إذا تواطأ عليه قبل العقد ولم يذكر هل نواه أو نوى المحلل من غير شرط؟ فالنكاح باطل أيضاً قال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يتزوج المرأة في نفسهه أن يحلها لزوجها الأول ولم تعلم المرأة بذلك قال هو محلل إذا أراد بذلك الإحلال وهو ملعون وهذا ظاهر قول الصحابة رضي الله عنهم فروى نافع عن ابن عمر أن رجلاً قال له امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم تأمرني ولم تعلم قال لا، نكاح رغبة أن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها قال وإن كنا نعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحاً وقال لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه يريد أن يحلها، وهذا قول عثمان بن عفان رضي الله عنه وجاء رجل إلى ابن عباس فقال إن عمي طلق امرأته ثلاث أيحلها له رجل؟ قال من يخادع الله يخدعه، وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي وقتادة بكر المزني والليث ومالك والثوري واسحاق وقال أبو حنيفة والشافعي العقد صحيح وذكر القاضي في صحته وجها مثل قولهما لأنه خلا عن شرط يفسده فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال أو ما لو نوت المرأة ذلك ولأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد بدليل ما لو اشترى عبداً بشرط أن يبيعه لم يصح ولو نوى ذلك لم يبطل ولأنه قد روي عن عمر ما يدل على إجازته فروى أبو حفص بإسناده عن محمد بن سيرين قال قدم مكة رجل ومع أخوه له صغار وعليه إزار من بين يديه رقعة ومن خلفه رقعة فسأل عمر فلم يعطه شيئاً فبينما هو كذلك إذا نزع الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته فطلقها فقال لها هل لك أن تعطي ذا
الرقعتين شيئا ويحك لي؟ قالت نعم إن شئت فأخبروه بذلك قال نعم فتزوجها ودخل بها فلما أصبحت أدخلت إخوته الدار فجاء القرشي يحوم حول الدار ويقول يا ويله غلب علي امرأتي فأتى عمر فقال يا أمير المؤمنين غلبت علي امرأتي قال من غلبك؟ قال ذو الرقعتين قال ارسلو إليه فلما جاءه الرسول قالت له المرأة كيف موضعك من قومك؟ قال ليس بموضع بأس قالت إن أمير المؤمنين يقول لك طلق امرأتك فقل له لا والله لا أطلقها فإنه لا يكرهك فألبسته حلة فما رآه عمر من بعيد قال الحمد الله الذي رزق ذا الرقعتين فدخل عليه فقال أتطلق امراتك، قال لا والله لا أطلقها قال عمر لو طلقتها لاوجعت رأسك بالسوط ورواه سعيد عن هشيم عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين نحواً من هذا وقال من أهل المدينة وهذا قد تقدم فيه الشرط على العقد ولم يربه عمر بأساً.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله المحلل والمحلل له) وقول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم فيكون إجماعاً ولأنه قصد به التحليل فلم يصح كما لو شرطه أما حديث ذي الرقعتين فقال أحمد ليس له إسناد يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر وقال أبو عبيد هو مرسل فأين هو من الذي سمعوه يخطب به على المنبر لا اوتي يمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما؟ ولأنه ليس فيه ان ذا الرقعتين قصد التحليل ولا نواه وإذا كان كذلك لم يتناول محل النزاع (فصل) فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه وقصد نكاح رغبه
صح العقد لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه فصح كما لو لم يذكر ذلك وعلى هذا يحمل حديث ذي الرقعتين فإن قصدت المرأة أو وليها التحليل دون الزوج لم يؤثر ذلك في العقد وقال الحسن وابراهيم
إذا هم أحد الثلاثة فسد النكاح قال أحمد كان الحسن وابراهيم والتابعون يشددون قال أحمد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) ونية المرأة ليس بشئ إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله المحلل والمحلل له) ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك أما المرأة فلا تملك رفع العقد فوجود نيتها وعدمها سواء وكذلك الزوج الأول لا يملك شيئاً من العقد ولا من رفعه فهو أجنبي كسائر الأجانب فإن قيل فكيف لعنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل إنما لعنه إذا رجع إليها بذلك التحليل لأنها لم تحل له فكان زانياً فاستحق اللعنة لذلك.
(فصل) وإن اشترى عبداً فزوجها إياه ثم وهبها العبد أو بعضه لينفسخ النكاح يملكها لم يصح قال أحمد في رواية حنبل إذا طلقها ثلاثاً وأراد أن يراجعها فاشترى عبداً وزوجها إياه فهذا الذي نهى عنه عمر يؤذبان جميعاً وهذا فاسد ليس بكفء وهو شبيه المحلل وعلل أحمد فساده بشيئين (أحدهما) أنه شبه المحلل لأنه إنما زوجها إياه لتحل له (والثاني) كونه ليس بكفئ لها ويحتمل أن يصح النكاح إذا لم يقصد العبد التحليل لأن المعتبر في الفساد نية الزوج لانية غيره (فصل) ونكاح المحلل فاسد تثبت فيه أحكام العقود الفاسدة فإنه قن ولا يحصل به الإحصان
ولا الإباحة للزوج الأول كما لا يثبت في سائر العقود الفاسدة قيل فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم محللا وسمى الزوج محللا له ولو لم يحصل الحل لم يكن محللا ولا محللا له قلنا سماه محللا لأنه قصد التحليل في موضع لا يحصل فيه الحل كما قال (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه)) وقال الله تعالى (يحلونه عاما ويحرمونه عاماً) ولو كان محللا في الحقيقة والا آخر محللا له لم يكونا ملعونين (الثالث) نكاح المتعة وهو وأن يتزوجها إلى مدة مثل أن يقول زوجتك ابنتي شهراً أو سنه أو إلى انقضاه الموسم وقدوم الحاج وشبهه سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة فهو باطل نص عليه أحمد فقال نكاح المتععة حرام وقال أبو بكر فيها رواية أخرى أنها مكروهة غير حرام لأن ابن منصور سأل أحمد عنها فقال تجتنبها أحب إلي قال فظاهر هذا الكراهة دون التحريم وغير أبي بكر من أصحابنا بمنع هذا ويقول المسألة رواية واحدة في تحريمها وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء ومم روي عنه تحريمها عمر وعلي وبن مسعود وابن الزبير قال ابن عبد البر وعلى تحريم المتعة مالك وأهل المدينة وأبو حنيفة في أهل الكوفة والاوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصرو الشافعي وسائر أصحاب الآثرا وقال زفر يصح النكاح ويبطل الشرط وحكي عن ابن عباس انا جائزة وعليه أكثر أحصابه عطاء وطاوس وبه قال ابن جريج وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر وإليه ذهب الشبعة لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن فيها وروي ان عمر قال
متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج ولأنه عقد على منفعة فجاز مؤقتا كالإجارة ولنا ما روى الربيع بن سبرة أنه قال أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى في حجة الوداع وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء رواه أبو داود وفي لفظ رواه ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة) وروى سبرة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة فلم تخرج حتى نهانا عنها رواه مسلم وروى علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الخمر الأهلية متفق عليه رواه مالك في الموطأ وأخرجه الأئمة النسائي وغيره واختلف أهل العلم في الجمع بين هذين الخبرين فقال قوم في حديث علي تقديم وتأخير وتقديره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ونهى عن متعة النساء ولم يذكر ميقات النهي عنها وقد بينه الربيع بن سبرة في حديثه أنه كان في حجة الوداع حكاه الإمام أحمد عن قوم وذكره ابن عبد البر، قال الشافعي لا أعلم شيئاً أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة، فحمل الأمر على ظاهره وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر ثم أحلها في
حجة الوداع ثلاثة أيام ثم حرمها ولأنه يتعلق به أحكام النكاح من الطلاق والظهار واللعان والتوارث فكان باطلاً كسائر الأنكحة الباطلة، أما قول ابن عباس فقد حكي عنه الرجوع فروى أبو بكر باسناده عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس لقد أكثر الناس في المتعة حتى قال فيها الشاعر:
- أقول وقد طال الثواء بنا معاً * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس * هل لك في رخصة الأطراف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس * فقام خطيباً فقال إن المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير وعن محمد بن كعب عن ابن عباس قال إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس فيها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يدري أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) قال ابن عباس فكل فرج سواهما حرام رواه الترمذي فأما إذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها فقد ثبت نسخه وأما حديث عمر إن صح عنه فالظاهر أنه إنما قصد الإخبار عن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لها ونهيه عنها إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبي صلى الله عليه وسلم إباحه وبقي على إباحته (فصل) فإن تزوجها من غير شرط ألا إن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال هو نكاح متعة والصحيح أنه لا بأس به ولا تضر نيته وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته أن وافقته وإلا طلقها
(مسألة) (وكذلك إن شرط أن يطلقها في وقت بعينه)
فلا يصح النكاح سواء كان معلوماً أو مجهولا مثل أن يشرط عليه طلاقها إن قدم أبوها أو أخوها ويتخرج أن يصح النكاح ويبطل الشرط وهو قول أبي حنيفة وأظهر قولي الشافعي قاله في عامة كتبه لأن النكاح وقع مطلقا وإنما شرط على نفسه شرطا وذلك لا يؤثر فيه كما لو شرط أن لا يتزوج عليها ولا يسافر بها.
ولنا أن هذا شرط مانع من بقاء النكاح فأشبه نكاح المتعة ولأنه شرط انتفاء النكاح في وقت بعينه أشبه نكاح المتعة ويفارق ما قاسوا عليه فإنه لم يشرط قطع النكاح
(مسألة) (وأن علق ابتداءه على شرط كقوله زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها فهذا كله باطل من أصله)
لأنه عقد معاوضة فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع ولأنه وقف النكاح على شرط ولا يجوز وقفه على شرط وهو قول الشافعي وعن مالك نحوه وذكر أبو الخطاب فيا إذا شرط إن رضيت أمها رواية ان النكاح صحيح لأنه يصح في الجهل بالعوض فلم يبطل بالشرط الفاسد كالعتق ويبطل الشرط والأول أصح لما ذكرنا (النوع الثاني) أن شرط أنه لا مهر لها ولا نفقة أو يقسم لها أكثر من امرأته الأخرى أو أقل فالشرط باطل ويصح النكاح وكذلك إن شرط أنه إن أصدقها رجع عليها
أو تشرط عليه أن لا يطأها أو يعزل عنها أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة أو شرط لها النهار دون الليل أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئاً فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تنافي مقتضاه وتتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع، وفأما العقد في نفسه فهو صحيح لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطله كما لو شرط في العقد صداقاً محرماً ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتاق وقد نص أحمد فيمن تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة ثم رجعت وقالت لا أرضى إلا ليلة وليلة فقال: لها أن تنزل إلا بطيب نفس منها فإن ذلك جائز وإن قالت لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها تطالبه إن شاءت، ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشرط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط وإن شاءت رجعت، وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم أو عشرة دراهم النكاح جائز ولها ان ترجعع في هذا الشرط ونقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد فنقل عنه المروذي في النهاريات والليليات ليس هذا من نكاح أهل الإسلام وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة، قال الثوري الشرط باطل وقال أصحاب الرأي إذا سألته أن يعدل لها عدل وكان الحسن وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأساً وكان الحسن لا يرى بأساً أن يتزوجها ويجعل لها من الشهر أياماً معلومة.
قال شيخنا ولعل كراهة من
كره ذلك راجعة إلى إبطال الشرط وإجازة من أجازه راجعة إلى أصل النكاح فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط كما قلنا والله أعلم.
وقال القاضي إنما كره أحمد هذا النكاح لأنه يقع على السر وهو منهي عنه فإن شرط عليه ترك الوطئ احتمل أن يفسد العقد لأنه شرط ما ينافي المقصود من
النكاح وهذا مذهب الشافعي، وكذلك إن شرط عليه أن لا نسلم إليه فهو بمنزلة من اشترى شيئاً على أن لا يقبضه، ان شرط عليها أن لا يطأ لم يفسد لان الوطئ حقه عليها، ويحتمل أن يفسد لأن لها فيه حقا ولذلك تملك مطالبته به إذا آلى والفسخ إذا تعذر بالجب والعنة (الثالث) أن يشرط الخيار إن جاءها بالمهر في وقت وإلا فلا نكاح بينهما فالشرط باطل وفي صحة النكاح روايتان (إحداهما) النكاح صحيح والشرط باطل وبه قال أبو ثور فيما إذا شرط الخيار وحكاه عن أبي حنيفة وزعم أن لا خلاف فيه، وقال ابن المنذر قال أحمد وإسحاق إذا تزوجها على أنه ان جاء ها بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما الشرط باطل والعقد جائز وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة والاوزاعي وروي ذلك عن الزهري ولأن النكاح عقد لازم لا يدخله خيار لما في ذلك من المفسدة والضرر على الحرائر لكونها ترد بعد ابتدائها بعقد النكاح والشناعة عليها بأنها ردت رغبة عنها لدناءتها والشرط الآخر تعليق النكاح على شرط فهو معنى الخيار ويصخ النكاح لأن النكاح يصح في المجهول فلم يفسد بالشرط الفاسد كالعتق، وروى ابن منصور عن أحمد في هذا أن الشرط
والعقد جائزان لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المسلمون على شروطهم " وذكر القاضي في كتابه الروايتين والوجهين، أما صحة العقد فلأن اللفظ الذي يقتضي الدوام قد وجد وإنما حصل الشرط في المهر فلم يؤثر في العقد، وأما المهر فإنها لما ملكت فسخ النكاح عند تعذر تسليم المهر جاز أن يشترط هذا المعنى في العقد ولا يؤثر فيه، والرواية الاخرى يعلل العقد في هذا كله لأن النكاح لا يكون إلا لازما وهذا يوجب جوازه ولأنه وقفه على شرط ولا يجوز وقفه على شرط كالبيع وهذا قول الشافعي ونحوه عن مالك وأبي عبيد (فصل) فإن شرط الخيار في الصداق خاصة لم يفسد النكاح لأن النكاح منفرد عن ذكر الصداق لا يفسد النكاح بفساده فلأن لا يفسد بشرط الخيار أولى بخلاف البيع فإنه إذا فسد أحد العوضين فسد الآخر، إذا ثبت هذا ففي الصداق ثلاثة أوجه (أحدها) يصح الصداق ويبطل شرط الخيار كما يفسد الشرط في النكاح ويسح النكاح (والثاني) يصح ويثبت الخيار فيه لأن عقد الصداق
عقد منفرد يجري مجرى الإيمان ويثبت فيه الخيار كالبياعات (والثالث) يبطل الصداق لأنها لم ترض به فلم يزلمها كما لو لم توافقه على شئ.
(فصل) قال الشيخ رحمه الله تعالى (فإن تزوجها على أنها مسلمة فبانت كتابية فله الخيار) لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد فأشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة
(مسألة) (فإن شرطها كتابية فبانت مسلمة فلا خيار له)
لأنها زيادة، وقال أبو بكر له ذلك لأنه قد يكون له غرض في عدم وجوب العبادات عليها والأول أولى (فصل) فإن شرطها أمة فبانت حرة وكان له نكاح الإماء فلا خيار له لأن ولده يسلم من الرق ويتمكن من لاستمتاع بها ليلاً ونهاراً، وكذا لو شرطها ذات نسب فبانت أشرف منه أو على صفة دينه فبانت خيراً من شرطه لأنها زيادة (فصل) وإن شرطها بكراً فبانت ثيباً فعن أحمد كلام يحتمل أمرين (أحدهما) لا خيار له لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى العيوب الثمانية ولا يثبت فيه الخيار فلا يرد بمخالفة الشرط (والثاني) له الخيار كما لو شرط الحرية، وكذلك لو شرطها حسناء فبانت شوهاء أو ذات نسب فبانت دونه أو بيضاء فبانت سوداء أو طويلة فبانت قصيرة خرج في ذلك كله وجهان ونحو هذا مذهب الشافعي وكذلك لو شرط نفي العيوب التي لا ينفسخ بها النكاح كالعمى والخرس والصمم ونحو فبان بخلاف ذلك ففيه وجهان.
وممن ألزم لزوج من هذه صفتها الثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي حكاه ابن المنذر، وروى الزهري أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء وكانت الحيضة خرقت عذرتها فأرسلت إليه عائشة أن الحيضة تذهب بالعذرة، وعن الحسن والشعبي وابراهيم في الرجل إذ لم يجد امرأته عذرا ليس عليه شئ للعذرة أن الحيضة تذهب العذرة والوثبة والتعبيس والحمل الثقيل
(فصل) إذا تزوج امرأة يظنها مسلمة فبانت كافرة فله الخيار وهذا قول الشافعي كما إذا شرط ذلك (مسألة) (وإن تزوج أمة يظنها حرة أو على أنها حرة وولدت منه فالولد حر ويفديهم بمثلهم يوم ولادتهم وبرجع بذلك على من غره، ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء وإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء فله الخيار فإن رضي المقام معها فما ولدت بعد ذلك فهو رقيق) الكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها) أن النكاح لا يفسد بالغرور وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه يفسد لأنه عقد على حرة ولم يوجد فأشبه ما لو قال بعتك هذا الفرش فإذا هو حمار ولنا أن المعقود عليه في النكاح الشخص دون الصفات فلا يؤثر عدمها في صحته كما لو قال زوجتك هذه الحسناء فإذا هي سوداء وكذا نقول في الأصل الذي ذكروه أن العقد صحيح لأن المعقود عليه العين المشار إليها، وإن سلمنا فالفرق بينهما من وجهين (أحدهما) أن ثم الفائت الذت فإن ذات الفرس غير ذات الحمار وههنا اختلفا في الصفات [والثاني] أن البيع يؤثر فيه فوات الصفات بدليل أنه يرد بفوات أي شئ كان فيه نفع منها والنكاح بخلافه (الفصل الثاني) إن أولاده منها أحرار بغير خلاف نعلمه لأنه اعتقد حريتها فكان ولده أحراراً كاعتقاده ما يقتضي حريتهم كما لو اشترى جارية يظنها ملكاً لبائعها فبانت مغصوبة بعد أن أولدها (الفصل الثالث) إن على الزوج فداء أولاده كذلك قضى عمر وعلي وابن عباس وهو قول
مالك والثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى ليس عليه فداؤهم لأن الولد ينعقد حر الأصل فلم يضمنه لسيده لأنه لم يملكه وعنه أنه يقال له افتداء أولاده وإلا فهم يتبعون الأم، فظاهر هذا أنه خيره بين فدائهم وبين تركهم رقيقا لانهم رقيق بحكم الأصل فلم يلزمه فداؤهم كما لو وطئها وهو يعلم رقها، قال الخلال اتفق عن أبي عبد الله أنه يفدي ولده وقاله إسحاق عنه في موضع أن الولد له وليس عليه أن يندبهم، وأحسبه قولا أولا لأبي عبد الله والصحيح أن عليه فداءهم لقضاء الصحابة به ولانه تماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكاً لمالكها وقد فوت رقه باعتقاد الحرية فلزما صمانهم كما لو فوت رقهم بفعله وفي فدائهم ثلاث مسائل (الأولى) في وقته وذلك حين وضع الولد قضى بذلك عمر وعلي وابن عباس وهو قول الشافعي، وقال أبو بكر والثوري وأصحاب الرأي يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة لأنه إنما يضمنهم بالمنع ولم يمنعهم الا حال للمخصومة ولنا أنه محكوم بحريته عند الوضع فوجب أن يضمنه حينئذ لأنه فات رقه من حينئذ ولأن القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة فلم يضمنها كما بعد الخصومة فإن قيل فقد كان محكوماً بحريته وهو جنين قلنانه لم يكن تضمينه حينئذ لعدم قيمته والاطلاع عليه أمكن تضمينه وهو حال الوضع
(المسألة الثانية) في صفة الفداء وفيها ثلاث روايات (إحداهن) بقيمتهم وهو أكثر الفقهاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أعتق شقصاً من عبد قوم عليه نصيب شريكه " ولأن الحيوان من المقومات لا من ذوات الا مثل فيجب ضمانه بقيمته كما لو أتقه (والثانية) يضمنهم بمثلهم عبيداً الذكر بذكر والأنثى بأنثى لما روى سعيد بن المسيب قال: بعت جارية لرجل من العرب وانتمت إلى بعض العرب فتزوجها رجل من بني عذرة ثم أن سيدها دب واستاقها واستاق ولدها فاخصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل القرى ومن لم يجد غرة ستين ديناراً ولأن ولد المغرور حر فلا يضمن بقيمته كسائر الأحرار فعلى هذه الرواية ينبغي أن ينظر إلى مثلهم في الصفات تقريبا لأن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ويتمل أن يجب مثلهم في القيمة وهو قول أبي بكر (والثالثة) هو مخير بين فدائهم بمثلهم أو قيمتهم قال أحمد في رواية الميموني إما القيمة أو رأس برأس لأنهما جميعاً يرويان عن عمر ولكن لا أدري أي الإسنادين أقوى؟ وهذا اختيار أبي بكر قال في المقنع الفدية غرة بقدر القيمة أو القيمة وأيهما أعطى أجزأ ووجه ذلك أنه تردد بين الجنين الذي يضمن بغرة وبين إلحاقه بغرة من المضمونات فاقتضى التخيير بينهما والصحيح أنه يضمن بالقيمة كسائر المضمونات المتقومات وقول عمر قد اختلف عنه فيه قال أحمد في رواية أبي طالب وعليه قيمتهم مثل قول عمر فإذا تعارضت الروايات عنه وجب الرجوع إلى القياس
(المسألة الثالثة) فيمن يضمن منهم من ولد حيا في وقت يعيش لمثله سواء عاش أو مات بعد ذلك وقال مالك والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي لا ضمان على الأب لمن مات منهم قبل الخصومة وهذا يثبني على وقت وقد ذكرناه فأما السقط ومن ولد لوقت لا يعيش لمثله وهو دون ستة أشهر
فلا ضمان له لأنه لا قيمة له.
(فصل) في المهر ولا يخلو أن يكون ممن يجوز له نكاح الاماء أولا فإن كان ممن يجوز له ذلك وقد نكحها نكاحا صحيحا فلها المسمى فإن كان لم يدخل بها واختار الفسخ فلا مهر لها لأن الفسخ لعذر من جهتها فهي كالمعيبة يفسخ نكاحها وإن كان ممن لا يجوز لهم نكاح الإماء فالعقد فاسد من أصله ولا مهر فيه إن كان قبل الدخول فإن دخل بها فعليه مهرها وهل يجب المسمى أو مهر المثل؟ على روايتين يذكر ان في الواجب في النكاح الفاسد إن شاء الله تعالى وكذلك إن كان ممن يجوز له نكاح الإماء لكن تزوجها بغير إذن سيدها أو نحو ذلك مما يفسد به النكاح (الفصل الرابع) أنه يرجع بما غرمه على من غره من المهر وقيمة الأولاد وهو اختيار الخرقي ورواية عن أحمد قال ابن المنذر كذلك قضى عمر وعلي وابن عباس وبه قال الشافعي في القديم وفيه رواية أخرى لا يرجع بالمهر اختاره أبو بكر قال وهو قول علي وبه قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه وهو الوطئ فلم يرجع به كما لو اشترى
مغصوباً فأكله بخلاف قيمة الولد فإنه لم يحصل في مقابلته عوض لأنها وجبت بحرية الولد وحرية الولد له لا لأبيه وقال القاضي إلا ظهر أنه لم يرجع بالمهر لأن أحمد قال كنت أذهب إلى حديث علي ثم إني هبته وكأني أميل الى حديث عمر يعني في الرجوع ولأن العاقد ضمن له سلامة الوطئ كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع بالمهر قال وعلى هذا وكان الغرور من السيد عتقت وإن كان بلفظ غير هذا لم تثبت به الحرية فلا شئ له لأنه لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه وإن كان الغرور من وكيله رجع عليه في الحال وكذلك إن كان من أجنبي وإن كان منها فليس لها في الحال مال فيخرج فيها وجهان بناء على دين العبد بغير إذن سيده هل يتعلق برقبته أو بذمته يتبع به بعد العتق؟ قال القاضي فياس قول الخرقي أنه يتعلق بذمتها لأنه قال في الأمة إذا خالعت زوجها بإذن سيدها يتبعها به إذا عتقت كذا ههنا ويتبعها بجميعه وظاهر كلام أحمد أن الغرور إذا كان من الأمة لم يرجع على أحد فإنه قال إذا جاءت الأمة فقالت إني حرة فولت أمرها رجلا فزوجها على أنها حرة فالفداء على من غره يروى هذا عن علي وإبراهيم وحماد وكذلك قال الشعبي وإن قلنا يتعلق بها فالسيد مخير بين فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها أو تسليمها فإن اختار فداءها بقيمتها سقط قدر ذلك عن الزوج فإنه لا فائدة في أن يوجبه عليه ثم يرده إليه وإن اختار تسليمها سلمها وأخذ ما وجب
له وقال القاضي إن الغرور الموجب للرجوع أن يكون اشتراط الحرية قارنا للعقد فيقول زوجتكها على أنها حرة وإن لم يكن كذلك لم يملك الفسخ وهذا مذهب الشافعي والصحيح خلاف هذا فإن الصحابة الذين قضوا بالرجوع لم يفرقوا بين أنواع الغرور ولم يستفصلوا والظاهر أن العقد لم يقع هكذا ولم تجربه العادة في العقود ولا يجوز قضاؤهم المطلق على صورة نادرة لم تنقل ولأن الغرر قد يكون من المرأة ولا لفظ لها في العقد ولأنه متى أخبره بحريتها أو أوهمه ذلك بقرائن تعلب على ظنه حريتها فنكحها على ذلك ورغب فيها وأصدقها صداق الحرائر ثم لزمه الغرم فقد استضر بناء على قول المخبر له والغار فتجب إزالة الضرر عنه بإثبات الرجوع على من غره وأضر به فعلى هذا إن كان الغرور من اثنين أو أكثر فالرجوع على جميعهم وإن كان الغرور منها ومن الوكيل فعلى كل واحد منهما نصفه (الفصل الخامس) أنه إن كان الزوج ممن يحرم عليه نكاح الإماء فإنه يفرق بينهما لأنا تبينا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه وهكذا إن كان تزوجها بغير إذن سيدها أو اختل شرط من شروط النكاح فهو فاسد يفرق بينهما والحكم في الرجوع على ما ذكرنا وإن كان ممن يجوز له نكاح الإماء وكانت الشرائط مجتمعة فالعقد صحيح وللزوج الخيار بين الفسخ والمقام على النكاح وهذا
معنى قول الخرقي وظاهر مذهب الشافعي وقال أبوحينفة لا خيار له لأن الكفاءة غير معتبرة في جانب المرأة ولأنه يملك الطلاق فيستغنى به عن الفسخ ولنا أنه عقد غرفيه أحد الزوجين بحرية الآخر فيثبت له الخيار كالآخر ولأن الكفاءة وإن لم تعتبر فإن عليه ضرراً في استرقاق ولده ورق امرأته وذلك أعظم من فقد الكفاءة فأما الطلاق فلا يندفع به الضرر فإنه يسقط نصف المسمى والفسخ يسقطه جميعه فإذا فسخ قبل الدخول فلا مهر لها وإن رضي بالمقام معها فله ذلك لأنه يحل له نكاح الإماء وما ولدت بعد ذلك فهو رقيق لسيدها لأن المانع من رقهم في الغرور اعتقاد الزوج حريتها وقد زال ذلك بالعلم ولو وطئها قبل العلم فعلقت منه ثم علم قبل الوضع فهو حر لأنه وطئها معتقداً حريتها (فصل) والحكم في المدبرة وأم الولد والمعتق نصفها كالأمة القن لأنها ناقصة بالرق إلا أن ولد أم الولد يقوم كأنه عبد له حكم أمه وكذلك من أعتق بعضها إلا أنه إذا فدى الولد لم يلزمه الافداء ما فيه من الرق لأن بقيته حر بحرية أمه لا باعتقاد الواطئ فإن كانت مكاتبة فكذلك إلا أن مهرها لها لأنه من كسبها وكسبها لها وتجب قيمة ولدها على الرواية المشهورة قال أبو بكر ويكون ذلك تستعين
به في كتابتها فإن كان الغرور منها فلا شئ لها إذ لا فائدة في إيجاب لها يرجع به عليها وإن كان الغرر من غيرها غرمه لها ورجع به على من غره (فصل) ولا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى ويثبت بالبينة فإن أقرت أنها أمة فقال أحمد في رواية أبي الحارث لا يستحقها بإقرارها لأن إقرارها يزيل النكاح عنها ويثبت حقاً على غيرها فلم يقبل كإقرارها بمال على غيرها وقال في رواية حنبل لا شئ حتى تثبت له أو تقر هي أنها أمته فظاهر هذا أنه يقبل إقرارها لأنها مقرة على نفسها بالرق أشبه غير المزوجة والأول أولى ولا نسلم أنه يقبل من غير ذات الزوج إقرارها بالرق بعد إقرارها بالحرية لأنها أقرت بما يتعلق به حق الله تعالى (فصل) فإن حملت المغرور بها فضربها ضارب فألقت جنيناً ميتاً فعلى الضارب غرة لأنه محكوم بحريته ويرثها ورثته فإن كان الضارب أباه لم يرثه ولا يجب بذل هذا الولد للسيد لأنه إنما يستحق بذل حي وهذا ميت ويحتمل أن يجب له عشر قيمة أمه لأن الواطئ فوت ذلك عليه باعتقاد الحرية ولولاه لوجب ذلك له (فصل) ويثبت له الخيار إذا ظنها حرة فبانت أمة كما إذا شرط ذلك وقال الشافعي لا خيار له ووافقاه فيما إذا ظن أنها مسلمة فبانت كافرة أنه يثبت له الخيار وقال بعضهم فيهما جميعاً قولان ولنا أن نقص الرق أعظم ضرراً فإنه يؤثر في رق ولده ومنع كما استمتاعه فكان له الخيار كما لو كانت كافرة
(مسألة) (وإن كان المغرور عبداً فولده أحرار ويفديهم إذا أعتق ويرجع به على من غره)
وذلك أن حكم العبد المغرور حكم الحرفي حرية أولاده، وقال أبو حنيفة ولده رقيق لأن أبويه رقيق ولا يصح ذلك لأنه وطئها معتقداً حريتها فأشبه الحر فإن هذا هو العلة المقتضية للحرية في محل الوفاق ولولا ذلك لكان رقيقاً فإن علة رق الولد رق الأم خاصة ولا عبرة بالأب بدليل ولد الحر من الأمة، وولد الحرة من العبد، وعلى العبد فداؤهم لأنه فوت رقهم باعتقاده وفعله ولا مال له في الحال فيخرج في ذلك وجهان (أحدهما) يتعلق برقبته كجنايته (والثاني) بذمته يتبع به بعد العتق وهو قول الخرقي فيكون بمنزلة الخلع من الأمة إذا بذلته بغير إذن سيدها وتفارق الاستدانة والجناية لأنه إذا استدان أتلف مال الغريم فكان جناية منه وههنا لم يجن في الأولاد جناية وإنما عتقوا من طريق الحكم وما حصل لهم منهم عوض فيكون ذلك في ذمته يتبع به بعد العتق ويرجع به حين يغرمه فإنه لا ينبغي أن يجب له بذل ما لم يثبت عليه وأما الحرية فتتعجل في الحال وإن قلنا إن الفداء يتعلق برقبته وجب في الحال ويرجع به سده في الحال ويثبت للعبد الخيار كثبوته للحر الذي يحل له نكاح الإماء لأن عليه ضرراً في رق ولده ونقصاً في استمتاعه فإنها لا تكون عنده ليلا ونهاراً ولم ترض به ويحتمل أن لا يثبت له خيار لأنه نقص صفة لا ينقص بها عن رتبته فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبانت بخلاف لأنها مساوية لنسبه بخلاف تغرير الحر وقال بعض الشافعية لا خيار له وقال بعضهم
فيه قولان والأولى ما ذكرناه وإذا اختار الإقامة فالمهر واجب لا يرجع به على أحد وإن اختار الفسخ قبل الدخول فلا مهر وإن كان بعده والنكاح بإذن سيده فالمهر واجب عليه وفي الرجوع اختلاف ذكرناه فيما مضى وإن كان بغير إذنه فالنكاح فاسد فإن دخل بها ففي قدر ما يجب به وجهان (أحدهما) مهر المثل (والثاني) الخمسان وهل يرجع به؟ على وجهين
(مسألة) (وإن تزوجت المرأة عبداً على أنه حر أو ظنته حراً فبان عبداً فلها الخيار)
أما النكاح فهو صحيح وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد كما لو تزوج أمة على أنها حرة وهذا إذا كملت شروط النكاح وكان بإذن سيده وإن كانت المرأة حرة وقلنا الحرية ليست من شورط الكفاءة وإن فقد الكفاءة لا يبطل النكاح فهو صحيح ولأن للمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء فإن اختارت فلا وليائها الاعتراض عليها لعدم الكفاءة وإن كانت أمة فيبنغي أن يكون لها الخيار أيضاً لأنه لما ثبت الخيار للعبد إذا غرمن أمة ثبت للأمة إذا غرت بعبد وكل موضع حكمنا بفساد العقد به ففرق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها مهر المثل أو المسمى على ما قدمنا من الاختلاف وكل موضع فسخ النكاح مع القول بصحته قبل الدخول فلا شئ لها وإن كان بعده فلها المسمى لأنه فسخ طرأ على نكاح فأشبه الطلاق
(فصل) فإن غرها بنسب فبان بدونه وكان ذلك مخلا بالكفاءة وقلنا بصحة النكاح فلها الخيار فإن اختارت الإمضاء فلأوليائها الاعتراض عليها وإن لم تخل بالكفاءة فلا خيار لها لأن ذلك ليس بمعتبر في النكاح فأشبه ما لو شرطته فقيهاً فبان بخلافه وكذلك إن اشترطت غير النسب فإن كان مما يعتبر في الكفاءة فهو كما لو تبين أنه غير بمكافئ لها في النسب وإن لم يعتبر في الكفاءة كالفقه والجمال وأشباه ذلك فلا خيار لها لأن ذلك مما لا يؤثر في النكاح فلا يؤثر اشتراطه وذلك أنه إذا بان نسبه دون ما ذكره وجه في ثبوت الخيار لها وإن لم تخل بالكفاءة والأولى ما ذكرناه (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وإن عتقت الأمة وزوجها حر فلا خيار لها في ظاهر المذهب) هذا قول ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء وسليمان بن يسار وأبي قلابة وابن أبي ليلى ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وقال طاوس وابن سيرين ومجاهد والنخعي وحماد ابن ابي سليمان والثوري وأصحاب الرأي لها الخيار لما روى الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة وكان زوجها حراً رواه النسائي ولأنها كملت بالحرية فكان لها الخيار كما لو كان زوجها عبداً وروى عن أحمد ذلك.
ولنا أنها كافأت زوجها في الكمال فلم يثبت لها الخيار ما لو أسلمت الكتابية تحت المسلم فأما خبر
الأسود عن عائشة فقد روى عنها القاسم بن محمد وعروة أن زوج بريرة كان عبداً وهما أخص بها
من الأسود لأنهما ابن أخيها وابن أختها وقد روى الأسود عن إبراهيم عن عروة عن عائشة أن زوج بريرة كان عبداً فتعارضت روايتاه، وقال ابن عباس كان زوج بريرة عبداً أسود لبني المغيرة يقال له مغيث وراه البخاري وغيره وقالت صفية بنت أبي عبيد كان زوج بريرة عبداً قال أحمد هذا ابن عباس وعائشة قالا في زوج بريرة أنه عبد برواية علماء المدينة وعملهم وإذا روى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو أصح شئ وإنما يصح حراً عن الأسود وحده فأما غير فليس بذلك قال والعقد صحيح فلا يفسخ بالمختلف فهى والحر فيه اختلاف والعبد لا اختلاف فيه، ويخالف الحر العبد لأن العبد ناقص فإذا كملت تحته تضررت ببقائها عنده بخلاف الحر
(مسألة) (وإن كان عبداً فلها الخيار في فسخ النكاح)
أجمع أهل العلم على هذا ذكره ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما والأصل فيه حديث بريرة قالت عائشة كاتبت بريرة فحيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها وكان عبداً فاختارت نفسها قال عروة ولو كان حراً ما خيرها رواه مالك وابو داود والنسائي، ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد فكان لها الخيار كما لو تزوج حرة على أنه حر فبان عبداً فإن اختارت الفسخ فلها فراقه وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك لأنها أسقطت حقها وهذا مما لا خلاف فيه بحمد الله
(مسألة) (ولها الفسخ بنفسها من غير حاكم)
لأنه فسخ مجمع عليه غير مجتهد فيه فلا يفتقر إلى حكم حاكم كالرد بالعيب في المبيع بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه مجتهد فيه فافتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ للاعسار وروى الحسن عن عمرو بن أمية قال سمعت رجالا يتحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما ايطاها إن شاءت فارقت فإن وطئها فلا خيار لها) رواه الامام أحدم في السند (فصل) فإن اختارت الفراق كان فسخاً ليس بطلاق وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح والشافعي وذهب مالك والاوزاعي والليث إلى أنه طلاق بائن، قال مالك إلا أن تطلق نفسها ثلاثا فتطلق ثلاثا، واحتج له بقصة زبراء حين طلقت نفسها ثلاثا فلم يبلغنا أن أحداً من الصحابة أنكر ذلك ولانهما تملك الفرق فملكت الطلاق كالرجل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (الطلاق لمن أخذ بالساق) ولأنها فرقة من قبل الزوجة فكانت فسخا كما لو اختلف دينهما أو أرضعت من ينفسخ نكاح برضاعها، وفعل زبراء ليس بحجة ولم يثبت انتشاره في الصحابة، فعلى هذا لو قالت اخترت نفسي أو فسخت الناح انفسخ ولو قالت طلقت نفسي ونوت المفارقة كان كناية عن الفسخ لأنه يؤدي معناه فصلح كناية عنه كالكناية بالفسخ عن الطلاق
(مسألة) (فإن أعتق قبل فسخها أو أمكنته من وطئها بطل خيارها)
أما إذ أعتق الزوج قبل خيارها سقط لأن الخيار لدفع الضرر بالرق وقد زال بعتقه فسقط كالبيع
إذا زال عيبه وهذا أحد قولي الشافعي وإن وطئها بطل خيارها علمت بالخيار أو لم تعلم نص عليه أحمد واختاره الخرقي وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وأخته حفصة ونافع والزهري وقتادة وحكاه بعض أهل العلم عن فقهاء الشيعة وذكر القاضي أن لها الخيار إذا لم تعلم فإن أصابها بعد علمها فلا خيار لها وهذا قول عطاء والحكم وحماد والثوري والاوزاعي والشافعي وإسحاق لأنها إذا أمكنت من وطئهها قبل علمها لم يوجد منها ما يدل على الرضى فهو كما لو لم تصب، ووجه الأول ما تقدم من حديث عمرو بن أمية، وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة أن مولاة لبني عدي يقال لها زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد فعتقت قالت فأرسلت إلى حفصة فدعتي فقالت أن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك وإن مسك فليس لك من الامر شئ.
فقلت هو الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثاً، وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن لها الخيار ما لم يمسها، ولأنه خيار عيب فيسقط بالتصرف فيه مع الجهالة كخيار الرد بالعيب ولا تفريع على هذا القول.
فأما على القول الآخر فإذا وطئها وادعت الجهالة بالعت وهي ممن يجوز خفاء ذلك عليها مثل أن يعتقها سيدها في بلد آخر فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم ذلك وإن كانت ممن لا يخفى عليها لكونهما في بلد واحد واشتهر ذلك لم يقبل قولها لأنه خلاف الظاهر وإن علمت العتق وادعت الجهالة بثبوت الخيار
فالقول قولها لأن ذلك لا يعلمه إلا خواص الناس فالظاهر صدقها وللشافعي في قبول قولها قولان
(مسألة) (وخيار المعتقة على التراخي ما لم يوجد منها ما يدل على الرضى ولا يمنع الزوج وطأها)
وممن قال أنه على التراخي مالك والاوزاعي وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وأخته حفصة وبه قال سليمان بن يسار ونافع والزهري وقتادة وقال أبو حنيفة وسائر العراقيين لها الخيار في مجلس العلم وللشافعي ثلاثة أقوال أطهرها كقولنا والثاني أنه على الفور كخيار الشفعة، والثالث أنه إلى ثلاثة أيام.
ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أمية قال سمعت رجالاً يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن شاءت فارقته وإن وطئها فلا خيار لها) ورواه الاثرم أيضا.
وروى أبو داود أن بريرة عتقت وهي عنده مغيب عبد لآل بني أحمد فحيرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها (ان اقربك فلا خيار لك) ولأنه قول من سمينا من الصحابة قال ابن عبد البرلا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفاً من الصحابة ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت الخيار كخيار القصاص أو خيار لدفع ضرر متحقق فأشبه ما قلنا
(مسألة) (فإن كانت صغيرة أو مجنونة فلها الخيار إذا بلغت أو عقلت)
ولا خيار لهما في الحال لأنه لا عقل لهما ولا قول معتبر ولا يملك وليهما الاختيار ععنهما ليس له هذا طريقه الشهوة فلا يدخل تحت الولاية كالاقتصاص فإذا بلغت الصغيرة وعقلت المجنونة فلهما الخيار حينئذ لكونهما صارا على صفة لكل منهما حكم وهكذا الحكم لو كان عند زوجيتهما عيث بوجب الفسخ
فإن كان زوجاهما قد وطئاهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار لهما فإن مدة الخيار انقضت، وعلى قول القاضي وأصحابه لهما الخيار لأنه لا رأي لهما فلا يكون تمكينها من الوطئ دليلا على الرضى بخلاف الكبيرة العاقلة ولا يمنع زوجاهما من وطئهما
(مسألة) (وإن طلقت قبل اختيارها وقع الطلاق وبطل خيارها)
لأنه طلاق من زوج جائز التصرف في نكاح صحيح فيقدم كما لو لم يعتق، وقال القاضي طلاقه موقوف فإن اختارت الفسخ لم يقع لأنه يتضمن إبطال حقها من الخيار وإن لم تختر وقع، وللشافعي قولان كهذين الوجهين وبنوا عدم الوقوع على أن الفسخ أسند إلى حالة العتق فيكون الطلاق واقعاً في نكاح مفسوخ وكذلك إن طلق الصغيرة أو المجنونة بعد العتق ولنا أنه طلاق من زوج مكلف مختار في نكاح صحيح فوقع كما لو طلقها قبل عتقها أو كما لو لم يختر والفسخ إنما يوجب الفرقة من حينه لأنه سببها ولا يجوز تقديم الفرقة عليه إذا الحكم لا يتقدم سببه ولأن العدة تبدأ من حين الفسخ لا من حين العتق وما سبقه من الوطئ وطئ في نكاح صحيح يثبت به الاحصان والإحلال للزوج الأول، ولو كان الفسخ سابقاً لانعكست الحال قول القاضي أنه يبطل حقها من الفسخ غير صحيح فإن الطلاق يحصل به مقصود الفسخ مع وجوب نصف المهر وتقصير العدة
عليها فإن ابتداءها من حين طلاقه لا من حين فسخه ثم لو كان مبطلا لحقها لم يقع وإن لم يختر الفسخ كما لا يصح تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار سواء فسخ البائع أو لم يفسخ وهذا فيما إذا كان الطلاق باثنا فإن كان رجعيا لم يسقط خيارها على ما نذكر فيما بعد، فعلى قولهم إذا طلقت قبل الدخول ثم اختارت الفسخ سقط مهرها لأنها بانت بالفسخ وإن لم تفسخ فلها نصف الصداق لأنها بانت بالطلاق (مسألة) (وإن أعتقت الأمة الرجعية فها الخيار) لأن نكاحها باق يمكن فسخه ولها في الفسخ فائدة فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، فإن قيل فتفسخ حينئذ قلنا إذا تحتاج إلى عدة أخرى لانها معتده من الطلاق والفسخ لا ينافيها فهو كما لو طلقها طلقة أخرى وتبنى على عدة حرة لأنها عتقت في عدتها وهي رجعية
(مسألة) (فإن اختارت المقام فهل يبطل خيارها؟ على وجهين)
(أحدهما) لا يبطل وهو قول الشافعي لأنها جارية إلى بينوته (والثاني) يبطل اختيارها لأنها يصح فيها احتيار القسخ فصح اختيار المقام كصلب النكاح وهو اختيار شيخنا، وإن لم تختر شيئاً لم يبطل خيارها لأنه على التراخي ولأن سكوتها لا يدل على رضاها لأنه يحتمل أنه كان تحربا بها إلى بينونة اكتفاء منها بذلك فإن ارتجعها بلها الفسخ حينئذ وإن فسخت ثم عدد فزوجها بقيت معه بطلقة واحدة لأن طلاق العبد اثنتان وإن تزوجها بعد أن عتق رجعت معه على طلقتين لأنه صار حراً فملك ثلاث طلقات كسائر الأحرار
(مسألة) (ومتى اختارت المعتقة الفسخ بعد الدخول فالمهر للسيد)
وجملة ذلك أن المعتقة متى اختارت المقام مع زوجها قبل الدخول أو بعده فالمهر للسيد وكذلك إن اختارت القسخ بعد الدخول لأنه وجب بالعقد وإن اخارت المقام ولم يوجد له مسقط فاز فسخت بعد الدخول فقد استقر المهر بالدخول فلم يسقط بثي وهو للسيد في الحالين لأنه وجب بالعقد في ملكه والواجب المسمى في الحالين سواء كان الدخول قبل العتق او بعده وقال أصحاب الشافعي إن كان الدخول قبل العتق فكذلك وإن كان بعده فالو اجب مهر المثل ولنا أنه عقد صحيح فيه مسمى صحيح انصل به الدخول قبل الفسخ وأوجب المسمى كما لو لم يفسخ ولأنه لو وجب بالوطئ بعد الفسخ لكان المهر لها لأنها حرة حينئذ، قولهم إن الوطئ في نكاح فاسد غير صحيح لأنه كان صحيحاً ولم يوجد ما يفسده ويثبت فيه أحكام الوطئ في النكاح الصحيح من الا حلال للزوج الأول وكونه حلالا
ً (مسألة) (وإن اختارت الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها)
نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وعن أحمد أن للسيد نصف المهر اختاره أبو بكر لأنه وجب للسيد فلا يسقط بفعل غيره
ولنا أن الفرقة جاءت من قبلها فيسقط مهرها كما لو أسلمت أو ارتدت أو أرضعت من بفسخ نكاحها وقوله وجب للسيد قلنا لكن بواسطنها ولهذا سقط نصفه بفسخها وجميعه بإسلامها وردتها (فصل) ولو كانت مفوضة ففرض مهر المثل فهو للسيد أيضاً لأنه وجب بالعقد في ملكه لا بالفرض ولذلك لو مات أحدهما وجب والموت لا يوجب فدل على أنه وجب بالعقد وإن كان الفسخ قبل الدخول والفرض فلا شئ إلا على الرواية الأخرى ينبغي أن تجب المتعة لأنها تجب بالفرقة قبل الدخول في موضع لو كان مسمى وجب نصفه
(مسألة) (وإن اعتق أحد الشريكين وهو معسر فلا خيار لها)
وقال أبو بكر لها الخيار لأن عتق المعسر لا يسري بل يعتق منها ما أعتق وباقيها رقيق فلا تكمل حريتها فلا يثبت لها الخيار حينئذ وهذا قول الشافعي وعن أحمد أن لها الخيار حكاها أبو بكر واختارها لأنها أكمل منه فإنها ترث وتورث وتحجب بقدر ما فيها من الحرية، ووجه الرواية الأولى أنه لا نص في المعتق بعضها ولا هي في معنى الحرة الكاملة لأن الحرة كاملة الأحكام ولأن العقد صحيح فلا يفسخ بالمختلف فيه وهذه مختلف فيها وعن أحمد رضي الله عنه إذا عتقت وزوجها حر بهذه العلة فأما إن كان المعتق موسر اسرى إلى باقيها فعتقت كلها وثبت لها الخيار
(فصل) ولو زوج أمة قيمتها عشرة بصداق عشرين تم أعتقها في مرضه بعد الدخول بها ثم مات ولم يملك غيرها وغير مهرها بعد استيفائه عتقت لأنها تخرج من الثلث وإن لم يكن قبضه عتق في الحال ثلثها وفي الخيار لها وجهان، فكلما اقتضي من مهرها شيئاً عتق منها بقدر ثلثه فإذا استوفى كله عتقت كلها ولها الخيار حينئذ عند من لم يثبت لها اليخار قبل ذلك، فإن كان زوجها وطئها قبل استيفا.
مهرها بطل خيارها عند من جعل لها الخيار حينئذ لانها أسقطنه بتمكينه من وطئها وعلى قول الخرقي لا يبطل لأنها مكنته منه قول ثبوت الخهيار لها فأشبه ما لو مكنت منه قبل عتقها فأما إن عتقت قبل الدخول بها فلا خيار لها على قول الخرقي لأن فسخها للنكاح سقط به صداقها فيعجز الثلث عن كمال قيمتها ورق ثلثاها ويسقط خياها فيقضي إثبات الخيار لها إلى إسقاطه فيسقط وهذا مذهب الشافعي وعند أبي بكر لها الخيار فعلى قول من أوجب لسيدها نصف المهر يعتق ثلثاها إذا استوفى وعلى قول من أسقط يعتق ثلثها (فصل) وإن أعتق زوج الأمة لم يثبت لها خيار لأن عدم الكمال في الزوجة لا يؤثر في النكاح ولذلك لا تعتبر الكفاءة إلا في الرجل دون المرأة، فلو تزوج امرأة مطلقا فبانت أمة لم يكن له الخيار ولو تزوجت المرأة رجلا مطلقا فبان عبداً فلها الخيار فكذلك في الاستدامة لكن إن أعتق ووجد طول الحرة فهل يبطل نكاحه؟ على وجهين مضى ذكرهما
(فصل) إذا أعتقت الأمة فقالت لزوجها زدني في مهري ففعل فالزيادة لها دون سيدها سواء كان
زوجها حرا أو عبدا وسواء عتق معها أو لقم يعتق نص عليه أحمد فيما إذا زوج عبده أو أمته ثم أعتقا جميعا فقالت الأمة زدني في مهري فالزيادة للأمة لا للسيد فقيل أرأيت إن كان الزوج لغير السيد لمن تكون الزيادة؟ قال للامة وعنى قياس هذا لو زوجها سيدها ثم باعها فزادها زوجها في مهرها فالزيادة للثاني وقال القاضي الزيادة لسيد المعتق في الموضعين على قياس المذهب لأن من أصلنا أن الزيادة في الصداق تلحق بالعقد الأول فيكون كالمذكور فيه، قال شيخنا والذي قلنا أصح لأن الملك في الزيادة حال وجودها بعد زوال ملك سيدها عنها فيكون لها كسبها والموهوب لها، وقولنا أن الزيادة تلحق بالعقد معناه أنها تلزم ويثبت الملك فيها ويصير الجميع صداقاً وليس معناه أنا تبينا أن الملك كان ثابتاً فيه وكان لسيدها فإن هذا محال لأن سبب ملك هذه الزيادة وجد بعد العتق فلا يجوز أن يتقدم الملك عليه لأنه يؤدي إلى تقدم الحكم قبل سببه ولو كان الملك ثابتاً للمعتق فيه حين التزويج لزمته زكاته وكان له نماؤه وهذا أظهر من أن نطيل فيه.
(مسألة) (وإن عتق الزوجان معاً فلا خيار لها وعنه ينفسخ نكاحهما)
اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فالمشهور عنه أنه لا خيار لها والنكاح بحاله سواء أعتقهما واحد أو اثنان نص عليه أحمد وعنه لها الخيار لأنها كملت بالحرية تحت من لم يسبق لم حرية
فملكت الفسخ كما لو عتقت قبله، والأول أولى لأن حرية العبد لو طرأت بعد عتقها منع فإذا قارنت كان أولى أن يمنع كإسلام الزوجين، وعنه رواية ثالثة أن أعتقا انفسخ نكاحهما لأن العتق معنى يزيل الملك عنهما لا إلى مالك فجاز أن تقع به الفرقة كالموت ولأنه لا يمتنع أن لا تحصل الفرقة بوجوده من أحدهما أو تحصل بوجوده منهما كاللعان والإقالة في البيع.
قال شيخنا: معناه والله أعلم أنه إذا وهب لعبده سرية وأذن له في التسري بها ثم أعتقهما جميعاً صارا حرين وخرجت عن ملكه فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد هكذا روى جماعة من أصحابه فيمن وهب عبده سرية أو اشترى له سرية ثم اعتقها لا يقربها إلا بنكاح
جديد، واحتج أحمد بما روي عن نافع عن ابن عمر أن عبد الله كان له سريتان فأعتقهما وأعتقه فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد ولأنها بإعتاقها خرجت عن أن تكون مملوكة فلم يبح له التسري بها كالحرة الأصلية، وأما إذا كانت امرأة فعتقا لم ينفسخ نكاحه بذلك لأنه إذا لم ينفسخ بإعتاقها وحدها فلأن لا ينفسخ بإعتاقهما معاً أولى ويحتمل أن أحمد إنما أراد بقوله أنفسخ نكاحهما أن لها فسخ النكاح ويخرج هذا على الرواية التي تقول لها الفسخ إذا كان زوجها حراً فعتقت عنه (فصل) ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما البداية بالرجل لئلا يثبت للمرأة خيار عليه فيفسخ نكاحه، وقد روى أبو داود والاثرم بإسنادهما عن عائشة أنه كان لها غلام وجارية فتزوجها فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أريد أن أعتقهما؟ فقال لها " ابدئي بالرجل قبل المرأة "
وعن صفية بنت أبي عبيد أنها فعلت ذلك وقالت للرجل إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار والله أعلم.
﴿باب حكم العيوب في النكاح﴾ (العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام (أحدها) ما يختص بالرجال وهو شيئان (أحدهما) أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره ولم يبق منه ما يمكن الجماع به) الكلام في العيوب المثبتة لفسخ النكاح للمرأة ووالرجل إذ اختار ذلك في أربعة فصول: (أحدها) أن خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين للعيب يجده في الآخر في الجملة وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال جابر بن زيد والشافعي واسحاق وروي عن علي لا ترد الحرة بعيب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه إلا أن يكون الرجل مجبوبا أو عنينا فإن للمرأة الخيار فإن اختارت الفراق فرق الحاكم بينهما بطلقة ولا يكون فسخاً لأن وجود العيب لا يقتضي فسخ النكاح كالعمي والزمانة وسائرا لعويب ولنا أن المختلف فيه يمنع الوطئ فأثبت الخيار كالجب والعنة ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح فجاز ردها بعيب كالصداق، أو أحد العوضين في عقد النكاح فجاز رده بالعيب أو أحد الزوجين فيثبت
له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة، فأما العمى والزمانة ونحوهما فلا يمنع المقصود بعقد النكاح وهو الوطئ بخلاف العيوب المختلف فيها، فان قيل فالجذام والجنون والبرص لا يمنع الوطئ قلنا بل يمنعه فإن ذلك يوجب نفرة تمنع من قربانه بالكلية ويخاف منه التعدي إلى نفسه ونسله والمجنون يخاف منه الجناية فصار كالمانع الحمي (الثاني) العيوب المجوزة للفسخ وهي ثمانية: اثنان يختصان الرجل وهما الجب والعنة وثلاثة تختص المرأة وهي الفتق والقرن والعفل وثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي الجذام والجنون والبرص وهكذا ذكرها الخرقي، وقال القاضي: هي سبعة جعل القرن والعفل شيئاً واحداً وهو الرتق وذلك لحم ينبت في الفرج، حكي ذلك أهل الأدب وحكي نحوه عن ابي بكر وذكره أصحاب الشافعي وقال الشافعي القرن عظم في الفرج يمنع الوطئ وقال عن غيره لا يكون في الفرج عظم إنما هو لحم ينبت فيه وحكي عن أبي حفص أن العفل كالرغوة في الفرج يمنع لذة الوطئ، وقال أبو الخطاب الرتق أن يكون الفرج مسدوداً يعني ملتصفا لا يدخل الذكر فيه والقرن والعقل لحم ينبت في الفرج فيسده فهما في معنى الرتق إلا أنهما نوع آخر، وأما الفتق فهو انخراق ما بين السبيلين وقيل انخراق ما بين مخرج البول والمني وذكرها أصحاب الشافعي سبعة أسقطوا منها الفتق ومنهم من جعلها ستة وجعل القرن والعفل شيئاً
واحداً وإنما اختص الفسخ بهذه العيوب لأنها تمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح فإن الجذام والبرص يثيران نفرة في النفس تمنع قربانه ويخشى تعديه إلى النفس والنسل فيمنع الاستمتاع، والجنون يثير نفرة ويخشى ضرره والجب والرتق بتعذر معهما الوطئ والفتق يمنع لذة الوطئ وفائدته وكذلك العفل على قول من فسره بالرغوة (فصل) فإن اختلفا في وجود العيب كمن يجسده بياض يمكن أن يكون بهقاً أو برصاً واختلفا في كونه برصاً أو كانت به علامات الجذام من ذهاب شعر الحاجبين فاختلفا في كونه جذاماً فإن كانت للمدعي بينة من أهل الخبرة والثقة فيشهدان بما قال ثبت قوله والاحلف المنكر والقول لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) وإن اختلفا في عيوب النساء أريت النساء الثقات ويقبل فيه قول امرأة واحدة فإن شهدت بما قال الزوج وإلا فالقول قول المرأة، وأما الجنون فإنه يثبت الخيار سواء كان مطبقا أو كان يجن في الأحيان لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله إلا أن يكون مريضاً يغمى عليه ثم يزول فذلك مرض لا يثبت به خيار فإن زال المرض ودام الاغماء فهو كالمجنون يثبت به الخيار.
(مسألة) (فإن اختلفا في إمكان الجماع بما بقي من ذكره فالقول قول المرأة)
لأنه يضعف بالقطع والاصل عدم الوطئ ويحتمل أن القول قوله كما لو ادعى الوطئ في العنة ولأن له ما يمكن الجماع بمثله فأشبه من له ذكر قصير (الثاني) أن يكون عنينا العنين هو العاجز عن إيلاج ذكره وهو مأخوذ من عن أي اعترض لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه أي يعترض قيل لأنه يعن لقبل المرأة عن يمينه وشماله فلا يقصده فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به وتستحق به المرأة فسخ النكاح بعد أن يضرب له مدة يختبر فيها ويعلم حاله بها، وهذا قول عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار والنخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وعليه فتوى فقهاء الأمصار منهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو عبيد وشذ الحكم وداود فقالا لا يؤجل وهي امرأته وروي ذلك عن علي رضي الله عنه لان امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير وإنما له مثل هدية الثوب فقال (تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته) ويذوق عسلتيك ولم يضرب له مدة ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه أجل العنين سنة وروى ذلك الدارقطني عن عمرو ابن مسعود والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم ورواه أبو حفص عن علي ولأنه عيب يمنع الوطئ فأثبت الخيار كالجب في الرجل والرتق في المرأة فأما الخبر فلا حجة لهم فيه فإن المدة إنما تضرب له مع اعترافه
وطلب المرأة ذلك ولم يوجد واحد منهما وقد روي أن الرجل وقال إني لأعركها عرك الأديم وقال بن عبد البر وقد صح أن ذلك كان بعد طلاقه فلا معنى لضرب المدة وصح ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم (تريدين أن ترجعي إلى رفاعة) ولو كان قبل طلاقه لما كان ذلك إليها وقيل أنها ذكرت ضعفه وشبهته بهدبة الثوب مبالغة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (حتى تذوقي عسيلته) والعاجز عن الوطئ لا يحصل منه ذلك
(مسألة) (فإن ادعت ذلك أجل سنة منذ ترافعه)
وجملة ذلك أن المرأة إذا ادعت عجز زوجها عن وطئها لعنة سئل عن ذلك فإن أنكر وهي عذراء فالقول قولها وإن كانت ثيباً فالقول قوله مع يمينه في ظاهر المذهب لأن الأصل السلامة ولأن هذا أمر لا يعرف إلا من جهته وقال القاضي هل يستحلف؟ على وجهين بناء على دعوى الطلاق
(مسألة) (فإن اعترف بذلك أو قامت بينة على إقراره به فأنكر فطلبت يمينه فنكل ثبت عجزه)
ويؤجل سنة في قول عامة أهل العلم وعن الحارث بن ربيععة أنه أجل رجلا عشرة أشهر ولنا قول من سمينا من الصحابة ولأن هذا العجز قد يكون لعنة وقد يكون لمرض فضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وإن كان من رطوبة زال في فصل
اليبس وإن كان من برودة زال، في فصل الحرارة وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال فإذا مضت الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية فلم يزل علم أنه خلقة وحكي عن أبي عبيد أنه قال أهل الطب يقولون الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر وابتداء السنة من يوم ترافعه قال ابن عبد البر على هذا جماعة القائلين بتأجيله قال معمر في حديث عمر يؤجل سنة من يوم ترافعه فإذا انضت المدة فلم يطأ فلها الخيار في فسخ النكاح
(مسألة) (وأن اعترفت أنه وطئها مرة بطل كونه عنيناً)
أكثر أهل العلم على هذا يقولون متى وطئ امرأته مرة ثم ادعت عجزه لم تسمع دعواها ولم تضرب له مدة منهم عطاء وطاوس والحسن ويحيى الانصاري والزهري وعمرو بن دينار وقتادة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال أبو ثور إذا عجز عن عن وطئها أجل له لأنه عجز عن وطئها فثبت حقها كما لو وجب بعد الوطئ ولنا أنه قد تحققت قدرته على الوطئ في هذا النكاح وزوال عنته فلم تضرب له مدة كما لو لم يكن لأن حقوق الزوجية من استقرار المهر والعدة ثبتت بوطئ واحد وقد وجد ما أوجبه فإنه يتحقق به العجز فافترقا (فصل) وإن علمت أن عجزه عن الوطئ لعارض من صغر أو مرض مرجوا لزوال لم تضرب له مدة لأن ذلك عارض يزول والعنة لا تزول لأنها جبلة وخلقة وإن كان لكبر أو مرض لا يرجى
برؤه ضربت له المدة لأنه في معنى من خلق كذلك وإن كان لجب أو شلل ثبت الخيار في الحال لأن الوطئ مأيوس منه فلا معنى لانتظاره وإن كان قد بقي من الذكر ما يمكن الوطئ به أولا رجع الى أهل الخبرة في ذلك.
(فصل) والوطئ الذي يخرج به من العنة هو تغيب الحشفة في الفرج لأن الأحكام المتعلقة بالوطئ تتعلق به فإن كان الذكر مقطوع الحشفة كفاه تغييب قدرا لحشفة من الباقي في أحد الوجهين ليكون ما يجري من المقطوع مثل ما يجري من الصحيح (والثاني) لا يخرج من العنة إلا بتغييب جميع الباقي لانه لاحد ههنا يمكن اعتباره فاعتبر تغييب جميعه لأنه المعنى الذي يتحقق به حصول حكم الوطئ وللشافعي قولان كهذين.
(مسألة) (وإن وطئها في الدبر أو وطئ غيرها لم تزل العنة ويحتمل أن تزول)
لأن الدبر ليس محلا للوطئ فأشبه الوطئ فيما دون الفرج ولذلك لا يتعلق به الإحلال للزوج الأول ولا الإحصان وإن وطئها في القبل حائضاً أو نفساء أو محرمة أو صائمة خرج عن العنة وذكر القاضي أن قياس المذهب أن لا يخرج عن العنة لنص أحمد على أنه لا تحصل به الإباحة للزوج الأول ولانه وطئ محرم أشبه الوطئ في الدبر