الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 45-75
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وحكي عن البتي انه لا يتعلق باللعان فرقه لما روي أن العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه وكلا القولين لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين رواه عبد الله بن عمر وسهل بن سعد أخرجهما مسلم وقال سهل فكانت سنة لمن كان بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وقال عمر المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً، وأما القول الآخر فلا يصح لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد تمام اللعان منهما فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكم يخالف مدلول السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة فإنه إما أيمان على زناها أو شهادة بذلك ولولا ورد الشرع بالتفريق بينهما لم تحصل الفرقة وانما ورد الشرع بها بعد لعانهما فلا يجوز تعليقها على بعضه كما لم يجز تعلقيها على بعض لعان الزوج ولأنه فسخ ثبت لأيمان مختلفين فلم يثبت يمين أحدهما كالفسخ لتحالف المتبايعين عند الاختلاف ويبطل ما ذكروه بالفسخ بالعيب أو العتق وقول الزوج اختاري نفسك أو أمرك بيدك أو وهبتك لأهلك أو لنفسك واشباه ذلك كثير إذا ثبت هذا فإن قيل أن الفرقة تحصل بلعانهما فلا تحصل إلا بعد إكمال اللعان بينهما وإن قلنا لا تحصيل الا بتفريق لحاكم لم يجز له ان تفريق بينهما إلا بعد كمال لعانها فإن فرق قبل ذلك كان

تفريقه باطلاً وجوده كعدمه.
وبهذا قال مالك وقال الشافعي لا تقع الفرقة حتى يكمل للزوج لعانه وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إذا فرق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات أخطأ السنة والفرقة جائزة وإن فرق بينهما بأقل من ثلاث فالفرقة باطلة لأن من أتى بالثلاث فقد أتى بالأكثر فتعلق الحكم به ولنا أنه تفريق قبل تمام اللعان فلم يصح كما لو فرق بينهما لأقل من ثلاث أو قبل لعان المرأة ولانها أيمان مشروعة لا يجوز للحاكم الحكم قبلها بالإجماع فإذا حكم لم يصح حكمه كأيمان المختلفين في البيع وكما قبل الثلاث ولأن الشرع إنما ورد بالتفريق بعد كمال السبب فلم يجز قبله كسائر الأسباب وما ذكروه تحكم لا دليل عليه ولا أصل له ثم يبطل بما إذا شهد بالدين رجل وامرأة واحدة أو بمن توجهت عليه اليمين إذا أتى بأكثر حروفها وبالمسابقة اذا قال من سبق إلى خمس إصابات فسبق إلى ثلاثة وبسائر الأسباب فأما إذا تم اللعان فللحاكم أن يفرق بينهما من غير استئذانهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين ولم يستأذنهما وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة وروى سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين أخرجهما

سعيد ومتى قلنا إن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم فلم يفرق بينهما فالنكاح بحاله باق لأن ما يبطل النكاح لم يوجد فأشبه ما لو لم يلاعن (فصل) وفرقة اللعان فسخ وبهذا قال الشافعي وقال أبوحينفة هي طلاق لأنها فرقة من قبل الزوج تختص النكاح فكان طلاقاً كالفرقة بقوله أنت طالق ولنا أنها فرقة توجب تحريماً مؤبداً فكانت فسخا كفرقة الرضاع ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقاً كسائر ما ينفسخ به النكاح ولأنه لو كان طلاقاً لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة (فصل) ذكر بعض أهل العلم أن الفرقة إنما حصلت باللعان لأن لعنة الله وغضبه قد وقع بأحدهما لتلاعنهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند الخامسة " إنها الموجبة " أي أنها توجب لعنة الله وغضبه ولا نعلم من هو منهما يقيناً ففرقنا بينهما خشبة أن يكون هو الملعون فيلعنو امرأة غير ملعونة وهذا لا يجوز كما لا يجوز أن يعلو المسلمة كافر ويمكن أن يقال على هذا لو كان هذا الاحتمال مانعاً من دوام نكاحهما لمنعه من نكاح غيرها فإن هذا الاحتمال متحقق فيه.
ويحتمل أن يكون الموجب للفرقة وقوع اللعنة أو الغضب بأحدهما غير معين فيفضي إلى علو ملعون غير ملعونة أو إلى امساك معلونة مغضوبة عليها

ويحتمل أن سبب الفرقة النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبها فإن الرجل إن كان صادقاً فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رءوس الاشهاد واقامتها مقام خزي وحقق عليها الغضب وقطع نسب ولدها وإن كان كذبا فقد أضاف إلى ذلك بهتها وقذفها بهذه الفرقه العظيمة والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رءوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها وألزمته اللعان والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي فحصل لكل واحد منهما نفرة من صاحبه لما حصل إليه من إساءة لا يكاد يلتئم لهما معها حال فاقتضت حكمة الشارع التزام الفرقة بينهما وإزالة الصحبة المتمحضة مفسدة ولأنه إن كان كاذبا عليها فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها وإن كان صادقاً فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها ولهذا قال العجلاني كذبت عليها إن أمسكتها " مسألة " (الثالث: التحريم المؤبد وعنه أنه إن اكذبت نفسه حلت له) ظاهر المذهب أن الملاعنة تحرم على الملاعن تحريماً مؤبداً فلا تحل له وإن أكذب نفسه ولا خلافا بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه أنها لا تحل له إلا أن يكون قولاً شاذاً فإن أكذب نفسه فالذي رواه الجماعة عن أحمد أنها لا تحل له أيضاً وجاءت الأخبار عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وبه قال الحسن وعطاء وجابر بن زيد والنخعي والزهري

والحكم ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابو يوسف، وعن أحمد رواية أخرى أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله وهي رواية شاذ شذ بها حنبل عن أصحابه قال أبو بكر لا نعلم أحدا رواها غيره.
قال شيخنا وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق الحاكم فأما مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، وقد ذكرنا أن مذهب البتي أن اللعان لا يتعلق به فرقة وعن سعيد بن المسيب إن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لأن فرقة اللعان عندهما طلاق وقال سعيد بن جبير إن أكذب نفسه ردت إليه مادامت في العدة.
ولنا ما روى سهل بن سعد قال مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً رواه الجوزجاني باسناده في كتابه وروي مثل هذا عن الزهري ومالك ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الحد والتكذيب فلم يرتفع بهما كتحريم الرضاع (مسألة) وإذا قلنا تحل له بإكذاب نفسه فإن لم يكن وجد منه طلاق فهي باقية على النكاح) لأن اللعان على هذا القول لا يحرم على التأييد وإنما يؤمر بالطلاق كما يؤمر المولى به إذا لم يأت بالفيئة فإذا لم يأت بالطلاق بقي النكاح بحاله وزوال الإجبار على الطلاق لتكذيبه نفسه كما لو امتنع

المولى من الفئية فأمر بالطلاق فعاد فأجاب إلى الفيئة، وان جاء منه طلاق دون الثلاث فله رجعتها كالمطلقة دون الثلاث بغير عوض

(مسألة) (الرابع انتفاء الولد عنه بمجرد اللعان ذكره أبو بكر وينتفي عنه حملها وإن لم يذكره وقال الخرقي لا ينتفي حتى يذكره في اللعان) وجملة ذلك أن الزوج إذا ولدت امرأته ولداً يمكن أن يكون منه فهو ولده في الحكم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولا ينتفي عنه إلا أن ينفيه باللعان تام الذي اجتمعت شروطه وهي أربعة (أحدهما) ان يوجد اللعان منهما جميعاً وهذا قول عامة أهل العلم، وقال الشافعي ينتفي بلعان الزوج وحده لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب وهي نثبته وتكذب قول من ينفيه وإنما لعانها لدرء الحد عنها كما قال الله تعالى (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما فلا يجوز النفي ببعضه كبعض لعان الزوج (الثاني) أن يكمل اللعان منهما جميعاً (الثالث) أن يبدأ الزوج باللعان قبل المرأة فإن بدأت باللعان قبله لم يعتد به وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وقال مالك وأصحاب الرأي إن فعل أخطأ السنة والفرقة جائزة وينفى الولد عنه لأن الله تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو هي لا تقتضي ترتيباً ولأن اللعان قد وجد منهما جميعاً فأشبه

ما ورتب، وعند الشافعي لا يتم اللعان إلا بالترتيب إلا أنه يكفي عنده لعان الرجل وحده لنفي الولد وذلك حاصل مع إخلاله بالترتيب وعدم كمال ألفاظه من المرأة ولنا أنه أتى باللعان على غير ما ورد به القرآن والسنة فلم يصح كما لو اقتصر على لفظة واحدة ولأن لعان الرجل بينة لإثبات زناها ونفى ولدها ولعان المرأة للإنكار فقدمت بينة الإثبات لتقديم الشهود على الأيمان ولأن لعان المرأة لدرء العذاب عنها، ولا يتوجه عليها ذلك إلا بلعان الرجل فإذا قدمت لعانها على لعانه فقد قدمته على وقته فلم يصح كما لو قدمته على القذف (الرابع) أن يذكر نفي الولد في اللعان فإن لم يذكره لم ينتف إلا أن يعيد اللعان ويذكر نفيه وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار القاضي ومذهب الشافعي، فإذا قال أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا يقول وما هذا الولد ولدي، وتقول هي أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا وهذا الولد ولده في كل لفظة، وقال الشافعي لا تحتاج المرأة إلى ذكره لأنها لا تنفيه ولنا أنها أحد الزوجين فكان ذكر الولد شرطا في لعانه كالزوج وقال أبو بكر لا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه وينتفي بزوال الفراش لأن حديث سهل بن سعد الذي وصف فيه اللعان لم يذكر فيه الولد وقال فيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها رواه أبو داود

وفي حديث رواه مسلم عن عبد الله أن رجلاً لاعن امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه.
ولنا أن من سقط حقه باللعان كان ذكر مشرطا كالمرأة ولأن غاية ما في اللعان أن يثبت زناها وذلك لا يوجب نفي الولد كما لو أقرت به أو قامت به بينة فأما حديث سهل فقد روي فيه فكانت حاملاً فأنكر حملها من رواية البخاري، وروى ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة والزيادة من الثقة مقبولة، فعلى هذا لابد من ذكر الولد في كل لفظة ومع اللعن في الخامسة لأنها من لفظات اللعان، وذكر الخرقي شرطاً خامساً وهو تفريق الحاكم بينهما وهذا على الرواية التي تشترط تفريق الحاكم بينهما لوقوع الأخرى أما على الرواية الأخرى فلا يشترط تفريق الحاكم لنفي الولد كما لا يشترط لدرء الحد عنه ولا لفسخ النكاح، وشرط أيضاً شرطاً سادساً وهو أن يكون قد قذفها وهذا من شروط اللعان وقد ذكرناه (فصل) متى كان اللعان لنفي الولد اشترط ذكره وقد مضى ذلك قال يشترط أن يقول هذا الولد من زنى وليس هو مني وهو مذهب الشافعي لأنه قد يريد بقوله ليس هو مني يعني خلقاً وخلقاً ولم يقتصر على قوله هو من زنى لأنه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح الفاسد زنا فأكدنا بذكرهما جميعاً ولنا أنه نفي الولد في اللعان فانتفى به كما لو ذكر اللفظين، وما ذكروه من التأكيد تحكم بغير دليل

ولا ينتفي اللعان بضم إحدى اللفظين إلى الأخرى فإنه إذا اعتقد أنه من وطئ فاسد واعتقد أن ذلك زنا صح منه أن يقول اللفظين جميعاً وقد يريد أنه لا يشبهني خلقاً ولا خلقاً وأنه من وطئ فاسد (مسألة) (وإن نفي الحمل في التعانه لم ينتف حتى ينفيه عند وضعها له ويلاعن) اختلف أصحابنا في ذلك فقال الخرقي وجماعة لا ينتفي الحمل بنفيه قبل الوضع ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع وينتفي الولد فيه، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة لأن الحمل غير مستيقن يجوز أن يكون ريحاً أو أو غيرها فيصير فيصير نفيه مشروطاً بوجوده ولا يجوز تعليق اللعان بشرط، وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز يصح نفي الحمل وينتفي عنه محتجين بحديث هلال بن أمية وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه بالأم وبأنه كان حملاً ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " انظروها فإن جاءت به كذا وكذا " قال ابن عبد البر الآثار الدالة على صحة هذا القول كثيرة وأوردها، ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف فيها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك اقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها وغير ذلك مما يطول ذكره، ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه وهذا القول الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث وما خالف الحديث لا يعبأ به كائناً ما كان، وقال أبو بكر ينتفي الولد بزوال الفراش، ولا يحتاج إلى ذكره في اللعان احتجاجاً بظاهر الأحاديث حيث لم ينقل فيها نفي الحمل ولا التعرض لنفيه، فأما من قال إن الولد لا ينتفي إلا بنفيه بعد الوضع فانه

يحتاج إلى عادة اللعان بعد الوضع، وقال أبو حنيفة ومن وافقه أن لاعنها حاملاً ثم أت بولد لزمه ولم يتمكن من نفيه لأن اللعان لا يكون إلا بين زوجين وهذه قد بانت بلعانها في حملها وهذا فيه الزامه ولد ليس منه وسد باب الانتفاء من أولاد الزنا، والله تعالى قد جعل له إلى ذلك سبيلاً وطريقاً فلا يجوز سده وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف إليها الزنا لأن الولد الذي يأتي به يلحقه إذا لم ينفه فيحتاج إلى نفيه، وهذه كانت زوجة في تلك الحال فملك نفيه والله أعلم (فصل) فإن استلحق الحمل فمن قال لا يصح نفيه قال استلحاقه وهو المنصوص عن أحمد ومن أجاز نفيه قال يصح استلحاقه وهو مذهب الشافعي لأنه محكوم بوجوده بدليل وجوب النفقة ووقف الميراث نصح الإقرار به كالمولود، وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك كما لو استلحقه بعد الوضع، ومن قال لا يصح استلحاقه قال لو صح استلحاقه لزمه بترك نفيه كالمولود ولا يلزمه ذلك بالإجماع ولان للشبه اثراً في الاستلحاق بدليل حديث الملاعنة وذلك مختص بما بعد الوضع فاختص صحة الاستلحاق به فعلى هذا لو استلحقه ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك فأما ان سكت عنه فلم ينفه ولم يستلحقه لم يلزمه عند أحد علمنا قوله لأن بتركه يحتمل أن يكون لأنه لا يتحقق وجوده إلا أن يلاعنها فإن أبا حنيفة الزمه الولد على ما أسلفناه

(فصل) ومن شرط نفي الولد أن لا يوجد منه دليل على الاقرار به فإن أقر به لم يملك نفيه في قول جماعة أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي، وإن أقر بتوامه أو نفاه وسكت عن توأمه لحقه نسبه ولم يكن له نفيه وقد ذكرناه ولأنه إذا أقر بأحدهما كان إقراراً بالآخر إذ لا يمكن أن يعلم الذي له منهما فإذا نفى الأخير كان رجوعاً عن إقراره فلا يقبل منه ومثله إذا نفاه وسكت عن توأمه (مسألة) (وان هنئ به فسكت كان إقراراً ذكره أبو بكر) لأن السكوت صلح دالاً على الرضا في حق البكر فههنا أولى (مسألة) (فإن امن على الدعاء لزمه في قولهم جميعاً) فإن قال أحسن الله جزاءك أو بارك الله عليك أو رزقك الله مثله لزمه الولد وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يلزمه لأنه جازاه على قصده وإذا قال رزقك الله مثله فليس ذلك اقرارا ولا متضمغا له.
لنا ان ذلك جواب الراضي في العادة فكان إقراراً كالتأمين على الدعاء (مسألة) (وإن أخر نفيه مع إمكانه لزمه نسبه ولم يكن له نفيه بعد ذلك) وبهذا قال الشافعي قال أبو بكر لا يتقدر ذلك بثلاث هل هو ما جرت به العادة إن كان ليلاً فحتى يصبح وينتشر الناس وإن كان جائعاً أو ظمآن فحتى يأكل أو يشرب أو ينام إن كان ناعساً أو

يلبس ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلي إن حضرت الصلاة ويحرز ماله إن كان غير محرز وأشباه هذا من أشغاله فإن أخره بعد هذا كله لم يكن له نفيه وقال أبو حنيفة له تأخير نفيه يوماً ويومين استحسانا لأن النفي عقيب الولادة يشق فقدر باليومين لقلتهما.
وقال أبو يوسف ومحمد يتقدر بمدة النفاس لأنها جارية مجرى الولادة في الحكم.
وحكي عن عطاء ومجاهد أن له نفيه ما لم يعترف به كحالة الولادة ولنا أنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على الفور كخيار الشفعة ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش " عام خرج منه ما اتفقنا عليه مع السنة الثابتة ففيما عداه يبقى على عموم الحديث، وما ذكره أبو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب والأخذ بالشفعة، وتقديره بمدة النفاس تحكم لا دليل عليه.
وما قاله عطاء يبطل أيضاً بما ذكرناه ولا يلزم عليه القصاص فإنه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر ولا الحمل لأنه لم يتحقق ضرره؟ وهل يتقدر الخيار في النفي بمجالس العلم أو بإمكان النفي، على وجهين بناء على المطالبة بالشفعة (مسألة) (فإن قال أخرته رجاء موته لم يعذر بذلك ويبطل خياره لأنه أخر نفيه مع إمكانه لغير عذر)

(مسألة) (وإن قال لم أعلم به أو لم أعلم أن لي نفيه أو لم أعلم أن ذلك على الفور وأمكن صدقه قبل منه)

إذا أخر نفيه ثم ادعى أنه لم يعلم بالولادة وأمكن صدقه بأن يكون في مكان يخفي عليه ذلك كمن هو في محلة أخرى فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم العلم فإن لم يمكن مثل أن يكون معها في الدار لم يقبل لأن ذلك لا يكاد يخفى عليه وإن قال علمت ولادته ولم أعلم أن لي نفيه أو علمت ذلك أو لم أعلم أنه على الفور وكان من يخفي عليه ذلك كعامة الناس قبل منه لأن هذا مما يخفى عليهم فأشبه كما لو كان حديث عهد بإسلام فإن كان فقيهاً لم يقبل منه لأنه مما لا يخفي عليه ذلك ويحتمل أن يقبل منه لأن الفقيه يخفى عليه كثير من الأحكام وقال أصحابنا لا يقبل ذلك من الفقيه ويقبل من الناشئ ببادية وحديث العهد بالإسلام ويقبل من سائر الناس وفيه وجه آخر أنه لا يقبل والأول أولى (مسألة) (وإن أخره لغيبة أو مرض أو شئ يمنعه ذلك لم يسقط نفيه) وجملة ذلك أنه إذا كان له عذر يمنعه من الحضور لنفيه كالمرض والحبس أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعة أو بملازمه غريم يخاف فوته او غيبته نظرت فإن كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى الحضور ليزول عذره لم يبطل نفيه لأنه بمنزلة من علم ذلك ليلاً فأخره إلى الصبح وإن كانت

تتطاول ما مكنه التنفيذ الى الحاكم ليبعث اليه من يستوفي عليه اللعان والنفي فلم يفعل سقط نفيه وإن لم يمكنه اشهد على نفسه أنه ناف لولد امرأته فان لم يفعل بطل خياره لأنه إذا لم يقدر على نفيه قام الإشهاد مقامه كما يقيم المريض الفيئة بالقول بدلاً عن الفيئة بالجماع (فصل) فإن قال لم أصدق المخبر به وكان مستفيضاً منتشراً لم يقبل قوله وإن لم يكن مستفيضاً وكان المخبر مشهور العدالة لم يقبل قوله وإلا قبل، وإن قال لم أعلم أن علي ذلك قبل قوله لأنه مما يخفى وإن علم وهو غائب فأمكنه السير فاشتغل به لم يبطل خياره وإن أقام من غير حاجة بطل لأنه أخر لغير عذر، وإن كانت له حاجة تمنعه من السير فهو على ما ذكرنا من قبل وإن أخره من غير عذر بطل وفي كل موضع لزمه الولد لم يكن له نفيه بعد ذلك في قول جماعة أهل العلم مالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال الحسن له أن يلاعن لنفيه مادامت أمه عنده يصير لها الولد ولو أقر به والذي عليه الجمهور أولى فإن أقر به فلم يملك جحده كما لو بانت منه أمه ولأنه أقر بحق عليه فلم يقبل منه جحده كسائر الحقوق

(مسألة) (ومتى أكذب نفسه بعد نفيه لحقه نسبه ولزمه الحد ان كانت المرأة محصنة أو التعزير إن لم تكن محصنة) إذا لاعن الرجل امرأته ونفي ولده ثم أكذب نفسه لحقه الولد اذا كان حيا غنياً كان أو فقيراً بغير خلاف بين أهل العلم وكذلك إن كان ميتاً.
وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الثوري إذا استلحق الولد الميت وكان إذا مال لم يلحقه لأنه إنما يدعي مالاً وإن لم يكن له مال لحقه وقال أصحاب الرأي إن كان الولد الميت ترك ولداً ثبت نسبه من المستلحق وتبعه نسب ابنه وإن لم يكن ترك ولداً لم يصح استلحاقه ولم يثبت نسبه ولا يرث منه المدعي شيئاً لأن نسبه منقطع بالموت فلم يصح استلحاقه فإذا كان له ولدا كان مستلحقاً لولده وتبعه نسب الميت ولنا أن هذا ولد نفاه باللعان فكان له استلحاقه كما لو كان حياً أو كان له ولد ولأن ولد الولد يتبع نسب الولد وقد جعل أبو حنيفة نسب الولد تابعا لنسب ابنه فجعل الاصل تابع للفرع وذلك باطل فأما قول الثوري إنه إنما يدعي مالاً قلنا إنما يدعي النسب والميراث تبع له فإن قيل فهو متهم في أن غرضه في حصول الميراث قلنا النسب لا يمنع التهمة لحوقه بدليل أنه لو كان له أخ يعاديه فأقر بابن لزمه وسقط ميراث أخيه ولو كان الابن حياً غنياً والأب فقيراً فاستلحقه فهو متهم في إيجاب

نفقته على ابنه ويقبل قوله كذلك ههنا ثم كان ينبغي أن يثبت ههنا لأنه حق للولد ولا تهمة فيه ولا يثبت الميراث المختص بالتهمة ولا يلزم من انقطاع البيع انقطاع الأصل قال القاضي يتعلق باللعان أربعة أحكام حقان عليه وجوب الحد ولحوق النسب.
وحقان له الفرقة والتحريم المؤبد فإذا أكذب نفسه قبل قوله فيما عليه فلزمه الحد والنسب ولم يقبل فيما له فلم تزل الفرقة ولا التحريم المؤبد (فصل) فإن لم يكذب نفسه ولكن لم تكن له بينة ولا لاعن أقيم عليه الحد فإن أقيم عليه بعضه فأراد اللعان وقال أنا ألاعن قبل منه لأن اللعان يسقط جميع الحد فيسقط بعضه كالبينة فإن ادعت زوجته أنه قذفها بالزنا فأنكر فأقامت عليه بينة أنه قذفها بالزنا فقال صدقت البينة وليس ذلك قذفاً لأن القذف الرمي بالزنا كذباً وأنا صادق فيما رميتها به ولم يكن ذلك إكذاباً لنفسه لأنه مصر على رميها بالزنا وله إسقاط الحد باللعان ومذهب الشافعي في هذا الفصل كمذهبنا فأما إن قال ما زنت ولا رميتها بالزنا فقامت البينة عليه بقذفها لزمه الحد ولم تسمع بينته ولا لعانه، نص عليه أحمد لأن قوله ما زنت تكذيب للبينة واللعان فلا يثبت له حجة قد أكذبها وجرى هذا مجرى قوله في الوديعة اذا ادعيت عليه فقال ما أودعتني فقامت عليه البينة بالوديعة فادعى الرد أو التلف لم يقبل ولو أجاب بانه ما له عندي شئ أو لا يستحق علي شيئاً فقامت عليه البينة فادعى الرد أو التلف قبل منه

(مسألة) (ويلزمه الحد إذا أكذب نفسه سواء أكذبها قبل لعانها أو بعده) وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفاً لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج فإذا أكذب نفسه بان أن لعانه كذب وزيادة في هتكها وتكرار لقذفها فلا أقل من أن يجب الحد الذي كان واجباً بالقذف المجرد فإن عاد عن اكذاب نفسه وقال لي بينة أقيمها بزناها أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان لم تسمع لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله وقد اقر بكذب ننفسه فلا يسمع منه خلافه.
وهذا إذ كانت المقذوفة محصنة فإن كانت غير محصنة فعليه التعزير.
(فصل) فيما يلحق من النسب، من أتت امرأته بولد يمكن كونه منه وهو أن يأتي به بعد ستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها ولأقل من أربع سنين منذ أبانها وهو ممن يولد لمثله كابن عشر سنين لحقه الولد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش " ولأن مع ذلك يمكن كونه منه وقدرناه بعشر سنين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " وقال القاضي يلحق به إذا أتت له تسعة أعوام ونصف مدة الحمل قياساً على الجارية وقال أبو بكر لا يلحقه حتى يبلغ لأن الولد إنما يكون من الماء ولا ينزل حتى يبلغ

ولنا أنه زمن يمكن البلوغ فيه فيلحقه الولد كالبالغ.
وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عاماً وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم دليل على امكان الوطئ الذي هو سبب الولادة.
واما قياس الغلام على الجارية فغير صحيح فإن الجارية يمكن الاستمتاع بها لتسع عادة وقد تحيض لتسع والغلام لا يمكنه الاستمتاع لتسع ما عهد بلوغ غلام لتسع.
(مسألة) فأما إن أتت به لدون ستة أشهر منذ تزوجها أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها لم يلحق الزوج لأنا علمنا أنها علقت به قبل النكاح ولا يحتاج إلى نفيه باللعان لأن اللعان يمين واليمين جعلت لتحقيق أحد الجائزين ونفي أحد المحتملين وما لا يجوز لا يحتاج إلى نفيه (مسألة) (وإن أقرت بانقضاء عدتها بالقروء ثم أتت به لأكثر من ستة أشهر لم يلحق بالزوج) وهذا قول أبي العباس ابن شريح وقال غيره من أصحاب الشافعي يلحق به لأنه يمكن أن يكون منه والولد يحلق بالإمكان

ولنا أنها أتت به بعد الحكم بإنقضاء عدتها في وقت يمكن أن لا يكون منه فلم يلحقه كما لو انقضت عدتها بوضع الحمل وإنما يعتبر الإمكان مع بقاء الزوجية أو العدة وأما بعدهما فلا يكتفى بالإمكان للحاقه وإنما يكتفى بالإمكان لنفيه وذلك لأن الفراش سبب ومع وجود السبب يكتفى بإمكان الحكمة واحتمالها فإذا انتفى السبب وآثاره انتفى الحكم لانتفائه ولا يلتفت إلى مجرد الإمكان.
فأما إن طلقها فاعدت بالأقراء ثم ولدت ولداً قبل مضي ستة أشهر من آخر أقرائها لحق الزوج لأنا تيقنا أنها لم تحمله بعد انقضاء عدتها ويعلم أنها كانت حاملاً به في زمن رؤية الدم فيلزم أن لا يكون الدم حيضاً فلم تنقض عدتها به.

(مسألة) (فإن طلقها وهي حامل فولدت ثم ولدت آخر قبل مضي ستة أشهر فهو من الزوج)

لأنا نعلم أنهما حمل واحد فإذا كان أحدهما منه فالآخر منه وإن كان بينهما أكثر من ستة أشهر لم يلحق بالزوج وانتفى عنه من غير لعان لأنه لا يمكن أن يكون الولدان حملاً واحداً وبينهما مدة الحمل فعلم أنها علقت به بعد زوال الزوجية وانقضاء العدة وكونها أجنبية فهي كسائر الاجنبيات (مسألة) (أو مع العلم بأنه لم يجتمع بها)

كالذي يتزوجها بحضرة الحاكم ويطلقها في المجلس قبل غيبته عنهم ثم أتت المرأة بولد لستة أشهر أو يتزوجها وبينهما مسافة لا يصل إليها في المدة التي ولدت فيها كمشرقي يتزوج بمغربية ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه وبذلك قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلحقه نسبه لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل ألا ترى انكم قلتم إذ امضى زمان الإمكان لحق الولد وإن علم أنه لم يحصل منه الوطئ.
ولنا أنه لم يحصل امكان الوطئ في هذا العقد فلم يلحق به الولد كزوجية الطفل أو كما لو ولدته لدون ستة أشهر وفارق ما قاسوا عليه فإن الإمكان إذا وجد لم يعلم أنه ليس منه قطعاً لجواز أن يكون وطئها من حيث لا نعلم ولا سبيل لنا إلى معرفة حقيقة الوطئ فعلقنا الحكم على إمكانه في النكاح ولم يجز حذف الامكان عن الاعتبار لأنه إذا انتفى حصل اليقين بانتفائه عنه فلم يجز إلحاقه بدفع يقين كونه ليس منه.

(مسألة) (أو صبي دون عشر سنين أو مقطوع الذكر والأنثيين) أما الصبي الذي له دون عشر سنين فقد ذكرناه في أول الفصل.
واما مقطوع الذكر والأنثيين فلا يلحق به الولد في قول عامة أهل العلم لأنه يستحيل منه الإيلاج والإنزال.
فإن قطعت أنثياه دون ذكره فكذلك لأنه لا ينزل ماء يخلق منه الولد وقال أصحابنا يلحقه وفيه بعد قالوا لأنه يتصور منه الإيلاج وينزل ماء رقيقاً ولنا أن هذا لا يخلق منه الولد عادة ولا وجد ذلك فأشبه ما لو قطع ذكره معهما ولا اعتبار بإيلاج لا يخلق منه الولد فهو كما لو أولج أصبعه.
فأما إن قطع ذكره وحده فقد قيل يلحقه الولد لأنه يمكن أن يساحق فينزل ما يخلق منه الولد فيدخل الماء إلى فرج المرأة ولهذا ألحقنا ولد الأمة بسيدها إذا اعترفت بوطئها فيما دون الفرج

ولأصحاب الشافعي اختلاف في ذلك كنحو ما ذكرنا من الاختلاف عندنا.
وقال ابن اللبان لا يلحقه الولد في هاتين الصورتين في قول الجمهور وقال بعضهم يلحقه بالفراش وهو غلط لأن الولد إنما يلحق بالفراش إذا أمكن، ألا ترى أنها إذا ولدت بعد شهر منذ تزوجها لم يلحقه وههنا لا يمكن لفقد المني من المسلول وتعذر اتصال المني الى قعر الرحم من المجبوب ولا معنى لقول من قال يجوز أن تستدخل المرأة مني الرجل فتحبل لأن الولد مخلوق من مني الرجل والمرأة جميعاً ولذلك يأخذ الشبه منهما وإذا استدخلت المني بغير جماع لم يحدث لها لذة تمني بها فلا يختلط منهما، ولو صح ذلك لكان الأجنبيان الرجل والمرأة إذا تصادقا أنها استدخلت منيه وإن الولد من ذلك المني يحلقه نسبه وما قال ذلك أحد، والذي ذكره ابن اللبان إنما يصح إذا استدخلت منيه من غير مباشرة فأما مع المباشرة والمساحقة فيمكن أن يحدث لها شهوة ينزل المني معها فتحبل فلا يشبه ما ذكره من الأصل والله أعلم

(مسألة) (وإن طلقها طلاقاً رجعياً فولدت لأكثر من أربع سنين منذ طلقها ولأقل من أربع سنين منذ انقضت عدتها ففيه وجهان) (أحدهما) لا يلحقه بنسبه وينتفي عنه بغير لعان لأنها علقت به بعد طلاقه فأشبهت البائن

(والثاني) يلحقه لأنها في حكم الزوجات في السكنى والنفقة والطلاق والظهار والإيلاء والحل في رواية فأشبهت ما قبل الطلاق، فأما إن وضعته لأكثر من أربع سنين منذ انقضت العدة لم يلحق به لأنها حلت به بعد زوال الفراش وكذلك إن كان الطلاق بائناً فوضعته لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق فإنه ينتفي عنه بغير لعان ولا يحلقه لذلك (فصل) إذا غاب عن زوجته سنين فبلغها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحاً صحيحاً في الظاهر ودخل بها الثاني وأولدها أولاداً ثم قدم الأول فسخ نكاحا الثاني وردت إلى الأول وتعتد من الثاني ولها عليه صداق مثلها والأولاد له لأنهم ولدوا على فراشه، روى ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري وأهل العراق وابن أبي ليلى ومالك وأهل الحجاز والشافعي وإسحاق وأبي يوسف وغيرهم من أهل العلم الا أبا حنيفة، قال الولد للأول لأنه صاحب الفراش لانه نكاحه صحيح ثابت ونكاح الثاني غير ثابت فأشبه الأجنبي ولنا أن الثاني انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله فكان الولد له كوالد الأمة من زوجها يلحقه دون سيدها وفارق الأجنبي فإنه ليس له نكاح

(فصل) ولو وطئ رجل امرأة لا زوج لها بشبهة فأتت بولد لحقه نسبه وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وقال القاضي وجدت بخط أبي بكر أنه لا يلحق به لأن النسب لا يلحق إلا في نكاح صحيح أو فاسد أو ملك أو شبهة ملك ولم يوجد شئ من ذلك، ولأنه وطئ لا يسند إلى عقد فلم يلحق الولد فيه الواطئ كالزنا، والصحيح في المذهب الأول، قال أحمد كل من درأت عند الحد ألحقت به الولد ولانه وطئ اعتقد الواطئ حله فلحق به النسب كالوطئ في النكاح الفاسد، وفارق وطئ الزنا فإنه لا يعتقد الحل فيه.
(فصل) ولو تزوج رجلان أختين فغلط بهما عند الدخول فزفت كل واحدة منهما الى زوج الأخرى فوطئها وحملت منه لحق الولد بالواطئ لأنه يعتقد حله فلحق به النسب كالواطئ في نكاح فاسد وقال أبو بكر لا يكون الولد للواطئ وإنما يكون للزوج وهو الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة لأن الولد للفراش.
ولنا أنه الواطئ انفرد بوطئها فيما يلحق به النسب فلحق به كما لو لم تكن ذات زوج وكما

لو تزوجت امرأة المفقود عند الحكم بوفاته ثم بان حيا والخبر مخصوص بهذا فنقيس عليه ما كان في معناه.
(فصل) وان وطئت امرأته أو أمته بشبهة في طهر لم يصبها فيه فاعتزلها حتى أتت بولد لستة أشهر من حين الوطئ لحق الواطئ وانتفى عن الزوج من غير لعان، وعلى قول أبي بكر وأبي حنيفة يلحق الزوج لأن الولد للفراش، وان أنكر الواطئ الوطئ فالقول قوله بغير يمين ويلحق نسب الولد بالزوج لأنه لا يمكن إلحاقه بالمنكر ولا تقبل دعوى الزوج في قطع نسب الولد، وإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من حين الوطئ لحق الزوج بكل حال لأننا نعلم أنه ليس من الواطئ، فإن اشتركها في وطئها في طهر فأتت بولد يمكن أن يكون منهما لحق الزوج لأن الولد للفراش وقد أمكن كونه منه وإن ادعى الزوج أنه من الواطئ فقال بعض أصحابنا يعرض على القافة معهما فيلحق بمن ألحقته به منهما فان ألحقته بالواطئ لحقه ولم يملك نفيه عن نفسه وانتفى عن الزوج بغير لعان وإن الحقته بالزوج لحق ولم يملك نفيه باللعان في أصح الروايتين وإن ألحقته بهما لحق بهما ولم يملك الواطئ نفيه عن نفسه، وهل يملك الزوج نفيه باللعان؟ على روايتين، فإن لم يوجد قافة أو اشتبهه عليهم لحق الزوج لأن المقتضي للحاق

النسب به متحقق ولم يوجد ما يعارضه فوجب إثبات حكمه، ويحتمل أن يلحق الزوج بكل حال لأن دلالة قول القافة ضعيفة ودلالة الفراش قوية فلا يجوز ترك دلالته لمعارضة دلالة ضعيفة (فصل) فإن أتت امرأته بولد فادعى أنه من زوج قبله نظرنا فإن كانت تزوجت بعد انقضاء العدة لم يلحق بالأول بحال، وإن كان بعد أربع سنين منذ بانت من الأول لم يلحق به أيضاً وإن وضعته لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يلحق به وينتفي عنهما وإن كان لأكثر من ستة أشهر فهو ولده، وإن كان لأكثر من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ولأقل من أربع سنين من طلاق الأول ولم يعلم انقضاء العدة عرض على القافة وألحق بمن ألحقته به منهما فإن ألحقته بالأول انتفى عن الزوج بغير لعان وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الأول ولحق بالزوج وهل له نفيه باللعان؟ على روايتين (فصل) قال رضي الله عنه (ومن اعترف بوطئ أمته في الفرج أو دونه فأتت بولد لستة أشهر لحقه نسبه وإن ادعى العزل إلا أن يدعي الاستبراء وهل يحلف؟ على وجهين) من اعترف بوطئ أمته في الفرج صارت فراشاً له فإذا أتت بولد لمدة الحمل من يوم الوطئ لحقه نسبه وبهذا قال

مالك والشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة لا تصير فراشاً حتى يقر بولدها فإذا أقر به صارت فراشاً ولحقه أولاده بعد ذلك لأنها لو صارت فراشا بالوطئ لصارت فراشاً بإباحته كالزوجة ولنا أن سعداً نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر " متفق عليه، وروى ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قال ما بال رجال يطؤن ولائدهم ثم يعزلون لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعتزلوا بعد ذلك أو اتركوا، ولان الوطئ يتعلق به تحريم المصاهرة فإذا كان مشروعاً صارت به المرأة فراشاً كالنكاح، ولأن المرأة إنما سميت فراشاً تجوزاً إما لمضاجعته لها على الفراش وإما لكونها تحته في حال المجامعة وكلا الأمرين يحصل في الجماع، وقياسهم الوطئ على الملك لا يصح لأن الملك لا يتعلق به تحريم المصاهرة ولا تنعقد في محل يحرم الوطئ فيه، كالمجوسية والوثنية وذوات محارمه.
إذا ثبت هذا فإنه إذا أراد نفي ولد أمته التي يلحقه ولدها فطريقه أن يدعي أنه استبرأها بعد وطئه لها بحيضة فينتفي بذلك وإن ادعى أنه كان يعزل عنها لحقه النسب ولم ينتف عنه

بذلك لما روى جابر قال جاء رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها " رواه أبو داود ولما ذكرنا من حديث عمر وروي عن أبي سعيد أنه قال كنت أعزل عن جاريتي فولدت أحب الخلق إلي يعني ابنه، ولأنه حكم تعلق بالوطئ فلم يعتبر معه الاعتزال كسائر الأحكام وقد قيل إنه ينزل من الماء ما لا يحس به، فأما إن أقر بالوطئ دون الفرج أو في الدبر لم تصر بذلك فراشاً لأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص وروى عن أحمد أنها تصير فراشاً لأنه قد يجامع فيسبق الماء إلى الفرج، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا اعى الاستبراء قبل قوله بغير يمين في أحد الوجهين لأن من قبل قوله في الاستبراء قبل بغير يمين كالمرأة تدعي انقضاء عدتها، وفي الآخر يستحلف وهو مذهب الشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام " ولكن اليمين على المدعى عليه " ولأن الاستبراء غير مختص به فلم يقبل قوله فيه بغير يمين كسائر الحقوق، ومتى لم يدع الاستبراء لحقه ولدها ولم ينتف عنه وقال الشافعي في أحد قوليه له نفيه باللعان لأنه ولد لم يرض به فأشبه ولد المرأة

ولنا قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) فخص بذلك الآزواج ولأنه ولد يلحقه نسبه من غير الزوجة فلم يملك نفيه باللعان كما لو وطئ أجنبية بشبهة فألحقت الفاقة ولدها به ولأن له طريقاً إلى نفي الولد بغير اللعان فلم يحتج إلى نفيه باللعان فلا يشرع ولأنه لو وطئ أمته ولم يستبرئها فأتت بولد احتمل أن يكون منه فلم يجز له نفيه لكون النسب يلحق بالإمكان فكيف مع الظهور ووجود نسبه؟ فإن ادعى الاستبراء فأتت بولدين فأقر بأحدهما ونفى الآخر لحقاه معاً لأنه لا يمكن جعل أحدهما منه والآخر من غيره وهما حمل واحد ولا يجوز نفي الولد المقر به عنه مع اقراره به فوجب إلحاقهما به معاً وكذلك لو أتت التي لم يعترف بوطئها بولدين توأمين فاعترف بأحدهما ونفى الآخر (مسألة) (وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون ستة أشهر من حين العتق أو البيع فهو ولده) لأنها حملت به وهي فراش لأن أقل الحمل ستة أشهر فإذا أتت به لأقل من ذلك علم أن حملها

كان قبل بيعها فيلحق النسب به كما لو لم يبعها وتصير أم ولد والبيع باطل لأنها صارت أم ولد (مسألة) (وكذلك إن لم يستبرئها فأتت به لأكثر من ستة أشهر فادعى المشتري أنه منه سواء ادعاه البائع أو لم يدعه) لأنه وجد منه سببه وهو الوطئ ولم يوجد ما يعارضه ولا يمنعه فتعين إحالة حكمه عليه وإلحاق الولد بمن وجد السبب منه سواء ادعاه البائع أو لا

(مسألة) (وإن استبرئت ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر لم يلحقه نسبه)

لأن الاستبراء يدل على براءتها من الحمل وقد أمكن أن يكون من غيره لوجود مدة الحمل بعد الاستبراء مع قيام الدليل على ذلك، فإما إن أتت به لأقل من ستة أشهر فقد علمنا أنها كانت حاملاً في زمن الاستبراء فيكون الاستبراء غير صحيح وتكون بمنزلة من لم يستبرئها وكذلك إن لم يستبرئ ولم يقر المشتري له به ولد أمة المشتري فلا تقبل دعوى غيره له إلا بإقرار من المشتري

(مسألة) (فأما إن لم يكن البائع أقر بوطئها قبل بيعها لم يلحقه الولد بحال سواء ولدته لستة أشهر أو لأقل منها) لأنه يحتمل أن يكون من غيره وإن اتفقا على أنه ولد البائع لحقه لأن الحق لهما فيثبت باتفاقهما (مسألة) (وإن ادعاه البائع فهو عبد للمشتري) لا يقبل دعوى البائع في الإيلاد لأن الملك انتقل إلى المشتري في الظاهر فلا يقبل قول البائع فيما يبطل حقه كما لو باع عبداً ثم أقر أنه كان أعتقه والقول قول المشتري مع يمينه لأنه منكر.
وهل يلحق البائع نسبه؟ على وجهين (أحدهما) يلحقه مع كونه عبداً للمشتري لأنه يجوز أن يكون ابناً لواحد مملوكاً لآخر كولد الأمة المزوجة (والثاني) لا يلحقه لأن فيه ضرراً على المشتري فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق بميراثه منه (مسألة) (وإن وطئ المجنون من لا ملك له عليها ولا شبهة ملك فأتت بولد لم يلحقه نسبه لأنه لا يسند إلى ملك ولا اعتقاد إباحة فإن أكرهها على الوطئ فعليه مهر مثلها كالمكلف لأن الضمان يستوي فيه المكلف وغيره والله أعلم

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
(مسألة) (الرابع انتفاء الولد عنه بمجرد اللعان ذكره أبو بكر وينتفي عنه حملها وإن لم يذكره وقال الخرقي لا ينتفي حتى يذكره في اللعان) وجملة ذلك أن الزوج إذا ولدت امرأته ولداً يمكن أن يكون منه فهو ولده في الحكم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولا ينتفي عنه إلا أن ينفيه باللعان تام الذي اجتمعت شروطه وهي أربعة (أحدهما) ان يوجد اللعان منهما جميعاً وهذا قول عامة أهل العلم، وقال الشافعي ينتفي بلعان الزوج وحده لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب وهي نثبته وتكذب قول من ينفيه وإنما لعانها لدرء الحد عنها كما قال الله تعالى (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما فلا يجوز النفي ببعضه كبعض لعان الزوج (الثاني) أن يكمل اللعان منهما جميعاً (الثالث) أن يبدأ الزوج باللعان قبل المرأة فإن بدأت باللعان قبله لم يعتد به وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وقال مالك وأصحاب الرأي إن فعل أخطأ السنة والفرقة جائزة وينفى الولد عنه لأن الله تعالى عطف لعانها على لعانه بالواو هي لا تقتضي ترتيباً ولأن اللعان قد وجد منهما جميعاً فأشبه(مسألة) (وإن قال لم أعلم به أو لم أعلم أن لي نفيه أو لم أعلم أن ذلك على الفور وأمكن صدقه قبل منه)(مسألة) (فإن طلقها وهي حامل فولدت ثم ولدت آخر قبل مضي ستة أشهر فهو من الزوج)(مسألة) (وإن طلقها طلاقاً رجعياً فولدت لأكثر من أربع سنين منذ طلقها ولأقل من أربع سنين منذ انقضت عدتها ففيه وجهان) (أحدهما) لا يلحقه بنسبه وينتفي عنه بغير لعان لأنها علقت به بعد طلاقه فأشبهت البائن(مسألة) (وإن استبرئت ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر لم يلحقه نسبه)
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل