صقراً أو عقاباً وسئل عن بازي أو صقر أو كلب معلم أو فهد ذهب عن صاحبه فدعاه فلم يجبه ومر في الأرض حتى أتى لذلك أيام فأتى قرية فسقط على حائط فدعاه رجل فأجابه قال يرده على صاحبه، قيل له فإن دعاه فلم يجبه فنصب له شركاً فصاده به؟ قال يرده على صاحبه فجعله لصاحبه لأنه قد ملكه أفلم يزل ملكه عنه بذهابه، والسمكة في الشبكة لم يكن ملكها ولا حازها، وكذلك جعل ما وقع في الحبالة من الصقر والعقاب لصاحب الحبالة ولم يجعله ههنا لمن وقع في شركه لأن هذا فيما علم أنه قد كان مملوكاً لإنسان فذهب وإنما يعلم هذا بالخبر أو بوجود ما يدل على الملك فيه كوجود السير في رجله أو آثار التعليم مثل استجابته للذي يدعوه ونحو ذلك فإن لم يوجد ما يدل على أنه مملوك فهو لمن صاده ولان الأصل إباحته وعدم الملك فيه (فصل) ومن أخذت ثيابه في الحمام ووجد بدلها أو أخذ مداسه وترك له بدله لم يملكه بذلك قال أحمد فيمن سرقت ثيابه ووجد غيرها لم يأخذها فإن أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها إنما قال ذلك لأن أخذ الثياب لم يقع بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عن ثيابه فإذا أخذها قد أخذ مال غيره ولا يعرف صاحبه فيعرفه ويتصدق به كالصدقة باللقطة، قال شيخنا ويحتمل أن ينظر في هذا فإن كانت ثم قرينة تدل على السرقة بأن تكون ثيابه أو مداسه خيراً من المتروك له وكانت مما لا يشتبه على الآخذ بثيابه ومداسه فلا حاجة الى التعريف لأن التعريف إنما جعل على المال الضائع من ربه ليعلم به ويأخذه، وتارك هذا عالم به راض ببذله عوضاً عما أخذه ولا يعترف أنه له فلا يحصل من
تعريفه فائدة فإذاً ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص، وفيما يصنع به ثلاثة أوجه (أحدها) يتصدق بها على ما ذكرنا (والثاني) أنه يباح له أخذها لأن صاحبها في الظاهر تركها له بادلاً إياها عوضاً عما أخذه فصار كالمبيح له أخذها بلسانه فصار كمن قهر إنساناً على أخذ ثوبه ودفع إليه درهماً (والثالث) يرفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها عوضاً عن ماله، والوجه الثاني أقرب إلى الرفق بالناس لأن فيه نفعاً لمن سرقت ثيابه بحصول عوض عنها ونفعاً للسارق بالتخفيف عنه من الإثم وحفظاً لهذه الثياب المتروكة من الضياع، وقد أباح بعض أهل العلم فيمن له على إنسان حق من دين أو غصب أن يأخذ من ماله بقدر حقه إذا عجز عن استيفائه بغير ذلك فههنا مع رضا من عليه الحق بأخذه أولى، وإن كانت ثم قرينة دالة على أن الآخذ للثياب إنما أخذها ظناً منه أنها ثيابه مثل أن تكون المتروكة مثل المأخوذة أو خيراً منها وهي مما تشتبه بها فينبغي أن يعرفها ههنا لأن صاحبها لم يتركها عمداً فهي بمنزلة الضائعة، والظاهر أنه إذا علم بها أخذها ورد ما كان أخذه فتصير كاللقطة في المعنى، وبعد التعريف إذا لم تعرف ففيها الأوجه الثلاثة المذكورة لا أننا إذا قلنا يأخذها أو يبيعها الحاكم ويدفع إليه ثمنها فإنما يأخذ بقدر قيمة ثيابه من غير زيادة لأن الزائد فاضل عما يستحقه ولم يرض صاحبها بتركها عوضاً عما أخذه فإنه لم يأخذ غيرها اختياراً منه لتركها ولا رضي بالمعارضة بها وإذا قلنا إنه يدفعها إلى الحاكم ليبيعها ويدفع إليه ثمنها فله أن يشتريها بثمن في ذمته ويسقط عنه من ثمنها ما قابل ثيابه ويتصدق بالباقي
(فصل) نقل الفضل ابن زياد عن أحمد إذا تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار فقال كل منهما أنا دفنته يبين كل واحد منهما ما الذي دفن فكل من أصاب الوصف فهو له وذلك لأن ما يوجد من الدفن في الأرض مما عليه علامة المسلمين فهو لقطة واللقطة تستحق بوصفها ولأن المصيب للوصف في الظاهر هو من كان ذلك في يده فكان أحق به كما لو تنازعه أجنبيان فوصفه أحدهما (فصل) ومن وجد لقطة في دار الحرب فكان في جيش فقال أحمد يعرفها سنة في دار الإسلام ثم يطرحها في المقسم إنما عرفها في دار الإسلام لأن أموال أهل الحرب مباحة ويجوز أن تكون لمسلم وقد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها ومعناه والله أعلم أنه يتم التعريف في دار الإسلام فأما ابتداء التعريف فيكون الجيش الذي هو فيه لأنه يحتمل أن تكون لأحدهم فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام فأما إن دخل دارهم بأمان فينبغي أن يعرفها في دارهم لأن أموالهم محرمة عليه فإذا لم تعرف ملكها كما يملكها في دار الإسلام وإن كان في الجيش طرحها في المقسم بعد التعريف لأنه وصل إليها بقوة الجيش فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئاً فإن دخل إليهم متلصصاً فوجد لقطة عرفها في دار الإسلام لأن أموالهم مباحة له ثم يكون حكمها حكم غنيمته ويحتمل أن تكون غنيمة له لا تحتاج إلى تعريف لان الظاهر انما أموالهم وأموالهم غنيمة والله أعلم
- (مسألة) * وهي على ثلاثة أضرب (حيوان) فيخير بين أكله في الحال وعليه قيمته وبين بيعه وحفظ ثمنه وبين تركه والإنفاق عليه من ماله وهل يرجع به؟ على وجهين وجملة ذلك أن ملتقط الشاة وما كان مثلها مما يباح أكله يتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء (أحدها) أكلها في الحال وبه قال مالك وابو حنيفة والشافعي وغيرهم قال ابن عبد البر اجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " هي لك أو لأخيك أو للذئب " جعلها له في الحال وسوى بينه وبين الذئب والذئب لا يؤخر أكلها ولأن في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها وحراسته لماليتها على صاحبها إذا جاء فإنه يأخذ قيمتها بكمالها وفي إبقائها تضييع للمال بالإنفاق عليها والغرامة في علفها فكان أكلها أولى وإذا أراد أكلها حفظ صفتها فمتى جاء صاحبها غرمها له في قول عامة أهل العلم وقال مالك كلها ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف لها القول رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي لك " ولم يوجب فيها تعريفاً ولا غرماً ولأنه سوى بينه وبين الذئب والذئب لا يعرف ولا يغرم قال ابن عبد البر لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله ابن عمر " ورد على أخيك ضالته " دليل على أن الشاة على ملك صاحبها ولأنها لقطة لها قيمة وتتبعها النفس فتجب غرامتها لصاحبها إذا جاء كغيرها ولأنها ملك لصاحبها فلم يجز تملكها عليه بغير عوض من غير رضاه كما لو كانت بين البنيان ولأنها عين يجب ردها مع بقائها فوجب غرمها إذا أتلفها كلقطة الذهب وكون النبي صلى الله عليه وسلم قال " هي لك " لا يمنع وجوب غرامتها فإنه قد أذن في لقطة
الذهب والورق بعد تعريفها في أكلها وإنفاقها وقال " هي كسائر مالك " ثم أجمعنا على وجوب غرامتها كذلك الشاة ولا فرق في إباحة أكلها بين وجدانها في الصحراء أو في المصر وقال مالك وابو عبيد وابن المنذر وأصحاب الشافعي ليس له أكلها في المصر لأنه يمكن بيعها بخلاف الصحراء ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء جاز في المصر كسائر المأكولات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هي لك ولم يستفصل ولان أكلها مطل بما ذكرنا من الاستغناء عن الإنفاق عليها وهذا في المصر أشد منه في الصحراء (الثاني) تركها والإنفاق عليها من ماله ولا يتملكها فإن تركها ولم ينفق عليها ضمنها لأنه فرط فيها وإن أنفق عليها متبرعا لم يرجع على صاحبها فإن أنفق بنية الرجوع على صاحبها وأشهد على ذلك رجع عليه بما أنفق في إحدى الروايتن نص عليه أحمد في رواية المروذي في طيرة أفرخت عند قوم فقضى أن الفراخ لصاحب الطيرة ويرجع بالعلف إذا لم يكن متطوعاً وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن وجد ضالة فأنفق عليها فجاء ربها فإنه يغرم له ما أنفق وذلك أنه أنفق على اللقطة لحفظها فكان من مال صاحبها كمؤنة تجفيف الرطب والعنب، (والثانية) لا يرجع بشئ وهو قول الشعبي والشافعي ولم يعجب الشعبي قضاء عمر بن عبد العزيز لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع به كما لو بنى داره ويفارق العنب والرطب فإنه قد يكون تجفيفه والإنفاق عليه أحظ لصاحبه لأن النفقة عليه لا تتكرر والحيوان يتكرر الإنفاق عليه فربما استغرق ثمنه فكان بيعه وأكله أحظ فلذلك لم يرجع
المنفق عليها بما أنفق (الثالث) بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها وله أن يتولى ذلك بنفسه وقال بعض أصحاب الشافعي يبيعها بإذن الإمام ولنا أنه إذا جاز له أكلها من غير إذن فبيعها أولى ولم يذكر أصحابنا لها تعريفاً في هذه المواضع وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " ولم يأمر بتعريفها كما أمر في لقطة الذهب والورق ولنا أنها لقطة لها خطر فوجب تعريفها كالمطعوم الكثير وإنما ترك ذكر تعريفها لأنه ذكرها بعد بيان التعريف فيما سواها فاستغنى بذلك عن ذكره فيها ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط تعريفها كالمطعوم وإذا أراد بيعها أو أكلها لزمه حفظ صفتها لحديث زيد بن خالد وسنذكره إن شاء الله (فصل) وإذا أكلها ثبتت قيمتها في ذمته ولا يلزمه عزلها لعدم الفائدة فيه فإنها لا تنقل من الذمة في المال المعزول ولو عزل شيئاً ثم أفلس كان صاحب اللقطة أسوة الغرماء ولم يختص بالمال المعزول فأما إن باعها وحفظ ثمنها وجاء صاحبها أخذه ولم يشاركه فيه أحد من الغرماء لأنه عين ماله ولا شئ للمفلس فيه فهو كالوديعة * (مسألة) * (الثاني) ما يخشى فساده فيخير بين بيعه وأكله إن كان مما لا يمكن تجفيفه كالفاكهة التي لا تجفف والطبيخ والبطيخ والخضروات فهو مخير بين أكله وبيعه وحفظ ثمنه ولا يجوز إبقاؤه لأنه يتلف
فإن تركه حتى تلف ضمنه لأنه فرط في حفظه فهو كالوديعة فإن أكله ثبتت القيمة في ذمته على ما ذكرنا في الشاة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وله أن يتولى بيعه بنفسه وقال أصحاب الشافعي ليس له بيعه إلا بإذن الحاكم فإن عجز عنه جاز البيع بنفسه لأنه حال ضرورة فأما مع القدرة على استئذانه فلا يجوز من غير إذنه لأنه مال معصوم لا ولاية عليه فلم يجز لغير الحاكم بيعه كغير الملتقط ولنا أنه مال أبيح للملتقط أكله فأبيح له بيعه كماله ومتى أراد بيعه أو أكله حفظ صفاته ثم عرفه عاماً على ما نذكره فإن تلف الثمن قبل تملكه من غير تفريط أو نقص أو تلفت العين أو نقصت من غير تفريط فلا ضمان عليه وإن تلف أو نقص بتفريطه أو تلفت اللقطة بتفريطه فعليه ضمانه وكذلك إن تلف بعد تملكه أو نقص وإن كان مما يمكن تجفيفه كالعنب والرطب فينظر ما فيه الحظ لمالكه فان كان في التجفيف فعله ولم يكن له إلا ذلك لأنه مال غيره فلزمه ما فيه الحظ لصاحبه كولي اليتيم * (مسألة) * (وغرامة التجفيف منه وله بيع بعضه في ذلك) لأنه موضع حاجة فإن أنفق من ماله رجع به لأن النفقة ههنا لا تكرر بخلاف نفقة الحيوان فإنها تكرر فربما استوعبت قيمته فلا يكون لصاحبها حظ في إمساكها إلا بإسقاط النفقة وإن كان الحظ في بيعه باعه وحفظ ثمنه كالطعام الرطب فإن تعذر بيعه ولم يمكن تجفيفه تعين أكله كالطبيخ وإن كان أكله أنفع لصاحبه فله أكله أيضاً قال شيخنا ويقتضي قول اصحابنا إن العروض لا تملك بالتعريف وأن هذا كله لا يجوز له أكله لكن يخير بين
الصدقة به وبين بيعه وقد قال أحمد فيمن وجد في منزله طعاماً لا يعرفه: يعرفه ما لم يخش فساده فإن خشي فساده تصدق به فإن جاء صاحبه غرمه وكذلك قال مالك وأصحاب الرأي في لقطة ما لا يبقى سنة يتصدق به وقال الثوري يبيعه ويتصدق بثمه ولنا على جواز أكله قول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وهذا تجويز للأكل فإذا جاز أكل ما هو محفوظ بنفسه فما يفسد ببقائه أولى وعن أحمد أنه يبيع اليسير ويرفع الكثير إلى الحاكم لأن الكثير مال لغيره لم يأذن له في بيعه فيكون أمره إلى الحاكم وأما اليسير فتدخله المسامحة ويشق رفعه إلى السلطان وربما تضيع عند السلطان * (مسألة) * (الثالث) سائر المال فيلزمه حفظه ويعرف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولاً كاملاً من ضاع منه شئ أو نفقة وأجرة المتادي عليه) وجملة ذلك أن في التعريف فصولاً ستة في وجوبه وقدره وزمانه ومكانه ومن يتولاه وكيفيته أما وجوبه فهو واجب على كل ملتقط سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها إلا في اليسير الذي لا تتبعه النفس وقد ذكرناه وقال الشافعي لا يجب على من أراد حفظها لصاحبها ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب ولم يفرق ولأن حفظها لصاحبها إنما فائدته إيصالها إليه وطريقه التعريف إما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان ولأن إمساكها
من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها إلى موضعها أو إلقائها في غيره ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لأن بقاءها في مكانها إذا أقرب إلى وصولها إلى صاحبها إما أن يطلبها في الموضع الذي ضاعت منه فيجدها وإما بأن يأخذها من يعرفها واخذ لها يفوت الأمرين فيحرم فلما جاز الالتقاط لزم وجوب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها وكذلك من أراد حفظها فإن التملك غير واجب فلا تجب الوسيلة إليه فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه لصيانتها عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود في محل النزاع (الفصل) الثاني في قدر التعريف وذلك سنة روى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن عمر رواية أخرى يعرفها ثلاثة أشهر وعنه ثلاثة أعوام لأن أبي ابن كعب روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعريف مائة الدنيار ثلاثة أعوام وقال أبو أيوب الهاشمي ما دون الخمسين درهماً يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام وقال الحسن بن صالح ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام وقال الثوري في الدرهم يعرفه أربعة ايام وقال اسحق ما دون الدنيار يعرفه جمعة أو نحوها وروى أبو إسحق الجوزجاني بإسناده عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التقط درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك فليعرفه ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه سبعة أيام ولنا حديث زيد بن خالد الصحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بعام واحد ولأن السنة لا تتأخر عنها
القوافل ويمضي فيها الزمان الذي تقصد فيه البلاد من الحر والبرد والاعتدال فصلحت قدراً كمدة أجل العنين فأما حديث أبي فقد قال الراوي لا أدري ثلاثة أعوام أو عام واحد قال أبو داود شك الراوي في ذلك وحديث يعلى لم يقل به قائل على وجهه وحديث زيد وأبي أصح منه وأولى إذا ثبت هذا فإنه يجب أن تكون هذه السنة تلي الالتقاط وتكون متوالية لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعريفها حين سئل عنها والأمر يقتضي الفور ولأن القصد بالتعريف وصول الخبر إلى صاحبها وذلك يحصل بالتعريف عقيب ضياعها متوالياً لأن صاحبها في الغالب إنما يطلبها عقيب ضياعها فيجب تخصيص التعريف به (الفصل الثالث) في زمانه وهو النهار دون الليل لأن النهار مجمع الناس وملتقاهم بخلاف الليل ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها والأسبوع لأن الطلب فيه أكثر ولا يجب فيما بعد ذلك متوالياً وقد روى الجوزجاني بإسناده عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني قال نزلنا مناخ ركب فوجدت خرقة فيها قريب من مائة دينار فجئت بها الى عمر فقال عرفها ثلاثة أيام على باب المسجد ثم أمسكها حتى قرن السنة ولا يقدمن ركب إلا أنشدتها وقلت الذهب بطريق الشام ثم شأنك بها (الفصل الرابع) في مكانه وهو الأسواق وأبواب المساجد والجوامع في الوقت الذي يجتمعون فيه كأدبار الصلوات في المساجد وكذلك في مجامع الناس لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها ليظهر عليها صاحبها فيجب تحري مجامع الناس ولا ينشدها في المسجد ولأن المسجد لم يبن لهذا وروى
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من سمع رجلاً ينشد ضالته في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا " وأمر عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد (الفصل الخامس) في كيفية تعريفها فيذكر جنسها لا غير فيقول من ضاع منه ذهب أو فضة أو أو دراهم أو دنانير أو ثياب ونحو ذلك لقول عمر رضي الله عنه لواجد الذهب قل الذهب بطريق الشام ولا تصفها لأنه لو وصفها لعلم صفتها من يسمعها فلا تبقى صفتها دليلاً على ملكها لمشاركة من يسمعه للمالك في ذلك ولأنه لا يأمن أن يدعيها من سمع صفتها ويذكر صفتها التي يجب دفعها به فيأخذها فتفوت على مالكها (الفصل السادس) فيمن يتولى تعريفها وللملتقط تولي ذلك بنفسه وأن يستنيب فيه فإن وجد متبرعا بذلك وإلا استأجر والأجرة على الملتقط وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي واختار أبو الخطاب أنه إن قصد حفظها لمالكها دون تملكها رجع بالأجرة عليه وكذلك قال ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف لأنه من مؤنة إيصالها إلى مالكها فكان على مالكها كمؤنة تجفيفها وأجرة مخزنها ولنا أن هذا أجر واجب على المعرف ولأنه لو وليه بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها فكذلك
إذا استأجر عليه ولأنه سبب لملكها فكان على الملتقط كما لو قصد تملكها، وقال مالك إن أعطى منها شيئاً لمن عرفها فلا غرم عليه كما لو دفع منها شيئاً لمن حفظها وقد ذكرنا الدليل على ذلك (فصل) إذا أخر التعريف عن الحول الأول مع إمكانه أثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فيه والأمر يقتضي الوجوب وقال في حديث عياض ابن حمار " لا تكتم ولا تغيب " ولأن ذلك وسيلة الى أن لا يعرف صاحبها لأن الظاهر أنه بعد الحول يسلو عنها وييأس فيترك طلبها ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأول في المنصوص عن أحمد لأن حكمة التعريف لا تحصل بعده فإن تركه في بعض الحول عرف بقيته ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخيره لأنه واجب فلا يسقط بتأخيره عن وقته كالعبادات وسائر الواجبات ولأن التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نعت من القصور فيجب الإتيان به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " فعلى هذا إذا أخر التعريف بعض الحول أتى بالتعريف في بقيته وأتمه من الحول الثاني وعلى كلا القولين لا يملكها بالتعريف فيما عد الحول الأول لأن شرط الملك التعريف فيه ولم يوجد ولذلك لو ترك التعريف في بعض الحول الأول لا يملكها بالتعريف بعده لأن الشرط لم يكمل وعدم بعض الشرط كعدم جميعه كما لو اختل بعض الطهارة في الصلاة فأما أن ترك التعريف في الحول الأول لعجزه عنه كالمريض والمحبوس أو لنسيان ونحوه ففيه وجهان (أحدهما) حكمه
حكم من تركه لغير عذر لأن تعريفه في الحول الأول سبب الملك والحكم ينتفي لانتقا سببه سواء انتفى لعذر أو لغيره والثاني يملكها بالتعريف في الحول الثاني لأنه لم يؤخره عن وقت إمكانه أشبه تعريفها في الحول الأول * (مسألة) * فإن لم تعرف دخلت في ملكه بعد الحول حكماً كالميراث نص عليه أحمد في رواية الجماعة وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله وإلا كانت كسائر ماله وعند أبي الخطاب لا تدخل ملكه حتى يختار واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم كقولنا وقال قوم يملكها بالنية ومنهم من قال يملكها بتموله اخترت ملكها ومنهم من قال لا يملكها إلا بقوله والتصرف فيها لأن هذا تملك بعوض فلم يحصل إلا باختيار التملك كالقرض ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإن جاء صاحبها وإلا فهي كسائر مالك " وقوله " فاستنفقها " ولو وقف ملكها على تملكها لبينه له ولم يجوز له التصرف قبله وفي لفظ " كلها " وهذه الألفاظ كلها تدل على ما قلنا ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك فإذا ثم وجب أن يثبت به الملك حكماً كالإحياء والاصطياد ولأنه سبب يملك به فلم يقف الملك بعده على قوله ولا اختياره كسائر الأسباب وذلك لأن المكلف ليس إليه
إلا مباشرة الأسباب فإذا انى بها ثيت الحكم قهراً وجبراً من الله عزوجل غير موقوف على اختيار المكلف فأما الاقتراض فهو السبب في نفسه فلم يثبت الملك بدونه فعلى هذا لو التقطها اثنان فعرفاها حولاً ملكاها جميعاً فإن قلنا يقف الملك على الاختيار فاختار أحدهما دون الآخر ملك المختار نصفها وحده (فصل) فإن رأياها معاً فأخذها أحدهما وحده أو رآها أحدهما فأعمل بها صاحبه فأخذها فهي لآخذها لأن استحقاقها بالأخذ لا بالرؤية كالاصطياد وإن قال أحدهما لصاحبه هاتها فأخذها لنفسه فهي له دون الآمر وإن أخذها الآمر فهي له كما لو وكله في الاصطياد له (فصل) ومتى عرف اللقطة حولاً فلم تعرف ملكها غنياً كان أو فقيراً روى ذلك عن عمرو ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وبه قال عطاء والشافعي واسحق وابن المنذر وروي عن علي وابن عباس والشعبي والنخعي وطاوس وعكرمة نحو ذلك، وقال مالك والحسن بن صالح والثوري وأصحاب الرأي: يتصدق بها فإذا جاء صاحبها خير بين الأجر والغرم لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن اللقطة فقال " عرفها حولاً " وروي ثلاثة أحوال " فإن جاء ربها وإلا تصدق بها فإذا جاء ربها فرضي بالأجر وإلا غرمها " ولأنها مال لمعصوم لم يرض بزوال ملكه عنها ولا يوجد منه سبب يقتضي ذلك فلم يزل ملكه عنه كغيرها قالوا وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال له ذلك ان كان فقيراً من غير ذوي القربى
لما روى عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء " رواه النسائي قالوا وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة ونقل حنبل عن أحمد مثل هذا القول فأنكره الخلال وقال ليس هذا مذهبا لاحمد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد " فإن لم تعرف فاستنفقها " وفي لفظ " وإلا فهي كسائر مالك " وفي لفظ " ثم كلها " وفي لفظ " فانتفع بها " وفي لفظ " فشأنك بها " في حديث أبي بن كعب وفي لفظ " فاستمتع بها " وهو حديث صحيح ولأن من ملك بالقرض ملك اللقطة كالفقير ومن جاز له الالتقاط ملك به بعد التعريف كالفقير وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت ولا نقل في كتاب يعتمد عليه ولا به ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه إلا من يستحق الص؟؟؟؟؟
لها وبطلانها ظاهر فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقاً وملكاً قال الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (مسألة) * (وعن أحمد لا يملك إلا الأثمان وهو ظاهر المذهب وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين) كلما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه أثماناً كان أو غيرها وهو ظاهر كلام الخرقي ونقل ذلك عن أحمد فروى عنه محمد بن الحكم في الصياد يقع في شبكته الكيس أو النحاس يعرفه سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهو كسائر ماله وهذا نص في النحاس وقال ابن أبي موسى هل حكم العروض في التعريف وجواز التصرف بعد ذلك حكم الأثمان؟ على روايتين أظهرهما أنها كالأثمان قال شيخنا ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقاً بين الأثمان والعروض في ذلك وقال أكثر أصحابنا لا تملك العروض بالتعريف قال القاضي نص عليه أحمد في رواية الجماعة واختلفوا فيما يصنع بها فقال أبو بكر وابن عقيل يعرفها أبداً وقال القاضي هو بالخيار بين أن يقيم على تعريفها حتى يجئ صاحبها وبين دفعها إلى الحاكم ليرى رأيه فيها وهل له بيعها بعد الحول والصدقة بها؟ على روايتين (إحداهما) يجوز كما تجوز الصدقة بالغصوب التي لا يعرف أربابها (والثانية) لا يجوز لأنه يحتمل أن يظهر صاحبها فيأخذها وقال الخلال كل من روي عن أحمد روي عنه أنه يعرفه سنة ويتصدق به والذي روي عنه أنه يعرفها أبداً
قول قديم رجع عنه واحتجوا بأنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود مثل قولهم ولأنها لقطة لا تملك في الحرم فلا تملك في غيره كالإبل ولأن الخبر ورد في الأثمان وغيرها لا يساويها لعدم الغرض المتعلق بعينها فمثلها لا يقوم مقامها من كل وجه ولنا عموم الأحاديث في اللقطة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال " عرفها سنة " ثم قال في آخره " فشأنك بها - أو - فانتفع بها " وفي حديث عياض بن حمار " من وجد لقطة " وهو لفظ عام وقد روى الجوزجاني والاثرم في كتابيهما ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد قال حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في متاع يوجد في الطريق المعتاد أو في قرية مسكونة؟ قال " عرفه سنة فإن جاء صاحبه وإلا فشأنك به " ورويا أن سفيان بن عبد الله وجد عيبة فأتى بها عمر بن الخطاب فقال عرفها سنة فإن عرفت وإلا فهي لك زاد الجوزجاني فلم تعرف فلقيه بها العام فذكرها له فقال عمر هي لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك ورواه النسائي وهذا نص في غير الأثمان وروى الجوزجاني بإسناده عن الحر بن الصباح قال كنت عند ابن عمر بمكة إذ جاءه رجل فقال إني وجدت هذا البرد وقد نشدته وعرفته فلم يعرفه أحد وهذا يوم التروية يوم
يتفرق الناس فقال إن شئت قومته قيمة عدل ولبسته وكنت له ضامناً متى جاء صاحبه دفعت إليه ثمنه وإن لم يجئ له طالب فهو لك إن شئت ولأن ما جاز التقاطه ملك بالتعريف كالأثمان وما حكوه عن الصحابة إن صح فقد حكينا عن عمر وابنه خلافه وقولهم إنها لقطة لا تملك في الحرم ممنوع ثم هو منقوض بالأثمان وقياسها على الإبل لا يصح لأن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها ولا يوجد ذلك في غيرها ولأن الإبل لا يجوز التقاطها فلا تملك وههنا يجوز التقاطها فملك به كالأثمان وقولهم إن النص خاص في الأثمان قلنا بل هو عام في كل لقطة فيجب العمل بعمومه وإن ورد فيها نص خاص فقد روي خبر عام فيعمل بها ثم قد رويناه في العوض فيجب العمل به كما وجب العمل بالخاص في الأثمان ثم لو اختص الخبر بالأثمان لوجب أن يقاس عليها ما في معناها كسائر النصوص التي عقل في معناها ووجد غيرها وههنا قد وجد المعنى فيجب قياسه على المنصوص عليه بل المعنى ههنا آكد فيثبت الحكم فيه بطريق البينة، بيانه أن الأثمان لا تتلف بمضي الزمان عليها وانتظار صاحبها بها أبداً والعروض تتلف بذلك ففي النداء عليها دائماً هلاكها وضياع ماليتها على صاحبها وملتقطها وسائر الناس وفي إباحة الانتفاع بها وملكها بعد التعريف حفظ لماليتها علي صاحبا بدفع
قيمتها إليه ونفع لغيره فيجب ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ولما فيه من المصلحة والحفظ لمال المسلم عليه ولأن في إثبات الملك حثاً على التقاطها وحفظها وتعريفها لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للآدمي وفي نفي ملكها تضييع لها لما في التقاطها من الخطر والمشقة والكلف من غير نفع يصل إليه فيؤدي الى أن لا يلتقطها أحد فتضيع وما ذكره في الفرق ملغي في الشاة فقد ثبت الملك فيها مع هذا الفرق ثم يمكننا أن نقيس على الشاة فلا يحصل هذا الفرق بين الفرع والأصل ثم نقلب دليلهم فنقول لقطة لا تملك في الحرم فما أبيح التقاطه منها ملك إذا كان في الحل وما لا يباح لا يملك كالإبل * (مسألة) * (وعن أحمد أن لقطة الحرم لا تملك بحال) المشهور عن أحمد وفي المذهب أن لقطة الحرم والحل سواء وهو ظاهر كلام الخرقي روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب وهو مذهب مالك وابي حنيفة وروى عن أحمد أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتمليك ويجوز لحفظها لصاحبها فإن التقطها عرفا أبداً حتى يأتي صاحبها وهو قول عبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وعن الشافعي
كالمذهبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة " لا تحل ساقطتها إلا لمنشد " متفق عليه والمنشد المعرف قاله أبو عبيد والناشد الطالب وينشد * إصاخة الناشد للمنشد * فيكون معناه لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرفها لأنها خصت بهذا من بين سائر البلدان وروى أبو داود بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج قال ابن وهب يعني يتركها حتى يجدها صاحبها، ووجه الرواية الأولى عموم الأحاديث، ولأنه أحد الحرمين أشبه حرم المدينة ولأنها أمانة فلم يختلف حكمها بالحل والحرم كالوديعة وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إلا لمنشد " يحتمل أنه يريد إلا لمن عرفها عاماً وتخصيصها بذلك لتأكيدها لقوله عليه السلام " ضالة المؤمن حرق النار " وضالة الذمي مقيسة عليها والله أعلم (فصل) ولا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها ووكاءها وقدرها وجنسها وصفتها، ويستحب ذلك عند وجدانها والإشهاد عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد " اعرف وكاها وعفاصها " وقال في حديث أبي بن كعب " اعرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم عرفها سنة " وفي لفظ عن أبي ابن كعب أنه قال وجدت مائة دينار فأتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال " عرفها حولاً " " فعرفها حولاً فلم تعرف فرجعت اليه فقال اعرف " عدتها ووعاءها ووكاءها واخلطها بمالك فإن جاء
ربها فأدها إليه " ففي هذا الحديث أمره بمعرفة صفاتها بعد التعريف وفي غيره أمره بمعرفتها بعين التقاطها قبل تعريفها وهو الأولى ليحصل عنده علم ذلك فمتى جاء صاحبها فنعتها غلب على ظنه صدقه فدفعها إليه وإن أخر معرفة ذلك إلى حين مجئ باغيها جاز لأن المقصود يحصل حينئذ فإن لم يجئ طالبها فأراد التصرف فيها بعد الحول لم يجز له حتى يعرف صفاتها لأن عينها تنعدم بالتصرف فلا يبقى له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء طالبها ولذلك إن خلطها بماله على وجه لا تتميز منه فيكون أمر النبي صلى الله عليه وسلم لابي بمعرفة صفاتها عند خلطها بماله أمر إيجاب مضيق وأمره لزيد بن خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط أمر استحباب، قال القاضي ينبغي أن يعرف جنسها ونوعها وإن كانت ثياباً عرف لفافتها وجنسها ويعرف قدرها بالكيل أو الوزن أو العدد أو الذرع ويعرف العقد عليها هل هو عقد واحد أو أكثر؟ أنشوطة أو غيرها؟ ويعرف صمام القارورة الذي يدخل رأسها وعفاصها الذي يلبسه ويستحب
أن شهد عليها حين يجدها، قال أحمد لا أحب أن يمسها حتى يشهد عليها.
فظاهر هذا أنه مستحب غير واجب وأنه لا ضمان عليه إذا لم يشهد وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يضمنها إذا لم يشهد عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل " وهذا أمر يقتضي الوجوب ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه ولنا خبر زيد بن خالد وأبي بن كعب فإنه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد ولو كان واجباً لبينه
فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سيما وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم اللقطة فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها فيتعين حمل الأمر في حديث عياض على الاستحباب ولأنه أخذ أمانة فلم يفتقر إلى الإشهاد كالوديعة، والمعنى الذي ذكروه غير صحيح فإنه إذا حفظها وعرفها لم يأخذها لنفسه وفائدة الإشهاد صيانة نفسه من الطمع فيها وحفظها من ورثته ان مات ومن غرمائه إن أفلس وإذا أشهد عليها لم يذكر للشهود صفاتها كما قلنا في التعريف لكن يذكر للشهود ما يذكره في التعريف من الجنس والنوع.
قال أحمد في رواية صالح وقد سأله إذا أشهد عليها هل يبين كم هي؟ قال لا، ولكن يقول قد أصبت لقطة، ويستحب أن يكتب صفاتها ليكون أثبت له مخافة أن ينساها إن اقتصر على حفظها بقلبه فإن الإنسان عرضة النسيان * (مسألة) * (فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه بنمائها المتصل وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحلول ولو أخذها بعده في أصح الوجهين) إذا جاء طالب اللقطة فوصفها وجب دفعها إليه بغير بينة سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب.
وبهذا قال مالك وأبو عبيد وداود وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجبر على ذلك إلا ببينة
ويجوز له دفعها إليه اذا غلب على ظنه صدقه، وقال أصحاب الرأي إن شاء دفعها إليه وأخذ كفيلاً بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " البينة على المدعي " ولأن صفة المدعي لا يستحق بها كالمغصوب ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإن جاءك أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فادفعها إليه " وظاهر الأمر الوجوب، وفي حديث زيد " اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها وإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه " يعني إذا ذكر صفاتها لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث ولم يذكر البينة ولو كانت شرطاً للدفع لذكرها لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر لأنها إنما تسقط حال الغفلة فتوقف دفعها على البينة منع لوصولها إلى صاحبها أبداً وهذا يفوت مقصود الالتقاط ويفضي إلى تفويت أموال الناس وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه كالإنفاق على اليتيم، والجمع بين هذا القول وبين تفصيل الالتقاط على تركه متناقض لأن الالتقاط حينئذ يكون تضييعاً لمال المسلم وإتعاباً لنفسه بالتعريف الذي لا يفيد والمخاطرة بدينه يتركه
الواجب من تعريفها وما هذا سبيله يجب أن يكون حراماً فكيف يكون فاضلاً، وعلى هذا نقول لو لم يجب دفعها بالصفة لم يجز التقاطها لما ذكرناه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " البينة على المدعي " يعني إذا كان ثم منكر لقوله في سياقه " واليمين على من أنكر " ولا منكر ههنا على أن البينة تختلف وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بينة مدعي اللقطة وصفها فإذا وصفها فقد أقام بينته وقياس اللقطة على المغصوب غير صحيح فإن النزاع ثم في كونه مغصوباً والأصل عدمه وقول المنكر يعارض دعواه فاحتيج إلى البينة وههنا قد ثبت كون هذا المال لقطة وإن له صاحباً غير من هو في يده ولا مدعي له إلا الواصف وقد يرجح صدقه فينبغي أن يدفع إليه.
(فصل) ويدفعها إليه بزيادتها المتصلة والمنفصلة إذا كان قبل الحول لأنها ملكها فإن وجدها زائدة بعد الحول أخذها بزيادتها المتصلة لأنها تتبع في الرد بالعيب والإقالة فتبعت ههنا وإن حدث بعد الحول لها نماء منفصل فهو للملتقط لأنه نماء ملكه متميز لا يتبع في الفسوخ فكان له كنماء المبيع إذا رد بعيب
وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً آخر أنه يكون لصاحب اللقطة بناء على المفلس إذا استرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة والولد إذا استرجع أبوه ما وهبه له بعد زيادته المنفصلة والصحيح أن الزيادة للملتقط لما ذكرناه وكذلك الصحيح في الموضعين اللذين ذكرهما أن الزيادة لمن حدثت في ملكه ثم الفرق بينهما أنه في مسئلتنا يضمن النقص فتكون الزيادة له ليكون الخراج بالضمان وثم لا ضمان عليه فأمكن أن لا يكون الخراج ومتى اختلفا في القيمة أو المثل فالقول قول الملتقط مع يمينه إذا كانت اللقطة قد استهلكت في يد الملتقط لأنه غارم * (مسألة) * (وإن تلفت أو نقصت قبل الحول لم يضمنها وبعده يضمنها) لأنها أمانة في يده إلا أن تكون تلفت أو نقصت بتفريطه كالوديعة وإن أتلفها الملتقط أو تلفت بتفريطه ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو بقيمتها إن لم تكن مثلية، قال شيخنا لا أعلم فيه خلافاً
وإن تلفت بعد الحول ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال لأنها دخلت في ملكه وتلفت من ماله وسواء فرط أو لم يفرط وإن وجد العين ناقصة بعد الحول أخذ العين وأرش النقص لأن جميعها مضمون إذا تلف فكذلك أرش نقصها، وهذا قول أكثر العلماء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، فأما من قال لا يملكها إلا باختياره لم يضمنه إياها حتى يتملكها وحكمها قبل ذلك كحكمها قبل مضي حول التعريف، ومن قال لا يملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها وبهذا قال الحسن والنخعي وأبو مجلز والحارث العكلي ومالك وأبو يوسف قالوا لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول وقد ذكرنا فيما تقدم دليل دخولها في ملكه وقال داود إذا تملك العين وأتلفها لم يضمنها وحكى ابن أبي موسى عن أحمد أنه لوح إلى مثل هذا القول لحديث عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال " فإن جاء ربها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء " وقوله في حديث أبي بن كعب " فإن جاء من يعرفها وإلا فهي كسبيل مالك " وفي حديث زيد " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " وروي " فهي لك " ولم يأمره برد بدلها.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه " قال الأثرم قال أحمد أذهب الى حديث الضحاك بن عثمان جوده ولم يروه أحد مثل ما رواه إن جاء صاحبها بعد سنة وقد أنفقها ردها إليه ولأنها عين يلزمه ردها لو كانت باقية فيلزمه ضمانها إذا أتلفها كما قبل الحول ولأنه مال معصوم فلم يجز إسقاط حقه منه مطلقاً كما لو اضطر إلى مال غيره (فصل) فإن وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو نحوهما لم يكن له أخذها وله أخذ بدلها لأن تصرف الملتقط وقع صحيحاً لأنه ملكها فإن صادفها وقد عادت إلى الملتقط بفسخ أو شراء أو غير ذلك فله أخذها لأنه وجد عين ماله في يد ملتقطه فكان له أخذها كالزوج إذا طلق
قبل الدخول فوجد الصداق قد رجع إلى المرأة وسائر الرجوع ههنا كحكم رجوع الزوج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
- (مسألة) * (وإن وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين ذكره أبو الخطاب) لأنهما تساويا فيما يستحق به الدفع فتساويا فيها كما لو كانت في أيديهما، والوجه الثاني أنه يقرع بينهما فمن وقعت له القرعة حلف وسلمت إليه ذكره القاضي وهكذا إن أقاما بينتين وهذا الوجه أشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولأنهما تداعيا عيناً في يد غيرهما وتساويا في البينة أو عدمها فتكون لمن وقعت له القرعة كما لو ادعيا وديعة في يد إنسان فقال هي لأحدكما لا أعرف عينه، وفارق ما إذا كانت في أيديهما لأن يد كل واحد منهما على نصفه فرجح قوله فيه
- (مسألة) * (فإن أقام آخر بينة أنها له قدم لأن البينة أقوى من الوصف فإن كان الواصف قد أخذها ردت إلى صاحب البينة لأننا تبينا أنها له، فإن كانت قد هلكت فلصاحبها تضمين من شاء من الواصف والدافع وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ويتخرج أن لا يلزم الملتقط شئ إذا قلنا بوجوب الدفع عليه لأنه فعل ما أمر به ولم يفرط وهو أمين فلم يضمن كما لو دفعها بأمر الحاكم ولأنه إذا كان الدفع واجباً عليه يأثم بتركه فكأنه دفع بغير اختياره فلم يضمن كما لو أخذت منه كرهاً، ووجه الأول أنه دفع مال غيره إلى غير مستحقه اختياراً منه فضمنه كما لو دفع الوديعة إلى غير مالكها اذا غلب على ظنه أنه مالكها.
- (مسألة) * (إلا أن يدفعها بحكم الحاكم فلا يملك صاحبها مطالبته) لأنها مأخوذة منه على سبيل القهر فلم يضمنها كما لو غصبها غاصب ومتى ضمن الواصف لم يرجع على أحد لأن العدوان منه والتلف عنده وإن ضمن الدافع رجع على الواصف لأنه كان سبب تغريمه إلا أن يكون الملتقط قد أقر للواصف
أنها له فإنه لا يرجع عليه لأنه أقر أنه مالكها ومستحقها وأن صاحب البينة ظلمه بتضمينه فلا يرجع على غير ظالمه، وإن كانت اللقطة قد تلفت عند الملتقط فضمنه إياها رجع على الواصف بما غرمه وليس لمالكها تضمين الواصف لأن الذي قبضه إنما هو مال الملتقط لا مال صاحب اللقطة بخلاف ما إذا سلم العين فأما إن وصفها إنسان فأخذها ثم جاء آخر فوصفها وادعاها لم يستحق شيئاً لأن الأول استحقها لوصفه إياها وعدم المنازع فيها وثبتت يده عليها ولم يوجد ما يقتضي انتزاعها منه فوجب إبقاؤها في يده كسائر ماله.
(فصل) ولو جاء مدعي اللقطة فلم يصفها ولا أقام بينة أنها له لم يجز دفعها إليه سواء غلب على ظنه صدقه أو كذبه لأنها أمانة فلم يجز دفعها إلى من لم يثبت أنه صاحبها كالوديعة، فإن دفعها فجاء آخر فوصفها أو أقام بها بينة لزم الدافع غرامتها له لأنه فوتها على مالكها بتفريطه وله الرجوع على مدعيها لأنه أخذ مال غيره ولصاحبها تضمين آخذها فإذا ضمنه لم يرجع على أحد وإن لم يأت أحد يدعيها
فللملتقط مطالبة آخذها لأنه لا يأمن مجئ صاحبها فيغرمه إياها ولأنها أمانة في يده فملك الأخذ من غاصبها كالوديعة.
(فصل) فإن كان الملتقط قد مات واللقطة موجودة قام وارثه مقامه في تعريفها أو إتمامه إن مات قبل إتمام الحول ويملكها بعد إتمام التعريف وإن مات بعد تمام الحول ورثها الوارث كسائر أموال الميت، ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث وإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو بقيمتها إن لم تكن كذلك فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك فإن ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها سواء تلفت بعد الحول بفعله أو بغير فعله لأنها قد دخلت في ملكه بمضي الحول، وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريط فلا ضمان عليه ولا شئ
لصاحبها لأنها أمانة في يده تلفت بغير تفريط فلم يضمنها كالوديعة وكذلك إن تلفت بعد الحول قبل تملكها بغير تفريط عند من يرى أنها لا تدخل في ملكه حتى يتملكها أو أنها لا تملك بحال وقد
مضى الكلام في ذلك، فأما ان لم يعلم تلفها ولا وجدت في تركته فظاهر كلام الخرقي أنه غريم بها سواء كان قبل الحول أو بعده ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شئ ويسقط حق صاحبها لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها لأنه يحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريط فلا تشتغل ذمته بالشك ويحتمل أنه إن كان الموت قبل الحول فلا شئ عليه لأنها كانت أمانة عنده ولم تعلم خيانته فيها والأصل براءة ذمته منها وإن مات بعد الحول فهي في تركته لأن الأصل بقاؤها إلى ما بعد الحول ودخولها في ملكه ووجوب بدلها عليه.
فإن قيل فقد قلتم أن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط إياها أو هبته لم يكن له إلا بدلها فلم قلتم أنها إذا انتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها؟ قلنا لأن الوارث خليفة الموروث وإنما ثبت له الملك فيها على الوجه الذي كان ثابتاً لموروثه وملك موروثه فيها كان مراعى مشروطاً بعدم مجئ صاحبها فكذلك ملك وارثه بخلاف ملك المشتري والمتهب فإنهما يملكان ملكا مستقراً
- (فصل) * قال رحمه الله (ولا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً مسلماً أو كافراً عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها وقيل يضم إلى الفاسق أمين في تعريفها وحفظها) إذا التقط الغني لقطة وعرفها حولاً ملكها كالفقير روي نحو ذلك عن عمر وابن مسعود وعائشة وعلي وابن عباس وعطاء والشعبى والنخعي وطاوس وعكرمة وبه قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال أبو حنيفة ليس له أن يتملكها إلا أن يكون فقيراً من غير ذوي القربى لما روى عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال " من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء " رواه النسائي، قالوا وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة ونقل حنبل عن أحمد مثل هذا القول وأنكره الخلال وقال ليس هذا مذهبا لاحمد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالد " فإن لم تعرف فاستنفقها - وفي لفظ - فشأنك بها - وفي لفظ - وإلا فهي كسبيل مالك " ولأن من ملك بالقرض ملك اللقطة كالفقير ومن جاز له الالتقاط
ملك به بعد التعريف كالفقير ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة لا دليل عليه وبطلانها ظاهر فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى ملكاً وخلقاً قال الله تعالى (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (فصل) ويملك الذمي بالالتقاط كالمسلم وقال بعض أصحاب الشافعي ليس له الالتقاط في دار الإسلام لأنه ليس من أهل الأمانة ولنا أنه نوع اكتساب فكان من أهله كالاحتشاش والاحتطاب وما ذكروه يبطل بالصبي والمجنون فإنه يصح التقاطهما مع عدم الأمانة ومتى عرف اللقطة حولا ملكها كالسلم، وإن علم بها الحاكم أقرها في يده وضم إليه مشرفاً عدلاً يشرف عليه ويعرفها لأننا لا نأمن الكافر على تعريفها ولا نأمن أن نحل في التعريف بشئ من الواجب عليه فيه وأجر المشرف عليه فإذا تم حول التعريف ملكها الملتقط ويحتمل أن تنزع من يد الذمي وتوضع على يدي عدل لأنه غير مأمون عليها
(فصل) ويصح التقاط الفاسق لأنها جهة من جهات الكسب فصح التقاطه كالعدل ولأنه إذا صح التقاط الكافر فالمسلم أولى إلا أن الأولى له ألا يأخذها لأنه يعرض نفسه للأمانة وليس من أهلها وإذا التقطها فعرفها حولاً ملكها كالعدل، وإن علم الحاكم أو السلطان بها أقرها في يده وضم إليه مشرفاً يشرف عليه ويتولى تعريفها كما قلنا في الذمي وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال في الآخر ينزعها من يده ويدعها في يد عدل ولنا أن من خلي بينه وبين الوديعة لم تزل يده عن اللقطة كالعدل والحفظ يحصل بضم المشرف إليه فأما إن لم يكن المشرف حفظها منه انتزعت من يده وتركت في يد العدل فإذا عرفها ملكها الملتقط لوجود سبب الملك منه * (مسألة) * (وإن وجدها صبي أو سفيه قام وليه بتعريفها فإذا عرفها فهي لواجدها) وجملة ذلك أن الصبي والسفيه والمجنون إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها لعموم الأخبار ولأنه نوع تكسب فصح منه كالاصطياد والاحتطاب فإن تلفت في يده بغير تفريط فلا ضمان عليه وإن تلفت بتفريطه ضمنها في ماله وإذا علم بها وليه لزمه أخذها منه لأنه ليس من أهل الحفظ والأمانة فإن تركها في يده ضمنها لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي وهذا يتلف به حقه فإذا تركها في يده كان مضيعاً لها، ويعرفها الولي إذا أخذها لأن واجدها ليس من أهل التعريف فإذا انقضت مدة
التعريف دخلت في ملك واجدها لأن سبب التملك تم بشرطه فثبت الملك له كما لو اصطاد صيداً وهذا مذهب الشافعي إلا أن أصحابه قالوا إذا انقضت مدة التعريف فكان الصبي والمجنون بحيث يستقرض لهما يملكه لهما وإلا فلا وقال بعضهم يتملكه لهم بكل حال لأن الظاهر عدم ظهور صاحبه فيكون تملكه مصلحة له.
ولنا عموم الأخبار ولو جرى هذا مجرى الاقتراض لما صح التقاط صبي لا يجوز الاقتراض له لأنه يكون تبرعاً بحفظ مال غيره من غير فائدة (فصل) قال أحمد في رواية العباس بن موسى في غلام له عشر سنين التقط لقطة ثم كبر فإن وجد صاحبها دفعها إليه وإلا تصدق بها قد مضى أجل التعريف فيما تقدم من السنين ولم ير عليه استقبال أجل التعريف قال وقد كنت سمعته قبل هذا أو بعده يقول في انقضاء أجل التعريف إذا لم يجد صاحبها أيتصدق بمال الغير؟ وهذه المسألة قد مضى نحوها فيما إذا لم يعرف الملتقط اللقطة في حولها الأول فإنه لا يملكها وإن عرفها فيما بعد ذلك لكون التعريف بعده لا يفيد ظاهراً لكون صاحبها ييأس منها ويترك طلبها، وهذه المسألة تدل على أنه إذا ترك التعريف لعذر فهو كتركه لغير عذر لكون الصبي من أهل العذر وقد ذكرنا فيه وجهين فيما تقدم، وقال أحمد في غلام لم يبلغ أصاب عشرة دنانير فذهب بها إلى
منزله فضاعت فلما بلغ أراد ردها فلم يعرف صاحبها تصدق بها فان لم يجد عشرة وكان يجحف به تصدق قليلاً قليلاً قال القاضي هذا محمول على أنها تلفت بتفريط الصبي وهو أنه لم يعلم وليه حتى يقوم بتعريفها
- (مسألة) * (وإن التقطها عبد فلسيده أخذها منه وتركها معه يتولى تعريفها إن كان عدلاً فإن لم يأمن العبد سيده عليها لزمه سترها عنه فإن أتلفها قبل الحول فهي في رقبته وإن أتلفها بعده فهي في ذمته) يصح التقاط العبد بغير إذن سيده وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر لا يصح التقاطه لأن اللقطة في الحول الأول أمانة وولاية وفي الثاني تملك والعبد ليس من أهل الولايات ولا التملك.
ولنا عموم الخبر ولأن الالتقاط سبب يملك به الصبي ويصح منه فصح من العبد كالاصطياد والاحتطاب ولأن من جاز له قبول الوديعة صح منه الالتقاط كالحر قولهم أن العبد ليس من أهل الولايات والأمانات يبطل بالصبي والمجنون فإنهما أدنى حالاً منه في هذا، وقولهم أن العبد لا يملك ممنوع وان سلما فإنه يتملك لسيده كما يحصل بسائر الاكتسابات ولأن الالتقاط تخليص مال من الهلاك فجاز من العبد بغير إذن سيده كإنقاذ المال الغريق والمغصوب.
إذا ثبت هذا فإن اللقطة تكون أمانة في يد العبد إن تلفت بغير تفريط في حول التعريف لم يضمن فإن عرفها صح تعريفه لأن له قولاً
صحيحاً فصح تعريفه كالحر فإذا تم حول التعريف ملكها سيده لأن الالتقاط كسب العبد وكسبه لسيده فإن علم السيد بلقطة عبده كان له انتزاعها منه لأنها من كسب العبد وللسيد انتزاع كسبه من يده فإن انتزعها بعد أن عرفها العبد ملكها وإن كان لم يعرفها عرفها سيده حولاً وإن كان العبد عرفها بعض الحول عرفها السيد تمامه وللسيد إقرارها في يد العبد إن كان أميناً ويكون مستعيناً بعبده في حفظها كما يستعين به في حفظ ماله، فإن كان العبد غير أمين كان السيد مفرطاً بإقرارها في يده ولزمه ضمانها كما لو أخذها من يده وردها لأن يد العبد كيده وما يستحق بها لسيده وإن أعتق العبد بعد الالتقاط فله انتزاع اللقطة من يده لأنها من كسبه وإكسابه لسيده، ومتى علم العبد أن سيده غير مأمون عليها لزمه سترها عنه ويسلمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان، فإن أتلفها العبد في الحول الأول فهي في رقبته كجناياته وكذلك إن تلفت بتفريطه وإن أتلفها بعده فهي في ذمته إن قلنا إن العبد يملكها بعد التعريف وإن قلنا لا يملكها فهو كما لو أتلفها في حول التعريف ويصح أن ينبني ذلك على استدانة العبد هل تتعلق برقبته أو ذمته؟ على روايتين وقد مر ذكره في الحجر * (مسألة) * (والمكاتب كالحر في اللقطة) لأن المال له في الحال واكتسابه له دون سيده وهي من اكتسابه فإن عجز عاد عبدا وصار حكمه في لقطته حكم العبد، وأم الولد والمدبر والمعلق عتقه بصفة كالقن ومن بعضه حر إذا التقط لقطة فهي بينه وبين سيده إذا لم يكن بينهما مهايأة كالحرين إذا
التقطا لقطة وإن كان بينهما مهايأة لم تدخل في المهايأة في أحد الوجهين لأنها كسب نادر لا يعلم وجوده ولا يظن فلم يدخل في المهايأة كالإرث.
فعلى هذا يكون بينهما والثاني يدخل في المهايأة لأنها من كسبه أشبهت سائر أكسابه فيكون لمن يوجد في يومه وكذلك الحكم في الهدية والوصية وسائر الأكساب النادرة فيها الوجهان، فإن كان العبد بين اثنين شركة فلقطته بينهما على ما ذكرنا فيمن بعضه حر والله أعلم.
باب اللقيط وهو الطفل المنبوذ اللقيط بمعنى الملقوط كالقتيل والجريح والتقاطه واجب لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولأن فيه إحياء نفسه فكان واجباً كإطعامه إذا اضطر وإنجائه من الغرق، وهو من فروض الكفايات اذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وان تركه الجماعة أثموا كلهم إذا تركوه مع إمكان أخذه، وقد روي عن سنين أبي جميلة قال: وجدت ملقوطاً فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال نعم قال: فاذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته، رواه سعيد عن سفيان عن الزهري سمع سنيناً أبا جميلة بهذا وقال وعلينا رضاعه.
- (مسألة) * (وهو حر) اللقيط حر في قول عامة أهل العلم إلا النخعي قال إبن المنذر اجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، روي هذا القول عن عمر وعلي رضي الله عنهما، وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبي والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ومن تبعهم وقال النخعي: إن التقطه للحسبة فهو حر وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له، وهذا قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء ولا يصح في النظر فان الأصل في الآدميين الحرية فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحراراً وإنما الرق لعارض فاذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل