الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 232-271
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المزني وأبي إسحاق لأن الايقاع وجد قبل النكاح فلم يقع كما لو علقه بالصفة قبل أن يتزوج بها فإنه لا خلاف في أنه لو قال لأجنبية أنت طالق إذا دخلت الدار ثم تزوجها ودخلت الدار لم تطلق وهذا في معناه، فأما إذا وجدت الصفة في حال البينونة انحلت اليمين لأن الشرط وجد في وقت لا يمكن وقوع الطلاق فيه فسقطت اليمين، وإذا انحلت مرة لم يمكن عودها إلا بعقد جديد ولنا أن عقد الصفة ووقوعها وجدا في النكاح فيقع كما لو لم يتخلله بينونة أو كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك وأبي حنيفة ولم تفعل الصفة، وقولهم إن هذا طلاق قبل نكاح قلنا يبطل بما إذا لم يكمل الثلاث، وقولهم تنحل الصفة بفعلها قلنا إنما تنحل بفعلها على وجه يحنث به وذلك لأن اليمين حل وعقد ثم ثبت ان عقدها يفتقر إلى الملك فكذلك حلها والحنث لا يحصل بفعل الصفة حال بينونتها فلا تنحل اليمين به، وأما العتق ففيه روايتان (إحداهما) أنه كالنكاح في أن الصفة لا تنحل بوجودها بعد بيعه فيكون كمسئلتنا (والثانية) تنحل لأن الملك الثاني لا ينبني على الأول في شئ من أحكامه، وفارق النكاح فإنه ينبني على الأول في بعض أحكامه وهو عدد الطلاق فجاز أن ينبني عليه في عود الصفة، ولأن هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق المعلق والحيل خداع لا تحل ما حرم الله فإن ابن ماجة وابن بطة رويا بإسناديهما عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بال قوم يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياة قد طلقتك،

قد راجعتك قد طلقتك " وفي لفظ رواه ابن بطة " خلعتك وراجعتك " وروى بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتسحلوا محارم الله بأدنى الحيل " (فصل) فإن كانت الصفة لا تعود بعد النكاح الثاني مثل إن قال إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق ثلاثاً، ثم أبانها ثم أكلته ثم نكحها لم يحنث لأن حنثه بوجود الصفة في النكاح الثاني وما وجدت ولا يمكن إيقاع الطلاق بأكلها له حال البينونة لأن الطلاق لا يلحق البائن والله أعلم.

  • (كتاب الطلاق) * وهو حل قيد النكاح وهو مشروع والأصل في مشروعية الكتاب والسنة والإجماع.
    أما الكتاب فقوله تعالى (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) وقال سبحانه (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وأما السنة فروى ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " متفق عليه في آي وأخبار سوى هذين كثير وأجمع الناس على جواز الطلاق والعبرة دالة على

جوازه فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وإضراراً مجرداً بالزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه

* (مسألة) * (ويباح عند الحاجة ويكره من غير حاجة وعنه أنه يحرم، ويستحب إذا كان بقاء النكاح ضرراً)

الطلاق على خمسة أضرب (واجب) وهو طلاق المولي بعد التربص إذا أبى الفئة وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك (والثاني) مكروه وهو الطلاق من غير حاجة إليه لأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها فيكون مكروهاً وقال القاضي فيه روايتان (إحداهما) أنه محرم لأنه ضرر بنفسه وزوجته واعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراماً كإتلاف المال ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا اضرار " (والثانية) أنه مباح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وفي لفظ " ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق " رواه أبو داود (والثالث) مباح وهو عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها والتضرر منها من غير حصول الغرض بها (والرابع) مندوب إليه وهو عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها مثل الصلاة ونحوها ولا يمكنه إجبارها عليها أو يكون له امرأة غير عفيفة قال أحمد لا ينبغي له امساكها وذلك لأن فيه نقصاً في دينه ولا يأمن افسادها فراشه

وإلحاقها به ولداً من غيره ولا بأس بعضلها في هذه الحال في التضييق عليها لتفتدي منه قال الله تعالى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب ومن المندوب إليه الطلاق في حال الشقاق وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر (والخامس) المحظور وهو طلاق الحائض أو في طهر أصابها فيه وقد أجمع العلماء في جميع الامصار على تحريمه ويسمى طلاق البدعة لأن المطلق خالف السنة وترك أمر الله ورسوله.
قال الله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " وفي لفظ رواه الدارقطني بإسناده عن ابن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخرتين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء " ولأنه إذا طلق في الحيض طول العدة عليها فإن الحيضة التي طلق فيها لا تحسب من عدتها ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الإقراء الحيض وإذا طلق في طهر أصابها فيه لم يأمن من أن تكون حاملاً فيندم وتكون مرتابة أتعتد بالحمل أو الإقراء؟ * (مسألة) * (ويصح من الزوج العاقل البالغ المختار ومن االصبي العاقل وعنه لا يصح حتى يبلغ)

أما صحة الطلاق من الزوج العاقل المختار فلا نعلم فيه خلافاً لأنه عقد معاوضة فصح منه كالبيع، وأما الصبي فإن لم يعقل فلا طلاق له بغير خلاف وأما الذي يعقل الطلاق ويعلم أن زوجته تبين منه وتحرم عليه فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع، وذكره الخرقي واختاره أبو بكر وابن حامد وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي واسحاق وروى أبو طالب عن أحمد لا يجوز طلاقه حتى يحتلم وهو قول النخعي والزهري ومالك وحماد والثوري وأبي عبيد وذكر أبو عبيد أنه قول أهل العراق وأهل الحجاز وروي ذلك عن ابن عباس لقول النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم " ولأنه غير مكلف فلم يقع طلاقه كالمجنون ووجه الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق - وقوله - كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله " وروي عن علي رضي الله عنه قال: اكتموا الصبيان النكاح فيفهم أن فائدته أن لا يطلقوا.
ولأنه طلاق من عاقل صادف محل طلاق فأشبه طلاق البالغ (قصل) وأكثر الروايات عن أبي عبد الله تحديد من يقع طلاقه من الصبيان بكونه يعقل وهو اختيار القاضي وروى أبو الحارث عن أحمد إذا عقل الطلاق جاز طلاقه ما بين عشر إلى اثنتي عشرة وهذا يدل على أنه لا يقع دون العشر وهو اختيار أبي بكر لأن العشر حد الضرب على الصلاة والصيام وصحة الوصية فكذلك هذا وعن سعيد بن المسيب إذا احصى الصلاة وصام رمضان جاز طلاقه وقال عطاء

إذا بلغ أن يصيب النساء وعن الحسن إذا عقل وحفظ الصلاة وصام رمضان وقال إسحاق إذا جاز اثنتي عشرة.
(فصل) ومن أجاز طلاقه اقتضى مذهبه أن يجوز توكيله فيه وتوكله لغيره وقد أومأ إليه فقال في رجل قال لصبي طلق امرأتك فقال قد طلقتك ثلاثاً لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق قيل له فإن كانت له زوجة صبية فقالت له صير أمري إلي فقال لها أمرك بيدك فقالت قد اخترت نفسي؟ فقال أحمد ليس شيئاً حتى يكون مثلها يعقل الطلاق، وقال أبو بكر لا يصح أن يوكل حتى يبلغ، وحكاه عن أحمد ولنا أن من صح تصرفه في شئ مما تجوز الوكالة فيه بنفسه صح توكيله ووكالته فيه كالبالغ وما روي عن أحمد من منع ذلك فهو على الرواية التي لا تجيز طلاقه وتأنى إن شاء الله تعالى (فصل) فأما السفيه فيقع طلاقه في قول أكثر أهل العلم منهم القاسم بن محمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه ومنع منه عطاء والأولى صحته لأنه مكلف مالك لمحل الطلاق فوقع طلاقه كالرشيد والحجر عليه في ماله لا يمنع من التصرف في غير ما هو محجور عليه فيه كالمفلس * (مسألة) * (ومن زال عقله بسبب يعذر فيه كالمجنون والنائم والمغمى عليه والمبرسم لم يقع طلاقه) أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر أو ما في معناه لا يقع طلاقه كذلك قال عثمان وعلي وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي والشعبي وقتادة وأبو قلابة والزهري ويحيى الانصاري ومالك

والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأجمعوا على ان الرجل في حال نومه أنه لا طلاق له وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل " وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله " رواه البخاري وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث عطاء عن ابن عجلان وهو ذاهب الحديث وروي عن علي بإسناده مثل ذلك ولأنه قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع وسواء زال بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو إكراه على شرب الخمر أو شرب ما يزيل عقله أو لم يعلم أنه مزيل للعقل فكل هذا يمنع وقوع الطلاق رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا

ً * (مسألة) * وإن كان بسبب لا يعذر فيه كالسكران ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة ففي صحة طلاقه روايتان وكذا يخرج في قتله وقذفه وسرقته وزناه وظهاره وإيلائه)

اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في طلاق السكران فروي عنه أنه يقع اختارها أبو بكر الخلال والقاضي وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبى والنخعي والحكم ومالك والاوزاعي والشافعي وابن شبرمة وأبي حنيفة وصاحبيه وسليمان بن حرب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه " ومثل هذا عن علي ومعاوية وابن عباس، قال ابن عباس طلاق السكران جائز ان ركب معصية من معاصي الله نفعه ذلك ولأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد

بالقذف بدليل ما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد إلى عمر فأتيته في المسجد وعنده عثمان وعلي وعبد الرحمن وطلحة والزبير فقلت إن خالداً يقول إن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقر والعقوبة قال عمر هؤلاء عندك فسلهم فقال علي نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فقال عمر أبلغ صاحبك ما قال فجعلوه كالصاحي ولأنه إيقاع طلاق من مكلف غير مكره صادق ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي ويدل على تكليفة أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة وبهذا فارق المجنون (والثانية) لا يقطع طلاقه اختارها أبو بكر عبد العزيز وهو قول عثمان رضي الله عنه ومذهب عمر بن عبد العزيز والقاسم وطاوس وربيعة ويحيى الأنصاري والليث والعنبري واسحاق وأبي ثور والمزني قال إبن المنذر هذا ثابت عن عثمان لا نعلم أحدا من الصحابة خالفه وقال أحمد حديث عثمان أرفع شئ فيه وهو أصح يعني من حديث علي وحديث الأعمش عن منصور ولا يرفعها علي ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم ولأنه مفقود الارادة أشبه المكره ولان العقل شرط التكليف إذ هو عبارة عن الخطاب بأمر أو نهي ولا يتوجه ذلك إلى من لا يفهمه ولا فرق بين زوال الشرط بمعصية أو غيرها بدليل أن من كسر ساقه جاز له أن يصلي قاعداً ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة ولو ضربت رأسه فجن سقط التكليف وحديث أبي هريرة لا يثبت وأما قتله وقذفه وسرقته فهو كمسئلتنا

(فصل) والحكم في عتقه ونذره وبيعه وشرائه وردته وإقراره وقتله وقذفه وسرقته كالحكم في طلاقه لأن المعنى في الجميع واحد وقد روي عن أحمد بيعه وشرائه الروايتان وسألته ابن منصور إذا طلق السكران أو سرق أو زنى أو افترى أو اشترى أو باع فقال أخبر عنه لا يصح من أمر السكران شئ وقال أبو عبد الله بن حامد حكم السكران حكم الصاحي فيما له وفيما عليه أما في ماله وعليه كالبيع والنكاح والمعاوضات فهو كالمجنون لا يصح له شئ وقد أومأ إليه أحمد والأولى أن ماله أيضاً لا يصح منه لأن تصحيح تصرفاته مما عليه مؤاخذة له وليس من المؤاخذة تصحيح له وكذلك الحكم فيمن شرب أو أكل ما يزيل عقله لغير حاجة وهو يعلم قياساً على السكران في وقوع طلاقه وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة لا يقع طلاقه لأنه لا يلتذ بشربها ولنا أنه زال عقله فأشبه السكران (فصل) وحد السكر الذي يقع الخلاف في صاحبه هو الذي يجعله يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره وفعله من فعل غيره ونحو ذلك لأن الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فجعل علامة زوال السكر علمه ما يقول وروي عن عمر رضي الله

عنه أنه قال: استقرئوه القرآن أو ألقوا رداءة في الاردية فإن قرا أم القرآن أو عرف رداءه وإلا فأقم عليه الحد ولا يعتبر أن لا يعرف السماء من الأرض ولا الذكر من الأنثى لأن ذلك لا يخفي على المجنون فغيره أولى.
(فصل) في المغمى عليه إذا طلق فلما أفاق وعلم أنه كان أغمي عليه وهو ذاكر لذلك فقال إذا كان ذاكرا لذلك فليس هو مغمى عليه فقال أحمد يجوز طلاقه وقال في رواية أبي طالب في المجنون يطلق فقيل له لما أفاق إنك طلقت امرأتك فقال ما أنا أذكر اني طلقت ولم يكن عقلي معي فقال إذا كان يذكر أنه طلق فقد طلقت فلم يجعله مجنوناً إذا كان يذكر الطلاق ويعلم به.
قال شيخنا وهذا والله أعلم فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشاف أو كان متبرسماً فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية فلا يضره ذكره للطلاق إن شاء الله تعالى * (مسألة) * (ومن أكره على الطلاق بغير حق لم يقع طلاقه) لا تختلف الرواية عن أحمد أن طلاق المكره لا يقع روى ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس

وابن الزبير وجابر بن سمرة وبه قال عبد الله بن عبيد بن عمير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد وشريح وعطاء وطاوس وعمر بن عبد العزيز وابن عمر وايوب السختياني ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وابو عبيد وأجازه أبو قلابة والشعبي والنخعي والزهري والثوري وابو حنيفة وصاحباه لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فنفذ كطلاق غير المكره.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " رواه ابن ماجه وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا طلاق في إغلاق " رواه أبو داود وقال أبو عبيد والقتيبي معناه في اكراه، وقال أبو بكر سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين فقالا يريد الإكراه لأنه إذا أكره انغلق عليه رأيه، ويدخل في هذا المعنى المبرسم والمجنون ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعاً ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يثبت له حكم ككلمة الكفر إذا أكره عليها (فصل) وإن كان الاكراه بحق كإكراه الحاكم المولي على الطلاق بعد التربض إذا لم بقئ أو إكراهه الرجلين اللذين زوجهما الوليان ولم يعلم السابق منهما على الطلاق فإنه يقع لأنه قول حمل عليه لحق فصح كإسلام المرتد إذا أكره عليه، ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق ليقع طلاقه فلو لم يقع لم يحصل المقصود.

  • (مسألة) * (وإن هدده بالقتل وأخذ المال ونحوه قادر يغلب على ظنه وقوع ما هدده به فهو إكراه، وعنه لا يكون مكرهاً حتى يناله شئ من العذاب كالضرب والخنق وعصر الساق واختاره الخرقي) أما إذا نيل بشئ من العذاب كالضرب والخنق والعصر والحبس والغط في الماء مع الوعيد فإنه يكون إكراهاً بلا إشكال لما روي أن المشركين أخذوا عماراً فأرادوه على الشرط فأعطاهم فأتى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عن عينيه ويقول " أخذك المشركون فغطوك في الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلته، فإن أخذوك مرة أخرى فافعل ذلك بهم " رواه أبو حفص بإسناده وقال عمر رضي الله عنه ليس الرجل أميناً على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته وهذا يقتضي وجود فعل يكون به إكراهاً.
    فأما الوعيد بمفرده فعن أحمد فيه روايتان (احداها) ليس بإكراه لأن الذي ورد الشرع بالرخصة معه هو ما ورد في حديث عمار وفيه " إنهم أخذوك فغطوك " فلا يثبت الحكم الا فيما كان مثله (والثانية) أن الوعيد بمفرده إكراه قال في رواية ابن منصور حد الإكراه إذا خاف القتل أو ضرباً شديداً، وهذ قول أكثر الفقهاء وبه يقول أبو حنيفة والشافعي لأن الإكراه لا يكون

إلا بالوعيد الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه ولا يخشى من قوعه وإنما أبيح له فعل المكروه عليه دفعاً لما يتوعد به من العقوبة فيما بعد وهو في الموضعين واحد لأنه متى توعد بالقتل وعلم أنه يقتله فلم يبح له فعل ما أفضى الى قتله وافضاؤه بيده إلى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالاكراه شيئاً لأنه إذا طلق في هذه الحال وقع طلاقه فيصل المكره إلى مراده ويقع الضرر بالمكره وثبوت الإكراه في حق من نيل بشئ من العذاب لا ينفي ثبوته في حق غيره.
وقد روي عن عمر في الذي تدلى يشتار عسلا فوقفت امرأته على الحبل وقالت طلقني ثلاثاً والا قطعته، فذكرها الله والإسلام فقالت لتفعلن أو لأفعلن، فطلقها ثلاثاً فردها إليه.
رواه سعيد باسناده وهذا كان وعيداً.
(فصل) ومن شرط الاكراه ثلاثة أمور (أحدها) أن يكون قادرا بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه.
وحكي عن الشعبي ان أكرهه النص لم يقع طلاق، وإن أكرهه السلطان وقع.
وقال ابن عيينة لأن اللص يقتله.
وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصاً وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان عادوا فعد " لأنه إكراه فمنع وقوع الطلاق كإكراه اللص

(الثاني) أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
(الثالث) أن يكون فيما يستضر به ضرراً كبيراً كالقتل والضرب الشديد والحبس والقيد الطويلين، فأما السب والشتم فليس بإكراه رواية واحدة وكذلك أخذ المال اليسير.
فأما الضرب اليسير فان كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان في حق ذوي المروءات على وجه يكون إخراقاً لصاحبه وغضاً له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره، وإن توعد بتعذيب ولده فقد قيل ليس بإكراه لان الضرر لا حق بغيره والأولى أن يكون إكراهاً لأن ذلك أعظم عنده من أخذ ماله والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا.
(فصل) فإن أكره على طلاق امرأة فطلق غيرها وقع لأنه غير مكره عليه وإن أكره على طلقة فطلق ثلاثاً وقع أيضاً لأنه لم يكره على الثلاث، وإن طلق من أكره على طلاقها وغيرها وقع طلاق غيرها دونها وإن خلصت نيته في الطلاق دون دفع الإكراه وقع لانه قصده واختاره ويحتمل أن لا يقع لأن اللفظ مرفوع عنه فلا يبقى إلا مجرد النية فلا يقع بها طلاق، وإن طلق ونوى بقلبه غير امرأته وتأول في يمينه فله تأويله ويقبل قوله في نيته لان الاكراه دليل على تأويله، وإن لم يتأول وقصدها بالطلاق لم يقع لأنه معذور.
وذكر أصحاب الشافعي وجها أنه يقع لانه لا يكره على نيته

ولنا أنه مكره عليه لعموم ما ذكرنا من الأدلة ولأنه قد لا يحضره التأويل في تلك الحال فتفوت الرخصة

  • (مسألة) * (ويقع الطلاق في النكاح المختلف فيه كالنكاح بلا ولي عند أصحابنا) واختار أبو الخطاب أنه لا يقع حتى يعتقد صحته ولنا أنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية فجاز أن ينفذ في العقد الفاسد إذا لم يكن في نفوذه إسقاط حق الغير ولأنه عقد يسقط الحد ويثبت النسب والعدة والمهر أشبه الصحيح، ووجه قول أبي الخطاب أنه ليس بعقد صحيح ولم يثبت به النكاح فلم يقع فيه الطلاق كالمتفق على بطلانه فإن اعتقد صحته وقع فيه الطلاق كالمتفق على صحة.
  • (مسألة) * (وإذا وكل في الطلاق من يصح توكيله صح طلاقه) لأنه إزالة ملك فصح التوكيل فيه كالعتق ولا يصح التوكيل إلا للبالغ العاقل، فأما الطفل والمجنون فلا يصح توكيلهما فإن فعل فطلق واحد منهم لم يقع طلاقه، وقال أصحاب الرأي يقع ولنا أنهما ليسا من أهل التصرف فلا يصح تصرفهم كما لو وكلهم في العتق، وإن وكل كافراً أو عبداً صح لأنهما ممن يصح طلاقه لنفسه فصح توكيلهما فيه، وان وكل امرأة صح لأنه يصح توكيلها

في العتق فصح في الطلاق كالرجل فانه جعله في يد صبي يعقل الطلاق انبنى ذلك على صحة طلاقه لزوجته وقد مضى ذلك، وقد نص أحمد ههنا على اعتبار وكالته بطلاقه فقال إذا قال لصبي طلق امرأتي ثلاثاً فطلقها ثلاثاً لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق ارأيت لو كان لهذا الصبي امرأة فطلقها أكان يجوز طلاقه؟ فاعتبر طلاقه بالوكالة بطلاقه لنفسه وهكذا لو جعل أمر الصغيرة والمجنونة بيدها لم تملك ذلك، نص عليه أحمد في امرأة صغيرة قال لها أمرك بيدك فقالت اخترت نفسي، ليس بشئ حتى يكون مثلها يعقل لأنه تصرف بحكم التوكيل وليس من أهل التصرف، فظاهر كلام أحمد هذا أنها إذا عقلت الطلاق وقع طلاقها وان لم تبلغ كما قررناه في الصبي، وفيه رواية أخرى ان الصبي لا يصح طلاقه حتى يبلغ فكذلك يخرج في هذه لأنها مثله في المعنى * (مسألة) * (وله أن يطلق متى شاء إلا أن يحل له حداً) لأن الفظ التوكيل يقتضي ذلك لكونه توكيلاً مطلقاً فأشبه التوكيل في البيع إلا أن يحد له حداً فيكون على ما أذن له لأن الأمر إلى الموكل في ذلك لكون الحق له والوكيل نائبه فتنسب له الوكالة على ما يقتضيه لفظ الموكل، إن كان لفظه عاماً اقتضى العموم، وإن كان خاصاً اقتضى ذلك

* (مسألة) * (ولا يطلق أكثر من واحدة إلا أن يجعل ذلك إليه)

لأن الأمر المطلق يتناول ما يقع عليه الاسم إلا أن يجعل أكثر من واحدة بلفظه او نيته، نص عليه لأنه نوى بكلامه ما يحتمله والقول قوله في نيته لأنه أعلم بها.

  • (مسألة) * (فان وكل اثنين صح وليس لأحدهما أن يطلق على الانفراد إلا أن يجعل ذلك إليه) ولأنه إنما رضي بتصرفهما جميعاً وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر فإن أذن لأحدهما في الانفراد صح لأن الحق له (فصل) فإن وكلهما في ثلاث فطلق أحدهما أكثر من الآخر مثل أن يطلق أحدهما واحدة والآخر ثلاثاً فتقع واحدة وبهذا قال إسحاق، وقال الثوري لا يقع بشئ ولنا أنهما طلقا جميعاً واحده مأذوناً فيها فصح كما لو جعل اليهما واحدة وإن طلق أحدهما اثنتين والآخر ثلاثاً وقع إثنتان لأنهما اجتمعا عليهما.

* (مسألة) * (وإن قال لامرأته طلقي نفسك فلها ذلك كالوكيل فإن نوى عدداً فهو على ما نوى وإن طلق من غير نية لم يملك إلا واحدة)

لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وكذلك الحكم لو وكل أجنبياً فقال طلق زوجتي فالحكم على ما ذكرناه.
قال أحمد لو قال لامرأته طلقي نفسك ونوى ثلاثاً فطلقت نفسها ثلاثاً فهي ثلاث وإن كان نوى واحدة لأن الطلاق يكون واحدة وثلاثاً فأيهما نواه فقد نوى بلفظ ما احتمله وإن لم ينو تناول اليقين فإن طلقت نفسها أو طلقها الوكيل في المجلس أو بعده وقع الطلاق لأنه توكيل وقال القاضي إذا قال لامرأته طلقي نفسك تقيد بالمجلس لأنه تفويض للطلاق إليها فتقيد بالمجلس كقوله اختاري.
ولنا أنه توكيل في الطلاق فكان على التراخي كتوكيل الأجنبي وكقوله أمرك بيدك وفارق اختاري فإنه تخيير وينتقض ما ذكره بقوله أمرك بيدك فإن قال طلقي ثلاثاً فطلقت واحدة وقع، نص عليه، وقال مالك لا يقع شئ لانها لم تمثل أمره.
ولنا أنها ملك إيقاع ثلاث فملكت ايقاع واحدة كالموكل ولأنه لو قال وهبتك هؤلاء العبيد

الثلاثة فقال قبلت واحداً منهم صح كذا ههنا، وإن قال طلقي واحدة فطلقت ثلاثاً وقعت واحدة نص عليه أيضاً وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا يقع شئ لأنها لم تأت بما يصلح قبولا فلم يصح كما لو قال بعتك نصف هذا العبد فقال قبلت البيع في جميعه ولنا أنها أوقعت طلاقاً مأذوناً فيه وغيره فوقع المأذون فيه دون غيره كما لو قال طلقي نفسك فطلقت نفسها وضرائرها فإن قال طلقي فقالت أنا طالق إن قدم زيد لم يصح لأن إذنه انصرف إلى المنجز فلم يتناول المعلق على شرط وحكم توكيل الأجنبي في الطلاق كحكمها فيما ذكرناه كله (فصل) نقل عنه أبو الحارث إذا قال طلقي نفسك طلاق السنة فقالت قد طلقت نفسي ثلاثا هي واحدة وهو أحق برجعتها إنما كان كذلك لأن التوكيل بلفظ يتناول أقل ما يقع عليه اللفظ وهو طلقة واحدة وسيما وطلاق السنة في الصحيح واحدة في طهر لم يصبها * (مسألة) * (وإن قال اختاري من ثلاث ما شئت لم يكن لها أن تختار أكثر من اثنتين) لأن لفظه يقتضي ذلك لأن من للتبعيض فلم يكن لها استيعاب الجميع والله أعلم

باب سنة الطلاق وبدعته

والسنة في الطلاق إن يطلقها في طهر لم يصبها فيه ثم يدعها حتى تنقضي عدتها يعني طلاق السنة الطلاق الذي وافق أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وفي حديث عبد الله بن عمر الذي ذكرناه ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه واحدة ثم تركها حتى تنقضي عدتها أنه مصيب للسنة مطلق للعدة التي أمر الله بها قاله ابن عبد البر وابن المنذر قال ابن مسعود طلاق السنة أن يطلقها من غير جماع، وقال في قوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) قال طاهراً من غير جماع ونحوه عن ابن عباس، وفي حديث ابن عمر الذي رويناه " ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثمم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " وقوله ثم يدعها حتى تنقضي عدتها فمعناه أن لا يتبعها طلاقاً آخر قبل انقضاء عدتها، ولو طلقها ثلاثاً في ثلاثة أطهار كان حكم ذلك حكم جميع الثلاث في طهر واحد.
قال أحمد طلاق السنة واحدة ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض وبذلك قال مالك والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد، وقال أبو حنيفة والثوري السنة أن يطلقها ثلاثاً في كل قرء طلقة وهو قول سائر

الكوفيين واحتجوا بحديث ابن عمر حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم راجعها ثم أمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر قالوا وإنما أمره بإمساكها في هذا الطهر لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل فإذا مضى ومضت الحيضة التي بعده أمره بطلاقها، وقوله في حديثه الآخر والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء، وروى النسائي باسناده عن عبد الله قال: طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك ولنا ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يطلق أحد للسنة فيندم رواه الأثرم وهذا لا يحصل إلا في حق من لم يطلق ثلاثاً، وقال ابن سيرين إن علياً كرم الله وجهه قال لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبداً يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثاً فمتى شاء راجعها رواه البخاري بإسناده: وروى ابن عبد البر عن ابن مسعود أنه قال: طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء.
فأما حديث ابن عمر الأول فلا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه جمع الثلاث، وأما حديثه الآخر فيحتمل أن يكون ذلك بعد ارتجاعها ومتى ارتجع بعد الطلقة ثم طلقها كان للسنة على كل حال، حتى قال أبو حنيفة لو أمسكها بيده لشهوة ثم والى

بين الثلاث كان مصيبا للسنة لان يكون مرتجعاً والمعنى فيه أنه إذا ارتجعها سقط حكم الطلقة الاولى فصارت كأنها لم توجد ولا تغني به عن الطلقة الاخرى إذا احتاج إلى فراق امرأته بخلاف ما إذا لم يرتجعها فانه مستغن عنها لافضائها الى مقصوده من ابانتها فافترقا ولأن ما ذكروه إرداف طلاق من غير ارتجاع فلم يكن للسنة كجمع الثلاث * (مسألة) * (وإن طلق المدخول بها في حيضها أو في طهر أصابها فيه فهو طلاق بدعة محرم ويقع طلاقه في قول عامة أهل العلم) قال ابن المنذر وابن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، وحكاه أبو نصر عن ابن عليه وهشام بن الحكم والشيعة قالوا لا يقع طلاقه لأن الله تعالى أمر به في قبل العدة فإذا طلق في غيره لم يقع كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكله بايقاعه في غيره ولنا حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها وفي رواية الدارقطني قال: قلت يا رسول الله أفرأيت لو أني طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال " لا كانت تبين منك وتكون معصية " وقال نافع وكان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقه وراجعها كما أمره

رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رواية يونس بن جبير عن ابن عمر قال قلت لابن عمر أتعتد عليه أو تحتسب عليه؟ قال نعم أرأيت إن عجز واستحمق وكلها أحاديث صحاح ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هو إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظاً عليه وعقوبة له أما غير الزوج فلا يملك الطلاق والزوج يملكه بملك محله

* (مسألة) * (تستحب رجعتها وعنه أنها واجبة)

إنما استحبت مراجعتها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق ولا يجب في ظاهر المذهب وهو قول الثوري والاوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأصحاب الرأي وحكى ابن أبي موسى عن أحمد أن الرجعة تجب واختارها وهو قول مالك وداود لأن ظاهر الأمر الوجوب ولأن الرجعة تجري مجرى استيفاء النكاح واستيفاؤه ههنا واجب بدليل تحريم الطلاق لأن الرجعة إمساك للزوجة بدليل قوله تعالى (فأمسكوهن بمعروف) فوجب ذلك كإمساكها قبل الطلاق، وقال مالك وداود يجبر على رجعتها.
قال أصحاب مالك يجبر على رجعتها

ما دامت في العدة إلا أشهب قال ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر لأنه لا تجب عليه إمساكها في تلك الحال فلا تجب عليه رجعتها فيه.
ولنا أنه طلاق لا يرتفع بالرجعة فلا تجب عليه الرجعة فيه كالطلاق في طهر أصابها فيه فانهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب حكاه ابن عبد البر عن جميع العلماء وما ذكروه من المعنى ينتقض بهذه الصورة والأمر بالرجعة محمول على الاستحباب لما ذكرنا (فصل) فإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر ويستحب أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر الذي رويناه، قال ابن عبد البر ذلك من وجوه عند أهل العلم منها أن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها الا بالوطئ لانه المعني من النكاح ولا يحصل الوطئ إلا في الطهر فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر فاعتبرنا مظنة الوطئ ومحله لا حقيقته ومنها أن الطلاق كره في الحيض لتطويل العدة فلو طلقها عقيب الرجعة من غير وطئ كانت في معنى المطلقة قبل الدخول وكانت تبني على عدتها فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع حكم الطلاق بالوطئ واعتبر الطهر الذي هو موضع الوطئ فإذا وطئ حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر وقد جاء في حديث عن ابن عمر

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مره أن يراجعها فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها " رواه ابن عبد البر، ومنها أنه عوقب على ايقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في الوقت الذي يباح له وذكره غير هذا فإن طلقها في الطهر الذي يلي الحيضة قبل أن يمسها فهو طلاق سنة وقال أصحاب مالك لا يطلقها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر على ما جاء في الحديث ولنا قوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) وهذا مطلق للعدة فيدخل وقد روى يونس بن جبير وسعيد بن جبير وابن سيرين وزيد بن اسلم وأبو الزبير عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك ولم يذكروا تلك الزيادة وهو حديث صحيح متفق عليه ولأنه طهر لم يمسها فيه فأشبه الطهر الثاني وحديثهم محمول على الاستحباب * (مسألة) * وإن طلقها ثلاثاً في طهر لم يصبها فيه كره وفي تحريمه روايتان) اختلفت الرواية عن احمد في جمع الثلاث فروي عنه أنه غير محرم اختارها الخرقي وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وداود وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف والشعبي لان عويمر العجلاني لما لاعن امرأته قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره

رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه ولم ينقل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه وعن عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي متفق عليه وفي حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أرسل إليها ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء (والرواية الثانية) أن جمع الثلاث محرم وهو طلاق بدعة اختارها أبو بكر وأبو حفص روى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وهو قول مالك وابي حنيفة قال علي لا يطلق أحد للسنة فيندم وفي رواية قال يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض فمتى شاء راجعها، وعن عمر أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثاً أوجعه ضربأ، وعن مالك بن الحارث قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إن ابن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال إن ابن عمك عصى الله وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجاً.
ووجه ذلك قول الله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) الى قوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ثم قال بعد ذلك (ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا) ورى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته

ثلاث تطليقات جميعاً فغضب قال " أيلعب بكتاب الله عزوجل وأنا بين أظهركم؟ " حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله وفي حديث ابن عمر قال قلت يا رسول الله لو طلقتها ثلاثاً قال " إذاً عصيت ربك وبانت منك امرأتك " وروى الدارقطني بإسناده عن على قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً طلق البتة فغضب وقال " يتخذون آيات الله هزوا ولعبا من طلق البتة الزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره " ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة فحرم كالظهار بل هذا أولى لأن الظهار يرفع تحريمه بالتكفير وهذا لا سبيل للزوج الى دفعه بحال ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة فيدخل في عموم النهي وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراماً أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم خسارة الدنيا والآخرة فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياماً يسيرة والطلاق في طهر مسها فيه الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافاً كثيرة فالتحريم ثم تنبيه على التحريم ههنا ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم وغيره ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم فيكون ذلك إجماعاً، فأما حديث المتلاعنين فغير لازم فإن الفرقة لم تقع بالطلاق فإنها وقعت بمجرد لعانهما وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه ثم إن اللعان يوجب تحريماً مؤبداً فالطلاق بعده

كالطلاق بعد انفسكاخ النكاح بالرضاع أو غيره ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان، وسائر الأحاديث ليس فيها جمع الثلاث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مقراً عليه ولا حضر المطلق عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك لينكر عليه، على أن حديث فاطمة قد جاء فيه أن أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أن طلاقها آخر ثلاث تطليقات متفق عليه فلم يكن في شئ من ذلك جمع الثلاث، ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما حكينا من قول من قال انه يطلقها في كل قرء طلقة والأولى أولى فإن في ذلك امتثالاً لأمر الله سبحانه وموافقة لقول السلف وأمنا من الندم فإنه متى ندم راجعها فإن فات ذلك بانقضاء عدتها له نكاحها قال محمد بن سيرين إن علياً كرم الله وجهه قال لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبداً يطلقها تطليقة ثم يدعها حتى ما بينها وبين أن تحيض ثلاثاً فمتى شاء راجعها رواه النجاد بإسناده وقال عبد الله من أراد أن يطلق الطلاق الذي هو الطلاق فليمهل حتى إذا حاضت ثم طهرت طلقها تطليقة في غير جماع ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ولا يطلقها ثلاثاً وهي حامل فيجمع الله عليه نفقتها وأجر رضاعها ويندمه فلا يستطيع إليها سبيلاً

(فصل) فإن طلق ثلاثاً بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره ولا فرق بين قبل الدخول وبعده روى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن مسعود وأنس وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم وكان عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار يقولون من طلق البكر ثلاثاً فهي واحدة، وروى طاوس عن ابن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافه عمر طلاق الثلاث واحدة رواه أبو داود وروى سعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومجاهد ومالك بن الحارث عن ابن عباس خلاف رواية طاوس أخرجه أيضاً أبو داود وأفتى ابن عباس بخلاف ما روي عنه طاوس وقد ذكرنا حديث ابن عمر أرأيت لو طلقها ثلاثا، وروى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفاً فهل له مخرج؟ فقال " إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه " ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقاً فصح مجتمعاً كسائر الاملاك، فأما حديث ابن عباس فقد صحت الرواية عنه بخلافه وافتى بخلافه قال الأثرم سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شئ

تدفعه فقال أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه ثم ذكر عن ابن عباس من وجوه خلافه أنها ثلاث، وقيل معنى حديث ابن عباس أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وإلا فلا يجوز أن يخالف عمر ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ولا يسوغ لابن عباس أن يروى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفتي بخلافه (فصل) فإن طلق ثنتين في طهر ثم تركها حتى انقضت عدتها فهو للسنة لانه يحرمها على نفسه ولم يسد على نفسه المخرج من الندم ولكنه ترك الاختيار لأنه فوت على نفسه طلقة جعلها الله له من غير فائدة يحصل بها فكان مكروهاً كتضييع المال، فإن كانت المرأة صغيرة أن آيسة أو غير مدخول بها أو حاملاً قد استبان حملها فلا سنة لطلاقها ولا بدعة إلا في العدد، فإذا قال لها أنت طالق للسنة أو قال للبدعة طلقت في الحال واحدة قال ابن عبد البر أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما هو للمدخول بها فأما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة إلا في عدد الطلاق على اختلاف بينهم فيه وذلك لأن الطلاق في حق المدخول بها إذا كانت من ذوات الاقراء إنما كان له سنة وبدعة لان العدة تطول عليها بالطلاق في الحيض وترتاب بالطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وينتفي عنها الأمران بالطلاق في الطهر

الذي لم يجامها فيه، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها تبقى بتطويلها أو الارتياب فيها وكذلك ذوات الأشهر كالصغيرة التي لم تحض، والآيسات من المحيض لا سنة لطلاقهن ولا بدعة لأن العدة لا تطول بطلاقها في حال ولا تحمل فترتاب، وكذلك الحامل التي استبان حملها فهؤلاء كلهن ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة من جهة الوقت في قول أصحابنا وهو مذهب الشافعي وكثير من أهل العلم، فإذا قال لاحدى هؤلاء أنت طالق للسنة أو للبدعة وقعت طلقة في الحال ولغت الصفة لان طلاقها لا يتصف بذلك فصار كأنه قال أنت طالق ولم يزد، وكذلك إن قال أنت طالق للسنة والبدعة أو قال أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة طلقت في الحال لأنه وصف الطلقة بصفتها ويحتمل كلام الخرقي إن يكون للحامل طلاق سنة لأنه طلاق أمر به لقوله عليه الصلاة والسلام " ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً " رواه مسلم وهو ظاهر كلام أحمد فإنه قال أذهب إلى حديث سالم عن ابيه يعني هذا الحديث ولأنها في حال انتقلت إليها بعد زمن البدعة ويمكن أن تنتقل عنها الى زمان البدعة فكان طلاقها طلاق سنة كالطاهر من الحيض من غير مجامعة، ويتفرع منه أنه لو قال لها أنت طالق للبدعة لم تطلق في الحال فإذا وضعت الحمل طلقت لأن النفاس زمان بدعة كالحيض.
وقوله إلا في العدد يعني أنه يكره له أن يطلق ثلاثاً أو يحرم لأنه إذا طلق ثلاثاً لم يبق له سبيل الى الرجعة فطلاق السنة في حقهم أن يكون واحدة ليكون له سبيلاً الى تزوجها من غير أن تنكح زوجاً غيره (فصل) وإن قال لصفيرة أو غير مدخول بها أنت طالق للبدعة ثم قال أردت إذا حاضت الصغيرة أو أصيبت غير المدخول بها أو قال لهما أنتما طالقتان للسنة أو قال أردت طلاقهما في زمن يصير طلاقهما فيه للسنة دين فيما بينه وبين الله تعالى، وهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي (أحدهما) لا يقبل

وهو أشبه بالمذهب لأنه فسر كلامه بما يحتمله فيقبل كما لو قال أنت طالق وقال أردت بالثانية إفهامها (فصل) إذا قال لها في طهر جامعها فيه أنت طالق للسنة فيئست من الحيض لم تطلق لأنه وصف طلاقها بأنه للسنة في زمن يصلح له فإذا صارت آيسة فليس لطلاقها سنة فلم توجد الصفة فلا يقع وكذلك إن استبان حملها لم يقع أيضاً إلا على قول من جعل طلاق الحامل سنة فإنه ينبغي أن يقع لوجود الصفة كما لو حاضت ثم طهرت * (مسألة) * (وإن قال لمن لها سنة وبدعة أنت طالق في طهر لم يصبها فيه طلقت إذا طهرت من الحيضة المستقبلة) إذا قال لامرأته أنت طالق للسنة فمعناه في وقت السنة فإن كانت في طهر غير مجامعة فيه فهو وقت السنة على ما أسلفناه، وكذلك إن كانت حاملاً قد استبان حملها على ظاهر كلام أحمد وقد ذكرنا الخلاف في الحامل فإذا قال لها أنت طالق للسنة في الحالتين طلقت لأنه وصف الطلقة بصفتها فوقعت في الحال وإن قال ذلك لحائض لم يقع في الحال لأن طلاقها طلاق بدعة لكن إذا طهرت طلقت لأن الصفة وجدت حينئذ فصار كأنه قال أنت طالق في النهار فان كان في النهار طلقت وإن كان في الليل

طلقت إذا جاء النهار وإن كانت في طهر جامعها فيه لم يقع حتى تحيض ثم تطهر لأن الطهر الذي جامعها فيه والحيض بعده زمان بدعة فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة طلقت حينئذ لأن الصفة وجدت وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، فإن أولج في آخر الحيضة واتصل بأول الطهر أو أولج مع أول الطهر لم يقع الطلاق في ذلك الطهر لكن متى جاء طهر لم يجامعها فيه طلقت في أوله وهذا كله مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفاً (فصل) (إذا انقطع الدم من الحيض فهو زمان السنة يقع عليها طلاق السنة وإن لم تغتسل كذلك قال أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن طهرت لأكثر الحيض مثل ذلك وإن انقطع الدم لدون أكثره لم يقع حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو تصلي أو يخرج عنها وقت الصلاة لأنه متى لم يوجد فما حكمنا بانقطاع حيضها ولنا أنها طاهر فوقع بها طلاق السنة كالتي طهرت لأكثر الحيض، والدليل على أنها طاهر أنها تؤمر بالغسل ويلزمها ويصح منها وتؤمر بالصلاة وتصح صلاتها ولأن في حديث ابن عمر " فإذا طهرت طلقها إن شاء " وما قاله لا يصح فانا لو لم نحكم بالطهر لما أمرناها بالغسل ولا صح منها * (مسألة) * (وإن قال لها أنت طالق للبدعة وهي حائض أو في طهر أصابها فيه طلقت في الحلال

وإن كان في طهر لم يصبها فيه طلقت إذا أصابها أو حاضت هذه المسألة عكس المسألة التي قبلها فإنه وصف الطلقة بأنها للبدعة فإذا كان ذلك لحائض أو طاهر مجامعة فيه وقع الطلاق في الحال لأنه وصف الطلقة بصفتها وإن كانت في طهر لم يصبها فيه لم يقع في الحال فإذا حاضت طلقت بأول الحيض وإن أصابها طلقت بالتقاء الختانين فإن نزع من غير توقف فلا شئ عليهما وإن أولج بعد النزع فقد وطئ مطلقته ويأتي بيان حكم ذلك وإن وطئها واستدام فسنذكرها إن شاء الله تعالى فيما بعد (فصل) فإن قال لطاهر أنت طالق للبدعة في الحال فقد قيل تلغوا الصفة ويقع الطلاق لأنه وصفها بما لا تصف به فلغت الصفة دون الطلاق ويحتمل أن تطلق ثلاثاً في الحال لأن ذلك طلاق بدعة فانصرف الوصف بالبدعة إليه لتعذر صفة البدعة من الجهة لاخرى، وإن قال للحائض أنت طالق للسنة في الحال لغت الصفة ووقع الطلاق لأنه وصف الطلقة بما لا تنصف به، وإن قال أنت طالق ثلاثا للسنة وثلاثاً للبدعة طلقت ثلاثاً في الحال بناء على ما سنذكره * (مسألة) * (وإن قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة طلقت ثلاثاً في طهر لم يصبها فيه في إحدى الروايتين، وفي الاخرى تطلق في الحال واحدة وتطلق الثانية والثالثة في طهرين في نكاحين إن أمكن)

المنصوص عن أحمد في هذه المسألة أنها تطلق ثلاثاً إن كانت في طهر لم يجامعها فيه، وإن كانت حائضا طلقت ثلاثاً إذا طهرت وهذا مذهب الشافعي وقال القاضي وابو الخطاب هذا على الرواية التي قال فيها ان جمع الثلاث سنة فأما على الرواية الأخرى فإذا طهرت طلقت واحدة وتطلق الثانية والثالثة في نكاحين آخرين أو بعد رجعتين، وقد أنكر أحمد هذا القول فقال في رواية مهنا إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً للسنة فقد اختلفوا فيه فمنهم من يقول يقع عليها الساعة واحدة فلو راجعها تقع عليها تطليقة أخرى وتكون عنده على أخرى وما يعجبني قولهم هذا فيحتمل أن أحمد أوقع الثلاث لأن ذلك عنده سنة، ويحتمل أنه أوقعها لوصفه الثلاث بما لا تتصف به فألغى الصفة وأوقع الطلاق كما لو قال لحائض أنت طالق في الحال للسنة، وقد قال في رواية أبي الحارث ما يدل على هذا؟ قال يقع عليها الثلاث ولا معنى لقوله للسنة، وقال أبو حنيفة يقع في كل قرء طلقة وان كانت من ذوات الأشهر وقع في كل شهر طلقة وبنى على أصله في أن السنة تفريق الثلاث على الأطهار، وقد بينا أن ذلك في حكم جمع الثلاث فإن قال أردت بقولي للسنة إيقاع واحدة في الحال واثنتين في نكاحين آخرين قبل منه، وإن قال أردت أن يقع في كل قرء طلقة قبل أيضاً لأنه مذهب

طائفة من أهل العلم، وقد ورد به الاثرم فلا يبعد أن يريده قال أصحابنا يدين وهل يقبل في الحكم؟ على وجهين (أحدهما) لا يقبل لأن ذلك ليس بسنة (والثاني) يقبل لما قدمنا.
فإن كانت في زمن البدعة فقال سبق لساني الى قولي للسنة ولم أرده وإنما أردت الإيقاع في الحال وقع في الحال لأنه ملك لايقاعها فإذا اعترف بما يوقعها قبل منه (فصل) فإن قال أنت طالق ثلاثاً بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة طلقت في الحال طلقتين وتأخرت الثالثة الى الحال الآخرى لانه سوى بين الحالتين فأقتضى الظاهر أن يكونا سواء فيقع في الحال واحدة ونصف ثم يكمل النصف لكون الطلاق لا يتبعض.
ويحتمل أن يقع طلقة ويتأخر اثنتان الى الحال الأخرى لأن البعض يقع على ما دون الكل ويتناول القليل من ذلك والكثير فيقع أقل ما يقع عليه الاسم لأنه اليقين وما زاد لا يقع بالشك فيتأخر الى الحال الأخرى فإن قيل لم لا يقع من كل طلقة بعضها ثم يكمل فتقع الثلاث؟ قلنا متى امكنت القسمة من غير تكسير وجبت القسمة على الصحة فإن قال نصفهن للسنة ونصفهن للبدعة وقع في الحال اثنتان وتأخرت الثالثة وإن قال طلقتان للسنة وواحدة للبدعة أو طلقتان للبدعة وواحدة للسنة فهو على ما قال فإن طلق ثم قال نويت ذلك إن فسر نيته بما

يوقع في الحال طلقت وقبل لأنه يقتضي الإطلاق ولانه غير متهم فيه وإن فسرها بما يوقع طلقة واحدة ويؤخر اثنتين دين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان (أظهرهما) أنه يقبل لأن البعض حقيقة في القليل والكثير فما فسر كلامه به لا يخالف الحقيقة فيجب أن يقبل (والثاني) لا يقبل لأنه فسر كلامه بأخف مما يلزمه حالة الإطلاق ومذهب الشافعي على نحو هذا فإن قال أنت طالق ثلاثاً بعضهن للسنة ولم يذكر شيئاً آخر احتمل أن تكون كالتي قبلها لأنه يلزم من ذلك أن يكون بعضها للبدعة فأشبه ما لو صرح به ويحتمل أن لا يقع في الحال إلا واحدة لأنه لم يسو بين الحالين والبعض لا يقتضي النصف فتقع الواحدة لأنها اليقين والزائد لا يقع بالشك وكذلك لو قال بعضها للسنة وباقيها للبدعة أو سائرها للبدعة (فصل) إذا قال أنت طالق إذا قدم زيد فقدم وهي حائض طلقت للبدعة إلا أنه لا يأثم لأنه لم يقصده وإن قالت أنت طالق إذا قدم للسنة فقدم زيد في زمان السنة طلقت وإن قدم في زمان البدعة لم يقع حتى إذا صارت الى زمن السنة وقع ويصير كأنه قال إن قدم زيد أنت طالق للسنة لأنه أوقع الطلاق بقدوم زيد على صفة فلا يقع إلا عليها وإن قال لها أنت طالق للسنة إذا قدم زيد قبلى أن يدخل

بها طلقت عند قدومه حائضاً كانت أو طاهراً لأنها لا سنة لطلاقها ولا بدعة وإن قدم بعد دخوله بها وهي في طهر لم يصبها فيه طلقت وإن قدم في زمن البدعة لم تطلق حتى يجئ زمن السنة لأنها صارت ممن لطلاقها سنة وبدعة وإن قال لامرأته أنت طالق إذا جاء رأس الشهر للسنة فكان رأس الشهر في زمن السنة وقع وإلا وقع إذا جاء زمان السنة.

  • (مسألة) * (وإن قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة وهي من اللائي لم يحضن لم تطلق حتى تحيض فتطلق في كل حيضة طلقة) وان كانت من ذوات القروء وقع في كل قرء طلقة فإن كانت في القرء أوقعت بها واحدة في الحال ووقع بها طلقتان في قرأين آخرين في أولهما سواء قلنا القرء الحيض أو الاطهار، وسواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، إلا أن غير المدخول بها تبين بالطلقة الاولى فإن تزوجها وقع بها في القرء الثاني طلقة أخرى وكذلك الحكم في الثالثة فان كانت من اللائي لم يحضن وقلنا القرء الحيض لم تطلق حتى تحيض فتطلق في كل حيضة طلقة، وإن قلنا القرء الاطهار احتمل أن تطلق في الحال واحدة ثم لا تطلق حتى تحيض ثم تطهر فتطلق الثانية ثم الثالثة في القرء، لأن الطهر قبل الحيض كله قرء واحد، واحتمل أن لا تطلق حتى تطهر بعد الحيض لان القرء هو الطهر بين

حيضتين وكذلك لو حاضت الصغيرة في عدتها لم تحتسب بالطهر الذي قبل الحيض من عدتها في أحد الوجهين، والحكم في الحامل كالحكم في الصغيرة لأن زمن الحمل كله قرء واحد في أحد الوجهين إذا قلنا الاقراء الاطهار، والوجه الآخر ليس بقرء على كل حال، وإن كانت آيسة فقال القاضي تطلق واحدة على كل حال لأنه علق طلاقها بصفة يستحيل فيها فلغت ووقع بها الطلاق كما لو قال لها: أنت طالق للبدعة، وإذا طلقت الحامل في حال حملها بانت بوصفه لأن عدتها تنقضي به فلم يلحقها طلاق آخر فان استأنف أو راجعها قبل وضع حملها ثم طهرت من النفاس طلقت أخرى ثم إذا حاضت ثم طهرت وقعت الثالثة (فصل) فإن قال أنت طالق للسنة ان كان الطلاق يقع عليك للسنة وهي في زمن السنة طلقت بوجود الصفة، وإن لم تكن في زمن السنة انحلت الصفة ولم يقع بحال لأن الشرط ما وجد وكذلك إن قال أنت طالق للبدعة ان كان الطلاق يقع عليك للبدعة، وإن كانت في زمن البدعة وقع، وإلا لم يقع بحال فان كانت ممن لا سنة لطلاقها ولا بدعة فذكر القاضي فيها احتمالين (أحدهما) لا يقع في المسئلتين لأن الصفة ما وجدت فأشبه ما لو قال: أنت طالق إن كنت هاشمية ولم تكن كذلك.

(والثاني) تطلق لأنه شرط لوقوع الطلقة شرطاً مستحيلاً فلغى ووقع الطلاق، والأول أشبه، وللشافعي وجهان كهذين.

  • (مسألة) * (وإن قال أنت طالق أحسن الطلاق أو أجمله فهو كقوله أنت طالق للسنة) وكذلك إن قال أعدله أو أكمله أو أتمه أو أو فضله أو طلقة جليلة أو سنية، فكذلك كله عبارة عن طلاق السنة، وبه قال الشافعي وقال محمد بن الحسن إذا قال أعدل الطلاق أو أحسنه كقولنا، وإن قال سنته أو أعدله وقع الطلاق في الحال لأن الطلاق لا يتصف بالوقت والسنة والبدعة وقت، فإذا وصفها بما لا تتصف به سقطت الصفة كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة رجعية، أو قال لها أنت طالق للسنة أو للبدعة.
    ولنا أن ذلك عبارة عن طلاق السنة ويصح وصف الطلاق بالسنة والحسن لكونه في ذلك الوقت موافقاً للسنة مطابقاً للشرع فهو كقوله أحسن، وفارق قوله طلقة رجعية، لأن الرجعية لا تكون إلا في عدة ولا عدة لها فلا يحصل ذلك بقوله فإن قال نويت بقولي أعدل الطلاق وقوعه في زمان الحيض لأنه أشبه بأخلاقها القبيحة ولم أرد الوقت وكانت في الحيض وقع الطلاق لأنه اقرار على نفسه بما فيه تغليظ، وإن كانت في حال السنة دين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم؟ على وجهين فيما تقدم.
فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل