- (مسألة) * (ينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه ما ينفق عليه) إذا لم يوجد مع اللقيط شئ لم يلزم الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملنقط، كوجوب نفقة الولد، وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء منفية فالالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط، تجب نفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه في حديث أبي جميلة: اذهب فهو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، وفي رواية: من بيت المال ولأن بيت المال وإرثه وماله مصروف إليه فكانت نفقته عليه كقرابته ومولاه.
فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لسكونه لا مال فيه أو كان في مكان لا إمام فيه أو لم يعط شيئاً فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه، وحفظه من ذلك واجب كإنقاذه من الغرق وهو فرض كفاية، ومن أنفق عليه متبرعا فلا شئ له سواء كان الملتقط أو غيره، وإن لم يتبرع أحد بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسباً بالرجوع عليه إذا أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصداً بالمعروف وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي والشافعي، فإن أنفق بغير أمر الحاكم محتسباً بالرجوع
عليه فقال أحمد تؤدى النفقة من بيت المال، وقال شريح والنخعي يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه يحلف ما أنفق احتساباً فإن حلف استسعى، وقال الشعبي ومالك والثوري والاوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر لا يرجع بشئ لأنه انفق عليه من غير إذنه ولا إذن وليه ولا إذن الحاكم فلم يرجع بشئ كما لو تبرع به.
ولنا أنه أداء مال وجب على غيره فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه.
- (مسألة) * (ويحكم بإسلامه إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافراً فان كان فيه مسلم فعلى وجهين) .
إذا وجد اللقيط في دار الإسلام فهو محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليباً للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى ودار الإسلام قسمان: (أحدهما) ما اختطه المسلمون كبغداد والبصرة فلقيطها محكوم بإسلامه على ما ذكرنا (الثاني) دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم حكم بإسلام لقيطها لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليباً للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كان أهلها أهل ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال.
فأما بلد الكفار فضربان أحدهما بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كالساحل
فهذا كالقسم الذي قبله وإن كان فيه مسلم حكم بإسلام لقيطه وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر، وقال القاضي يحكم باسلامه أيضاً لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام (الثاني) دار لم تكن للمسلمين أصلاً كبلاد الهند والروم فإن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم ففيه وجهان (أحدهما) يحكم بإسلامه تغليباً للإسلام والثاني يحكم بكفره تغليببا للدار والأكثر وهذا التفصيل مذهب الشافعي وقال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتاً في أي مكان وجد أنه يجب غسله ودفنه في مقابر المسلمين وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
- (مسألة) * (وما وجد معه من فراش تحته أو ثياب أو مال في جيبه أو تحت فراشه أو حيوان مشدود بثيابه فهو له، وإن كان مدفوناً تحته أو مطروحاً قريباً منه فعلى وجهين) وجملة ذلك أن ما وجد مع اللقيط فهو له ينفق عليه منه وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي لأن الطفل يملك وله يد صحيحة بدليل أنه يرث ويوررث ويصح أن يشتري له وليه ويبيع ومن له ملك
صحيح فله يد صحيحة كالبلغ.
إذا ثبت هذا فكل ما كان متصلاً به أو متعلقاً بمنفعته فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكاً له في الظاهر، فمن ذلك ما كان لابساً له أو مشدوداً في ملبوسه أو في يديه أو تحته أو مجعولاً فيه كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتي عليه، وإن كان مشدوداً على دابة أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو دار فهي له وأما المنفصل عنه فإن كان بعيداً منه فليس في يده، وإن كان قريباً منه كثوب موضوع إلى جانبه ففيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك لأنه منفصل عنه فهو كالبعيد (والثاني) هو له ولأن الظاهر أنه ترك له فهو كالذي تحته ولأن القريب من البالغ يكون في يده، الا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده والحمال إذا جلس للاستراحة ترك حمله قريباً منه وهذا أصح، فأما المدفون تحته فقال ابن عقيل أن كان الحفر طرياً فهو له وإلا فلا لأن الظاهر أنه إذا كان طرياً فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طرياً كان مدفوناً قبل وضعه وقيل ليس هو له بحال لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طرياً فلم يكن له إذا كان طرياً كالبعيد منه، ولأن الظاهر أنه لو كان له لشده واضعه في ثيابه ليعلم به ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه وكان ما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة أو الركاز * (مسألة) * (وأولى الناس بحضانته واجده إن كان أميناً لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال عريفه إنه رجل صالح ولأنه سبق إليه فكان أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من
سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " وهل يجب الإشهاد عليه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يجب كما لا يجب الإشهاد في اللقطة (والثاني) يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح، وفارق اللقطة فإن المقصود منها حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع * (مسألة) * (وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكم، وعنه ما يدل على أنه لا ينفق عليه إلا بإذنه) وجملة ذلك أنه ينفق على اللقيط مما وجد معه وما حكم له به فان كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لأنه ذو مال فأشبه غيره من الناس ولملتقطه الإنفاق عليه منه بغير إذن الحاكم ذكره ابن حامد لأنه وليه فلم يعتبر في الإنفاق عليه إذن الحاكم كولي اليتيم ولأن هذا من الأمر بالمعروف فاستوى فيه الإمام وغيره كتبديد الخمر، وروى أبو الحارث عن أحمد في رجل أودع رجلاً مالاً وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب فقال تقوم امرأته إلى الحاكم حتى يأمره بالإنفاق عليهم فلم يجعل له الإنفاق من غير إذن الحاكم فقال بعض أصحابنا هذا مثله والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين (أحدهما) أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله فإن له ولاية أخذه وحفظه (والثاني) أنه ينفق على اللقيط من ماله وهذا بخلافه ولأن الإنفاق على الصبي من مال الله مشروط بكون الصبي محتاجاً إلى ذلك لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه وذلك لا يقيل
فيه قول المدوع فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم ولا كذلك في مسئلتنا فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط، ومتى لم يجد حاكماً فله الإنفاق بكل حال لأنه حال ضرورة وقال الشافعي ليس له أن ينفق بغير إذن حاكم في موضع يجد حاكماً وإن أنفق ضمنه بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير وديعة عند إنسان فأنفق عليه منها وذلك لأنه لا ولاية له على ماله وإنما له حق الحضانة فان لم يجد حاكماً ففي جواز الإنفاق وجهان ولنا ما ذكرناه ابتداء ولا نسلم أنه لا ولاية له على ماله فإنا قد بينا أن له أخذه وحفظه وهو أولى الناس، به وذكرنا الفرق بين اللقيط وبين ما قاسوا عليه.
إذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد حاكماً لأنه أبعد من التهمة وأقطع للظنة وفيه خروج من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق وينبغي أن ينفق، عليه بالمعروف كما ذكرنا في ولي اليتيم فإن بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفق وفي التفريط في الإنفاق فالقول قول المنفق لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك كولي اليتيم.
- (مسألة) * (فإن كان الملتقط فاسقاً لم تقر في يده وهو قول الشافعي) لأن حفظه للولاية عليه ولا ولاية لفاسق وظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يده لقوله وإن لم يكن من وجد اللقيط أميناً منع من السفر به لئلا يدعي رقه، فعلى قوله ينبغي أن يجب الإشهاد عليه ويضم إليه من يشرف عليه لأننا إذا
ضمنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فههنا أولى قال القاضي والمذهب أنه ينزع من يده، ويفارق اللقطة من ثلاثة أوجه (أحدها) أن في اللقطة معنى الكسب وليس ههنا إلا الولاية (الثاني) أن اللقطة لو انزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فلذلك احتطنا عليها مع بقائها في يده وههنا لا يرد إليه بعد الانتزاع منه بحال فكان الانتزاع أحفظ (والثالث) أن المقصود ثم حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها وههنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لأنه قد يدعي رقه في بعض البلدان أو في بعض الزمان ولأن اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاماً واحداً وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه وقد ذكرنا أن ظاهر قول الخرقي أنه لا ينزع منه لأنه قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه وسبقه إليه وأمكن حفظه في يديه بالإشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه ويشيع أمره فيظهر أنه لقيط فينحفظ بذلك من غير زوال ولايته جمعاً بين الحقين كاللقطة وكما لو كان الوصي خائناً، قال شيخنا وما ذكره القاضي من الترجيح للقطة يمكن معارضته بأن اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه بخلاف اللقطة فإنها خفية تتطرق إليها الخيانة ولا يعلم بها ويمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها بخلاف اللقيط، ولأن المال محل الخيانة والنفوس إلى أخذه داعية بخلاف النفوس فعلى هذا متى أراد هذا الملتقط السفر باللقيط منع منه لأنه يبعده ممن عرف حاله فلا يؤمن أن يدعي رقه ويبيعه
(فصل) فإن كان الملتقط مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا خيانة أقر اللقيط في يديه لأن حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام لأن الأصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض فإن أراد السفر بلقيطه ففيه وجهان (أحدهما) لا يقر في يديه وهو مذهب الشافعي لأنه لم تتحقق أمانته فلا تؤمن الخيانة منه فيه (والثاني) يقر في يديه لأنه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه العدل ولأن الظاهر الستر والصيانة، فأما من عرفت عدالته وظهرت أمانته فيقر اللقيط في يده حضراً وسفراً لأنه مأمون إذا كان سفره لغير النقلة * (مسألة) * (فإن كان الملتقط رقيقاً لم يقر في يده) وجملته أنه ليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه لأن منافعه مملوكة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لعبد فإن التقطه لم يقر في يده إلا بإذن السيد فإن أذن له أقر في يده لأنه استعان به في ذلك فصار كما لو التقطه سيده وسلمه إليه، قال ابن عقيل إذا أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه السيد والحكم في الأمة كالحكم في العبد، فأما إن لم يجد أحداً يلتقطه سواه وجب التقاطه لأنه تخليص له
من الهلاك فهو كتخليصه من الغرق، والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن وكذلك المكاتب لأنه ليس له التبرع بماله ولا بمنافعه إلا أن يأذن له سيده في ذلك * (مسألة) * (أو كافراً واللقيط مسلم) ليس للكافر التقاط من حكم بإسلامه لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولأنه لا يؤمن أن يعلمه الكفر بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك كولده فإن التقطه لم يقر في يده فإن كان الطفل محكوماً بكفره فله التقاطه لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض * (مسألة) * (أو بدوياً ينتقل في المواضع ففيه وجهان) (أحدهما) أنه يقر في يده لأن الظاهر أنه ابن بدوبين وإقراره في يد ملتقطه أرجى لكشف نسبه (والثاني) يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لأنه أرفه له وأخف عليه * (مسألة) * (وإن وجده في الحضر وأراد نقله إلى البادية لم يقر في يده لوجهين) (أحدهما) أن مقامه في الحضر أصل له في دينه ودنياه وأرفه له (والثاني) أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به * (مسألة) * (وإن التقطه في البادية مقيم في حلة أقر في يده لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين
- (مسألة) * (وإن التقطه في الحضر من يريد نقله الى بلد آخر للإقامة فيه لم يجز في أحد الوجهين) لأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه فلم يقر في يده قياساً على المنتقل به إلى البادية (والثاني) يقر في يده والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في يده كالمنتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر وفارق المنتقل به إلى البادية لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه * (مسألة) * (وإن التقطه اثنان قدم الموسر على المعسر والحاضر على المسافر فإن استويا وتشاحا أقرع بينهما) إذا التقطه اثنان وتناولاه تناولاً واحداً لم يخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون أحدهما ممن يقر في يده كالمسلم العدل الحر والآخر لا يقر في يديه كالكافر إذا كان الملتقط التقطه وحده ولأن الشريك لو التقطه وحده لم يسلم إليه فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط كان أولى باالتسليم إليه وإقراره في يده (والثاني) أن يكونا جميعاً ممن لا يقر في يدي واحد منهما فإنه ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما (الثالث) أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد إلا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر بأن يكون أحدهما موسراً والآخر معسراً فالموسر أحق لأن ذلك أحظ للطفل وكذلك إن كان أحدهما مقيماً والآخر مسافراً لأنه أرفق بالطفل (فصل) وإن التقط مسلم وكافر طفلاً محكوماً بكفره فالمسلم أحق وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي
هما سواء لأن للكافر ولاية على الكافر ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك ولنا أن دفعه إلى المسلم أحظ له لأنه يصير مسلماً فيسعد في الدنيا والآخرة وينجو من النار ويتخلص من الجزية والصغار، فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في الإنفاق وقد يكون الموسر بخيلاً فلا تحصل التوسعة فإن تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيراً والكافر موسراً فالمسلم أولى لأن النفع الحاصل له بإسلامه أعظم من النفع الحاصل له بيساره مع كفره وعندهم يقدم الكافر وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ فيها باليسار، فإن تساويا وتشاحا أقرع ببنهما وإذا تساويا في الأوصاف التي تقتضي تقديم أحدهما على الآخر فرضي أحدهما بتسليمه إلى صاحبه جاز لأن الحق له فلا يمنع من الإيثار به وإن تشاحا أقرع بينهما لقوله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) ولأنه لا يمكن كونه عندهما في حالة واحدة وإن تهايآه يوماً ويوماً أو أكثر أضر بالطفل لاختلاف الأغذية عليه والأنس والألف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما من غير قرعة لأن حقهما متساو فتقديم أحدهما بغير قرعة تحكم لا يجوز فتعين الإقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة وبين العبيد في الإعتاق والرجل والمرأة سواء ولا
ترجح المرأة ههنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لأنها رجحت ثم لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق به أما ههنا فهي أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستوتا، ومذهب الشافعي على ما ذكرنا فإن كان أحدهما مستور الحال والآخر ظاهر العدالة احتمل ترجيح ظاهر العدالة لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والآخر مشكوك فيه فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أتم ويحتمل أن يتساويا لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح (فصل) فإن رأياه جميعاً فسبق إليه أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه فهو أحق به لقوله عليه السلام " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فإن رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لأن الالتقاط هو الأخذ دون الرؤية فإن قال أحدهما لصاحبه ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق به كما لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وإن نوى مناولته فهو للآخر لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح * (مسألة) * (فإن اختلفا في الملتقط منهما قدم من له بينة) لأنها أقوى فإن كان لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخاً لأن الثاني إنما أخذ ما قد ثبت الحق فيه لغيره فإن استوى تاريخهما أو اطلقتا أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى تعارضتا وهل
يسقطان أو يستعملان؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما (والثاني) يستعملان ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه فهو أولى، ونذكر ذلك في بابه إن شاء الله تعالى فإن كان اللقيط في يد أحدهما فهل تقدم بينته أو تقدم بينة الخارج فيه وجهان مبنيان على الروايتين في دعوى المال * (مسألة) * (فإن لم يكن لهما بينة قدم صاحب اليد فيكون القول قوله مع يمينه أنه التقطه) ذكره أبو الخطاب وهو قول الشافعي وقال القاضي قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " رواه مسلم * (مسألة) * (فإن كان في أيديهما أقرع بينهما فيسلم إلى من تقع له القرعة مع يمينه) وعلى قول القاضي لا يشرع اليمين ههنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له * (مسألة) * (فإن لم يكن لهما يد فوصفه أحدهما قدم) نحو أن يقول في ظهره شامة أو بجسده علامة فيقدم بذلك ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعي المدعى فإن دعواه لا تقدم بذلك ولنا أن هـ؟ انوع من اللقطة فقدم بوصفها كلقطة المال ولأن ذلك يدل على قوة يده فكان
مقدماً بها، وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لأن اللقيط لقطة، وإن لم يصفه أحدهما فقال القاضي وابو الخطاب يسلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه لا حق لهما قال شيخنا والأولى أن يقرع بينهما كما لو كان في أيديهما لأنهما تنازعا حقاً في يد غيرهما أشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما * (فصل) * قال رحمه الله (وميراث اللقيط وديته إن قتل لبيت المال إن لم يخلف وارثاً، ولا ولاء عليه) وإنما يرثه المسلمون لأنهم خولوا كل مال لا مالك له ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط فكذلك اللقيط وهو قول مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وقال شريح واسحاق عليه الولاء لملتقطه لقول عمر رضي الله عنه لأبي جميلة في لقيطه هو حر ولك ولاؤه ولما روى واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه " أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الولاء لمن أعتق " ولأنه لم يثبت عليه رق ولا على آبائه فلم يثبت عليه ولاء كمعروف النسب ولأنه لا ولاء عليه ان كان ابن حرين، وإن كان ابن معتقين فلا يكون عليه ولاء لغير معتقهما وحديث واثلة لا يثبت قاله ابن المنذر وقال في خبر عمر أبو جميلة رجل مجهول لا تقوم بحديثه حجة، ويحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه عنى بقوله لك ولاؤه ولاية القيام به وحفظه ولذلك ذكره عقيب قول عريفه إنه رجل صالح وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأموناً عليه دون الميراث
إذا ثبت هذا فحكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه وانقرض أهله يدفع الى بيت المال إذا لم يكن له وارث فإن كانت له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال كمن عرف نسبه والله أعلم فإن قتل خطأ فالدية لبيت المال لأن حكمها حكم الميراث وهو لبيت المال كذلك الدية * (مسألة) * (وإن قتل عمداً فوليه الإمام إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية) أي ذلك فعل جاز إذا رآه أصلح وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر إلا أن أبا حنيفة يخيره بين القصاص والمصالحة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فالسلطان ولي من لا ولي له " ومتى عفا على مال أو صالح عليه كان لبيت المال كجناية الخطأ الموجبة للمال.
- (مسألة) * (وان قطع طرفه عمداً انتظر بلوغه إلا أن يكون فقيراً مجنوناً فللإمام العفو على مال ينفقه عليه) إذا جنى على اللقيط جناية فيما دون النفس توجب المال قبل بلوغه فلوليه أخذ الأرش وإن كانت موجبة للقصاص وله مال يكفيه وقف الأمر على بلوغه ليقتص أو يعفو سواء كان عاقلاً أو معتوهاً وكذلك إن لم يكن له مال وكان عاقلاً وإن كان معتوهاً فللإمام العفو على مال ينفق عليه لأن المعتوه ليست له حال معلومة تنتظر لأن ذلك قد يدوم به بخلاف العاقل فإن له حالة تنتظر ويحبس الجاني في الحال التي ينتظر بلوغه حتى يبلغ ويستوفي لنفسه وهذا مذهب الشافعي وقد روي عن أحمد أن
للإمام استيفاء القصاص له قبل بلوغه وهو مذهب أبي حنيفة لأنه أحد نوعي القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط كالنفس ولنا أنه قصاص لم يتحتم استيفاؤه فوقف على من هو له كما لو كان بالغاً غائباً، وفارق القصاص في النفس لأن القصاص ليس هو له بل هو لوارثه والإمام المتولي له (فصل) إذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة فهي على بيت المال لأن ميراثه له ونفقته عليه وان جنى جناية لا تحملها العاقلة فحكمه فيها حكم غير اللقيط إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل اقتص منه وإن كانت موجبة للمال وله مال استوفي منه وإلا كان في ذمته حتى يوسر وإن قذف اللقيط بعد بلوغه محصناً حد ثمانين لأنه حر * (مسألة) * وإن ادعى الجاني عليه أو قاذفه رقه وكذبه اللقيط بعد بلوغه فالقول قول اللقيط) إذا قذف اللقيط قاذف وهو محصن فعليه الحد فإن ادعى القاذف رقه فصدقه اللقيط سقط الحد لإقرار المستحق بسقوطه وإن ادعى أنه عبد فصدقه وجب على القاذف التعزير لقذفه من ليس بمحصن وإن كذبه اللقيط فالقول قوله لأنه محكوم بحريته فقوله موافق للظاهر ولذلك أوجبنا عليه حد الحر إذا كان قاذفاً، وإن ادعى الجاني رقه وكذبه اللقيط وادعى الحرية أوجبنا له القصاص وإن كان الجاني
حراً لما ذكرنا، قال شيخنا ويحتمل أن يكون القول قول القاذف لأنه يحتمل صحة قوله بأن يكون ابن أمة فيكون ذلك شبهة والحد يندرئ بالشبهات، وفارق القصاص له إذا ادعى الجاني عليه أنه عبد لأن القصاص ليس بحد وإنما وجب حقاً لآدمي ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله بخلاف حد القذف وإن قلنا أن القذف حق لآدمي فهو كالقصاص ويخرج من هذا أن اللقيط إذا كان قاذفاً فادعى أنه عبد ليجب عليه حد العبد قبل منه لذلك والأول أصح لأن من كان محكوماً بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقه بدليل مجهول النسب ولو سقط لهذا الاحتمال لسقط وإن لم يدع القاذف رقه لأنه موجود وإن لم يدعه.
- (مسألة) * (وإذا ادعى إنسان أنه مملوكه لم يقبل إلا ببينة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ويحتمل أن لا يعتبر قولها في ملكه) وجملة ذلك أنه إذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لأنها ممكنة وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم يكن له بينة فلا شئ له لأنها دعوى تخالف الظاهر، وتفارق دعوى النسب من وجهين (أحدهما) إن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق تخالفه (والثاني) أن دعوى النسب يثبت بها حقاً للقيط ودعوى الرق يثبت بها حقاً عليه فلم تقبل بمجردها كما لو ادعى رق غير اللقيط فإن لم يكن له بينة سقطت الدعوى وإن كانت له بينة فشسهدت بالملك أو باليد لم يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل
وامرأتين وإن شهدت بالولادة قبل فيه رجل واحد وامرأة واحدة لأنه مما لا يطلع عليه الرجال ومتى شهدت البينة باليد فإن كانت للملتقط لم يثبت بها ملك لأننا عرفنا سبب يده وإن كانت لأجنبي حكم له باليد والقول قوله مع يمينه في الملك، وإن شهدت بالملك فقالت نشهد أنه عبده أو مملوكه حكم بها وإن لم تذكر سبب الملك كما لو شهدت بملك دار أو ثوب فإن شهدت بأن أمته ولدته في ملكه حكم له به لأن أمته لا تلد في ملكه إلا ملكه وإن شهد أنه ابن أمته أو أن أمته ولدته ولم يقل في ملكه احتمل أن يثبت له الملك بذلك كقولها في ملكه لأن أمته ملكه فنماؤها ملكه كسمنها واحتمل أن لا يثبت به الملك لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه إياها فلا يكون له وهو ابن أمته (فصل) فإن كانت الدعوى بعد بلوغ اللقيط كلف إجابته فإن أنكر ولا بينة للمدعي لم تقبل دعواه وإن كانت له بينة حكم بها فإن كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء نقضت تصرفاته لأن تصرفه كان بغير إذن مالكه.
- (مسألة) * (وإن أقر بالرق بعد بلوغه لم يقبل وعنه يقبل وقال القاضي يقبل فيما عليه رواية واحدة وهل يقبل في غيره؟ على روايتين) إذا ادعى إنسان رق اللقيط بعد بلوغه فصدقه وكان قد اعترف بالحرية لنفسه قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق لأنه اعترف بالحرية وهي حق لله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطالها، وإن لم يكن اعترف
بالحرية احتمل وجهين (أحدهما) يقبل وهو قول أصحاب الرأي لأنه مجهول الحال أقر بالرق فقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما للآخر بالرق وكإقراره بالحد والقصاص في نفسه فإنه يقبل وإن تضمن فوات نفسه ويحتمل أن لا يقبل قال شيخنا وهو الصحيح لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح كما لو أقر بالحرية قبل ذلك ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلاً وهذا قول ابن القاسم وابن المنذر وللشافعي وجهان كما ذكرنا فإن قلنا يقبل إقراره صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه خاصة وهذا الذي قاله القاضي، وبه قال أبو حنيفة والمزني وهو أحد قولي الشافعي لأنه أقر بما يوجب حقاً عليه وحقاً له فوجب أن يثبت ما عليه دون ما له كما لو قال لفلان علي ألف ولي عنده رهن وفيه وجه آخر أنه يقبل إقراره في الجميع وهو القول الثاني للشافعي لأنه يثبت ما عليه فيثبت ماله كالبينة ولأن هذه الأحكام تبع للرق فإذا ثبت الأصل بقوله ثبت التبع كما لو شهدت امرأة بالولادة ثبتت وثبت النسب تبعاً لها (فصل) فأما إن أقر بالرق ابتداء الانسان فصدقه فهو كما لو أقر به جواباً وإن كذبه بطل إقراره فإن أقر به بعد ذلك لرجل آخر جاز، وقال بعض أصحابنا يتوجه أن لا يسمع إقراره الثاني لأن إقراره الأول يتضمن الاعتراف بنفي مالك له سوى المقر له فإذا بطل إقراره برد المقر له بقي الاعتراف بنفي مالك له غيره فلم يقبل إقراره بما نفاه كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق
ولنا أنه إقرار لم يقبله المقر له فلم يمنع إقراره ثانياً كما لو اقر له بثوب ثم أقر به لآخر بعد رد الأول وفارق الإقرار بالحرية فإن الإقرار بها لم يبطل ولم يرد (فصل) فإذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه وهو ذكر وكان قبل الدخول فسد النكاح في حقه لأنه عبد تزوج بغير إذن مواليه ولها عليه نصف المهر لأنه حق عليه فلم يسقط بقوله وإن كان بعد الدخول فسد نكاحه وليه المهر كله لما ذكرنا لأن الزوج يملك الطلاق فإذا أقر به قبل وولده حر تابع لأمه وإن كان متزوجاً بأمة فولده لسيدها ويتعلق المهر برقبته لأن ذلك من جناياته يفديه سيده أو يسلمه وإن كان في يده كسب استوفي المهر منه لأنه لم يثبت إقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته ولا ينقطع حقها منه بإقراره، وإن قلنا يقبل قوله في جميع الأحكام فالنكاح فاسد لكونه تزوج بغير إذن سيده ويفرق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها فلها عليه المهر المسمى في إحدى الروايتين والأخرى خمساه (فصل) وإن كان اللقيط أنثى وقلنا يقبل فيما عليه خاصة فالنكاح صحيح في حقه فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها لإقرارها بفساد نكاحها أو أنها أمة تزوجت بغير إذن سيدها والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول وإن كان دخل بها لم يسقط مهرها ولسيدها الأقل من المسمى أو مهر المثل لأن المسمى إن كان أقل فالزوج ينكر وجوب الزيادة عليه وقولها غير مقبول في حقه وإن كان الأقل مهر المثل فهي وسيدها يقران بفساد النكاح وإن الواجب مهر المثل فلا يجب أكثر منه إلا
على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد فيجب ههنا قل أو كثر لإقرار الزوج بوجوبه، وأما الأولاد فأحرار لا تحب قيمتهم لأنها لو وجبت لوجبت بقولها ولا يجب بقولها حق على غيرها ولا يثبت الرق في حق أولادها بقولها فأما إبقاء النكاح فيقال للزوج قد ثبت أنها أمة ولدها رقيق لسيدها فإن اخترت المقام على ذلك فأقم وإن شئت ففارقها وسواء كان ممن يجوز له نكاح الإماء أو لم يكن لأننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه لكان إفساداً للعقد جميعه بقولها لأن شروط نكاح الأمة لا تعتبر في استدامة العقد إنما تعتبر في ابتدائه فإن قيل فقد قبلتم قولها في أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج قلنا لم يقبل قولها في إيجاب حق لم يدخل في العقد عليه فأما الحكم في المستقبل فيمكن إبقاء حقه وحق من ثبت له الرق عليها بأن يطلقها فلا يلزمه ما لم يدخل عليه أو يقيم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها فإن طلقها اعتدت عدة الحرة لأن عدة الطلاق حق للزوج بدليل أنها لا تجب إلا بالدخول وسببها النكاح السابق فلا يقبل قولها في تنقيصها وإن مات اعتدت عدة الأمة لأن المغلب فيها حق الله تعالى بدليل وجوبها قبل الدخول فقبل قولها فيها وإن قلنا بقبول قولها في جميع الاحكام فهي أمة تزوجت بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد ويفرق بينهما ولا مهر لها إن كان قبل الدخول وإن كان دخل بها وجب لها مهر أمة تزوجت بغير إذن سيدها على ما ذكر في موضعه، وهل يجب مهر المثل أو المسمى؟ فيه روايتان، وتعتد حيضتين لأنه وطئ في نكاح فاسد وأولاده أحرار
لاعتقاده حريتها فهو مغرور عليه قيمتهم يوم الوضع وإن مات فليس عليها عدة الوفاة.
(فصل) فإن كان قد تصرف ببيع أو شراء فتصرفه صحيح وما عليه من الحقوق والأثمان يؤدى مما في يده وما بقي ففي ذمته لأن معامله لا يقر برقه وان قلنا بقبوله إقراره في جميع الاحكام فسدت عقوده كلها ووجب رد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية وإن كانت تالفة وجبت قيمتها في رقبته أو في ذمته على ما ذكرنا في استدانة العبد لأنه ثبت برضى صاحبه (فصل) فإن كان قد جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود حراً كان المجني عليه أو عبداً لأن إقراره بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبداً أو حراً فقبل إقراره فيه وإن كانت الجناية خطأ تعلق أرشها برقبته لان ذك مضر به فإن كان أرشها أكثر من قيمته وكان في يده مال استوفي منه، وإن كان مما تحمله العاقلة لم يقبل قوله في إسقاط الزيادة لان ذك يضر بالمجني عليه فلا يقبل قوله فيه وقيل تجب الزيادة في بيت المال لأن ذلك كان واجباً للمجني عليه فلا يقبل قوله في إسقاطه وإن جنى عليه جناية موجبة للقود وكان الجاني حراً سقط لأن الحر لا يقاد بالعبد وقد أقر المجني عليه بما يسقط القصاص وإن كانت موجبة للمال تقل بالرق وجب أقل الأمرين وإن كان مساوياً للواجب قبل الإقرار وجب ويدفع الواجب إلى سيده وإن كان الواجب يكثر لكونه قيمته عبداً أكثر من ديته حراً لم يجب إلا أرش الجناية على الحر وإن قلنا يقبل قوله في جميع الأحكام وجب
أرش الجناية على العبد وإن كان الأرش تحمله العاقلة إذا كان حراً سقط عن العاقلة ولم يجب على الجاني لأن إقراره بالرق يتضمن إقراره بالسقوط عن العاقلة ولم يقبل إقراره على الجاني فسقط، وقيل لا يتحول عن العاقلة وعلى قول من قال: يقبل إقراره في الأحكام كلها يوجب الأرش على الجاني والله أعلم
- (مسألة) * (وإن قال إني كافر لم يقبل قوله وحكمه حكم المرتد، وقيل يقبل إلا أن يكون قد نطق بالإسلام وهو لا يعقله) وجملة ذلك إنا في الموضع الذي حكمنا بإسلام اللقيط إنما ذلك ظاهراً لا يقيناً لاحتمال أن يكون ولد كافرين ولهذا لو أقام كافر بينة انه ولده ولد على فراشه حكمنا له به وسنذكر ذلك، ومتى بلغ اللقيط حداً يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره ولا يقبل إقراره بالكفر بعد ذلك لأنه إنكار بعد إقراره فلا يقبل كغيره وإن وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه بالدار فهو مرتد لا يقر على كفره، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر القاضي وجهاً أنه يقر على كفره، وهو منصوص الشافعي لأن قوله أقوى من ظاهر الدار وهذا وجه بعيد لأن دليل الإسلام وجد عرياً عن المعارض فثبت حكمه واستقر فلا تجوز إزالة حكمه كما لو كان ابن مسلم ولأن قوله لا دلالة فيه أصلاً لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه؟ وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل فأما على قولهم فقال القاضي إن وصف
كفراً يقر عليه بالجزية عقدت له الذمة، فإن امتنع من التزامها ووصف كفراً لا يقر أهله ألحق بمأمنه، قال شيخنا وهذا بعيد جداً فإن هذا اللقيط لا يخلو إما أن يكون ابن حربي فهو حاصل في أيدي المسلمين بغير عهد ولا عقد فيكون لواجده ويصير مسلما باسلام سابيه، أو يكون ابن ذميين أو أحدهما ذمي فلا يقر على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب، أو يكون ابن مسلم أو مسلمين فيكون مسلماً، وقد قال أحمد في أمة نصرانية ولدت من فجور، ولدها مسلم لأن أبويه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه إلا أمه، وإذا لم يكن لهذا الولد حال يحتمل أن يقر فيها على دين لا يقر أهله عليه فكيف يرد إليه دار الحرب؟ * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإن أقر إنسان أنه ولده الحق به مسلما كان أو كافراً رجلاً أو امرأة حياً كان اللقيط أو ميتاً) وجملة ذلك أنه إذا ادعى مدع نسب اللقيط لم يخل من قسمين (أحدهما) أن يدعيه واحد ينفرد بدعوته فإن كان المدعى حراً مسلماً لحقه نسبه إذا أمكن أن يكون منه بغير خلاف بين أهل العلم، لأن الإقرار محض يقع للطفل لإيصال نسبه ولا ضرر على غيره فيه فقبل كما لو أقر له بمال فإن كان المقر به ملتقطه أقر في يده، وإن كان غيره فله أن ينزعه من الملتقط لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق به كما لو قامت به بينة.
(فصل) فإن كان المدعي عبداً ألحق به لأن لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر وهذا قول الشافعي وغيره غير أنه لا تثبت له حضانة لأنه مشغول بخدمة سيده ولا تجب عليه نفقته لأنه لا مال له ولا تجب على سيده لأن الطفل محكوم بحريته فعلى هذا تكون نفقته في بيت المال (فصل) فإن كان المدعي ذمياً لحق به لأنه أقوى من العبد في ثبوت الفراش فان يثبت له النكاح والوطئ في الملك وقال أبو ثور لا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه ولنا أنه أقر بنسب مجهول النسب يمكن أن يكون منه وليس في إقراره إضرار لغيره فيثبت إقراره كالمسلم.
- (مسألة) * ولا يتبع الكافر في دينه إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه) وجملة ذلك أنه يتبع الكافر في النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته ولا يسلم إليه لأنه لا ولاية للكافر على المسلم وقال الشافعي في أحد قوليه يتبعه في دينه لأن كل ما لحق به بنسبه لحقه به في دينه كالبينة إلا أنه يحال بينه وبينه ولنا أن هذا محكوم بإسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب ولأنها دعوى تخالف الظاهر فلم تقبل بمجردها كدعوى رقه، ولأنه لو تبعه في دينه لم يقبل إقراره بنسبه لأنه يكون إضراراً به فلا يقبل كدعوى الرق، أما مجرد النسب بدون إتباعه في الدين فمصلحة عارية
عن الضرر فقبل قوله فيه ولا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزي في الدنيا والآخرة، فإن أقام بينة أنه ولد على فراشه لحق به نسباً وديناً كذلك ذكره ههنا وهو قول بعض أصحابنا لأنه ثبت أنه ابنه ببينة، وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تشهد البينة أنه ولد كافرين حيين لأن الطفل يحكم بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته (فصل) فإن كان المدعي امراة فروي عن أحمد أن دعوتها تقبل ويلحقها نسبه لأنها أحد الابوبن أشبهت الأب، ولأنه يمكن كونه منها كما يمكن أن يكون من الرجل بل أكثر لأنها تأتي به من زوج ووطئ شبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، وقد روي في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها فحكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به، ولذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته، فإن قيل الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى ومن أمته والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها ولا يحل لغيره وطؤها قلنا يمكن أن تلد من وطئ شبهة أو غيره، وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجوداً قبل تزوجها بهذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر، فإن قيل إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة ودفع العار عن الصبي وصيانته عن النسبة
إلى كونه ولد زنا ولا يحصل هذا بإلحاق نسبه بالمرأة بل في إلحاق نسبه بها دون زوجها يطرق العار إليه وإليها قلنا بل قبلنا دعواه لأنه يدعي حقاً لا منازع له فيه ولا مضرة فيه على أحد فقبل قوله فيه كدعوى المال وهذا متحقق في دعوى المرأة، وروى عن أحمد أنها إن كانت ذات زوج لم يثبت النسب بدعوتها لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضائه أو إلى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به وإن لم يكن لها زوج قبلت دعوتها لعدم الضرر، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي أيضاً، وروى عن أحمد رواية ثالثة نقلها الكوسنج عن أحمد في امرأة ادعت ولداً إن كان لها إخوة أو نسب معروف فلا تصدق إلا ببينة وإن لم يكن لها دافع لم يخل بينهما وبينه لأنه إذا كان لها أهل وناس معروف لم تخف ولادتها عليهم ويتضررون بإلحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل قال شيخنا ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعوتها بحال وهذا قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوة المرأة لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها ولنا أنها أحد الوالدين أشبهت الأب وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل فان يمكنه إقامة
البينة ان هذا ولد على فراشه وإن كان المدعي أمة أي كالحرة إلا أنا إذا قبلنا دعوتها في نسبه لم نقبل قولها في رقه لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر * (مسألة) * (فإن ادعان اثنان أو أكثر لأحدهما بينة قدم بها فإن استووا في بينة أو عدمها عرض معهما على القافة أو مع أقاربهما إن ماتا) الكلام في ذلك في فصول (أحدها) أنه إذا ادعاه مسلم وكافر وحر وعبد فهما سواء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسلم أولى من الذمي والحر أولى من العبد لأن على اللقيط ضرراً في إلحاقه بالعبد والذمي فيكون إلحاقه بالحر المسلم أولى كما لو تنازعوا في الحضانة ولنا أن كل واحد لو انفرد صحت دعوته فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين وما ذكروه من الضرر لا يتحقق فإننا لا نحكم برقه ولا كفره ولا يشبه النسب الحضانة بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضري ولا نقدمهما في دعوى النسب ولأن الحضانة انما يراعي فيهما حق الطفل حسب وههنا ينبغي أن يراعى حق المدعي أيضاً قال إبن المنذر إذا كان عند امرأته أمة في أيديهما صبي فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته وأقام العبد بينة بدعواه فهو ابنه في قول أبي ثور وغيره وقال أصحاب الرأي يقضى به للعربي للعتق الذي يدخل فيه وكذلك إن كان المدعي من الموالي عندهم قال شيخنا وهذا غير صحيح لأن العرب وغيرهم في أحكام الله تعالى ولحوق النسب بهم سواء.
(الفصل الثاني) أنه إذا ادعاه اثنان أو أكثر وكان لأحدهما بينة فهو ابنه وإن أقام كل واحد
منهم بينة تعارضت وسقطت لأنه لا يمكن استعمالها ههنا لأن استعمالها في المال إما بقسمته بين المتنازعين ولا يمكن ههنا أو بالقرعة لا يثبت بها النسب فإن قيل إنما يثبت ههنا بالبينة لا بالقرعة وإنما القرعة مرجحة قلنا فيلزم أنه إذا اشترك رجلان في وطئ امرأة وأتت بولد أن يقرع بينهما ويكون لحوقه بالوطئ لا بالقرعة (الفصل الثالث) أنه إذا لم تكن بينة أو تعارضت بينتان وسقطتا أري القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فنلحقه بمن ألحقته به منهما هذا قول أنس وعطاء والاوزاعي والليث والشافعي وأبي وقال أصحاب الرأي لا حكم للقافة ويلحق بالمدعيين جميعاً لأن الحكم بالقيافة مبني على الشبه والظن والتخمين فان اشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن رجلاً أتاه فقال يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال " هل لك من ابل؟ قال نعم - قال - فما الوانها؟ قال حمر - قال فيها من أورق؟ قال - نعم - قال أين أتاها ذلك؟ قال لعل عرقاً نزع قال - وهذا لعل عرقاً نزع " متفق عليه قالوا ولو كان الشبه كافياً لاكتفي به في ولد الملاعنة وفيها إذا أقر أحد الورثة بأخ فأنكره الباقون.
ولنا ما روى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسروراً تبرق
أسارير وجهه فقال " ألم تري أن محرزاً نظر آنفاً إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟ " متفق عليه فلولا جواز الاعتماد على القيافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعاً ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة " انظروها فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها وإن جاءت به جعداً جمالياً سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو الذي رميت به " فأتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " فحكم به النبي صلى الله عليه وسلم الذي أشبهه منهما وقوله " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الإيمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة حين رأى به شبهاً بيناً بعتبة بن أبي وقاص احتجبي منه يا سودة فعمل بالشبه في حجب سودة فإن قيل فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما بل ألحق الولد بزمعة وقال لعبد بن زمعة " هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في اقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف قلنا إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة لأن الفراش أقوى وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض
عنها إذا خلت عن المعارض ولذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل إيمانها بدليل قوله " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب، فإن الحد في الزنا لا يثبت إلا بأقوى البينات وأكثرها عدداً وأقوى الاقرار حتى يعبر فيه تكراره أربع مرات وتدرأ بالشبهات، والنسب يثبت بشهادة امرأة على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى مع ظهور انتفائه حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب منذ عشرين سنة لحقه ولدها فكيف يجنح إلى نفيه بعدم إقامة الحد؟ ولأنه حكم بظن غالب ورأي راجح ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين وقولهم أن الشبه يجوز وجوده وعدمه قلنا الظاهر وجوده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت أم سلمة أو ترى ذلك المرأة؟ قال " فمن أين يكون الشبه، والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم لأن إنكار الرجل ولده لمخالقة لونه لونه وعزمه على نفيه لذلك يدل على أن العادة خلافه وإن في طباع الناس إنكاره فإن ذلك إنما يوجد نادراً وإنما الحقه النبي صلى الله عليه وسلم به لوجود الفراش وتجوز مخالفة الظاهر للدليل ولا يجوز تركه لغير دليل ولأن ضعفه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته، فإن النسب يحتاط له لاثباته ويثبت بأدنى دليل ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وإنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة كما أن الحد لما انتفى بالشبهة لم يثبت إلا بأقوى دليل فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به
النسب في مسئلتنا، فإن قيل فههنا إذا عملتم بالقيافة فقد نفيم النسب عمن لم تلحقه القافة به قلنا إنما انتسب ههنا لعدم دليله لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى وقد عارضها مثلها فسقط حكمها وكان الشبه مرجحاً
لأحدهما فانتفت دلالة الأخرى فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله، وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها عند عدمها.
(فصل) والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف، وقيل أكثر ما يكون في بني مدلج رهط محرز الذي رأى أسامة وزيداً قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض، وكان إياس بن معاوية المزني قائفاً وكذلك قيل في شريح * (مسألة) * (فإن ألحقته بأحدهما لحق به ليرجح جانبه وإن ألحقته بهما لحق بهما وكان ابنها يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعاً ميراث أب واحد) يروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وهو قول أبي ثور وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى، وقال الشافعي لا يلحق بأكثر من واحد فإن ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم به واحتج برواية عن عمر رضي الله عنه أن القافة قالت اشتركا فيه، فقال عمر وال أيهما شئت ولأنه لا يتصور كونه من رجلين فإذا ألحقته القافة بهما تبينا كذبهما فسقط قولهما كما لو ألحقته بأمين ولأن المتداعيين
لو اتفقا على ذلك لم يثبت، ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا، ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما ولنا ما روى سعيد في سننه ثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال الافئف قد اشتركا فيه جميعاً فجعله بينهما، وبإسناده عن الشعبي قال وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه، رواه الزبير بن بكار بإسناده عن عمر، وقال الإمام أحمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما، وقال قابوس عن أبيه عن علي جعله بينهما، وروى الأثرم باسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاماً يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فدعى القافة فنظروا فقالوا نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه، قال سعيد عصبته الباقي منهما وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته وإن صح فيحتمل أنه ترك
قولهما لأمر آخر إما لعدم ثقتها وإما لأنه ظهر له من قولهما واختلافه ما يوجب تركه فلا ينحصر المانع من قبول قولهما أنهما اشتركا فيه.
قال أحمد إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه، فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شئ، ومعنى قوله هو للباقي منهما والله أعلم أنه يرثه ميراث أب كامل كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما تأخذه الجدات، والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات.
- (مسألة) *) ولا يلحق بأكثر من أم واحدة) إذا ادعت امرأتان نسب اللقيط فهو مبني على قبول دعوتهما، وقد ذكرنا ذلك، وإن كانت إحداهما ممن تقبل دعوتها دون الأخرى فهو ابنها كالمنفردة، وإن كانتا ممن لا تقبل دعوتهما فوجودها كعدمها وإن كانتا جميعاً ممن تقبل دعوتهما فهما في إثباته بالبينة وكونه يرى القافة عند عدمها أو تعارضهما كالرجلين) . قال أحمد في رواية بكر بن محمد في يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل يرى القافة فقال ما أحسنه، ولأن الشبه يوجد بينهما وبين ابنها كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصها بحمله وتعذيته، والكافرة والمسلمة، والحرة والأمة، في الدعوة واحدة كقولنا في الرجال، وهذا قول أصحاب الشافعي على الوجه الذي يقولون بقبول دعوتها، إذا ثبت ذلك فإنه لا يلحق بأكثر من أم واحدة، فإن ألحقته القافة بأمين سقط قولهما لأننا لا نعلم خصأه قطعاً، وقال أصحاب الرأي يلحق بهما بمجرد الدعوى لأن الأم أحد الأبوين فجاز أن يلحق باثنتين كالآباء ولنا أن هذا محال يقيناً فلم يجز الحكم به كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما بخلاف الرجلين فإن كونه منهما ممكن فإنه يجوز اجتماع نطفتي الرجلين في رحم امرأة فيمكن أن يخلق منهما ولدكما يخلق من نطفة الرجل وامرأة ولذلك فال القائف لعمر قد اشتركا فيه ولا يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه إلحاقه بمن يستحيل ذلك منه كما لا يلزم من إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه
(فصل) فإن ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافي بينهما لإمكان كونه منهما بنكاح كان بينهما أو وطئ شبهة فيلحق
بهما جميعاً ويكون ابنهما بمجرد دعوتهما كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوة وإن قال الرجل هذا ابني من زوجتي وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة أخرى فهو ابن الرجل وترجح زوجته على الأخرى لأن زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه، ويحتمل أن يستاويا لأن كل واحدة منهما لو انفردت ألحق بها فإذا اجتمعتا تساوتا (فصل) ولو ولدت امرأتان ابناً وبنتاً فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها احتمل وجهين (أحدهما) أن يرى المرأتان القافة مع الولدين فيلحق كل منهما بمن ألحقته به كما لو لم يكن لهما ولد آخر.
(والثاني) يعرض لبنهما على أهل الطب والمعرفة فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في طبعه وزنته وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند أهل المعرفة فمن كان لبنها لبن فهو ولدها والبنت للأخرى، فإن لم يوجد قافة اعتبر باللبن خاصة فأما إن تنازعا أحد الوالدين وهما ذكران أو ابنتان عرضوا على القافة كما ذكرنا فيما تقدم (فصل) فإن ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي فإن كان ابناً فهو لمدعيه وإن كان بنتاً فهي لمدعيها لأن كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه فإن كان خنثى مشكلاً أري القافة لأنه ليس قوله كل واحد منهما أولى من الآخر، فإن أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فالحكم فيها كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى لأن بينة الكاذب منهما كاذبة فوجودها كعدمها والأخرى صادقة فيتعين الحكم بها
- (مسألة) * (فإن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم لحق وإن كثروا) وقد نص أحمد في رواية مهنا أنه يلحق بثلاثة، ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة وإن كثروا، وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف لأننا صرنا إلى ذلك للأثر فيقتصر عليه وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي ذلك عن أبي يوسف أيضاً ولنا أن المعنى الذي لأجله ألحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه، وإذا جاز أن يخلق من اثنين جاز أن يخلق من أكثر منهما، وقولهم: إن إلحاقه باثنين على خلاف الأصل ممنوع وإن سلمناه لكنه ثبت لمعنى موجود في غيره فيجب تعدية الحكم به كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل ولا يمنع من أن يقاس على ذلك مال الغير والصيد الحرمي وغيرهما من المحرمات لوجود المعنى وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك، وأما قول من قال يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد عليه فتحكم فإنه لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدى الحكم إلى ما في معناه ولا نعلم في الثلاثة معنى خاصاً يقتضي إلحاق النسب بهم دون ما زاد عليهم فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم * (مسألة) * (فإن نفته القافة عنهم أو أشكل عليهم أو لم يوجد قافة ضاع نسبه في أحد الوجهين وفي الآخر يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء أومأ إليه أحمد) وجملة ذلك أنه إذا ادعاه أكثر من واحد وأري القافة فنفته عنهم أو لم يوجد قافة أو تعارضت أقوالهم أو لم يوجد من يوثق بقوله لم يرجح أحدهم بذكر علامة في جسده لأن ذك لا يرجح به في سائر الدعاوي سوى الالتقاط في المال واللقيط ليس بمال، فعلى هذا يضيع نسيه، هذا قول أبي بكر لأنه
لا دليل لأحدهم أشبه من لم يدع أحد نسبه، وقال ابن حامد نتركه حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء منهم قال القاضي وقد أومأ أحمد إلى هذا في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد إلى أن الابن يخير أيهما أحب وهو قول الشافعي في الجديد وقال في القديم حتى يميز لقول عمر: وال أيهما شئت ولأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره ولأنه مجهول النسب أقر به من هو من أهل الإقرار فثبت نسبه كما لو انفرد، وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى لأن كل واحد منهم لو انفرد سمعت دعواه فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما وجب كما لو اقر له بمال ولنا أن دعواهما تعارضت ولا حجة لواحد منهما فلم يثبت كما لو ادعى رقه وليس هو في أيديهما قال شيخنا وقول أبي بكر أقرب لما ذكرنا وقولهم يميل طبعه إلى قرابته قلنا انما يميل إلى قرابته بعد معرفة أنه قرابته فالمعرفة بذلك سبب الميل فلا يثبت قبله ولو سلم ذلك فإنه يميل أيضاً إلى من أحسن إليه فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه وقد يميل إلى أحسنهما خلقاً وأعظمهما قدراً أو جاهاً أو مالاً فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب، ولا خلاف بين أصحابنا في أنه لا يثبت نسبه بالانتساب قبل البلوغ، قولهم أنه صدق المقر بنسبة قلنا لا يحل له تصديقه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من ادعى إلى غير أبيه وهذا يعلم أنه أبوه فلا نأمن أن يكون ملعوناً بتصديقه، ويفارق ما إذا انفرد فإن المنفرد يثبت النسب بقوله من غير تصديق، وقول عمر رضي الله عنه وال أيهما شئت لم يثبت ولو ثبت لم يكن فيه حجة لأنه إنما أمره بالموالاة لا بالانتساب وعلى قول من جعل له الانتساب إلى أحدهما إذا انتسب إلى أحدهما ثم عاد فانتسب إلى الآخر أو نفى نسبه من الأول ولم
ينتسب إلى أحد لم يقبل منه لأنه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره ويفارق الصبي الذي يخير بين أبويه فيختار أحدهما ثم يرد إلى الآخر إذا اختاره فإنه لا حكم لقول الصبي وإنما تبع اختياره وشهوته فهو كما لو اشتهى طعاماً في يوم وغيره في يوم آخر، فأما إن قامت للآخر بينة بنسبه عمل بها لأنها تبطل قول القافة الذي هو مقدم على الانتساب فأولى أن تبطل الانتساب وإن وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب إليه بطل انتسابه لأنه أقوى فبطل به الانتساب كالبينة مع القافة * (مسألة) * وكذلك الحكم إن وطئ امرأة اثنان بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر واحد أو وطئت زوجة رجل أو أم ولده بشبهة وأتت بولد يمكن أن يكون منه فادعى الزوج أنه من الواطئ أري القافة معهما) كاللقيط فألحق بمن ألحقوه به منهما سواء ادعياه أو جحداه أو أحدهما وقد ثبت الافتراش ذكره القاضي وشرط أبو الخطاب في وطئ الزوجة أن يدعي الزوج أنه من الشبهة ذكره في المحرر وكذلك إن تزوجها كل واحد منهما تزويجاً فاسداً وكان نكاح أحدهما صحيحاً والآخر فاسداً مثل أن يطلق امرأته فينكحها غيره في عدتها ويطؤها أو يبيع أمة فيطؤها المشتري قبل استبرائها وتأتي بولد يمكن أن يكون منهما فإنه يرى القافة معما فبأيهما ألحقوه لحق، والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط على ما ذكرنا * (مسألة) * (ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة) وفي اعتبار حريته وجهان من المحرر قول القافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة، وقد قيل أكثر ما يكون ذلك في بني مدلج رهط محرز المدلجي وكان إياس بن معاوية المزني قائفاً ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة لأن قوله حكم فاعتبرت له هذه الشروط، قال القاضي في معرفة القائف بالتجربة هو أن يترك الصبي مع عشرة رجال غير من يدعيه ويرى إياهم فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لتبين خطئه وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين منهم مدعيه فان ألحقه به لحق، ولو اعتبر بأن يرى صبياً معروف النسب مع قوم فيه أبوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه عرفت إصابته وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته ولو لم يجربه بعد أن يكون مشهوراً بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز، فقد روي أن رجلاً شريفاً شك في ولده من جاريته وأبى أن يستلحقه فمر به إياس بن معاوية في المكتب ولا يعرفه فقال له ادع لي أباك فقال له المعلم ومن أبو هذا؟ قال فلان، قال من أين علمت أنه أبوه؟ قال هو أشبه به من الغراب بالغراب فقام المعلم مسروراً إلى أبيه فأعلمه بقول إياس فخرج
الرجل وسأل إياساً من أين علمت أن هذا ولدي؟ فقال سبحان الله وهل يخفى ذلك على أحد أنه لأشبه بك من الغراب بالغراب فسر الرجل واستلحق ولده (فصل) نقل عن أحمد أنه لا يقبل إلا قول اثنين من القافة ولفظ الشهادة منهما فروى عنه الأثرم أنه قيل له إذا قال أحد القافة هو لهذا وقال الآخر هو لهذا قال لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا فهو لهذا لأنه قول يثبت به النسب أشبه الشهادة ولأنه حكم بالشبه في الخلقة فاعتبر فيه اثنان كالحكم بالمثل في جزاء الصيد، وقال القاضي يقبل قول الواحد لانه حكم ويكتفي في الحكم قول واحد وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بقول محرز وحده فإن قال اثنان قولاً وخالفهما واحد فقولهما أولى لأنه أقوى من قول واحد، وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع، فإن عارض قول اثنين قول ثلاثة أو أكثر لم يرجح وسقط الجميع كما لو كانت إحدى البينتين اثنين والأخرى ثلاثة فأما إن ألحقته القافة بواحد فجاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان للأول لأن قول القائف جرى مجرى حكم الحاكم إذا حكم حكماً لم ينتقض بمخالفة غيره ولذلك لو ألحقته بواحد ثم عادت فألحقته بغيره كذلك، وإن أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له وسقط قول القائف لأنه بدل فسقط بوجود الأصل كالتيمم مع الماء (فصل) وإذا ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ولا رقه لأن الحرية والإسلام ثبتا له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد لها وإنما قبلنا قول القافة في النسب للحاجة إلى إثباته ولكونه غير مخالف للظاهر ولهذا اكتفينا فيه بمجرد الدعوى من المنفرد ولا حاجة الى إثبات رقه وكفره وإثباتهما يخالف الظاهر (فصل) لو ادعى نسب اللقيط إنسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الأول لأنه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى فان ألحقته به القافة لحق به وانقطع عن الأول لأنها بينة في إلحاق النسب فيزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة
كتاب الوصايا (وهي الأمر بالتصرف بعد الموت) الوصايا جمع وصية مثل العطايا جمع عطية والوصية بالمال هي المتبرع به بعد المو ت، وقال أبو الخطاب هو التبرع بمال يقف نفوذه على خروجه من الثلث، فعلى قوله تكون العطية في مرض الموت وصية، والصحيح أنها ليست وصية لأنها تخالفها في الاسم والحكم في أشياء ذكرناها في عطية المريض، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية) وقوله (من بعد وصية يوصى بها أو دين) وأما السنة فروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال " لا " قلت فبالشطر يا رسول الله؟ قال لا قلت فبالثلث؟ قال " الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " متفق عليه وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما حق امرئ مسلم له ما يوصي ففيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده "