الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 152-191
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ليلتين رواه الدارقطني واحتج به أحمد ولأن الحرة يجب تسليمها ليلا ونهارا فكان حظها الإيواء ويخالف النفقة والسكنى فانه مقدر بالحاجة وحاجتها كحاجة الحرة وأما قسم الابتداء فإنما شرع ليزول الاحتشام من كل واحد منهما من صاحبه ولا يختلفان في ذلك وفي مسئلتنا يقسم لهما ليتساوى حظهما (فصل) والمسلمة والكتابية سواء في القسم فلو كان له امرأتان أمة مسلمة وحرة كتابية قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين وإن كانتا جميعاً حرتين فليلة وليلة قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء كذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعي والنخعي والزهري والحكم وحماد ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن القسم من حقوق الزوجية فاستوت فيه المسلمة والكتابية كالنفقة والسكنى ويفارق الأمة لأن الأمة لا يتم تسليمها ولا يحتمل لها الايواء التام بخلاف الكتابية (فصل) فإن أعتقت الأمة في ابتداء مدتها أضاف الى ليلتها ليلة أخرى لتساوي الحرة وإن كان بعد انقضاء مدتها استؤنف القسم متساوياً ولم يقض لها ما مضى لأن الحرية حصلت لها بعد استيفاء حقها وإن عتقت قسم للحرة ليلة لم يزدها على ذلك لأنهما تساويا فسوى بينهما (فصل) والحق في القسم للامة دون سيدها فلها أن تهب ليلتها لزوجها ولبعض ضرائرها كالحرة وليس لسيدها الاعتراض عليها ولا أن يهبه دونها لان الابواء والسكن حق لها دون سيدها فملكت

اسقاطه، وذكر القاضي أن قياس قول أحمد أنه يستأذن سيد الأمة في العزل عنها أن لا يجوز هبتها لحقها من القسم إلا باذنه، وهذا لا يصح لأن الوطئ لا يتناوله القسم فلم يكن للمولى فيه حق ولأن المطالبة بالفيئة للأمة دون سيدها وفسخ النكاح بالجب والعنة لها دون سيدها فلا وجه لإثبات الحق له ههنا (فصل) ويقسم المريض والمجبوب والعنين والخصي وبذلك قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي لأن القسم للأنس وذلك حاصل ممن لا توطأ وقد روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول " أين أنا غداً أين أنا غداً " رواه البخاري، فإن شق عليه ذلك استأذنهن في الكون عند إحداهن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى النساء فاجتمعن قال " إني لا أستطيع أن أدور بينكن فإن رأيتن أن تأذن لي فأكون عند عائشة فعلتن " فأذن له رواه أبو داود.
فإن لم يأذن له أقام عند احداهن بالقرعة أو اعتزلهن جميعاً إن أحب، فإن كان الزوج مجنونا لا يخاف منه طاف به الولى عليهن وإن كان يخاف منه فلا قسم عليه لأنه لا يحصل منه أنس ولا فائدة فإن لم يعدل الولي في القسم بينهن ثم أفاق المجنون فعليه أن يقضي للمظلومة لأنه حق ثبت في ذمة فلزمه إيفاؤه حال الافاقة كالمال * (مسألة) * (ويقسم للحائض والنفساء والمريضة والمعيبة والمحرمة والصغيرة الممكن وطؤها وكلهن سواء في القسم) وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وكذلك التي ظاهر منها لأن القصد الايواء والسكن والأنس وهو حاصل لهن، فأما المجنونة فإن كانت لا يخاف منها فهي كالعاقلة، وإن خاف منها فلا قسم لها لأنه لا يأمنها على نفسه ولا يحصل لها أنس ولا بها * (مسألة) * (فان دخل في ليلتها الى غيرها لم يجز إلا لحاجة داعية فإن لم يلبث لم يقض وإن لبث أو جامع لزمه أن يقضي لها ذلك من حق الأخرى) وجملة ذلك أنه إذا دخل في زمنها الى ضرتها فإن كان ليلاً لم يجز إلا لضرورة مثل أن يكون منزولاً بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه أو ما لابد منه فإن فعل ولم يلبث أن خرج لم يقض وإن أقام وبرأت المرأة المريضة قضى للأخرى من ليلتها بقدر ما أقام عندها، وإن دخل لحاجة غير ضرورية أثم والحكم في القضاء كما لو دخل لضرورة لأنه لا فائدة في قضاء اليسير، وإن دخل عليها فجامعها في الزمن اليسير ففيه وجهان (أحدهما) لا يلزمه قضاؤه لان الوطئ لا يستحق في القسم والزمن اليسير لا يقضى (والثاني) يلزمه أن يقضيه وهو أن يدخل على المظلومة في ليلة المجامعة فيجامعها ليعدل بينهما وهذا هو الصحيح لأن اليسير مع الجماع أشق على ضرتها وأغبط لها من الكثير من غير جماع فكان وجوب قضائه أولى، فإما الدخول الى المرأة في يوم غيرها في النهار فيجوز للحاجة من دفع النفقة أو عيادة أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته أو زيارتها لعبد عهده بها فيجوز لذلك ولما روت عائشة قالت كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علي في يوم غيري فينال مني كل شئ إلا الجماع، وإذا دخل عليها لم يجامعها ولم يطل عندها لأن السكن يحصل بذلك وهي لا تستحقه، وفي الاستمتاع منها بما دون الفرج وجهان (أحدهما) يجوز لحديث عائشة (والثاني) لا يجوز لأنه يحصل به السكن فأشبه الجماع فإن أطال المقام عندها قضاه وإن جامعها في الزمن اليسير ففيه وجهان على ما ذكرنا ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا إلا أنه لا يقضي إذا جامع في النهار.
ولنا أنه زمن يقضيه إذا طال المقام فيقضيه إذا جامع كالليل (فصل) فإن خرج من عند بعض نسائه في زمانها فان كان في النهار أو أول الليل أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه والخروج الى الصلاة جاز فإن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء ولصلاة الفجر قبل طلوعه، وأما النهار فهو للمعاش والانتشار، وإن خرج في غير ذلك ولم يلبث أن عاد لم يقض لها لأنه لا فائدة في قضاء ذلك وإن أقام قضاه لها سواء كانت إقامته لعذر من شغل أو حبس أو لغير عذر لأن حقها قد فات بغيبته عنها، وإن أحب أن يجعل قضاءه لذلك غيبته عن الأخرى مثل ما غاب عن هذه جاز لأن التسوية تحصل بذلك ولأنه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق كل واحدة منهما فبعضها أولى، ويستحب أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت لأنه أبلغ في المماثلة والقضاء يعتبر فيه المماثلة كقضاء العبادات والحقوق، وإن قضاه من غيره من الليل مثل أن فاته في أول الليل فقضاه في

آخره أو بالعكس جاز في أحد الوجهين لأنه قد قضى بقدر ما فاته من الليل والآخر لا يجوز لعدم المماثلة.
إذا ثبت هذا فإنه لا يمكن قضاؤه كله من ليلة الأخرى لئلا يفوت حق الأخرى فيحتاج الى قضاء، ولكن إما أن ينفرد بنفسه في ليلة فيقضي منها وأما أن يقسم ليلة بينهن ويفضل هذه بقدر ما فات من حقها وله أن يترك من ليلة كل واحدة مثل ما فات من ليلة هذه، وأما أن يقسم المتروك بينهما مثل أن يترك من ليلة احداهما ساعتين فيقضي لها من ليلة الأخرى ساعة فيصير الفائت على كل واحدة منهما ساعة (فصل) والأولى أن يكون لكل واحدة من نسائه مسكن يأتيها فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم هكذا ولأنه أصون لهن واستر حتى لا يخرجن من بيوتهن، فإن اتخذ لنفسه منزلاً يدعو إليه كل واحدة منهن في ليلتها ويومها جاز ذلك لأن الرجل ينقل زوجته حيث شاء ومن امتنعت منهن من إجابته سقط حقها من القسم لنشوزها، وإن اختار أن يقصد بعضهن في منازلهن ويستدعي البعض كان له ذلك لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء، وإن حبس الزوج فأحب القسم بين نسائه بأن يستدعي كل واحدة في ليلتها فعليهن طاعته إن كان ذلك سكنى مثلهن وإن لم يكن لم يلزمهن إجابته لأن عليهن في ذلك ضرراً، وإن أطعنه لم يكن له أن يترك العدل بينهن ولا استدعاء بعضهن دون بعض كما في غير الحبس (فصل) ويقسم بين نسائه ليلة ليلة فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز إلا برضاهن، وقال القاضي

له أن يقسم ليلة ليلة وليلتين ليلتين وثلاثا ثلاثا ولا تجوز الزيادة على ذلك إلا برضاهن، والأولى مع هذه ليلة وهذه ليلة لأنه أقرب لعهدهن به، ويجوز الثلاث لأنها في حد القلة فهي كالليلة وهذا مذهب الشافعي ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قسم ليلة ليلة ولأن التسوية واجبة وإنما جوزنا البداية بواحدة لتعذر الجمع فإذا بات عند إحداهن ليلة بقيت الليلة الثانية حقاً للأخرى فلم يجز جعلها للأولى بغير رضاها ولانه تأخير لحقوق بعضهن فلم يجز بغير رضاهن كالزيادة على الثلاث ولأنه إذا كان له أربع نسوة فجعل لكل واحدة ثلاثا حصل تأخير الأخيرة في تسع ليال وذلك كثير فلم يجز كما لو كان له امرأتان فأراد أن يجعل لكل واحدة تسعا ولأن للتأخير عليها ضرر فان لم يفعل فلا يجوز مع إمكان التعجيل بغير رضا المستحق كتأخير الدين الحال، والتحديد بالثلاث تحكم لا يسمع من غير دليل وكونه في حد القلة لا يوجب جواز تأخير الحق كالديون الحالة وسائر الحقوق (فصل) فإن كانت امرأتاه في بلدين فعليه العدل بينهما لأنه اختار المباعدة بينهما فلا يسقط حقهما عنه بذلك فإما أن يمضي الى الغائبة في أيامها وإما أن يقدمها إليه فيجمع بينهما في بلد واحد فإن امتنعت من القدوم مع الامكان سقط حقها لنشوزها، وإن أحب القسم بينهما في بلديهما لم يمكن

أن يقسم ليلة وليلة فيجعل المدة بحسب ما يمكن كشهر وشهر أو أكثر أو أقل على حسب ما يمكنه وعلى حسب تقارب البلدين وتباعدهما (فصل) فإن قسم ثم جاء ليقسم للثانية فأغلقت الباب دونه أو منعته من الاستمتاع بها أو قالت لا تدخل علي ولا تبيت عندي أو ادعت الطلاق سقط حقها من القسم فإن عادت بعد ذلك إلى المطاوعة استأنف القسم بينهما ولم يقض للناشز لأنها اسقطت حق نفسها، فإن كان له أربع نسوة فأقام عند ثلاث منهن ثلاثين ليلة لزمه أن يقيم عند الرابعة عشراً لتساويهن فإن نشزت إحداهن عليه وظلم واحدة فلم يقسم لها ثلاثا وللناشز ليلة خمسة أدوار فيكمل للمظلومة خمس عشرة ليلة ويحصل للناشز خمسة ثم يستأنف القسم بين الجميع، فإن كان له ثلاث نسوة فقسم بين اثنتين ثلاثين ليلة وظلم الثالثة ثم تزوج جديدة ثم أراد أن يقضي للمظلومة فانه يخص الجديدة بسبع إن كانت بكراً وثلاث إن كانت ثيبا ثم يقسم بينها وبين المظلومة خمسة أدوار على ما قدمنا للمظلومة من كل دور ثلاثا وواحدة للجديدة * (مسألة) * (وإن أراد النقلة من بلد إلى بلد وأخذ إحداهن معه والأخرى مع غيره لم يجز إلا بقرعة) وجملة ذلك أن الزوج إذا أراد الانتقال بنسائه الى بلد آخر فأمكنه استصحاب الكل في سفره فعل وليس له إفراد إحداهن به لأن هذا السفر لا يختص بواحدة بل يحتاج إلى نقل جميعهن، فإن خص

إحداهن قضى للباقيات كالحاضر فان لم يمكنه الجمع أو شق عليه ذلك وبعث بهن جميعاً مع غيره ممن هو محرم لهن جاز ولا يقضي لأحد ولا يحتاج إلى قرعة لأنه سوى بينهن، وإن أراد افراد بعضهن بالسفر معه لم يجز إلا بقرعة فإذا وصل إلى البلد الذي انتقل إليه فأقامت معه فيه قضي للباقيات مدة كونها معه في البلد خاصة لأنه صار مقيماً وانقطع حكم السفر عنه * (مسألة) * (ومتى سافر بها بقرعة لم يقض وإن كان بغير قرعة لزمه القضاء للأخرى) وجملة ذلك أن الزوج إذا أراد سفراً فأحب حمل نسائه كلهن معه أو تركهن كلهن لم يحتج إلى قرعة، لأن القرعة لتعيين المخصوصة منهن بالسفر وههنا قد سوى، وإن أراد السفر ببعضهن لم يجز له ذلك إلا بقرعة، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن مالك أن له ذلك كن غير قرعة وليس بصحيح فإن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، متفق عليه ولأن في المسافرة ببعضهن من غير قرعة تفضيلاً لها وميلاً إليها فلم يجز بغير قرعة كالبداية بها في القسم، وإن أحب المسافرة بأكثر من واحدة أقرع أيضاً فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فصارت القرعة لعائشة وحفصة، رواه البخاري.
ومتى سافر بأكثر من واحدة سوى بينهن كما يسوي بينهن في الحضر ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد

قدومه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن داود أنه يقضي لقول الله تعالى (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ولنا أن عائشة لم تذكر قضاء في حديثها، ولأن هذه التي سافر بها يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما حصل من السكن مثل ما يحصل في الحضر فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة كل الميل لكن إن كان مسافراً بإحداهن بغير قرعة أثم وقضى للبواقي بعد سفره وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك لا يقضي لأن قسم الحضر ليس بمثل قسم السفر فيتعذر القضاء.
ولنا أنه خص بعضهن بمدة على وجه تلحقه التهمة فيه فلزمه القضاء كما لو كان حاضراً.
إذا ثبت هذا فينبغي أن لا يلزمه قضاء المدة وإنما يقضي منها ما أقام منها بمبيت ونحوه فأما زمان السير فلم يحصل لها منه إلا المشقة والتعب فلو جعل للحاضرة في مقابلة ذلك مبيتاً عندها واستمتاعاً بها لمال كل الميل.
(فصل) فإن خرجت القرعة لاحداهن لم يجب عليه السفر بها وله تركها والسفر وحده لأن القرعة لا توجب وإنما تعين من تستحق التقديم فإن أراد السفر بغيرها لم يجز لأنها تعينت بالقرعة فلم يجز العدول عنها الى غيرها وإن وهبت حقها من ذلك لغيرها جاز إذا رضي الزوج لأن الحق لها فيجوز هبتها له كما لو وهبت ليلتها في الحضر ولا يجوز بغير رضاه كما لو وهبت ليلتها في الحضر وإن وهبته للزوج أو للجميع جاز، وإن امتنعت من السفر معه سقط حقها إذا رضي الزوج، وإن أبى فله اكراهها على السفر معه لما ذكرنا، وإن رضي بذلك استأنف القرعة بين البواقي، وإن رضي الزوجات

كلهن بسفر واحدة معه من غير قرعة جاز لأن الحق لهن إلا أن لا يرضى الزوج ويريد غير من اتفقن عليها فيصار الى القرعة، ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين السفر الطويل والقصير لعموم الخبر والمعنى.
وذكر القاضي احتمالا أنه يقضي للبواقي في السفر القصير لأنه في حكم الإقامة وهو وجه لأصحاب الشافعي ولنا أنه سافر بها بقرعة فلم يقض كالطويل ولو كان في حكم الإقامة لم تجز المسافرة بإحداهن دون الأخرى كما لا يحوز إفراد إحداهن بالقسم دون غيرها، ومتى سافر بإحداهن بقرعة ثم بدا له بعد السفر نحو أن يسافر الى القدس ثم يبدو له فيمضي الى مصر فله استصحابها معه لأنه سفر واحد قد أقرع له فإن أقام في بلدة مدة احدى وعشرين صلاة فما دون لم يحتسب عليه بما لأنه في حكم السفر يجري عليه أحكامه وإن زاد على ذلك قضى الجميع مما أقامه لأنه خرج من حكم السفر وإن أجمع على المقام قضى ما أقامه وإن قل لأنه خرج عن حكم السفر ثم إذا خرج بعد ذلك إلى بلد، أو بلدة أخرى لم يقض ما سافره لأنه في حكم السفر الواحد وقر أقرع له * (مسألة) * (وإن امتنعت من السفر معه أو من المبيت عنده أو سافرت بغير اذنه سقط حقها من القسم) لا نعلم خلافاً في ذلك لأنها عاصية له بمنع نفسها منه فسقط حقها كالناشزة * (مسألة) * (وإن أشخصها هو فهي على حقها من ذلك)

نحو أن يبعثها في حاجته أو يأمرها بالنقلة من بلدها لم يسقط حقها من نفقة ولا قسم لأنها لم تفوت عليه التمكين، ولا فات من جهتها وإنما حصل بتفويته فلم يسقط حقها، كما لو اتلف المشتري المبيع لم يسقط حق البائع من تسليم ثمنه إليه، فعلى هذا يقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها، وإن سافرت معه فهي على حقها منهما جميعاً.

* (مسألة) * (وإن سافرت لحاجتها بإذنه فعلى وجهين)

إذا سافرت المرأة في حاجتها بإذن زوجها لتجارة لها أو زيارة أو حج تطوع أو عمرة لم يبق لها حق في نفقة ولا قسم في أحد الوجهين، هذا الذي ذكره الخرقي والقاضي، وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر انها لا تسقط، وهو قول الشافعي لأنها سافرت بإذنه أشبه ما لو سافرت معه، ووجه الأول أن القسم للأنس والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها فسقط كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها، وفارق ما إذا سافرت معه لأنه لم يتعذر ذلك ويحتمل أن يسقط القسم وجهاً واحداً لأنه لو سافر عنها لسقط قسمها والتعذر من جهته فإذا تعذر من جهتها بسفر كان أولى ويكون في النفقة الوجهان

  • (مسألة) * (وللمرأة أن تهب حقها من القسم لبعض ضرائرها بإذنه أو له فيجعله لمن شاء منهن) لأن الحق لها وللزوج فإذا رضيت هي والزوج جاز لأن الحق لا يخرج عنهما فإن أبت الموهوبة

قبول الهبة لم يكن لها ذلك لأن حق الزوج في الاستمتاع ثابت في كل وقت انما منعته المزاحمة لحق صاحبتها فإذا زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت لما لو كانت منفردة، وقد ثبت ان سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، متفق عليه ونحو ذلك في جميع الزمان وفي بعضه فإن سودة وهبت يومها في جميع زمانها، وروى ابن ماجة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية بنت حيي في شئ فقالت صفية لعائشة هل لك أن ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي؟ فأخذت خماراً مصبوغاً بزعفران فرشته ليفوح ريحه ثم اختمرت به وقعدت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إليك يا عائشة إنه ليس يومك " قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأخبرته بالأمر فرضي عنها إذا ثبت هذا فإن وهبت ليلتها لجميع ضرائرها صار القسم بينهن كما لو طلق الواهبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء لأنه لا ضرر على الباقيات في ذلك إن شاء جعله للجميع وإن شاء خص بها واحدة منهن وإن شاء جعل لبعضهن فيها أكثر من بعض، وإن وهبتها لواحدة كفعل سودة جاز ثم إن كانت تلي ليلة الموهوبة والى بينهما، وإن كانت لا تليها لم يجز له الموالاة بينهما إلا برضا الباقيات ويجعلها لها في الوقت الذي كان للواهبة لان الموهوبة قامت مقام الواهبة في ليلتها فلم يجز تغييرها عن موضعها

كما لو كانت باقية للواهبة ولأن في ذلك تأخيراً لحق غيرها وتغييراً لليلتها بغير رضاها فلم يجز، وكذلك الحكم اذا وهبتها الزوج فآثر بها امرأة منهن بعينها، وفيه وجه آخر أنه لا يجوز الموالاة بين الليلتين لعدم الفائدة في التفريق والأول أصح وقد ذكرنا فيه فائدة فلا يجوز اطراحها * (مسألة) * (فمتى رجعت في الهبة عاد حقها ولها ذلك في المستقبل لأنها هبة لم تقبض وليس لها الرجوع فيها مضى) لأنه بمنزلة المقبوض، ولو رجعت في بعض الليل كان على الزوج أن ينتقل إليها فإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئاً لأن التفريط منها (فصل) فإن بذلت ليلتها بمال لم يصح لأن حقها في كون الزوج عندها وليس ذلك بمال فلا يجوز مقابلته بمال فإذا أخذت عليه مالاً لزمها رده وعليه أن يقضي لها لأنها تركته بشرط العوض ولم يسلم لها فإن كان عوضها غير المال مثل إرضاء زوجها عنها أو غيره جاز لأن عائشة أرضت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفية وأخذت يومها وأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره * (مسألة) * (ولا قسم عليه في ملك اليمين وله الاستمتاع بهن كيف شاء) ومن له نساء وإماء فله الدخول على الاماء كيف شاء والاستمتاع بهن إن شاء كالنساء، وإن شاء أقل وإن شاء أكثر، وإن شاء ساوى بين الاماء وإن شاء فضل، وإن شاء استمتع ببعضهن دون بعض، بدليل قول تعالى (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة فلم يقسم لهما ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع ولذلك لا يثبت لها الخيار بجب السيد ولاعنته ولا يضرب لها مدة الإيلاء * (مسألة) * (ويستحب التسوية بينهن لئلا يضر ببعضهن وأن لا يعضلهن إن لم يرد الاستمتاع بهن) إذا احتاجت الأمة الى النكاح وجب عليه إعفافها إما بوطئها أو تزويجها أو بيعها * (فصل) * قال رحمه الله (وإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً ثم دار) متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة قطع الدور وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً ولا يقضيها

للباقيات، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً ولا يقضيها إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعاً فإنه يقيمها عندها ويقضي الجميع للباقيات.
روى ذلك عن أنس وبه قال الشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو عبيدة وابن المنذر.
وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وخلاس بن عمرو ونافع مولى ابن عمر: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان ونحوه قال الأوزاعي، وقال الحكم وحماد وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة في القسم فإن أقام عندها قضاه للباقيات لأنه فضلها بمدة فوجب قضاؤها كما لو أقام عند الثيب سبعاً.
ولنا ما روى أبو قلابة عن أنس قال من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم، قال ابو قلابة ولو شئت لقلت إن أنساً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه.
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثاً وقال " ليس بك على اهلك هو ان إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي " رواه مسلم، وفي لفظ " وإن شئت ثلثت ثم درت " وفي لفظ رواه الدارقطني " إن شئت أقمت ثلاثاً خالصة لك وإن شئت سبعت لك ثم سبعت لنسائي " وهذا يمنع قياسهم ويقدم عليه قال ابن عبد البر الأحاديث المرفوعة في هذا الباب على ما قلناه، وليس مع ما خالفنا حديث مرفوع والحجة مع من أدلى بالسنة.
(فصل) والأمة والحرة في هذا سواء ولأصحاب الشافعي في هذا ثلاثة أوجه (أحدها) كقولنا (والثاني) الأمة على النصف من الحرة كسائر القسم (والثالث) للبكر من الاماء أربع وللثيب ليلتان تكميلاً لبعض الليلة.
ولنا عموم قوله عليه السلام " للبكر سبع وللثيب ثلاث " ولانه يراد للأنس وإزالة الاحتشام والأمة والحرة سواء في الاحتياج الى ذلك فاستويا فيه كالنفقة

  • (مسألة) * (وإن زفت إليه امرأتان قدمت السابقة منهما ثم أقام عند الأخرى ثم دار وإن زفتا معا قدم إحداهما بالقرعة ثم أقام عند الأخرى) يكره أن تزف إليه امرأتان في ليلة واحدة أو في مدة عقد إحداهما لأنه لا يمكنه أن يوفيهما وتستضر التي لا يوفيها حقها، فإن دخلت إحداهما إليه قبل الأخرى بدأ بها فوفهاها حقها ثم عاد فوفى الثانية ثم ابتدأ القسم، وإن زفت الثانية في أثناء مدة العقد أتمه للأولى ثم قضى حق الثانية وإن دخلتا عليه جميعاً في مكان واحد أقرع بينهما وقدم من خرجت لها القرعة منهما ثم وفي للأخرى بعدها (فصل) وإذا كان عنده امرأتان فبات عند احداهما ليلة ثم تزوج ثالثة قبل ليلة الثانية قدم المزفوفة بلياليها لأن حقها آكد لأنه ثبت بالعقد وحق الثانية ثبت بفعله فإذا قضى حق الجديدة بدأ بالثانية فوفاها ليلتها ثم ثبت عند الجديدة ثم يبتدئ انقسم وذكر القاضي أنه إذا وفى الثانية ليلتها بات عند الجديدة نصف ليلة ثم يبتدئ القسم لأن الليلة التي يوفيها الثانية نصفها من حقها ونصفها من حق الأخرى فيثبت للجديدة في مقابلة ذلك نصف ليلة بازاء حصل لكل واحدة من ضرتها وعلى هذا القول يحتاج أن ينفرد بنفسه في نصف ليلة وفيه حرج فإنه ربما لا يجد مكاناً ينفرد فيه أو لا يقدر على الخروج إليه في نصف الليلة أو المجئ منه وفيما ذكرناه من البداية بها بعد الثانية وفاء حقها بدون هذا الحرج فيكون أولى إن شاء الله تعالى * (مسألة) * (وإن أراد السفر فخرجت القرعة لأحداهما سافر بها ودخل حق العقد في قسم السفر فإذا قدم بدأ بالأخرى فوفاها حق العقد) إذا تزوج امرأتين وعزم على السفر أقرع بينهما فسافر بالتي تخرج لها القرعة ويدخل حق العقد في قسم السفر فإذا قدم قضى للثانية حق العقد في أحد الوجهين لأنه حق وجب لها قبل سفره لم يؤده إليها فلزمه قضاؤه كما لو لم يسافر بالأخرى معه (والثاني) لا يقضيه لئلا يكون تفضيلاً لها على التي سافر بها لأنه لا يحصل للمسافرة من الإيواء والسكن والمبيت عندها مثل ما يحصل في الحضر فيكون ميلاً

فيتعذر قضاؤه فإن قدم من سفره قبل مضي مدة ينقضي فيها حق عقد الأولى أتمة في الحضر وقضى للحاضرة مثله وجهاً واحداً وفيما زاد الوجهان، ويحتمل في المسألة وجهاً ثالثاً وهو أن يستأنف حق العقد لكل واحدة منهما ولا يحتسب على المسافرة بمدة سفرها كما لا يحتسب به عليها فيما عدا حق العقد وهذا أقرب الى الصواب من إسقاط حق العقد الواجب بالشرع بغير مسقط (فصل) فإن كانت له امرأة فتزوج أخرى وأراد السفر بهما جميعاً قسم للجديدة سبعاً إن كانت بكراً وثلاثاً إن كانت ثيبا ثم يقسم بعد ذلك بينهما وبين القديمة وإن أراد السفر بإحداهما أقرع بينهما فإن خرجت قرعة الجديدة سافرت معه ودخل حق العقد لأنه سافر بعد وجوبه عليه * (مسألة) * (وإن طلق إحدى نسائه في ليلتها أتم لأنه فوت حقها الواجب لها فإن عادت إليه برجعة أو نكاح قضى لها لأنه قدر على إيفاء حقها فلزمه كالمعسر إذا أيسر بالدين

  • (مسألة) * (وله أن يخرج في نهار ليل القسم لمعاشه وقضاء حقوق الناس) لقوله تعالى (وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) وقال تعالى (وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار.
    وحكم السبعة والثلاثة التي يقيمها عند المزفوفة حكم سائر القسم فيما ذكرنا فإن تعذر عليه المقام عندها ليلاً لشغل أو حبس أو ترك ذلك لغير عذر قضاه لها وله الخروج الى صلاة الجماعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الجماعة لذلك ويخرج لما لابد له منه فإن أطال قضاه ولا يقضي اليسير * (فصل في النشوز) * وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها من طاعته مأخوذ من النشز وهو الارتفاع فكأنها أرتفعت وتعالت عما وجب عليها من طاعته * (مسألة) * (فمتى ظهرت منها إمارات النشوز بأن لا تحبيبه إلى الاستمتاع أو تحبيبه متبرمة ومتكرهة وعظها فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ما دون ثلاثة أيام فإن أصرت فله أن يضربها ضرباً غير مبرح) متى ظهرت من المرأة امارات النشوز مثل أن تتثاقل وتدافع إذا دعاها ولا تصير إليه إلا بتكره ودمدمة فإنه يعظها فيخوفها الله سبحانه ويذكر ما أوجب الله له عليها من الحق والطاعة وما يلحقها من الاثم بالمخالفة والمعصية وما يسقط بذلك من النفقة والكسوة وما يباح له من هجرها وضربها لقول الله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) فإن أظهرت النشوز وهو أن تعصيه وتمتنع من فراشه او تخرج من منزله بغير إذنه فله أن يهجرها في المضجع ما شاء لقول الله تعالى (واهجروهن في المضاجع) قال ابن عباس لا تضاجعها في فراشك فأما الهجران في الكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " وظاهر كلام الخرقي أنه ليس له ضربها في النشوز في أول مرة وقد روي عن أحمد إن عصت المرأة زوجها فله ضربها ضرباً غير مبرح ظاهر هذا إباحة ضربها لقول الله تعالى (واضربوهن) ولأنها صرحت بالمنع فكان له ضربها كما لو أصرت ولأن عقوبات المعاصي لا تختلف بالتكرار وعدمه كالحدود، ووجه قول الخرقي أن المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل كمن هجم عليه منزله فأراد إخراجه، وأما قوله (واللاتي تخافون نشوزهن) الآية ففيها اضمار تقديره واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن اصررن فاضربوهن كما قال سبحانه (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ولا خلاف أنه لا يضر بها لخوف النشوز قبل اظهاره وللشافعي قولان كهذين فإذا لم ترتدع بالهجر والوعظ فله ضربها لقول الله تعالى (واضربوهن) وقال النبي صلى الله عليه

وسلم " إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح " رواه مسلم ومعنى غير مبرح أي ليس بالشديد قال الخلال سألت أحمد بن يحيى عن قوله ضرباً غير مبرح قال غير شديد وعليه أن يجتنب الوجه المواضع المخوفة لأن المقصود التأديب لا الإتلاف وقد روى أبو داود عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال " إن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " وروى عبد الله بن زمعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم " ولا يزيد في ضربها على عشرة أصوات لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " متفق عليه (فصل) وله تأديبها على ترك فرائض الله تعالى وقال في الرجل له امرأة لا تصلي يضربها ضربا رفيقا غير مبرح وقال علي في تفسير قوله تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) قال علموهم أدبوهم وروى الحلال باسناده عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله عبداً علق في بيته سوطاً يؤدب أهله " فإن لم تصلي فقد قال أحمد: أخشى أن لا يحل لرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي ولا تغتسل من الجنابة ولا تتعلم القرآن قال أحمد في الرجل يضرب امرأته لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم يضربها؟ والأصل في هذا ما روى الأشعث عن عمر أنه قال يا أشعث احفظ عني شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسألن رجلاً فيما ضرب امرأته " رواه أبو داود لأنه قد يضربها لأجل الفراش فإن أخبر بذلك استحيا وإن أخبر بغيره كذب (فصل) وإن خافت المرأة نشوز زوجها واعراضه عنها لرغبته عنها لمرض بها أو كبر أو دمامة فلا بأس أن تضع عنه بعض حقوقها لتسترضيه بذلك لقوله تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) وروي البخاري عن عائشة (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) قالت هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج عليها تقول له امسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي وعن عائشة أن سودة

بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله يومي لعائشة فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قالت ففي ذلك أنزل الله جل شأنه وفي أشباهها أراه قال (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) رواه أبو داود ومتى صالحت على ترك شئ من قسمها أو نفقتها أو على ذلك كله جاز فإن رجعت فلها ذلك قال أحمد في الرجل يعيب على امرأته فيقول لها إن رضيت على هذا وإلا فأنت أعلم فتقول قد رضيت فهو جائز فإن شاءت رجعت * (مسألة) * (فإن ادعى كل واحد منهما ظلم صاحبه له اسكنهما الحاكم الى جانب ثقة يشرف عليهما ويلزمهما الانصاف) وجملة ذلك أن الزوجين إذا وقع بينهما شقاق نظر الحاكم فإن كان من المرأة فهو نشوز وقد ذكرناه وإن بان أنه من الرجل اسكنهما الى جنب ثقة يمنعه من الإضرار بها والتعدي عليها وكذلك إن بان من كل واحد منهما تعد او إدعى كل واحد منهما أن الآخر ظلمه اسكنهما الى جنب من يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف لأن ذلك طريق الإنصاف فتعين فعله كالحكم بالحق * (مسألة) * (فإن خرجا إلى الشقاق والعداوة بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين) والأولى أن يكونا من أهلهما للآية بتوكيلهما ورضاهما فيكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جمع بينهما أو تفريق بطلاق أو خلع فما فعلا من ذلك لزمهما والأصل في ذلك قوله سبحانه (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) * (مسألة) * (فإن امتنعا من ذلك لم يجبرا عليه وعنه إن الزوج إن وكل في الطلاق بعوض أو وكلت المرأة في بذل العوض وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الحكمين ففي إحدى الروايتين عنه أنهما وكيلان لهما ولا يملكان التفريق إلا باذنهما وهذا مذهب عطاء وأحد قولي الشافعي، وحكي عن الحسن وأبي حنيفة لأن البضع حقه والمال حقها وهما رشيدان فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما أو ولاية عليهما (والثانية) أنهما حاكمان ولهما أن يفعلا ما يريان من جمع وتفريق بعوض وغير عوض ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما، روي نحو ذلك عن علي وابن عباس وأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي

والنخعي وسعيد بن جبير ومالك والاوزاعي وإسحاق وابن المنذر لقول الله تعالى (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فسماهما حكمين ولم يعتبر رضى الزوجين ثم قال (إن يريدا إصلاحا) فخاطب الحكمين، بذلك، وروى أبو بكر باسناده عن عبيدة السلماني أن رجلا وامرأة أتيا علياً مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال علي ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فبعثوا حاكمين ثم قال علي للحاكمين هل تدريان ما عليكما، من الحق؟ عليكما، من الحق إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة رضيت بكتاب الله على ولي.
فقال الرجل أما الفرقة فلا، فقال علي كذبت حتى ترضى بما رضيت به وهذا يدل على أنه أجبره على ذلك، ويروى أن عقيلاً تزوج فاطمة بنت عقبة فتخاصما فجمعت ثيابها ومضت إلى عثمان فبعث حكماً من أهله عبد الله بن عباس وحكماً من أهلها معاوية، فقال ابن عباس لأفرقن بينهما، وقال معاوية ما كنت لافرق بين شخصين من بني عبد مناف، فلما بلغا الباب كانا قد أغلقا الباب واصطلحا، ولا يمتنع أن تثبت الولاية على الرشيد عند امتناعه من أداء الحق كما يقضى عنه الدين من ماله إذا امتنع ويطلق الحاكم على المولى إذا امتنع (فصل) ولا يكون الحكمان إلا عاقلين بالغين عدلين مسلمين لأن هذه من شروط العدالة سواء قلنا هما حكمان أو وكيلان لأن الوكيل إذا كان متعلقاً بنظر الحاكم لم يجز أن يكون إلا عدلاً كما لو نصب وكيلاً لصبي أو مفلس ويكونان ذكرين لأنه يفتقر الى الرأي والنظر، فقال القاضي ويشترط كونهما حرين وهو مذهب الشافعي لأن العبد عنده لا تقبل شهادته فتكون الحرية من شروط العدالة.
قال شيخنا والأولى أن يقال ان كانا وكيلين لم تعتبر الحرية لأن توكيل العبد جائز وإن كانا حاكمين اعتبرت الحرية لأن الحاكم لا يجوز أن يكون عبداً ويعتبر أن يكونا عالمين بالجمع والتفريق لأنهما يتصرفان في ذلك فيعتبر علمهما به والأولى أن يكونا من أهلهما لأمر الله تعالى بذلك ولأنهما أشفق وأعلم بالحال فإن كانا من غير أهلهما جاز لأن القرابة ليست شرطاً في الحكم ولا الوكالة فكان الأمر بذلك إرشاداً واستحباباً، فإن قلنا هما وكيلان فلا يفعلان شيئاً حتى يأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أو صلح أو تأذن المرأة لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه، فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا، وإن قلنا إنهما حكمان فإنهما يمضيان ما يريانه من طلاق وخلع فينفذ حكمهما عليه رضياه أو أبياه

  • (مسألة) * (فإن غاب الزوجان أو أحدهما لم ينقطع نظر الحكمين على الرواية الأولى وينقطع على الثانية، وإن جنا انقطع نظرهما على الرواية الأولى ولم ينقطع على الثانية) إذ اغاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث الحكمين جاز لهما امضاء رأيهما إن قلنا إنهما وكيلان لأن الوكالة لا تبطل بالغيبة، وإن قلنا إنهما حكمان لم يجز لهما امضاء الحكم لأن كل واحد من الزوجين محكوم له وعليه والقضاء للغائب لا يجوز إلا أن يكونا قد وكلاهما فيفعلان ذلك بحكم الوكيل لا بالحكم، وإن كان أحدهما قد وكل جاز لوكيله فعل ما وكله فيه مع غيبته، وإن جن أحدهما بطل حكم وكيله لأن الوكالة تبطل بجنون الموكل ولا تبطل إذا قلنا انهما حاكمان لأن الحاكم يحكم على المجنون.
    وذكر شيخنا في كتاب المغني أنه لا يجوز له الحكم أيضاً لأن من شرط ذلك بقاء الشقاق وحضور المتداعيين ولا يتحقق ذلك مع الجنون.
    (فصل) فإن شرط الحاكمان شرطاً أو شرطه الزوجان لم يلزم مثل أن يشرطا ترك بعض النفقة والقسم لم يلزم الوفاء به لأنه إذا لم يلزم برضى الموكلين فبرضى الوكيلين أولى، وإن أبرأ وكيل المرأة من الصداق أو دين لها لم يبرأ الزوج إلا في الخلع، وإن أبرأ وكيل الزوج من دين له أو من الرجل.
    إن لم ترض الزوجة لأنهما وكيلان فيما يتعلق بالإصلاح لا في إسقاط الحقوق
  • ﴿كتاب الخلع﴾ * * (مسألة) * (وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وتخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه فلا بأس أن تفتدي نفسها منه) وجملة ذلك أن المرأة إذا كرهت زوجها لخلقه أو خلقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك (وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه على عوض تفتدي به نفسها منه لقول الله تعالى فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما شأنك؟ " قالت لا أنا ولا ثابت فلما جاء ثابت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه حبيبة بنت سهل فذكرت ما شاء الله أن تذكر وقالت حبيبة يا رسول الله كلما أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت ابن قيس " خذ منها " فأخذ منها وجلست في أهلها وهذا حديث صحيح ثابت الإسناد رواه الأئمة مالك واحمد وغيرهما وفي رواية للبخاري قال جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتردين عليه حديقته؟ " قالت نعم فردتها عليه وأمره ففارقها، وفي رواية فقال له " اقبل الحديقة

وطلقها تطليقة ولأن حاجتها داعية الى فرقته ولا تصل إليها إلا ببذل العوض فأبيح لها ذلك كشراء المتاع وبهذا قال جميع الفقهاء بالشام والحجاز قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا خالفه إلا بكر بن عبد الله المزني فإنه لم يجزه وزعم أن آية الخلع منسوخة بقوله سبحانه (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) الآية وروي عن بن سيرين وأبي قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على بطنها رجلاً لقول الله تعالى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ولنا الآية التي تلونا والخبر ولأنه قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف فيكون إجماعاً ودعوى النسخ لا تسمع حتى يثبت تعذر الجمع وأن الآية الناسخة متأخرة ولم يثبت شئ من ذلك إذا ثبت هذا فإنه يسمى خلعاً لأن المرأة ننخلع من لباس زوجها قال الله تعالى (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ويسمى افتداء لأنها تفتدي نفسها بما تبذله قال الله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (فصل) ولا يفتقر الخلع إلى حاكم نص عليه أحمد فقال يجوز الخلع دون السلطان، وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال شريح والزهري ومالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وعن الحسن وابن سيرين لا يجوز إلا عند السلطان

ولنا قول عمر وعثمان ولانه معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الاقالة: (فصل) ولا بأس به في الحيض والطهر الذي أصابها لأن المنع من الطلاق في الحيض لأجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تركهه وتبغضه وذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع اعلاهما بأدناهما ولذلك لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم المختلعة عن حالها ولأن ضرر تطويل العدة عليها والخلع بسؤالها فيكون ذلك رضى منها به ودليلاً على رجحان مصلحتها فيه * (مسألة) * (وإن خالعته لغير ذلك كره ووقع الخلع وعنه لا يجوز) أي ان خالعته مع استقامة الحال كره لها ذلك ويصح الخلع في قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والاوزاعي والشافعي وعن أحمد ما يدل على تحريمه فإنه قال الخلع مثل حديث سهلة تكره الرجل فتعطيه المهر فهذا الخلع وهذا يدل على أنه لا يكون الخلع صحيحاً إلا في هذه الحال وهذا قول ابن المنذر وداود قال إبن المنذر روي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم وذلك لأن

الله تعالى قال (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا الا يقيما حدود الله) وهذا صريح في التحريم إذا لم يخافا الا يقيما حدود الله ثم قال (فإن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فدل بمفهومه على أن الجناح لا حق بهما فيما افتدت من غير خوف ثم غلظ بالوعيد فقال (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) ، وروى ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما باس فحرام عليها رائحة الجنة " رواه أبو داود وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المختلعات والمتبرجات هن المنافقات " رواه أبو حفص وأحمد في المسند وذكره محتجاً به وهذا يدل على تحريم المخالعة من غير حاجة ولأنه اضرار واحتج من أجازه بقوله سبحانه (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) قال إبن المنذر لا يلزم من الجواز في غير عقد الجواز في المعاوضة بدليل الربا حرمه الله في العقد وأجازه في الهبة قال شيخنا والحجة مع من حرمه وخصوص الآية في التحريم يجب تقديمها في عموم آية الجواز مع ما عضدها من الأخبار

* (مسألة) * (فأما إن عضلها لتفدي نفسها منه ففعلت فالخلع باطل والعوض مردود والزوجية بحالها إلا أن يكون طلاقاً فيكون رجعياً)

يعني بعضلها مضاراً بها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفدي نفسها فإن فعلت فالخلع باطل والعوض مردود روي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي

والقاسم بن محمد وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري وبه قال مالك والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وقال أبو حنيفة العقد صحيح والعوض لازم وهو آثم عاص ولنا قول الله تعالى (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) ولانه عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحق كالثمن في البيع والأجر في الإجارة وإذا لم يملك العوض وقلنا الخلع طلاق ووقع الطلاق بغير عوض فإن كان أقل من ثلاث فله رجعتها لأن الرجعة إنما سقطت بالعوض فإذا سقط العوض ثبتت الرجعة.
وان قلنان هو فسخ ولم ينوبه الطلاق لم يقع شئ لأن الخلع بغير عوض لا يقع على إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى إنما رضي بالفسخ ههنا بالعوض فإذا لم يحصل العوض فقال مالك إن أخذ منها شيئاً على هذا الوجه رده ومضى الخلع عليه ويتخرج لنا مثل لك إذا قلنا يصح الخلع بغير عوض فأما إن ضربها على نشوزها أو منعها حقها لم يحرم خلعها لذلك لان لك لا يمنعهما أن لا يخافا الا يقيما حدود الله وفي بعض حديث حبيبة أنها كانت تحت ثابت بن قيس ضربها فكسر ضلعها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فدعى النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً فقال " خذ بعض مالها وفارقها " فعل رواه أبو داود وهكذا لو ضربها ظلماً لسوء خلقه أو غيره لا يريد بذلك أن تفتدي نفسها لم يحرم عليه مخالعتها لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض الذي آتاها ولكن عليه اثم الظلم (فصل) فإن أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت صح الخلع لقول الله تعالى (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) والاستثناء من النهي اباحة ولانها متى زنت لم يأمن أن تلحق به ولداً من غيره وتفسد فراشه فلا تقيم حدود الله في حقه فتدخل في قول الله تعالى (فإن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر لا يجوز لأنه عوض أكرهت عليه أشبه ما لو لم تزن والعمل بالنص أولى * (مسألة) * ويصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه مسلما كان أو ذميا لأنه إذا ملك الطلاق وهو مجرد إسقاط من غير تحصيل شئ فلأن يملكه محصلاً للعوض أولى * (مسألة) * فإن كان محجوراً عليه دفع المال إلى وليه لأن ولي المحجور عليه هو الذي يقبض حقوقه وأمواله وهذا من حقوقه * (مسألة) * (وإن كان عبداً دفع إلى سيده لأنه للسيد لكونه من اكتساب عبده واكتسابه له) وإن كان مكاتبا دفع العوض إليه لأنه يملك اكتسابه وهو الذي يتصرف لنفسه، وقال القاضي يصح القبض من كل من يصح خلعه فعلى قوله يصح قبض العبد والمحجور عليه لأن من صح خلعه صح قبضه للعوض كالمحجور عليه لفلس واحتج بقول أحمد ما ملكه العبد من خلع فهو لسيده وإن استهلكه لم يرجع على الواهب والمختلعة بشئ والمحجور عليه في معنى العبد والأولى أنه لا يجوز لأن العوض في

الخلع لسيد العبد فلا يجوز دفعة الى غير من هو له من غير إذن مالكه والعوض في خلع المحجور عليه ملك له إلا أنه لا يجوز تسليمه إليه لأن الحجر أفاد منعه من التصرف وكلام أحمد محمول على ما أتلفه العقد قبل تسليمه على أن عدم الرجوع عليها لا يلزم منه جواز الدفع إليه فانه لو رجع عليها لرجعت على العبد وتعلق حقها برقبته وهي ملك لسيد فلا فائدة في الرجوع عليها بما يرجع به فيما له وإن سلمت العوض الى المحجور عليه لم يبرأ فإن أخذه الولي منه برئت وإن أتلفه أو تلف كان لوليه الرجوع عليها به * (مسألة) * وهل للأب خلع ابنته الصغير أو طلاقها؟ على روايتين) (إحداهما) له ذلك قال أحمد في رجلين زوج أحدهما ابنه بابنة الآخر وهما صغيران ثم إن الأبوين كرها هل لهما أن يفسخا؟ قال قد اختلف في ذلك وكأنه رآه قال أبو بكر لم يبلغني عن أبي عبد الله في هذه المسألة إلا هذه الرواية فيخرج على قولين (أحدهما) يملك ذلك وهو قول عطاء وقتادة لأنها ولاية يستفيد بها تمليك البضع فجاز أن يملك بها إزالته إذا لم يكن متهماً كالحاكم يملك الطلاق على الصغير والمجنون والاعسار وتزويج الصغير، والقول الآخر لا يملك ذلك وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك لقول

النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " رواه ابن ماجه وعن عمر أنه قال إنما الطلاق لم يحل له الفرج ولانه اسقاط لحقه فلم يملكه كالإبراء من الدين وإسقاط القصاص ولأن طريقه الشهوة فلم يدخل في الآية والقول في زوجة عبده الصغير كالقول في زوجة ابنه الصغير لأنه في معناه فأما غير الأب فليس تطليق امرأة المولى عليه سواء كان ممن يملك التزويج كوطئ الأب والحاكم على قول ابن حامد أو لا يملكه لا نعلم في هذا خلافاً * (مسألة) * (وليس له خلع ابنته الصغيرة بشئ من مالها) لأنه إنما ملك التصرف بمالها فيه الحظ وليس في هذا حظ بل فيه إسقاط نفقتها وكسوتها وبذل مالها ويحتمل أن يملك ذلك إذا رأى الحظ فيه فإنه يجوز أن يكون لها الحظ فيه بتخليصها ممن يتلف مالها وتخاف منه على نفسها وعقلها ولذلك لم يعد بذل المال في الخلع تبذيراً ولا سفها فيجوز له بذل مالها لتحصيل حظها وحظ نفسها ومالها كما يجوز له بذله في مداواتها وفكها من الأسر، وهذا مذهب مالك والاب وغيره من أوليائها في هذا سواء إذا خالعوا في حق المجنونه والمحجور عليها للسفه والصغر فأما ان خالع بشئ من ماله جاز لأنه يجوز من الأجنبي فمن الولي أولى * (مسألة) * (ويصح الخلع مع الزوجة) وقد ذكرناه ويصح مع الاجنبي بغير إذن المرأة مثل أن يقول الأجنبي للزوج طلق امرأتك بألف

علي وهذا قول أكثر أهل العلم وقال أبو ثور لا يصح لأنه سفه فإنه يبذل عوضاً في مقابلة مالا منفعة له فيه فإن الملك لا يحصل له فأشبه ما لو قال بع عبدك لزيد بألف علي ولنا أنه بذل في اسقاط حق عن غيره فصح كما لو قال أعتق عبدك وعلي ثمنه ولأنه لو قال ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه صح ولزمه ثمنه مع أنه لا يسقط حقاً عن أحد فهنا أولى ولانه حق على المرأة يجوز أن يسقطه عنها بعوض فجاز لغيرها كالدين وفارق البيع فإنه تمليك فلا يجوز بغير رضى من ثبت له الملك وإن قال طلق امرأتك بمهرها وأنا ضامن له صح ويرد عليه بمهرها.

* (مسألة) * (ويصح بذل العوض فيه من كل جائز التصرف لأنه بذل عوض في عقد معاوضة أشبه البيع)

(فصل) إذا قالت له امرأته طلقني وضرتي بألف وطلقها وقع الطلاق بهما بائناً واستحق الألف على باذلته لأن الخلع من الأجنبي جائز وإن طلق احداهما فقال القاضي تطلق طلاقاً بائنا وتلزم الباذلة بحصتها من الألف وهذا مذهب الشافعي إلا أن بعضهم قال يلزمها مهر مثل المطلقة.
وقياس قول أصحابنا فيما إذا قالت طلقني ثلاثاً بألف فطلقها واحدة لم يلزمها شئ ووقعت بها التطليقة إنما لا يلزم الباذلة ههنا شئ لأنه لم يجبها الى ما سألت فلم يجب عليها ما بذلت ولأنه قد يكون غرضها في بينونتهما جميعاً منه فإذا طلق احداهما لم يحصل غرضها فلا يلزمها عوضها (فصل) فإن قالت طلقني بألف على أن تطلق ضرتي فالخلع صحيح والشرط والبذل لازم.
قال الشافعي الشرط والعوض باطلان ويرجع إلى مهر المثل لأن الشرط سلف في الطلاق والعوض

نقضه في مقابلة الشرط الباطل فيكون الباقي مجهولاً وقال أبو حنيفة الشرط باطل والعوض صحيح لأن العقد يستقل بذلك العوض.
ولنا أنها بذلت عوضاً في طلاقها وطلاق ضرتها فصح كما لو قالت طلقني وضرتي بألف فإن لم يف لها بشرطها فعليه الأقل من المسمى أو الألف الذي شرطته ويحتمل ألا يستحق شيئاً من العوض لأنها إنما بذلته بشرط لم يوجد فلم يستحقه كما لو طلقها بغير عوض * (مسألة) * (فإن خالعته الأمة على شئ معلوم بغير إذن سيدها كان في ذمتها تتبع به بعد العتق) الخلع مع الأمة صحيح سواء كان بإذن سيدها أو بغير إذنه لا الخلع يصح مع الأجنبي فمع الزوجة أولى ويكون طلاقها على عوض بائناً والخلع معها كالخلع مع الحرة سواء فإن كان الخلع بغير إذن سيدها على شئ في ذمتها فانه يتبعها إذا عتقت لأنه رضي بذمتها وان كان على عين فقال الخرقي إنه يثبت في ذمتها مثله أو قيمته إن لم يكن مثلياً لأنها لا تملك العين وما في يدها من شئ فهو لسيدها فيلزمها كما لو خالعها على عبد فخرج حراً أو مستحقاً وقياس المذهب أنه لا شئ له لأنه إذا خالعها على عين وهو يعلم أنها أمة فقد علم أنها لا تملك العين فيكون راضياً بغير عوض فلا يكون له شئ كما لو قال خالعتك على هذا المغصوب أو هذا الحر وكذلك ذكر القاضي في المجرد فقال هو كالخلع على المغصوب لأنها لا تملكها وهذا قول مالك وقال الشافعي يرجع عليها بمهر المثل كقوله في الخلع على الحر والمغصوب

ويمكن حمل كلام الخرقي على أنها ذكرت لزوجها ان سيدها أذن لها في ذلك ولم تكن صادقة أو جهل أنها لا تملك العين أو يكون اختياره فيما إذا خالعها على مغصوب أنه يرجع عليها بقيمة ويكون الرجوع عليها في حال عتقها لأنه الوقت الذي يملك فيه كالمعسر يرجع عليه في حال يساره ويرجع بقيمته أو مثله لأنه مستحق بعد تسليمه مع بقاء سبب الاستحقاق فوجب الرجوع بمثله أو قيمته كالمغصوب (فصل) فإن كان الخلع بإذن السيد تعلق العوض بذمته في قياس المذهب كما لو أذن لعبده في أن يستدين ويحتمل أن يتعلق برقبة الأمة بناء على استئذانها بإذن سيدها وإن خالعته على معين بإذن السيد فيه ملكه وإن أذن في قدر من المال فخالعت بأكثر منه فالزيادة في ذمتها وإن أطلق الاذن اقتضى الخلع بالمسمى لها فإن خالعت به أو بما دونه لزم السيد وإن كان بأكثر منه تعلقت الزيادة بذمتها كما لو عين لها قدراً فخالعت بأكثر منه وإن كانت مأذوناً لها في التجارة سلمت العوض بما في يدها (فصل) والحكم في المكاتبة كالحكم في الأمة القن سواء لأنها لا تملك التصرف فيما في يدها بتبرع وما لا حظ فيه وبذل المال في الخلع لا فائدة فيه من حيث تحصيل المال بل فيه ضرر بسقوط نفقتها وبعض مهرها إن كانت غير مدخول بها وإذا كان الخلع بغير إذن السيد فالعوض في ذمتها يتبعها به بعد العتق وإن كان بإذن السيد سلمته بما في يدها وإن لم يكن في يدها شئ فهو على سيدها * (مسألة) * (وإن خالعته المحجور عليها لم يصح الخلع ووقع طلاقه رجعياً أما المحجور عليها للفلس فيصح خالعها وبذلها للعوض)

لأن لها ذمة يصح تصرفها فيها ويرجعع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها وليس له مطالبتها في حال حجرها كما لو استدانت منه أو باعها شيئاً في ذمتها وأما المحجور عليها لسفه أو صغر أو جنون فلا يصح بذل العوض منها في الخلع لأنه تصرف في المال وليس هي من أهله وسواء أذن فيه الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الاذن في التبرعات وهذا كالتبرع وفارق الأمة لأنها أهل للتصرف تصح منها الهبة وغيرها من التبرعات بإذن سيدها وتفارق المفلسة لأنها من أهل التصرف فإن خالع المحجور عليها بلفظ يكون طلاقاً فهو طلاق رجعي ولا يستحق عوضاً وإن لم يكن اللفظ مما يقع به الطلاق كان كالخلع بغير عوض.
ويحتمل أن لا يقع الخلع ههنا لأنه إنما رضي به بعوض ولم يحصل له ولا أمكن الرجوع ببذله * (مسألة) * (والخلع طلاق بائن إلا أن يقع بلفظ الخلع أو الفسخ والمفاداة ولا ينوي به الطلاق فيكون فسخاً لا ينقص به عدد الطلاق في إحدى الروايتين (والأخرى) هو طلاق بائن بكل حال) اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع إذا لم ينو به الطلاق فروي عنه أنه فسخ اختاره أبو بكر وروي ذلك عن ابن عباس وطاوس وعكرمة واسحاق وأبي ثور وهو أحد قولي الشافعي وروي عنه أنه طلقة بائنة بكل حال روى ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وقبيصة وشريح ومجاهد وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح ومالك والثوري الأوزاعي وأصحاب الرأي

وقد روي عن عثمان وعلي وابن مسعود لكن ضعف أحمد الحديث قال ليس لنا في الباب شئ أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ، واحتج ابن عباس بقوله تعالى (الطلاق مرتان) ثم قال فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ثم قال (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فذكر تطليقتين والخلع وتطليقة بعدها فلو كان الخلع طلاقاً لكان رابعاً، ولأنه فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكان فسخاً كسائر الفسوخ، ووجه الرواية الثانية أنها بذلت العوض للفرقة والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقاً ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصداً فراقها فكان طلاقاً كغير الخلع، وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا انها طلقة فخالعها مرة حسبت طلقة فنقص بها عدد طلاقه وإن خالعها ثلاثاً لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه وإن خالعها مائة مرد، وهذا لخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه فأما إن بذلت العوض على فراقها فطلقها فهو طلاق لا اختلاف فيه وكذلك إن وقع بغير لفظ الطلاق مثل كنايات الطلاق أو لفظ الخلع أو المفاداة ونوى به الطلاق فهو طلاق أيضاً لأنه كناية نوى بها الطلاق فكانت طلاقاً كما لو كان بغير عوض، وإن لم ينو به الطلاق فهو الذي فيه الروايتان (فصل) والفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح ثلاثة الفاظ: خالعتك لأنه ثبت له

الفرق، والمفاداة لأنه ورد به في القرآن بقوله سبحانه (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) وفسخت نكاحك لأنه حقيقة فيه فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ وقع من غير نية، وما عدا هذه مثل باريتك وابنتك فهو كناية لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فكان له صريح وكناية كالطلاق وهذا قول الشافعي إلا أن له في لفظ الفسخ وجهين فإذا طلبت وبذلت العوض فأجابها بصريح الخلع أو كنايته صح من غير نية لأن دلالة الحال من سؤال الخلع وبذل العوض صارفة إليه فأغنى من النية فيه، وإن لم تكن دلالة حالة فأتى بصريح الخلع وقع من غير نية سواء قلنا هو فسخ أو طلاق، ولا تقع الكناية إلا بنية ممن يلفظ به منهما ككنايات الطلاق مع صريحه (فصل) ولا يحصل الخلع بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوج قال القاضي هذا الذي عليه شيوخنا البغداديون، وقد أومأ إليه أحمد، وذهب أبو حفص العكبري وابن شهاب الى وقوع الفرقة بقبول الزوج للعوض وأفنى بذلك ابن شهاب بعكبر واعترض عليه أبو الحسين بن هرمز واستفتى عليه من كان ببغداد من أصحابنا، فقال ابن شهاب المختلعة على وجهين مستبرئة ومفتدية فالمفتدية هي التي تقول لا أنا ولا أنت ولا أبرئك قسماً وأنا أفدي نفسي منك فإذا قبل الفدية وأخذ المال انفسخ النكاح لأن إسحاق بن منصور روي عن أحمد قال قلت لأحمد كيف الخلع؟ قال: إذا أخذ المال فهي فرقة، وقال إبراهيم النخعي أخذ المال تطليقة بائنة ونحو ذلك عن الحسن وعن علي رضي

الله عنه من قبل مالاً على فراق فهي تطليقة بائنة لا رجعة فيها، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم " أتردين عليه حديقته؟ " قالت نعم ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال " خذ ما أعطيتها ولا تزدد " ولم يستدع منه لفظاً ولأن دلالة الحال تغني عن اللفظ بدليل ما لو دفع ثوبه الى قصار أو خياط معروفين بذلك فعملاه استحقا الأجر وإن لم يشترطا عوضا ولنا أن هذا أحد نوعي الخلع فلم يصح بدون لفظ كما لو سألته أن لا يطلقها بعوض ولأنه تصرف في البضع بعوض فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق ولأن أخذ المال قبض بعوض فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب كقبض أحد العوضين في البيع ولأن الخلع إن كان طلاقاً فلا يقع بدون صريحه أو كنايته وإن كان فسخاً فهو أحد طرفي عقد النكاح، فيعتبر فيه اللفظ كابتداء العقد، فأما حديث جميلة فقد رواه البخاري " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " وهذا صريح في اعتبار اللفظ، وفي رواية فأمره ففارقها ومن لم يذكر الفرقة فإنما اقتصر على بعض القصة بدليل رواية من روى الفرقة والطلاق فإن القصة واحدة والزيادة من الثقة مقبولة ويدل على ذلك أنه قال ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال " خذ ما أعطيتها " فجعل التفريق قبولاً لعوض ونسب التفريق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يباشر التفريق فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ولعل الراوي استغنى بذكر العوض عن ذكر اللفظ لأنه معلوم منه وعلى هذا يحمل كلام أحمد وغيره من الأئمة ولذلك لم يذكروا من جانبها لفظاً ولا دلالة حال ولابد منه اتفاقاً.

* (مسألة) * (ولا يقع بالعدة من الخلع طلاق ولو واجهها به)

وجملة ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق بحال وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح المعين دون الكناية والطلاق المرسل وهو أنه يقول كل امرأة لي طالق وروي ذلك عن سعيد ابن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة " ولنا أنه قول ابن عباس وابن الزبير ولا يعرف لها مخالف في عصرهما ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول والمنقضية عدتها ولأنه لا يملك بضعها فلم يلحق طلاقه كالأجنبية ولأنها لا يقع بها الطلاق المرسل ولا تطلق بالكناية فلم يلحقها الصريح كما قبل الدخول ولا فرق بين أن يواجهها به فيقول أنت طالق أو لا يواجهها به مثل أن يقول فلانه طالق وحديثهم لا يعرف له أصل ولا ذكره أهل السنن (فصل) ولا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا هو فسخ أو طلاق في قول أكثر أهل العلم منهم الحسن وعطاء وطاوس والنخعي والثوري والاوزاعي ومالك والشافعي واسحاق وحكي عن الزهري وسعيد بن المسيب أنهما قالا الزوج بالخيار بين إمساكه العوض ولا رجعة له وبين رده وله الرجعة

وقال أبو ثور إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله الرجعة لأن الرجعة من حقوق الطلاق فلا تسقط بالعوض كالولاء مع العتق وأما قوله سبحانه وتعالى (فيما افتدت) وإنما يكون فداء إذا خرجت عن قبضته وسلطانه وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر وفارق الولاء فإن العتق لا ينفك منه والطلاق ينفك عن الرجعة فيما قبل الدخول وإذا أكمل العدد * (مسألة) * (وإن شرط الرجعة في الخلع لم يصح الشرط في أحد الوجهين وفي الآخر يصح الشرط ويبطل العوض) إذا شرط في الخلع الرجعة فقال ابن حامد يبطل الشرط ويصح الخلع، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك لأن الخلع لا يفسد بكون عوضه فاسداً فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح ولأنه لفظ يقتضي البينونة فإذا شرط الرجعة معه بطل الشرط كالطلاق الثلاث (والوجه الثاني) يصح ويبطل العوض فتثبت الرجعة وهو منصوص الشافعي لأن شرط العوض والرجعة يتنافيان فإذا شرطاهما سقطا وبقي مجرد الطلاق فتثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط ولأنه شرط في العقد ما ينافي مقتضاه فأبطله، كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع، وإذا حكمنا بالصحة فقال القاضي يسقط المسمى في العوض لا به لم يرض به عوضاً حتى ضم إليه الشرط فإذا سقط الشرط وجب ضم النقصان الذي نقصه من أجله إليه فيصير مجهولاً فيسقط ويجب المسمى في العقد، ويحتمل أن يجب المسمى في الخلع لأنهما تراضيا به عوضاً فلم يجب غيره كما لو خلا عن شرط الرجعة

(فصل) نقل مهنا في رجل قالت له امرأته اجعل أمري بيدي فأعطيك عبدي هذا فقبض العبد وجعل أمرها بيدها وباع العبد قبل أن تقول المرأة شيئاً هو له إنما قالت اجعل أمري بيدي وأعطيك فقيل له متى شاءت تختار؟ قال نعم ما لم يطأها أو ينقض فجعل له الرجوع ما لم تطلق وإذا رجع فينبغي أن ترجع عليه بالعوض لانه استرجع ما جعل لها فتسترجع منه ما أعطته، ولو قال إذا جاء رأس الشهر فأمرك بيدك ملك إبطال هذه الصفة لأن هذا يجوز الرجوع فيه لو لم يكن معلقاً فمع التعليق أولى كالوكالة، قال أحمد ولو جعلت له امرأته ألف درهم على أن يخيرها فاختارت الزوج لا يرد عليها شيئاً، ووجهه أن الألف في مقابلة تمليكه إياها الخيار وقد فعل فاستحق الألف وليس الألف في مقابلة الفرقة (فصل) إذا قالت امرأته طلقني بدينار فطلقها ثم أرتدت لزمها الدينار ووقع الطلاق بائناً ولا تؤثر الردة لأنها وجدت بعد البينونة، وإن طلقها بعد ردتها قبل دخوله بها بانت بالردة ولم يقع الطلاق لأنه صادفها بائناً، فإن كان بعد الدخول وقلنا ان الردة ينفسخ بها النكاح في الحال فكذلك، وإن قلنا تقف على القضاء العدة كان الطلاق مراعى فإن أقامت على ردتها حتى انقضت عدتها تبينا أنها لم تكن زوجة حين طلقها فلم يقع ولا شئ له عليها، وإن عادت إلى الإسلام تبينا ان الطلاق صادف زوجة فوقع واستحق عليها العوض * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ولا يصح الخلع إلا بعوض في إحدى الروايتين فإن خالعها بغير

أعوض لم يقع إلا أن يكون طلاقاً فيقع رجعياً، والأخرى يصح بغير عوض اختارها الخرقي اختلفت الرواية عن احمد في هذه المسألة فروى عنه ابنه عبد الله قال: قلت لأبي رجل علقت به امرأته تقول اخلعني قال قد خلعتك؟ قال يتزوج بها ويجدد نكاحاً جديداً وتكون عنده على شئ فظاهر هذا صحة الخلع بغير عوض وهو قول مالك لانه قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق، ولأن الأصل في مشروعية الخلع أن يوجد من المرأة رغبة عن زوجها أو حاجة الى فراقه فتسأله فراقها فإذا أجابها حصل المقصود من الخلع فيصح كما لو كان بعوض، قال أبو بكر لا خلاف عن أبي عبد الله أن الخلع ما كان من قبل النساء فإذا كان من قبل الرجال فلا نزاع في أنه طلاق يملك به الرجعة ولا يكون فسخاً (والرواية الثانية) لا يكون خلع إلا بعوض روى عنه مهنا إذا قال لها اخلعي نفسك فقالت خلعت نفسي لم يكن خلعا إلا على شئ إلا أن يكون نوى الطلاق فيكون ما نوى، فعلى هذه الرواية لا يصح الخلع إلا بعوض فإن تلفظ به بغير عوض ونوى الطلاق كان طلاقاً رجعياً لأنه يصلح كناية عن الطلاق، وإن لم ينو به الطلاق لم يكن شيئاً وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأن الخلع كان فسخاً فلا يملك الزوج فسخ النكاح إلا لعيبها ولذلك لو قال فسخت النكاح ولم ينو به الطلاق لم يقع شئ بخلاف ما إذا دخله العوض فإنه يصير معاوضة فلا يجتمع له العوض والمعوض، وإن قلنا الخلع طلاق فليس بصريح فيه اتفاقاً وإنما هو كناية والكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية أو بذل العوض فيقوم مقام

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل