) النكاح في الشرع عقد التزويج فعند إطلاق لفظه ينصرف إليه ما لم يصرفه عنه دليل وقال القاضي الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطئ جميعاً لقولنا بتحريم موطوأة الأب من غير تزويج استدلالاً بقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وقيل بل هو حقيقة في الوطئ مجاز في العقد تقول العرب أنكحنا الفرى فسترى أي اضربنا فحل حمر الوحش أمه فسترى ما يتولد منهما يضرب مثلا للأمر يجتمعون عليه ثم يتفرقون عنه قال الشاعر: ومن أيم قد أنكحتنا رماحها * * * * وأخرى على خال وعم تلهف قال شيخنا والصحيح ما قلنا لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة ولسان أهل العرف وقد قيل ليس في الكتاب لفظة نكاح بمعنى الوطئ إلا قوله (حتى تنكح زوجا غيره) ولأنه
يصح نفيه عن الوطئ لأنه يقال هذا سفاح وليس بنكاح وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولدت من نكاح لا من سفاح " ويقال عن السرية ليست بزوجة ولا منكوحة ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر وما ذكره القاضي يفضي إلى كون اللفظ مشتركا وهو على خلاف الأصل وما ذكره الآخرون يدل على الاستعمال في الجملة والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر ثم لو قدر كونه مجازاً في العقد لكان اسماً عرفياً يجب صرف اللفظ إليه عند الإطلاق لشهرته كسائر الأسماء العرفية (فصل) والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وقوله (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " متفق عليه وقال عليه السلام " إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " وقال سعد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا متفق عليه والتبتل ترك النكاح.
وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع
(مسألة) (والنكاح سنة لما ذكرنا من أدلة الكتاب والسنة وأدناها الاستحباب)
(مسألة) (والاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة إلا أن يخاف على نفسه مواقعة المحظور بتركه فيجب)
الناس في النكاح على ثلاثة أضرب (أحدها) من يخاف على نفسه مواقعة المحظور إن ترك النكاح فهذا يجب عليه في قول عامة الفقهاء لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام وطريقه النكاح (الثاني) من يستحب له وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور فهذا الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة وهو قول أصحاب الرأي وظاهر أقوال الصحابة رضي الله عنهم وفعلهم قال ابن مسعود لو لم يبق من أجلي
إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يوما لي فيهن طول النكاح لتزوجت مخافة الفتنة، قال ابن عباس لسعيد بن جبير تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال إبراهيم بن ميسرة قال لي طاوس لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد ما يمنعك عن النكاح إلا عجز أو فجور قال أحمد في رواية المروذي ليست العزبة من أمر الاسلام في شئ ومن دعا إلى غير التزويج فقد دعا إلى غير الإسلام ولو تزوج بشر كان قد تم أمره.
وقال الشافعي التخلي لعبادة الله أفضل لأن الله تعالى مدح
يحيى عليه السلام بقوله تعالى (وسيدا وحصورا) والحصور الذي لا يأتي النساء فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه وقال تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين) وهذا في معرض الذم ولأنه عقد معاوضة فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع ولنا ما تقدم من أمر الله ورسوله به وحثهما عليه وقوله عليه الصلاة والسلام " لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " وقول سعد: لقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أحله له لاختصينا متفق عليهما وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً ويقول " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " رواه سعيد وهذا حث على النكاح شديد ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكست الأحكام ولأن النبي صلى الله وعليه وسلم تزوج وبالغ في العدد وفعل ذلك أصحابه ولا يشتغل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا بالأفضل ولا يجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى، ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله فكيف أجمعوا على النكاح في فعله وخالفوا في فضله فما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل
بالأولى ولأن مصالح النكاح أكثر فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه وتحصين المرأة وحفظها والقيام بها وايجاد النسل وتكثير الأمة وتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نقل العبادة فمجموعها أولى وقد روينا في أخبار المتقدمين أن قوماً ذكروا لنبي لهم فضل عابد لهم فقال أما أنه لتارك لشئ من السنة فبلغ العابد فأتى فسأله عن ذلك فقال إنك تركت التزويج فقال يا نبي الله وما هو إلا هذا؟ فلما رأى النبي احتقاره لذلك قال أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من كان يقوم بالجهاد وينفي العدو أو يقوم بفرائض الله وحدوده وأما ما ذكر عن يحيى فهو شرعه وشرعنا بخلافه فهو أولى والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاربها (القسم الثالث) من لا شهوة له أما لأنه لا شهوة له كالعنين أو ذهبت شهوته لمرض أو كبر ونحوه ففيه وجهان (أحدهما) يستحب له النكاح لما ذكرنا (والثاني) التخلي له أفضل فإنه لا يحصل مصالح النكاح ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويضربها بحبسها عن نفسه ويعرض نفسه لواجبات وحقوق ولعله لا يقوم بها ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه والإخبار تحمل على من له شهوة لما فيها من القرائن الدالة عليها (فصل) وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه فإنه قال ينبغي للرجل
ان يتزوج فان كان عنده ما ينفق أنفق وإن لم يكن عنده صبر ولو تزوج بشر كان قدتم أمره واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح وما عندهم شئ ويمسي وما عندهم شئ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً لم يقدر إلا على خاتم حديد ولا وجد إلا إزاره ولم يكن له رداء أخرجه البخاري قال أحمد في رجل قليل الكسب يضعف قبله عن العيال الله يرزقهم، التزويج أحصن له ربما أتى عليه وقت لا يمكن قلبه الصبر وهذا في حق من يمكنه التزويج فأما من لا يمكنه فقد قال الله تعالى (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله)
(مسألة) (وعن أحمد أن النكاح واجب على الإطلاق)
اختاره أبو بكر عبد العزيز وحكاه عن أحمد وحكي عن أحمد أنه يجب في العمر مرة للآية والخبر والمشهور في المذهب أنه ليس بواجب إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في محضور بتركه فيلزمه إعفاف نفسه وهو قول أكثر الفقهاء لأن الله تعالى حين أمر به علقه على الاستطابة بقوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) والواجب لا يقف على الاستطابة (وقال مثنى وثلاث ورباع) ولا يجب ذلك بالاتفاق فدل على أن المراد بالأمر الندب وكذلك الخبر يحمل على الندب أو على من يخشى على نفسه الوقوع في المحظور بترك النكاح قال القاضي وعلى هذا يحمل كلام أحمد وابي بكر في إيجاب النكاح والله أعلم
(مسألة) (ويستحب تخير ذات الدين الولود البكر الحسيبة الأجنبية)
لقول النبي صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لما لها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظهر بذات الدين تربت يداك " متفق عليه والأولى ان لا يزيد على امرأة واحدة ذكره في المحرر لقول الله تعالى (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ولقوله سبحانه (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) ويختار الولود لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة رواه سعيد وروي معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم " رواه النسائي وعن علي بن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم فالتمسوا أولادهن فإن في ارحامنهن البركة " قال ويختار البكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أتزوجت يا جابر؟ " قال قلت نعم قال " بكراً أم ثيباً " قال قلت بل ثيباً قال " فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك " متفق عليه وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عليكم بالإبكار فإنهن أعذب أفواها وأنقى أرحاماً وأرضى باليسير "
وفي رواية " وأفتح أرحاما " رواه الإمام أحمد ويختار الحسيبة ليكون ولدها نجيبا فإنه ربما أشبه اهلها ونزع البهم وكان يقال إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم " ويختار الأجنبية فإن ولدها أنجب ولهذا يقال أغربوا لا تضووا يعني انكحوا الغراب كي لا تضعف أولادكم وقيل الغراب أنجب وبنات العم أصبر ولأنه لا يؤمن العداوة في النكاح وإفضاءه إلى الطلاق وإذا كان في قرابة أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها ويختار الجميلة لأنه أسكن لنفسه وأغض لبصره وأكمل لمودته ولذلك شرع النظر قبل النكاح وروي عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها " وعن أبي هريرة قال قييا رسول الله أي النساء خير؟ قال " التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره " رواه الإمام أحمد والنسائي وعن يحيى بن جعدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها " رواه سعيد ويختار ذات العقل ويجتنب الحمقاء لأن النكاح يراد للعشرة ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها وربما تعدى معها ذلك إلى ولدها وقد قيل اجتنبوا الحمقاء فان ولدها صياع وصحبتها بلاء
(مسألة) (ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النظر إلى وجهها من غير خلوه بها) وعنه له النظر إلى ما يظهر غالباً كالرقبة واليدين والقدمين قال شيخنا لا نعلم بين أهل العلم في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها خلافاً لما روى جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها رواه أبو داود وفيه أحاديث كثيرة سوى هذا ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه كالأمة المستامة ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالنظر وأطلق ومن حديث جابر فكنت أتخبأ لها وفي حديث المغيرة ابن شعبة أنه استأذن أبوبها في النظر إليها فكرهاه فأذنت له المرأة رواه سعيد ولا تجوز الخلوة بها لأنها محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم ولاته لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظو فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان " ولا ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة ولا لربية قال أحمد في رواية صالح ينظر إلى الوجه ولا تكون على طريق لذة وله تكرار النظر إليها وتأمل محاسنها لأن المقصود إنما يحصل بذلك
(فصل) ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها لأنه ليس بعورة وهو مجمع المحاسن وموضع النظر ولا يباح له النظر إلى ما يظهر عادة وحكي عن الأوزاعي أنه ينظر إلى مواضع اللحم وعن داود أنه ينظر إلى جميعها لظاهر قوله عليه السلام " انظر إليها " ولنا قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) روي عن ابن عباس أنه قال هو الوجه وباطن الكف ولأن النظر أبيح للحاجة فيختص بما تدعوا الحاجة إليه والحديث مطلق ومن نظر إلى وجه إنسان سمي ناظراً إليه ومن رآه وعليه ثيابه سمي رائياً له قال الله تعالى (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) فأما ما يظهر غالباً سوى الوجه والكفين والقدمين ونحو ذاك مما تظهره المرأة في منزلها ففيه روايتان إحداهما لا يباح النظر إليه لأنه عورة فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر فإن عبد الله روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المرأة عورة " حديث حسن ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم والثانية له النظر الى ذلك قال أحمد في رواية حنبل لا بأس ان ينظر إليها عند الخطبة حاسرة وقال الشافعي ينظر إلى الوجه والكفين ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالباً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالباً إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ولأنه يظهر غالباً
فأبيح النظر إليه كالوحه ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها من الشارع فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم وقد روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صغراً فقالوا له إثما ردك فعاوده فقال أرسل بها إليك تنظر إليها فرضيها فكشف عن ساقها فقالت أرسل لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك
(مسألة) (وله النظر إلى ذلك وإلى الرأس والساقين من الأمة المستامة ومن ذوات محارمه وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين)
يجوز له النظر إلى ذلك من الأمة المستامة كما يجوز إلى من يريد خطبتها قياساً عليها بل الأمة المستامة أولى لأنها تراد للاستمتاع وغيره من التجارة فيها وحسنها يزيد في ثمنها فأما ذوات المحارم فيجوز النظر منهن إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى مالا يظهر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما قال الا ثرم سألت أبا عبد الله عن الرجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه وصدرها قال لا ما يعجبني ثم قال أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا وإلى كل شئ لشهوة وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة وقال أبو بكر كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه وصدرها
على التوقي لأنه يدعو إلى الشهوة يعني أنه يكره ولا يحرم ومنع الحسن والشعبي والضحاك النظر إلى شعر ذوات المحارم وهو إحدى الروايتين عن أحمد، بنت المهلب قالت قلت للحسن ينظر الرجل إلى قرط أخته أو إلى عنقها قال لا ولا كرامة وقال لو دخلت على أمي لقلت أيتها العجوز غطي شعرك والصحيح إباحة النظر إلى ما يظهر غالباً لقول الله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) الآية وقالت سهلة بن سهيل يا رسول الله إنا كنا نرى سالماً ولداً فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلاً وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أرضعيه " فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها رواه مسلم بمعناه وأبو داود وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالباً فإنها قالت يراني فضلا ومعناه في ثياب البذلة التي لا تستر أطرافهما قال امرؤ القيس فجئت وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسة المتفضل ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر وكان يراها كذلك إذا اعتقدته ولداً ثم دلهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ويفعلونه وروى الشافعي في مسنده عن زينب بنت أبي مسلمة أنها ارتضعت من أسماء امرأة قالت فكنت أراه أباً وكان يدخل علي وأنا امشط رأسي فيأخذ ببعض قرون رأسي ويقول أقبلي علي ولأن النحرز من هذا لا يمكن فأبيح كالوجه وما لا يظهر غالباً
لا يباح لأن الحاجة لا تدعو إليه ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور فحرم النظر إليه كما تحت السرة (فصل) وذوات محارمه كل من حرم نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح لما ذكرنا من حديث سالم وزينب وعن عائشة أن أفلح أخا أبي القيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب فأبت أن تأذن له فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ايذني له فإنه عمك تربت يمينك " وقد ذكر الله آباء بعولتهن كما ذكر آباء هن وأبناءهن في إبداء الزينة لهم، وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم المرأة وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية قال القاضي إنما حكى قول سعيد بن جبير ولم يأخذ به وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها وقال في رواية أبي طالب ساعة يعقد عقدة النكاح تحرم عليه أم امرأته فله أن يرى شعرها ومحاسنها ليست مثل التي سرى بها لا يحل له أبداً أن ينظر إلى شعرها ولا إلى شئ من جسدها وهي حرام عليه (فصل) فأما أم المزني بها وابنتها فلا يحل له النظر إليهن وإن حرم نكاحهن لأن تحريمهن بسبب
محرم فلم يفد اباحة النظر كالحرمة باللعان وكذلك بنت الموطوءة بشبهة وأمها ليست من ذوات محارمه وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة، وقال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت بنته لا يسافر بها ليس هو محرماً لها في السفر أما النظر فلا يجب عليها الحجاب منه لأن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يجلس عليه ولم تحتجب منه ولا أمرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم
(مسألة) (وللعبد النظر إليهما من مولاته)
يعني إلى الوجه والكفين لقول الله تعالى (أو ما ملكت أيمانهن) ولما روت ام سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك ورواه أبو داود وأما النظر إلى شعرها فكرهه أبو غلامك "
عبد الله وسعيد بن المسيب وطاوس ومجاهد والحسن، وأباحه ابن عباس لما ذكرنا من الآية والخبرين ولأن الله تعالى قال (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات - الى قوله - ليس عليكم لا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) ولأنه يشق التحرز منه فأبيح له ذلك كذوي المحارم وجعله بعض أصحابنا كالأجنبي، والصحيح ما قلنا إن شاء الله تعالى
(مسألة) (ولغير أولي الأربة من الرجال كالكبير والعنين ونحوهما النظر إلى ذلك وعنه لا يباح)
من لا شهوة له من الرجال كالمخنث ومن ذهبت شهوته لكبر وعنة أو مرض لا يرجى برؤه والشيخ الخصي فحكمه حكم ذي المحرم في النظر لقول الله تعالى (والتابعين غير أولي الإربة من الرجال) أي غير أولي الحاجة إلى النساء قاله ابن عباس وعنه هو المخنث الذي لا يقوم أربه وعن مجاهد وقتادة الذي لا أرب له في النساء، فإن كان المخنث ذا شهوة ويعرف أمر النساء فحكمه حكم غيره، لأن عائشة قالت دخل علي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الأربة فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة أنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال " لا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا " فحجبوه رواه أبو داود
وغيره قال ابن عبد البر ليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وإنما التخنيث شدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنغمة والنظر والعقل، فإذا كان كذلك لم يكن له في النساء أرب وكان لا يفطن لأمور النساء فهو من غير أولي الإربة الذين لم يبح لهم الدخول على النساء الا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع ذاك المخنث من الدخول على النساء فلما سمعه يصف ابنه غيلان وفهم أمر النساء أمر بحجبه، وعنه لا يباح لأنه ذكر بالغ أجنبي فلم يبح له ذلك كالذي له أرب
(مسألة) (وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها)
لتكون الشهادة واقعة على عينها قال أحمد لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وكذلك من يقابل المرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها لعيرفها بعينها فيرجع عليها بالدرك وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه من يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة فأما مع الحاجة وعدم الشهودة فلا بأس (مسألة) (وللطيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى نظره إليه من بدنها من العورة وغيرها فإنه موضع حاجة وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعداً في بني قريظة كان يكشف عن
مؤتزرهم وعن عثمان أنه أتى بغلام قد سرق فقال " انظروا إلى مؤتزره " فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه
(مسألة) (وللصبي المميز غير ذي الشهوة النظر إلى المرأة إلى ما فوق السرة وتحت الركبة في
إحدى الروايتين)
لأن الله تعالى قال (ليس علكيم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض) وقال (إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) فدل على التفريق بين البالغ وغيره قال أبو عبد الله.
حجم أبو طيبة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام، والرواية الأخرى حكمه حكم ذي المحرم في النظر إذا كان ذا شهوة لقول الله تعالى (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) قيل لأبي عبد الله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال: إذا بلغ عشر سنين
(مسألة) (فإن كان ذا شهوة فهو كذي المحرم)
لقوله تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) الآية وعنه أنه كالأجنبي لأنه في معنى البالغ في الشهوة وهو المعنى المقتضي للحجاب وتحريم النظر ولقوله تعالى (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) فأما الغلام الطفل غير المميز فلا يجب الاستتار منه في شئ
(مسألة) (وللمرأة مع المرأة والرجل مع الرجل النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة وعنه أن الكافرة مع المسلمة كالأجنبي)
يجوز للرجل مع الرجل النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة وفيها روايتان (إحداهما) ما بين السرة والركبة والأخرى الفرجان وقد ذكرناهما في باب ستر العورة ولا فرق بين الأمرد ذي اللحية إلا أن الأمرد إذا كان جميلاً يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه، فقد روي عن الشعبي قال قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهره رواه أبو حفص، قال المروذي سمعت أبا بكر الأعين يقول قدم علينا إنسان من خراسان صديق لأبي عبد الله ومعه غلام ابن أخت له وكان جيملا فمضى إلى أبي عبد الله فحدثه فلما قمنا جاء إلى الرجل وقال له من هذا الغلام منك؟ قال ابن أختي قال: إذا جئتني لا يكون معك والذي أرى لك أن لا يمشي معك في طريق.
فأما الغلام قبل السبع فلا عورة له يحرم النظر إليها وقد روي عن ابن أبي ليلى قال كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم قال فجاء الحسن " فجعل يتمرغ
عليه فرفع مقدم قميصه أراه قال فقبل استه " رواه أبو حفص
(فصل) وحكم المرأة مع المرأة والرجل مع الرجل سواء ولا فرق بين المسلمتين بين والمسلمة والكافرة كما لا فرق بين الرجلين المسلمين وبين المسلم والذمي في النظر، وقال أحمد ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج ولا تقبلها حين تلد وعن أحمد رواية أخرى أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ولا تدخل معها الحمام وهو قول مكحول وسليمان بن أبي موسى لقوله تعالى (أو نسائهن) والأول أولى لأن النساء من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يحجبن ولا أمرن بحجاب وقد قالت عائشة جاءت يهودية تسألها فقالت أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث، وقالت أسماء قدمت على أمي وهي راغبة يعني عن الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفأصلها؟ قال " نعم " ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية فوجب أن لا يثبت الحجب بينهما كالمسلم مع الذمي ولأن الحجاب إما أن يجب بنص أو قياس ولم يوجد واحد منهما وأما قوله ((أو نسائهن) فيحتمل أن يكون أراد جملة النساء
(مسألة) (ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة وعنه لا يباح)
وهذه أحدى الروايتين والأخرى لا يباح لها النظر من الرجل إلا إلى مثله ما ينظر إليه منها اختاره أبو بكر وهو أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة قالت كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " احتجبن منه " فقلت يا رسول الله إنه ضرير لا يبصر قال " أفعميا وان أنتما لا تبصرانه؟ " رواه أبو داود وغيره ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به ولأنهن أحد نوعي الآدمين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياساً على الرجال يحققه أن المعنى المرحم على الرجال خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ لأنها أشد شهوة وأقل عقلاً فتسارع الفتنة إليها أكثر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس " اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك " وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر الى الحبشة يلعبون في المسجد متفق عليهما، ولما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرون إليهم فأما حديث نبهان فقال أحمد نبهان روى حديثين عجبيين هذا
الحديث والآخر " إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه " كأنه أشار إلى ضعف حديثه إذ لم يرو الاهذين الحديثين المخالفين للأصول وقال ابن عبد البر.
نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك قال أحمد وأبو داود قال الأثرم قلت لأبي عبد الله كان حديث نبهان لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال نعم وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال
(مسألة) (ويجوز النظر إلى الغلام لغير شهوة)
فأما النظر إليه لشهوة فلا يباح لانها تدعوا إلى الفتنة وقد ذكرنا ذلك
(مسألة) (ولا يجوز النظر إلى أحد ممن ذكرنا لشهوة لما ذكرنا من خوف الفتنة)
ومعنى الشهوة أنه يتلذذ بالنظر إليه والله أعلم
(مسألة) (ولكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن الآخر ولمسه وكذلك السيد مع أمته)
لما روى بهز بن حكيم قال قلت يارسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما ندع؟ قال " احفظ عورتك الامن
زوجتك أو ما ملكت يمينك " رواه الترمذي وقال حديث حسن ولا فرق بين الفرج وغيره لعموم الحديث ولأن الفرج يباح الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن وقيل يكره النظر إلى الفرج لقول عائشة ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط رواه ابن ماجه وفي لفظ قالت ما رأيته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه مني قال أحمد في رواية جعفر بن محمد في المرأة تقعد بين يدي زوجها وفي بيتها مكشوفة في ثياب رقاق.
فلا بأس به قلت تخرج من الدار إلى بيت مكشوفة الرأس وليس في الدار إلا هي وزوجها مرخص في ذلك (فصل) وحكم السيد حكم الزوج فيما ذكرنا وسواء في ذلك سريته وغيرها لأنه يباح له الاستمتاع بجيمع بدنها فأبيح له النظر إليه فأما ان زوج امته حرم عليه الاستمتاع بها والنظر منها إلى ما بين السرة والركبة لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة " رواه أبو داود ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه وأما تحريم الاستمتاع بها فلا خلاف فيه فإنها قد صارت مباحة للزوج ولا تحل امرأة لرجلين فإن وطئها إثم وعليه التعزير لأنه فعل محرماً فإن أولدها فقال أحمد لا يلحقه
نسبه لانها فراش لغيره فلم يلحقه ولدها كالأجنبية قلت وقد ذكر في باب حكم أمهات الأولاد أنه يلحقه النسب لأنه وطئ سقط فيه الحد لشبهة الملك أشبه وطئ الجارية المرهونة (فصل) وأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فيحرم عليه النظر إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد فإنه قال لا يأكل مع مطلقته هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها كيف يأكل معها ينظر إلى كفها؟ لا يحل له ذلك وقال القاضي يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر بغير شهوة وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال ابن عباس الوجه والكفان وروت عائشة ان أسماء بنت أبي بكر دخلت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثباب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء " أن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه رواه أبو بكر وغيره ولأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه من غير ريبة كوجه الرجل ولنا قول الله تعالى (وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا كان لاحدا كن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه " وكان الفضل ابن عباس رديف رسول الله
صلى الله عليه وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه عنها، وعن جرير بن عبد الله قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري حديث صحيح وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة) رواهما أبو داود وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحاً على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه الحال وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فيحمل عليه (فصل) فأما العجوز التي لا تشتهى فلا بأس بالنظر إلى ما يظهر منها غالباً لقول الله تعالى (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا) الآية قال ابن عباس في قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقال للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) نسخ واستثني من ذلك (القوعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا) الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهى (فصل) والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً كالوجه والرأس واليدين والساقين لأن عمر رضي الله عنه رأى أمة متكممة فضربها بالدرة وقال يالكاع تشتبهين بالحرائر وروي أبو حفص اسناده أن
عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر ولو كان نظر ذلك منها محرماً لم يمنع من ستره بل أمر به وقد روي أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ صفية قال الناس أجعلها أم المؤمنين أم أم ولد؟ فقالوا إن حجبها فهي أم المؤمنين وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس متفق عليه وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهور اوا ن الحجب لغيرهن كان معلوماً وقال أصحاب الشافعي يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة وهو ما فوق السرة وتحت الركبة وسوى بعض أصحاب الشافعي بين الحرة والأمة لقول الله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) الآية ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة يستوي فيها الحرة والأمة فإن الحرية لا تؤثر في الأمر الطبيعي وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افتراقا في الحرمة ومشقة السير لكن إن كانت المرأة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم إلى الغلام الذي لم تخش الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة تنقب ولا ينظر إلى المملوكة كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل (فصل) والطفلة التي لا تصلح للنكاح لا بأس بالنظر إليها قال أحمد في رواية الأثرم في الرجل
يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره ويقبلها فإن كان يجد شهوة فلا وإن كان لغير شهوة فلا بأس وقد روى أبو بكر بإسناده عن عمر بن حفص المديني أن الزبير بن العوام أرسل بابنة له إلى عمر بن الخطاب مع مولاة له فأخذها عمر بيده وقال ابنة أبي عبد الله فتحركت الأجراس من رجلها فأخذها عمر فقطعها وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مع كل جرس شيطان " فأما إذا بلغت حداً يصلح للنكاح فإن عورتها مخالفة لعورة البالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يدل على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم كقولنا في الغلام المراهق مع النساء وقد روى أبو بكر عن ابن جريج قال قالت عائشة دخلت علي ابنة أخي فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض فقلت يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال " إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وما دون هذا " وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضتيه وبين الكف مثل قبضة أخرى أو نحوها احتج أحمد بهذا الحديث وتخصيص الحائض بهذا التحديد دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها
(مسألة) (ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة ولا التعريض بخطبة الرجعية)
أما التصريح بخطبة المعتدة فلا يجوز لأن قول الله تعالى (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) دليل على تحريم التصريح لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص عليه على الأخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها والتعريض بخلافه
(مسألة) (فأما الرجعية فلا يجوز لأحد التعريض لخطبتها ولا التصريح لأنها في حكم الزوجات فهي كالتي في صلب نكاحه)
(مسألة) (ويجوز في عدة الوفاة وفي البائن بطلاق ثلاث)
المعتدات على ثلاثة أضرب وحكمها حكم من هي في صلب النكاح وقد ذكرناها (الثاني) المعتدة من وفاة أو طلاق ثلاث أو فسح لتحريمها على زوجها كالفسخ برضاع أو لعان ونحوه مما لا يحل بعده لزوجها فهذه يجوز التعريض بخطبتها للآية ولما روت فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما طقلها زوجها ثلاثاً " إذا حللت فآذنيني " وفي لفظ " لا تسبقين بنفسك " وهذا تعريض لخطبتها في عدتها (مسألة) (وهل يجوز في عدة البائن بغير الثالث؟ على وجهين) هذا الضرب الثالث كالمختلفة والبائن بفسخ لعيب أو إعسار أو نحوه فلزوجها التصريح بخطبتها
والتعريض لأنه مباح له نكاحها في عدتها فهو كغير المعتدة وهل يجوز لغيره التعريض بخطبتها؟ فيه وجهان وللشافعي فيه قولان (أحدهما) يجوز لعموم الآية ولأنها بائن أشبهت المطلقة ثلاثاً (والثاني) لا يجوز لأن الزوج يملك أن يستبيحها فهي كالرجعية والمرأة في الجواب كالرجل في الخطبة مما يحل ويحرم لأن الخطبة للعقد فلا يختلفان في حله وحرمته
(مسألة) (والتعريض قوله إني في مثلك لراغب ولا تفوتيني بنفسك وما أحوجني إلى مثلك)
وقال الزهري أنت مرغوب فيك وأنت جميلة وإذا حللت فآذنيني ونحو ذلك قال مجاهد مات رجل وكانت امرأته تشيع الجنازة فقال لها رجل لا تسبقينا بنفسك فقالت سبقك غيرك (مسألة) (وتجيبه المرأة ما يرغب عنك وإن قضى شئ كان وما أشبهه) (فصل) فأما التصريح فهو اللفظ الذي لا يحتمل غير النكاح نحو قوله زوجيني نفسك فإذا انقضت عدتك تزوجتك ويحتمل أن هذا معنى قوله تعالى (لا تواعدوهن سرا) فإن النكاح يسمى سراً قال الشاعر: فلم تطلبوا سرها للغنى * * ولن تسلموها لازهادها
وقال الشافعي السر الجماع وأنشد لامرئ القيس ألا زعمت بسباسة القوم أنني * * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ومواعدة السر أن يقول عندي جماع يرضيك فنهى عنه لما فيه من الهجر والفحش والدناءة والسخف (فصل) فإن صرح بالخطبة أو عرض في موضع يحرم التعريض ثم تزوجها بعد حلها صح نكاحه وقال مالك يطلقها تطليقة ثم يتزوجا ولا يصح هذا لأن هذا المحرم لم يقارن العقد فلم يؤثر فيه كما في النكاح الثاني أو كما لو رآها متجردة ثم تزجها
(مسألة) (ولا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه إن أجيب وإن رد حل وإن لم يعلم الحال فعلى وجهين)
الخطبة بالكسر خطبة الرجل للمرأة ليتزوجها وبالضم حمد الله والتشهد ولا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام (أحدها) أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه أو تأذن لوليها في إجابته فهذه يحرم على غيره خطبتها لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " وعن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك " متفق عليهما ولأن في ذلك إفساداً على الخاطب الأول وإيقاع العداوة بين الناس ولا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم إلا أن قوماً حملوا النهي على الكراهة، والأول أولى (القسم الثاني) أن ترده لا تركن إليه فتجوز خطبتها لما روت فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة بن زيد " متفق عليه فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي جهم لها ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرار بها فإنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة إلا منعها بخطبة إياها وكذلك لو عرض لها في عدتها بالخطبة فقال لا تفوتيني بنفسك وأشباه هذا لم تحرم خطبتها لأن في قصة فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تفوتينا بنفسك " ولم يذكر خطبة أبي جهم ومعاوية لها وذكر ابن عبد البر أن ابن وهب روي بإسناده عن الحارث بن سعيد عن أبي رئاب أن عمر بن الخطاب خطب امرأة على جرير بن عبد الله وعلى مروان بن الحكم وعلى عبد اللبن عمر فدخل على المرأة وهي جالسة في بيتها فقال عمر: إن جرير بن عبد الله خطب وهو سيد أهل المشرق ومروان يخطب وهو سيد شباب قريش وعبد الله بن عمر وهو من قد علمتم وعمر بن الخطاب فكشفت المرأة الستر
فقالت أجاد أمير المؤمنين؟ فقال نعم فقالت قد أنكحت أمير المؤمنين فأنكحوه فهذا عمر قد خطب على واحد بعد واحد قبل أن يعلم ما تقول المرأة في الأول (القسم الثالث) أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى والسكون تعريضاً لا تصريحاً كقولها ما أنت الارضى وما عنك رغبة فهذه في حكم الأول لا تحل لغيره خطبتها هذا ظاهر كلام الخرقي وظاهر كلام أحمد فإنه قال إذا ركن بعضهم إلى بعض فلا يحل لأحد أن يخطب والركون يستدل عليه بالتعريض تارة وبالتصريح أخرى قال القاضي ظاهر كلام أحمد إباحة خطبتها وهو مذهب الشافعي في الجديد لحديث فاطمة حيث خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا أن الظاهر من كلامها ركونها إلى أحدهما، واستدل القاضي بخطبته لها قبل سؤالها هل وجد منها ما يدل على الرضى أو لا ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " ولأنه وجد منها ما دل على الرضى فحرمت خطبتها كما لو صرحت، بذلك وأما حديث فاطمة فلا حجة لهم فيه فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن إلى واحد منهما من وجهين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قال لها " لا تسبقيني بنفسك " وفي رواية " إذا حللت فآذنيني " فلم تكن لتصاب بالإجابة قبل إذنه (الثاني)
أنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالمستشيرة له فيهما أو في العدول عنهما وليس في الاستشارة دليل على أحد الأمرين ولا ميل إلى أحدهما على أنها إنما ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لترجع إلى قوله ورأيه وقد أشار عليها بتركهما لما ذكر من عيبهما فجرى ذلك مجرى ردها لهما وتصريحها بمنعهما، ومن وجه آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهما بخطبتها تعريضاً بقوله لها ما ذكرنا فكانت خطبته لها مبنية على الخطبة السابقة بخلاف ما نحن فيه، فإن لم يعلم الحال فعلى وجهين (أحدهما) لا يجوز لعموم النهي (والثاني) يجوز لأن الأصل عدم الا جبة المحرمة
(مسألة) (والتعويل في الإجابة والرد عليها إن لم تكن مجبرة وإن كانت مجبرة فعلى الولي)
أما إذا لم تكن مجبرة فلأنها أحق بنفسها من وليها فإن أجاب هو ورغبت عن النكاح كان الأمر أمرها فإن أجاب وليها فرضيت فهو كإجابتها وإن سخطت فلا حكم لإجابته لأن الحق لها ولو أجاب الولي في حق المجبرة فكرهت المجاب واختارت غيره سقط حكم إجابة وليها لكون اختيارها مقدماً على اختياره وإن كرهته ولم تختر سواه فينبغي أن يسقط حكم الإجابة أيضاً لأنه قد أمر باستئمارها فلا ينبغي له أن يكرهها على من لا ترضاه، وإن أجابت ثم رجعت على الإجابة وسخطته زال حكم الإجابة لأن
لها الرجوع وكذلك إذا رجع الولي المجبر عن الإجابة زال حكمها لأن له النظر في أمر موليته ما لم يقع العقد، وإن لم ترجع هي ولا وليها لكن ترك الخاطب الخطبة وأذن فيها جازت خطبتها لما روي في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك رواه البخاري (فصل) وخطبة الرجل على خطبة غيره في موضع النهي محرمة قال أحمد: لا يحل لأحد أن يخطب في هذه الحال وقال أبو حفص العكبري هي مكروهة غير محرمة وهذا نهي تأديب ولنا ظاهر النهي فإن مقتضاه التحريم ولأنه نهي عن الإضرار بالآدمي المعصوم فكان على التحريم كالنهي عن أكل ماله فإن فعل فنكاحه صحيح نص عليه أحمد فقال لا نفرق بينهما وهذا مذهب الشافعي وروي عن مالك وداود أنه لا يصح وهو قياس قول أبي بكر لأنه قال في البيع على بيع أخيه هو باطل وهذا في معناه لأنه نكاح منهي عنه فكان باطلا كنكاح الشغار ولنا أن المحرم لم يقارن العقد فلم يؤثر كما لو صرح بالخطبة في العدة (فصل) ولا يكره للولي الرجوع إذا رأى المصلحة لها في ذلك لأن الحق لها وهو نائب عنها
في النظر لها فلم يكره له الرجوع إذا رأى المصلحة كما لو ساوم في بيع دارها ثم رأى المصلحة في تركها ولا يكره لها أيضاً الرجوع إذا كرهت الخاطب لأنه عقد عمر يدوم الضرر فيه فكان لها الاحتياط لنفسها والنظر في خطبتها وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القول ولم يحرم لأن الحق بعد لم يلزمها كمن ساوم بسلعته ثم بدا له أن لا يبيعها (فصل) فإن كان الخاطب الأول ذمياً لم تحرم الخطبة على خطبته نص عليه أحمد فقال لا يخطب على خطبة أخيه ولا يساوم على سوم أخيه إنما هو للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني أو ساوم على سومهم لم يكن داخلاً في ذلك لأنهم ليسوا بإخوة للمسلمين وقال ابن عبد البر لا يجوز أيضاً لأن هذا أخرج مخرج الغالب لا لتخصيص المسلم به ولنا ان لفظ النهي خاص في المسلمين وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله وليس الذمي كالمسلم ولا حرمته كحرمته ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها، وقوله خرج مخرج الغالب قلنا متى كان في المخصوص معنى يصلح أن يعتبر في الحكم لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه والإخوة الإسلامية لها تأثير في وجوب الاحترام وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه وحفظ قلبه واستيفاء مودته فلا يجوز حذف ذلك
(مسألة) (ويتسحب عقد النكاح مساء يوم الجمعة) لأن جماعة من السلف استحبوا ذلك منهم ضمرة بن حبيب وراشد بن سعيد وحبيب بن عنية ولأنه يوم شريف ويوم عيد وفيه خلق آدم عليه السلام، والمساء أولى فإن أبا حفص روي بإسناده عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مسوا بالأملاك فإنه أعظم للبركة " ولأنه أقرب إلى مقصوده وأقل لانتظاره
(مسألة) (ويستحب أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود)
خطبة العاقد أو غيره قبل الإيجاب والقبول مستحبة ثم يكون العقد بعد ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " وقال " كل خطبة ليس فيها شهادة فيها شهادة فهي كاليد الجذماء " رواهما ابن المنذر، ويجزئ من ذلك ان يحمد الله تعالى ويتشهد يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود التى قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة قال التشهد الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور انفسنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا * اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح) الآية رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، قال الخلال ثنا أبو سليمان أمام طرسوس قال كان أحمد بن حنبل إذا حضر عقد نكاح فلم يخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم وهذا كان من أبي عبد الله على طريق المبالغة باستحبابها لا على الإيجاب لها فإن حرب بن اسماعيل قال قلت لأحمد فيجب أن تكون خطبة النكاح مثل قول ابن مسعود فوسع في ذلك وقد روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعى لتزويج قال لا تغصوا علينا الناس الحمد لله وصلى الله على محمد إن فلانا يخطب إليكم فإن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه فسبحان الله، والمستحب خطبة يخطبها الولي أو الزوج أو غيرهما فقال الشافعي المسنون خطبتان هذه التي ذكرناها في أوله وخطبة من الزوج قبل قبوله والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف خطبة واحدة وهو أولى ما اتبع (فصل) وليست الخطبة واجبة عند أحد من أهل العلم إلا داود فإنه أوجبها لما ذكرناه ولنا أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم زوجنيها فقال رسول الله صلى الله عليه زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه ولم يذكر خطبة وخطب إلى ابن عمر مولاة له فما زاد على أن قال قد
أنكحتك على ما أمر الله على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال جعفر بن محمد عن أبيه أن كان الحسين ليزوج بعض بنات الحسن وهو يتعرق العرق رواهما ابن المنذر وروى أبو داود باسناده عن رجل من بني سليم قال خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامة بنت عبدا لمطلب فأنكحني من غير أن يتشهد ولأنه عقد معاوضة فلم تجب فيه الخطبة كالبيع وما استدلوا به يدل على عدم الكمال بدون الخطبة لا على الوجوب
(مسألة) (يستحب أن يقال للمتزوج بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية)
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن ابن عوف صفرة فقال " ماهذا؟ " قال إني تزوجت على وزن نواة قال " بارك الله لك أو لم ولو يشاة " متفق عليه قال بعض أهل العلم وزن نواة خمسة دراهم وذلك ثلاثة مثاقيل ونصف من الذهب وقال المبرد الصواب عند أهل العربية أن يقال نواة فحسب فإن النواة
عندهم اسم خمسة دراهم كما أن الأوقية أربعون درهما والنش عشرون
(مسألة) (ويقول إذا زفت إليه اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)
لما روى صالح بن أحمد في مسائله عن أبيه ثنا داود عن أبي نضرة عن أبي أسعد مولى أبي أسيد قال تزوج فحضره عبد الله بن مسعود وابوذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة فقدموه وهو مملوك فصلى بهم ثم قالوا له إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين ثم خذ رأس أهلك فقل اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في وارزقهم مني وارزقني منهم ثم شأنك وشأن أهلك وروى أبو داود بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال " إذ تزوج امرأة واشترى خادماً فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك ﴿باب أركان النكاح وشروطه﴾ أركانه الإيجاب والقبول فلا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج بالعربية لمن يحسنها وبمعناهما الخاص بكل لسان لم لا يحسنهما
وجملته أن النكاح ينعقد بلفظ النكاح والتزويج والجواب عنهما إجماعاً وهما اللذان ورد بهما نص الكتاب في قوله سبحانه (زوجناكها) وقوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وسواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا مثل أن يقول زوجتك ابنتي فيقول قبلت هذا النكاح أو هذا التزويج ولا ينعقد بغير هذين اللفظين وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب والزهري وربيعة والشافعي وقال الثوري والحسن ابن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك وفي لفظ الإجارة عن أبي حنيفة روايتان وقال مالك ينعقد بذلك إذا ذكر المهر واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً امرأة فقال " ملكتكها بما معك من القرآن " رواه البخاري ولأنه لفظ ينعقد به تزويج النبي صلى الله عليه وسلم فانعقد به نكاح أمته كلفظ الإنكاح والتزويج ولأنه أمكن تصحيحه بمجازه فوجب تصحيحه كإيقاع الطلاق بالكنايات ولنا قوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي - إلى قوله - خالصة لك من دون المؤمنين) فذكر ذلك خالصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح فلم ينعقد به النكاح كلفظ الإجارة والإباحة والاحلال ولانه لبس بصريح في النكاح فلا ينعقد به كالذي ذكرنا وهذا لأن الشهادة شرط في النكاح والكتاية انما
تعمل بالنية ولا يمكن الشهادة على النية لعدم إطلاعهم عليها فيجب ان لا ينعقد وبهذا فارق بقية العقود والطلاق وأما الخبر فقد روي " زوجتكها وأنكحتكها وزوجناكها " من طرق صحيحة والقصة واحدة فالظاهر أن الراوي روى بالمعنى ظنا منه أن معناهما واحد فلا يكون حجة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الالفا ظفلا حجة لهم فيه لأن النكاح انعقد بأحدها والباقي فضلة (فصل) ومن قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح عقده بغيرها وهذا أحد أقوال الشافعي وعند أبي حنيفة ينعقد لأنه أتى بلفظه الخاص فانعقد به كما ينعقد بالعربية ولنا أنه عدل عن لفظ الإنكاح والتزويج مع القدرة عليه فلم يصح كلفظ الإحلال ولأن الشهادة شرط في النكاح وهي واقعة على اللفظ وغير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح وإنما يصرف إليه بالنية ولا شهادة عليها فيخلو النكاح عن الشهادة وما قاله أبو حنيفة أقيس قياساً على سائر العقود وما ذكروه من تعذر الشهادة على غير العربية ملغي بما إذا لم يحسن العربية (فصل) فأما من لا يحسن العربية فيصح منه عقد النكاح بلسانه لأنه عاجز عما سواه فسقط عنه