمد فقال يا أبا محمد ادفع إلي مالي فإنه لا يولي على مثلي فقال.
إنك فاسد فقال امرأته طالق البتة وكل مملوك له حر إن لم تدفع إلي مالي، فقال القاسم بن محمد وما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك هذه فبعث إلى امرأته وقال: هي حرة مسلمة وما كنت لأحبسها عليك وقد فهت بطلاقها فأرسل إليها
فأخبرها ذلك وقال أما رقيقك فلا عتق لك ولا كرامة فحبس رقيقه.
وقال ابن إسحاق ما كان يعاب على الرجل إلا سفهه وقال أبو حنيفة لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة، وإن تصرف نفذ تصرفه فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة فك الحجر عنه ودفع إليه ماله لقول الله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) وهذا قد بلغ أشده ويصلح أن يكون جداً ولأنه حر بالغ عاقل مكلف فلا يحجر عليه كالرشيد ولنا قول الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) أي أموالهم وقوله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) علق الدفع على شرطين والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما وقال تعالى (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) فأثبت الولاية على السفيه ولأنه مبذر فلم يجز دفع ماله إليه كمن له دون ذلك، وأما الآية التي احتجوا بها فإنما تدل بدليل خطابها وهو لا يقول به ثم هي مخصصة فيما قبل
خمس وعشرين بالإجماع لعلة السفه وهو موجود بعد خمس وعشرين فيجب أن يخص به أيضاً كما أنها لما خصصت في حق المجنون لجنونه فيما قبل خمس وعشرين خصصت بعدها، وما ذكرنا من المنطوق أولى مما يستدل به من المفهوم المخصص وقوله أنه صار يصلح جداً لا معنى تحته يقتضي الحكم ولا له أصل يشهد له في الشرع فهو اثباب للحكم بالتحكم ثم هو متصور ممن هو دون هذا السن فإن المرأة تكون جدة لاحدى وعشرين سنة وقياسهم منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة فما أوجب الحجر قبلها يوجبه بعدها، إذا ثبت هذا فإنه لا يصح تصرفه ولا إقراره، وقال أبو حنيفة يصح بيعه وإقراره لأن البالغ عنده لا يحجر عليه وإنما لم يسلم إليه للآية ولنا أنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلم يصح تصرفه وإقراره كالصبي والمجنون ولأنه إذا نفذ تصرفه وإقراره تلف ماله ولم يفد منعه من ماله شيئاً ولأن تصرفه لو كان نافذا لسلم إليه ماله كالرشيد فإنه إنما منع ماله حفظاً له فإذا لم يحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الاصل ﴿مسألة﴾ (والبلوغ يحصل بالاحتلام وبلوغ خمس عشرة سنة ونبات الشعر الخشن حول القبل، وتزيد الجارية بالحيض والحمل) يثبت البلوغ في حق الجارية والغلام بأحد الأشياء الثلاثة المذكورة وهي: خروج المني من القبل وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد كيفما خرج في يقظة أو منام بجماع أو احتلام أو غير ذلك يحصل به البلوغ لا نعلم فيه خلافاً لقول الله تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) وقوله (والذين لم يبلغو الحلم منكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حيت يحتلم " رواه أبو داود، وقال ابن المنذر اجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها (الثاني) السن وهو بلوغ خمس عشرة سنة في حق الغلام والجارية وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال داود لأحد للبلوغ من السن لقوله عليه السلام " رفع القلم عن
ثلاث عن الصبي حتى يحتلم " واثبات البلوغ لغيره يخالف الخبر وهذا قول مالك، وقال أصحابه سبع عشرة أو ثماني عشرة، وعن أبي حنيفة في الغلام روايتان (إحداهما) سبع عشرة (والثاني) ثماني عشرة والجارية سبع عشرة بكل حال لأن الحد لا يثبت إلا بتوقيف أو اتفاق ولا توقيف فيما دون هذا ولا اتفاق.
ولنا أن ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني متفق عليه، وفي لفظ عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني فأخبر بهذا عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عماله أن لا تفرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة رواه الشافعي في مسنده والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولأن السن معنى يحصل به البلوغ يشترك فيه الجارية والغلام فاستويا فيه كالإنزال وما احتج به مالك وداود لايمنع اثبات البلوغ بغير الاحتلام إذا ثبت بالدليل ولهذا كان انبات الشعر علماً عليه (الثالث) نبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل وفرج المرأة، فأما الزغب الضعيف فلا اعتبار به فإنه يثبت في حق الصغير وبهذا قال مالك والشافعي في قول وقال في الآخر هو بلوغ في حق المشركين وهل هو بلوغ في حق المسلمين؟ فيه قولان، وقال أبو حنيفة لااعتبار به لأنه نبات شعر أشبه سائر شعر البدن
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة حكم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم فأمر بأن يكشف عن مؤتزريهم فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت الحقوه بالذرية.
قال عطية القرظي عرضت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا في فأمر النبي صلى الله عليه وسلم إن ينظر إلي هل أنبت بعد؟
فنظروا إلي فلم يجدوني أنبت بعد فالحقني بالذرية.
متفق على معناه، وكتب عمر رضي الله عنه إلى عامله أن لا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي، وروى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاماً من الأنصار شبب بامرأة في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال.
لو أنبت لحددتك، ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى فكان علما على البلوغ كالاحتلام، ولأن الخارج ضربان متصل ومنفصل، فلما كان من المنفصل ما يثبت به البلوغ كذلك المتصل وما كان بلوغاً في حق المشرك كان بلوغاً في حق المسلم كالاحتلام والسن ﴿فصل﴾ والحيض علم على البلوغ في حق الجارية لا نعلم فيه خلافاً، وقد دل ذلك عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " رواه الترمذي وقال حديث حسن، وكذلك الحمل يحصل به البلوغ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد إنما يخلق من ماء الرجل وماء المرأة، قال الله تعالى (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الأحاديث، فعلى هذا يحكم ببلوغها في الوقت الذي حملت فيه (فصل) إذا وجد خروج المني من الخنثى المشكل فهو علم على بلوغه وكونه رجلا، وإن خرج من فرجه أو حاض كان علما على بلوغه وكونه امرأة.
وقال القاضي: ليس واحد منهما علما على البلوغ فإن اجتمعا فقد بلغ وهو مذهب الشافعي لجواز أن يكون الفرج الذي خرج ذلك منه خلقة زائدة.
ولنا أن خروج البول من أحد الفرجين دليل على ذكوريته أو أنوثيته فخروج المني والحيض أولى
وإذا ثبت كونه رجلاً خرج المني من ذكره، أو امرأة خرج الحيض من فرجها لزم وجود البلوغ، ولأن خروج مني الرجل من المرأة أو الحيض من الرجل مستحيل فكان دليلا على التعيين، وإذا ثبت
التعيين لزم كونه دليلاً على البلوغ كما لو تعين قبل خروجه، ولأنهم سلموا أن خروجهما معاً دليل عليه فخروج أحدهما منفرداً أولى لأن خروجهما معاً يقتضي تعارضهما وإسقاط دلالتهما إذ لا يتصور أن يجتمع حيض صحيح ومني رجل فلزم أن يكون أحدهما فضلة خارجه من غير محلها، وليس أحدهما أولى بذلك من الآخر فتبطل دلالتهما كالبينتين إذا تعارضتا وكالبول إذا خرج من المخرجين جميعاً بخلاف ما إذا وجد أحدهما منفرداً فإن الله تعالى أجرى العادة بأن الحيض يخرج من فرج المرأة عند بلوغها ومني الرجل يخرج من ذكره عند بلوغه، فإذا وجد ذلك من غير معارض وجب أن يثبت حكمه ويقضي بثبوت دلالته كالحكم بكونه رجلا بخروج البول من ذكره وبكونه أنثى بخروجه من فرجها والحكم للغلام بالبلوغ بخروج المني من ذكره وللجارية بخروج الحيض من فرجها، فعلى هذا إذا خرجا جميعاً لم يثبت كونه رجلا ولا امرأة، وهل يثبت البلوغ بذلك؟ فيه وجهان (أحدهما) يثبت وهو اختيار القاضي ومذهب الشافعي لأنه إن كان رجلا فقد خرج المني من ذكره، وإن كان أنثى فقد حاضت (والثاني) لا يثبت لأن هذا يجوز أن لا يكون حيضاً ولا منياً فلا يكون فيه دلالة وقد دل على ذلك تعارضهما فانتفت دلالتهما على البلوغ كانتفاء دلالتهما على الذكورية والأنوثية ﴿مسألة﴾ (والرشد الصلاح في المال) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة، وقال الحسن والشافعي وابن المنذر.
الرشد الصلاح في الدين والمال لأن الفاسق غير رشيد، ولأن افساد دينه يمنع الثقة به في حفظ
ماله كما يمنع قبول قوله وثبوت الولاية على غيره وإن لم يعرف منه كذب ولا تبذير.
ولنا قول الله تعالى (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) قال ابن عباس: يعني صلاحا في أموالهم، وقال مجاهد إذا كان عاقلا، ولأن هذا اثبات في نكره ومن كان مصلحا لما له فقد وجد منه رشد، ولأن العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام فلا تعتبر في الابتداء كالزهد في الدنيا، ولأن هذا مصلح لما له فأشبه العدل يحققه أن الحجر عليه إنما كان لحفظ ماله عليه والمؤثر فيه ما أثر في تضييع المال أو حفظه قولهم ان الفاسق غير رشيد قلنا هو غير رشيد في دينه، أما في ماله وحفظه فهو رشيد ثم هو منتقض
بالكافر فإنه غير رشيد في دينه ولا يحجر عليه لذلك، ولا يلزم من منع قبول القول منه دفع ماله إليه، فإن من عرف بكثرة الغلط والنسيان أو من يأكل في السوق ويمد رجليه في مجمع الناس لا تقبل شهادتهم وتدفع أموالهم إليهم ﴿مسألة﴾ (ولا يدفع ماله إليه حتى يختبر) لأنه إنما يعرف رشده باختياره لقول الله تعالى (وابتلوا اليتامى) أي اختبروهم واختباره بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله إليه، فإن كان من أولاد التجار فوض إليه البيع والشراء، فإذا تكرر منه فلم يغبن ولم يضيع ما في يديه فهو رشيد، وإن كان من أولاد الدهاقين والكبراء الذين يصان أمثالهم عن الأسواق دفعت إليه نفقة مدة لينفقها في مصالحة فإن صرفها في مصارفها ومواقعها واستوفى على وكيله فيما وكله واستقصى عليه دل على رشده، والمرأة يفوض إليها ما يفوض إلى ربة البيت من استئجار الغزالات وتوكيلها في شراء الكتان وأشباه ذلك، فإن وجدت ضابطة لما في يديها مستوفية من وكيلها فهي رشيدة
﴿مسألة﴾ (وأن يحفظ ما في يده عن صرفه فيما لا فائدة فيه) كالغناء والقمار وشراء المحرمات، وشراء آلات اللهو والخمر وأن يتوصل به إلى الفساد فهذا غير رشيد لأنه تبذير لماله وتضييعه فيما لا فائدة فيه، فإن كان فسقه بالكذب والتهاون بالصلاة مع حفظه لماله لم يمنع ذلك من دفع ماله إليه لما ذكرنا ﴿مسألة﴾ (وعنه لا يدفع إلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج وتلد أو تقيم في بيت الزوج سنة) المشهور في المذهب أن الجارية إذا بلغت ورشدت دفع إليها مالها كالغلام وزال الحجر عنها وإن لم تتزوج وهذا قول عطاء والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، ونقل أبو طالب عن أحمد أن الجارية لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج وتلد أو تقيم سنة في بيت الزوج، روى ذلك عن عمر وبه قال شريح والشبعي واسحاق لما روي عن شريح أنه قال.
عهد إلى عمر بن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولا أو تلد.
رواه سعيد في سننه ولا يعرف له مخالف فصار إجماعاً، وقال مالك لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج ويدخل عليها زوجها لأن كل حالة جاز للأب
تزويجها من غير إذنها لم ينفك عنها الحجر كالصغيرة ولنا عموم قول الله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) ولأنها يتيم بلغ وأنس منه الرشد فيدفع إليه ماله كالرجل، ولأنها بالغة رشيدة فجاز لها التصرف في مالها كالتي دخل بها الزوج، وحديث عمر إن صح فلم نعلم انتشاره في الصحابة فلا يترك به الكتاب والقياس، وعلى أن حديث عمر مختص بمنع العطية فلا يلزم منه المنع من تسليم مالها إليها ومنعها من سائر التصرفات ومالك لم يعلم به وإنما اعتمد على إجبار الأب لها على النكاح ولنا أن نمنعه وإن سلمناه فإنما أجبرها على النكاح لأن اختبارها للنكاح ومصالحة لا يعلم إلا بمباشرته
والبيع والشراء والمعاملات ممكنة قبل النكاح، وعلى هذه الرواية إذا لم تتزوج أصلا احتمل أن يدوم الحجر عليها عملا بعموم حديث عمر ولأنه لم يوجد شرط دفع مالها إليها فلم يجز دفعه إليها كما لو لم ترشد وقال القاضي عندي أنه يدفع إليها مالها إذا عنست وبرزت للرجال يعني كبرت ﴿مسألة﴾ (وقت الاختبار قبل البلوغ في إحدى الروايتين) وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن الله تعالى قال (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منها رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فظاهر الآية أن ابتلاءهم قبل البلوغ لوجهين (أحدهما) أنه سماهم يتامى وإنما يكونون يتامى قبل البلوغ (الثاني) أنه مد اختبارهم إلى البلوغ بلفظة حتى فيدل على أن الاختبار قبله، ولأن تأخير الاختبار إلى البلوغ مؤد إلى الحجر على البالغ الرشيد لأن الحجر يمتد إلى أن يختبر ويعلم رشده واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك فكان أولى، لكن لا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء والمصلحة من المفسدة، وإذا أذن له وليه فتصرفه على ما نذكره، وعنه ان اختباره بعد البلوغ أومأ إليه أحمد لأن تصرفه قبل ذلك تصرف ممن لم يوجد فيه مظنة العقل ولأصحاب الشافعي نحو هذا الوجه ﴿فصل﴾ قال رضي الله عنه (ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إلا للأب) لأنها ولاية على الصغير فقدم فيها الأب كولاية النكاح ثم وصيته بعده لأنه نائبه أشبه وكيله في الحياة ثم للحاكم لأن الولاية انقطعت من جهة القرابة فتثبت للحاكم كولاية النكاح ومذهب أبي حنيفة والشافعي أن الجد يقوم مقام الأب في الولاية لأنه أب ولنا أن الجد لا يدلي بنفسه وإنما يدلي بالأب الأدنى فلم يل مال الصغير كالأخ ولأن الأب يسقط الاخوة بخلاف الجد وترث الأم معه ثلث الباقي في زوج وأم وأب وزوجة وأم أب بخلاف الجد فلا
يصح قياسه عليه فأما من سواهم فلا يثبت لهم ولاية لأن المال محل الجناية ومن سواهم قاصر النفقة غير مأمون على المال فلم يله كالأجنبي، ومن شرط ثبوت الولاية على المال العدالة بغير خلاف لأن في تفويضها إلى الفاسق تضييعاً للمال فلم يجز كتفويضها إلى السفية، وكذلك الحكم في السفيه إذا حجر عليه صغيراً واستدام الحجر عليه بعد البلوغ ﴿مسألة﴾ (وليس لوليهما التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما وما لاحظ فيه ليس له التصرف به كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة) لقول الله سبحانه وتعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وقوله عليه الصلاة والسلام " لاضرر ولا ضرار " رواه الإمام أحمد وهذا فيه اضرار فإن فعل شيئاً من ذلك أو زاد على النفقة عليهما أو على من تلزمهما مؤنته بالمعروف ضمن لانه مفرط فضمن كتصرفه في مال غيرهما ﴿مسألة﴾ (ولايجوز أن يشتري من مالهما شيئاً لنفسه ولا يبيعهما إلا الأب لأنه غير متهم عليه لكمال شفقته) وبه قال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي والشافعي وزادوا الجد وقال زفر لا يجوز لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد ولايجوز أن يتعلق به حكمان متضادان، ولنا أن هذا يلي بنفسه فجاز أن يتولى طرفي العقد كالسيد يزوج عبده أمته ولا نسلم ما ذكره من تعلق حقوق العقد بالعاقد، فأما الجد فلا ولاية له على ما ذكرناه فهو كالأجنبي ولأن التهمة بين الأب وولده منتفية إذ من طبعه الشفقة عليه والميل إليه وترك حظ نفسه لحظه، وبهذا فارق الوصي والحكم وأمينه، فأما الحاكم والوصي فلا يجوز لهما ذلك لأنهما متهمان في طلب الحظ لانفسهما فلم يجز ذلك لهما بخلاف الأب ﴿مسألة﴾ (ولوليهما مكاتبة رقيقهما وعتقه على مال)
إذا كان الحظ فيه مثل أن تكون قيمته ألفاً فكاتبه بألفين أو يعتقه بهما فإن لم يكن فيها حظ لم يصح، وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز إعتاقه لأن الإعتاق بمال تعليق له على شرط فلم يملكه ولي اليتيم كالتعليق على دخول الدار، وقال الشافعي لا يجوز كتابته ولا إعتاقه لأن المقصود منهما العتق دون المعاوضة فلم يجز كالإعتاق بغير عوض ولنا أنها معاوضة لليتيم فيها حظ فملكها وليه كبيعة ولا عبرة بنفع العبد ولا يضره كونه تعليقاً فإنه إذا حصل لليتيم حظ لم يضره نفع غيره ولا كون العتق حصل بالتعليق وفارق ما قاسوا عليه فإنه لا نفع فيه لعدم الحظ وانتفاء المقتضي لا لما ذكروه ولو قدر أن يكون في العتق بغير مال نفع كان نادراً وإن كان العتق على مال بقدر قيمته أو أقل لم يجز لعدم الحظ فيه، وقال أبو بكر يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ فيه مثل أن تكون له جارية وابنتها يساويان مائة مجتمعتين ولو أفردت إحداهما ساوت مائتين ولا يمكن إفرادها بالبيع فيعتق الأخرى لتكثر قيمة الباقية فتصير ضعف قيمتيهما ﴿مسألة﴾ (وله تزويج إمائهما) إذا وجب تزويجهن بأن يطلبن ذلك أو يرى المصلحة فيه لأنه ولي عليهن وقائم مقام ما لكهن فكان له تزوجيهن كالمالك.
﴿مسألة﴾ (وله السفر بمالهما للتجارة فيه والمضاربة بمال اليتيم والمجنون وله أن يدفعه مضاربة بجزء من الربح) أبا كان أو وصيا أو حاكماً أو أمين حاكم وهو أولى من تركه، وممن رأى ذلك ابن عمر والنخعي والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور ويروى إباحة التجارة به عن عمر وعائشة والضحاك ولا نعلم احدا كرهه الا الحسن ولعله أراد اجتناب المخاطرة به ورأى خزنه أحفظ له وهو قول الجمهور لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ولي يتيماً له مال
فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " وروي موقوفاً على عمر وهو أصح من المرفوع ولأن
ذلك أحفظ للمولي عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم إلا أنه لا يتجر إلا في المواضع الآمنة ولا يدفعه إلا إلى الأمناء ولا يغرر به، وقد روي عن عائشة أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر في البحر فيحتمل أنه كان في موضع مأمون قريب من الساحل، ويحتمل أنها جعلت ضمانه عليها ان هلك ﴿مسألة﴾ (والربح كله لليتيم) يعني إذا اتجر بنفسه وأجاز الحسن بن صالح واسحاق أن يأخذ الوصي مضاربة لنفسه لأنه جاز له أن يدفعه بذلك فجاز أن يأخذه بذلك له، ويتخرج لنا مثل ذلك كما قلنا في الشريك إذا فعل بنفسه ما يجوز له الإجارة عليه فإنه يستحق الأجرة في أحد الوجهين كذلك هذا وبه قال أبو حنيفة، والصحيح ما قلناه لأن الربح نماء مال اليتيم فلا يستحقه غيره إلا بعقد ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة لنفسه ﴿مسألة﴾ (فأما إن دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعل له الولي) ووافقه عليه في قولهم جميعاً لأن الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته، وهذا فيه مصلحته فأشبه تصرف المالك في ماله.
(فصل) وله ابضاع ماله وهو دفعه إلى من يتجر به والربح كله لليتيم لأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى ﴿مسألة﴾ (ويجوز له بيعه نساء إذا كان له الحظ في ذلك) فإنه قد يكون أكثر ثمناً وأنفع لكن يحتاط على الثمن بأن يأخذ به رهناً أو كفيلاً موثوقاً يتحفظ الثمن به ﴿مسألة﴾ (وله قرضه برهن)
إذا لم يكن في قرض مال اليتيم حظ له لم يجز، وإن كان في قرضه حظ لليتيم جاز.
قال أحمد لا تقرض مال اليتيم لأحد تريد مكافأته ومودته.
ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر وقيل لأحمد ابن عمر اقترض مال اليتيم قال: انما استقرض نظراً لليتيم واحتياطاً إن أصابه شئ غرمه.
قال القاضي
ومعنى الحظ أن يكون للصبي مال في بلد فيريد نقله الى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو غيرهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفاً من السوس أو تنقص قيمته، وأشباه هذا فيجوز القرض لأن لليتيم فيه حظاً فجاز كالتجارة به، وإن لم يكن فيه حظ لم يجز لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته، وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله، فإن أراد أن يودع مال اليتيم فقرضه لثقة أولى من ذلك لأن الوديعة لا تضمن فان لم يجد ثقة يستقرضه فله إيداعه لأنه موضع حاجة، وإن أودعه مع إمكان قرضه جاز ولا ضمان عليه لانه ربما رأى الإيداع أولى من القرض فلا يكون مفرطاً وكل موضع قلنا له قرضه فلا يجوز إلا لملئ أمين ليأمن جحوده وتعذر الإيفاء وينبغي أن يأخذ رهناً إن أمكنه فإن تعذر عليه أخذ الرهن جاز تركه في ظاهر كلام أحمد لأن الظاهر أن من يستقرضه لحظ اليتيم لا يبذل رهناً فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ، وظاهر كلام شيخنا في هذا الكتاب المشروح أنه لا يجوز وكذلك ذكره أبو الخطاب لأن فيه احتياطاً للمال، فإن تركه احتمل أن يضمن إن ضاع المال لتفريطه واحتمل أن لا يضمن لأن الظاهر سلامته وهذا ظاهر كلام أحمد لكونه لم يذكر الرهن (فصل) قال أبو بكر هل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين بناء على الوكيل، وقال القاضي يجوز ذلك للوصي، وفي الوكيل روايتان وفرق بينهما بأن الوكيل يمكنه الاستئذان والوصي بخلافه.
﴿مسألة﴾ (وله شراء العقار لهما وبناؤه بما جرت عادة أهل بلده به) إذا رأى المصلحة في ذلك كله لأنه مصلحة له فإنه يحصل له الفضل ويبقى الأصل والغرر فيه أقل من التجارة لأن أصله محفوظ (فصل) ويجوز أن يبني لهما عقاراً لأنه في معنى الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه وإذا أراد بناء هـ بناه بما يرى الحظ فيه مما جرت عادة أهل البلد به وقال أصحابنا يبنيه بالآجر والطين لايبني
باللبن لأنه إذا هدم لا مرجوع له ولا بجص لأنه يلتصق بالآجر فلا يخلص منه فإذا انهدم فسد الآجر لأن تخليصه منه يفضي إلى كسره وهذا مذهب الشافعي والذي قلناه أولى إن شاء الله فإنه إذا كان الحظ له في البناء بغيره فتركه ضيع حظه وماله ولايجوز تضييع الحظ العاجل وتحمل الضرر الناجز المتيقن لتوهم مصلحة بقاء الآجر عند هدم البناء ولعل ذلك لا يكون في حياته ولا يحتاج إليه مع أن كثيراً من البلدان لا يوجد فيها الآجر وكثير منها لم تجر عادتهم بالبناء به فلو كلفوا البناء به لاحتاجوا إلى غرامه كثيرة لا يحصل منها طائل، فعلى هذا يحمل قول أصحابنا على من عادتهم البناء بالآجر كالعراق ونحوها ولا يصح حمله في حق غيرهم وإنما يفعل ما ذكرنا من الشراء والبناء إذا رأى المصلحة فيه والحظ لهما ﴿مسألة﴾ (وله شراء الأضحية لليتيم الموسر) نص عليه إذا كان له مال كثير لا يتضرر بشرائها فيكون ذلك على وجه التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وفرج وفيه جبر قلبه وإلحاقه بمن له أب فينزل منزلة الثياب الحسنة وشراء اللحم سيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم وجري العادة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنها أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل " رواه مسلم وهذا قول أبي حنيفة ومالك قال مالك إذا كان له ثلاثون ديناراً يضحي عنه بالشاة بنصف دينار.
وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى لا يجوز وهو مذهب الشافعي
لانه اخراج شئ من ماله بغير عوض فلم يجز كالهدية.
قال شيخنا: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين فالموضع الذي منع التضحية إذا كان الطفل لا يعقل التضحية ولا يفرح بها ولا ينكسر قلبه بتركها لعدم الفائدة فيها والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها وينجبر قلبه بها وينكسر بتركها لحصول الفائدة فيها، وعلى كل حال من ضحى عن اليتيم لم يتصدق بشئ منها ويوفرها لنفسه لأنه لا تحل الصدقة بشئ من مال اليتيم تطوعاً (فصل) ومتى كان خلط مال اليتيم أرفق به وألين في الجبر وأمكن في حصول الأدم فهو أولى، وإن كان الأفراد أرفق به أفرده لقول الله تعالى (ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم) أي ضيق عليكم وشدد، من
قولهم أعنت فلان فلاناً إذا ضيق عليه وشدد ﴿مسألة﴾ (ويجوز تركه في المكتب وأداء الأجرة عنه بغير إذن الحاكم) وحكي لأحمد قول سفيان: لا يسلم الوصي الصبي إلا بإذن الحاكم فأنكر ذلك، وذلك لان المكتب من مصالحه فجرى مجرى نفقته لمأكوله وملبوسه، وكذلك يجوز أن يسلمه في صناعة إذا كانت مصلحته في ذلك لما ذكرناه ﴿مسألة﴾ (ولا يبيع عقارهم إلا لضرورة أو غبطة وهو أن يزاد في ثمنه الثلث فصاعداً) وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع عقاره لغير حاجة لأننا نأمره بالشراء لما فيه من الحظ فبيعه إذا تفويت للحظ فإن احتيج إلى بيعه جاز قال أحمد يجوز للوصي بيع الدور على الصغار إذا كان أحظ لهم وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي واسحاق قالوا يبيع إذا رأى الصلاح، قال القاضي لا يجوز بيعه
الا في موضعين (أحدهما) أن يكون فيه ضرورة إلى كسوة أو نفقة أو قضاء دين أو ما لابد منه وليس له ما تندفع به حاجته (الثاني) أن يكون في بيعه غبطة وهو أن يبذل فيه زيادة كثيرة على ثمن مثله، قال أبو الخطاب كالثلث فما زاد أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه وهذا الذي ذكره شيخنا في المقنع وهو قول في مذهب الشافعي وكلام أحمد يقتضي إباحة البيع في كل موضع يكون نظراً لهم ولا يختص بما ذكروه فإن الولي قد يرى الحظ في غير هذا مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه أو يرى شيئاً في شرائه غبطه لا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره وقد تكون داره بمكان يتضرر الغلام بالمقام فيها لسوء الجوار أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها داراً يصلح له المقام بها وأشباه هذا مما لا ينحصر وقد لا يكون له حظ في بيع عقاره وإن دفع مثلاً ثمنه إما لحاجته إليه وأما لأنه لا يمكن صرف ثمنه في مثله فيضيغ الثمن ولا يبارك فيه فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " من باع داراً أو عقاراً ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه " فلا يجوز بيعه إذا فلا معنى لتقييده بما ذكروه في الجواز ولا في المنع بل متى كان الحظ في بيعه جاز ومالا فلا، وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ﴿مسألة﴾ (وإن وصى لاحدهما بمن يعتق عليه ولا تلزمه نفقته لا عسار الموصى له أو غير ذلك وجب على الولي قبول الوصية) لانه مصلحة ليس فيها ضرر، وإن كانت تلزمه نفقته لم يجز له قبولها لما فيه من الضرر بتفويت ماله بالنفقة عليه (فصل) قال رحمه الله (ومن فك عنه الحجر فعاوده السفه أعيد الحجر عليه) وجملة ذلك أن المحجور عليه إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه ودفع إليه ماله ثم عاد إلى السفه أعيد عليه الحجر وبه
قال القاسم بن محمد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يبتدأ الحجر على بالغ عاقل وتصرفه نافذ، روى ذلك عن ابن سيرين والنخعي لأنه مكلف فلم يحجر عليه كالرشيد.
ولنا ماروى عروة بن الزبير أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا فقال علي لآتين عثمان ليحجر عليك فأتى عبد الله بن جعفر الزبير فقال قدابتعت بيعاً وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي فقال الزبير أنا شريكك في البيع، فأتى على عثمان فقال إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه فقال الزبير أنا شريكه في البيع فقال عثمان كيف أحجر على من شريكه الزبير؟ قال أحمد لم أسمع هذا الا من أبي يوسف القاضي وهذه قضية يشتهر مثلها ولم يخالفها أحد في عصرهم فتكون إجماعاً ولأنه سفيه فحجر عليه كما لو بلغ سفيها فإن العلة التي اقتضت الحجر عليه إذا بلغ سفيها سفهه وهو موجود ولأن السفه لو قارن البلوغ منع دفع ماله إليه فإذا حدث وجب انتزاع المال كالجنون وفارق الرشيد فإن رشده لو قارن البلوغ لم يمنع دفع ماله إليه، إذا ثبت ذلك فلا يحجر عليه الا الحاكم وبهذا قال الشافعي وقال محمد يصير مجحورا عليه بمجرد تبذيره لأن ذلك سبب الحجر