الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 299-332
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ولنا أنه حفظها بما يحفظ به ماله أشبه ما إذا حفظها بنفسه وكما لو دفع الماشية إلى الراعي أو البهيمة إلى غلامه ليسقيها، ويفارق الأجنبي فإن دفعها إليه لا يعد حفظاً منه

(مسألة) (وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن وليس للمالك مطالبة الأجنبي وقال القاضي له ذلك)

إذا دفع الوديعة إلى غيره لغير عذر فعليه الضمان بغير خلاف في المذهب إلا أن يدفعها إلى من جرت عادته بحفظ ماله وقد ذكرناه في المسألة قبلها وذكرنا الخلاف فيه، وقال شريح ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه واسحاق متى دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن، وقال ابن أبي ليلى لا ضمان عليه لأن عليه خفظها وإحرازها وقد أحرزها عند غيره وحفظها به ولأنه يحفظ ماله بإيداعه فإذا أودعها فقد حفظها بما يحفظ به ماله فلم يضمنها كما حفظها في حرزه

ولنا أنه خالف المودع فضمنها كما لو نهاه عن إيداعها فإنه أمره بحفظها بنفسه فلم يرض لها غيره فإن فعل فتلفت عند الثاني مع علمه بالحال فله تضمين أيهما شاء لأنهما متعديان، ويستقر ضمانها على الثاني لأن التلف حصل عنده وقد دخل على أنه يضمن وإن لم يعلم الحال فله تضمين الأول، وليس للأول الرجوع على الثاني لأنه دخل معه في العقد على أنه أمين لا ضمان عليه، وإن أحب المالك تضمين الثاني فليس له تضمينه في ظاهر كلام أحمد قاله القاضي لأن أحمد ذكر الضمان على الاول فقط وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه قبض قبضاً موجباً للضمان على الأول فلم يوجب ضماناً آخر، ويفارق القبض من الغاصب فإنه لم يوجب الضمان على الغاصب إنما لزمه الضمان بالغصب.
قال شيخنا ويحتمل أن له تضمين الثاني أيضاً وهو قول القاضي ومذهب الشافعي لأنه قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه ولم يأذن له مالكه فيضمنه

كالقابض من الغاصب، وذكر أحمد الضمان على الأول لا ينفي الضمان عن الثاني كما أن الضمان يلزم الغاصب ولا ينفي وجوبه على القابض منه، فعلى هذا يستقر الضمان على الأول فإن ضمنه لم يرجع على أحد وإن ضمن الثاني رجع على الأول وهذا القول أقرب الى الصواب وما ذكرنا للقول الأول لا أصل له ثم هو منتقض بما إذا دفع الوديعة إلى إنسان عارية أو هبة (مسألة) (وإن أراد سفراً أو خاف عليها عند ردها إلى مالكها أو وكيله في قبضها إن قدر على ذلك) ولم يجز له دفعها إلى الحاكم ولا الى غيره لأنه ليس للحاكم ولاية على الحاضر فإن فعل ضمنها لانه دفعها إلى غير مالكها بغير إذنه من غير عذر فضمنها كالصورة الأولى

(مسألة) (فإن لم يجده حملها معه إن كان أحفظ لها)

إذا أراد السفر بها وقد نهاه صاحبها عنه ضمنها لمخالفته وإن لم ينهه لكن الطريق مخوف أو البلد الذي يسافر إليه مخوف ضمنها لأنه فرط في حفظها، وإن لم يكن كذلك فله السفر بها نص عليه أحمد سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي إن سافر بها مع القدرة على صاحبها أو وكيله أو الحاكم أو أمين ضمنها لأنه سافر بها من غير ضرورة أشبه ما لو كان السفر مخوفاً ولنا أنه نقلها إلى موضع مأمون فلم يضمها كما لو نقلها إلى البلد ولأنه سافر بها سفراً غير مخوف أشبه ما لو لم يجد أحداً يدعها عنده.
قال شيخنا ويقوى عندي أنه متى سافر بها مع القدرة على مالكها أو وكيله فيها بغير إذنه فهو مفرط عليه الضمان لأنه يفوت على صاحبها إمكان استرجاعها ويخاطر بها فإن النبي صلى

الله عليه وسلم قال " المسافر وماله على قلت ألا ما وقى الله " أي على هلاك ولا يلزم من الإذن في إمساكها على وجه لا يتضمن هذا الخطر ولا يفوت إمكان ردها على صاحبها الإذن فيما يتضمن ذلك فأما مع غيبة المالك ووكيله فله السفر بها إذا كان أحفظ لها لأنه موضع حاجة فيختار ما فيه الحظ وهذا الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح.

(مسألة) (فإن لم يجد صاحبها ولا وكيله فله دفعها إلى الحاكم سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن)

لأنه متبرع بإمساكها فلا يلزمه استدامته والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته فإن أودعها مع قدرته على الحاكم ضمنها لأن غير الحاكم لا ولاية له، ويحتمل أن يجوز له إيداعها لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها وإن لم يقدر على الحاكم فأودعها ثقة لم يضمنها لأنه موضع حاجة، وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أنه

يضمنها ثم تأول كلامه على أنه أودعها من غير حاجة أو مع قدرته على الحاكم

(مسألة) (فإن تعذر ذلك أودعها ثقة أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار فإن دفنها ولم يعلم بها أحداً أو أعلم بها من لا يسكن الدار ضمنها)

إذا دفنها في موضع وأعلم بها ثقة يده على الموضع وكانت مما لا يضرها الدفن فهو كإيداعها عنده، وإن لم يعلم بها أحداً ضمنها لأنه فرط في حفظها فإنه لا يأمن أن يموت في سفره فلا تصل إلى صاحبها وربما نسي مكانها أو أصابها آفة من هدم أو حرق أو غرق فتضيع، وإن أعلم بها غير ثقة ضمنها لأنه ربما أخذها وكذلك إن أعلم بها ثقة لا يدله على المكان لأنه لم يودعها إياه ولا يقدر على الاحتفاظ بها.
(فصل) وإن حضره الموت فحكمه حكم السفر على ما مضى من أحكامه إلا في أخذها معه لأن كل واحد منهما سبب لخروجها عن يده

(مسألة) (وإن تعدى فيها فركب الدابة لغير نفعها ولبس الثوب أو أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة ضمن لتعديه ولم يزل عنه الضمان بردها)

وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لأنه ممسك لها بإذن مالكها فأشبه ما قبل التعدي ولنا أنه ضمنها بعدوان فبطل الاستئمان كما لو جحدها ثم أقر بها وبهذا يبطل ما ذكره

(مسألة) (فإن جحدها ثم أقر بها فتلفت ضمنها)

لانه بجحدها خرج عن الاستئمان عليها فلم يزل عنه الضمان بالاقرار بها لأن يده صارت يد عدوان

(مسألة) (فإن كسر ختم كيسها أو كانت مشدودة فحل الشد ضمن)

سواء أخرج منها شيئاً أو لم يخرج لأنه هتك الحرز بفعل تعدى به فإن خرق الكيس فوق

الشد فعليه ضمان ما خرق خاصة لأنه ما هتك الحرز وقال أبو حنيفة إذا كسر ختم الكيس لم يلزمه ضمان الوديعة لأنه لم يتعد في غيره ولنا أنه هتك حرزها فضمنها إذا تلفت كما لو أودعه إياها في صندوق مقفل ففتحه وتركه مفتوحاً ولا نسلم أنه لم يتعد في غير الختم

(مسألة) (وإن خلطها بما لا تتميز منه ضمنها)

إذا خلطها بما لا تتميز منه من ماله أو من مال غيره ضمنها سواء خلطها بمثلها أو دونها أو أجود من جنسها أو من غير جنسها مثل إن يخلط الدراهم بدراهم أو دهنا بدهن كالزيت بالزيت أو السمن أو بغيره

وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال ابن القاسم إن خلط دراهم بدراهم على وجه الحرز لم يضمن وحكي عن مالك لا يضمن إلا أن تكون دونها لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة ولنا أنه خلطها بماله خلطاً لا يتميز فوجب أن يضمنها كما لو خلطها بدونها ولأنه إذا خلطها بما لا يتميز فقد فوت على نفسه إمكان ردها فلزمه ضمانها كما لو ألقاها في لجة بحر فإن أمره صاحبها بخلطها بماله أو بغيره ففعل ذلك فلا ضمان عليه لأنه فعل ما أمر به فكان نائباً عن المالك فيه وقد نقل مهنا عن أحمد في رجل استودع عشرة دراهم واستودعه آخر عشرة وأمره أن يخلطها فخلطها فضاعت الدراهم فلا شئ عليه، فإن أمره أحدهما بخلط دراهمه ولم يأمره الآخر فعليه ضمان دراهم من لم يأمره دون الاخرى، وإن اختلطت هي بغير تفريط منه فلا ضمان عليه كما لو تلفت بغير تفريطه وإن خلطها عيره

فالضمان على من خلطها لأن العدوان منه أشبه ما لو أتلفها (مسألة) (وإن خلطها بتمييز أو ركب الدابة ليسقيها لم يضمن أما إذا خلطها بما تتميز منه مثل أن خلط دراهم بدنانير لم يضمن) لأنها تتميز منها فلا يعجز بذلك عن ردها فلم يضمنها كما لو تركها في صندوق فيه أكياس له وبهذا قال الشافعي ومالك ولا نعلم فيه خلافاً وكذلك الحكم اذا خلط بيضاً بسود وقد حكي عن أحمد فيمن خلط دراهم بيضا بسود يضمنها ولعله قال ذلك لكونها تكتسب منها سواداً ويتغير لونها فتنقص قيمتها فإن لم يكن فيه ضرر فلا ضمان عليه وإن ركب الدابة ليسقيها أو يعلفها لم يضمن لأن ركوبها لذلك مأذون فيه عرفاً وشرعاً لأنه مأذون له في سقيها كما لو أذن له في علفها والعادة أن

من يسقيها يركيها فالاذن في السقي إذن في الركوب المعتاد ولهذا لو قال لوكيله اسق الدابة فإنه يفهم منه اركبها له) (مسألة) (وإن أخذ درهما ثم رده فضاع الكل ضمنه وحده اختاره الخرقي وعنه يضمن الجميع وجملة ذلك أن من أودع شيئاً فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذ لتعديه فإن رده أو مثله لم يزل عنه وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا ضمان عليه إذا رده أو مثله وقال أصحاب الرأي إن لم ينفق ما أخذه ورده لم يضمن وإن أنفقه ثم رده أو مثله ضمن ولنا أن الضمان تعلق بذمته بالأخذ بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالغصوب، فأما سائر الوديعة فينظر فيه فإن لم تكن الدراهم في كيس أو كانت في كيس غير مشدود أو كانت ثياباً فأخذ منها واحداً ثم رده بعينه لم يضمن غيره لأنه لم يتعد في غيره وكذلك

إن رد بدله متميزاً لما ذكرنا وإن لم يكن متميزاً فظاهر كلام الخرقي أنه لا يضمن غيره لأن التعدي اختص به فاختص الضمان به وخلط المردود بغيره لا يقضي ضمان الجميع لأنه يجب رده معها فلم يفوت على نفسه إمكان ردها بخلاف ما إذا خلطه بغيره، ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها ولم يأمره برد بدله فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه وقال القاضي يضمن الكل وهو قول الشافعي لأنه خلط الوديعة بما لا تتميز منه فضمن الكل كما لو خلطها بغير البدل، وقد ذكرنا فرقا بين البدل وغيره فلا يصح القياس، وإن كانت الدراهم في كيس مختوم أو مشدود فكسر الختم أو حل الشد ضمنها وقد ذكرناه (فصل) وإذا ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم ردها إلى صاحبها زال عنه الضمان فإن ردها

صاحبها إليه فهو ابتداء استئمان وإن لم يردها إليه ولكن جدد له الاستئمان أو أبرأه من الضمان برئ في ظاهر المذهب لأن الضمان حقه فإذا أبرأه منه برئ كما لو أبرأه من دين في ذمته وإذا جدد له استئمانا فقد انتهى القبض المضمون به فزال الضمان وقد قال أصحابنا إذا رهن المغصوب عند الغاصب أو أودعه عنده زال عنه ضمان الغصب فههنا أولى

(مسألة) (وإن أودعه صبي وديعة ضمنها ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليه)

وجملة ذلك أنه لا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف فإن أودع طفل أو معتوه إنساناً وديعة ضمنها بقبضها لأنه أخذ ما له بغير إذن شرعي أشبه ما لو غصبه، ولا يزول الضمان عنه بردها إليه وإنما يزول بدفها إلى وليه الناظر في ماله، فإن كان الصبي مميزاً صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه لأنه كالبائع بالنسبة إلى ذلك فإن خاف أنه إذا لم يأخذه منه أتلفه لم يضمنه بأخذه لأنه قصد تخليصه من الهلاك فلم يضمنه كما لو وجده في سيل فأخرجه منه

(مسألة) (وإن أودع الصبي أو المعتوه وديعة فتلفت بتفريطه لم يضمن فإن أتلفها أو أكلها ضمنها في قول القاضي)

وظاهر مذهب الشافعي، ومن أصحابنا من قال لا ضمان عليه وهو قول أبي حنيفة لأنه سلطه على إتلافها بدفعها إليه فلا يلزمه، ألا ترى أنه إذا دفع إلى صغير سكيناً فوقع عليها كان ضمانه على عاقلته ولنا أن ما ضمن بإتلافه قبل الإيداع ضمنه بعد الإيداع كالبالغ ولا يصح قولهم إنه سلطه على إتلافها وإنما استحفظه إياها، وفارق دفع السكين فإنه سبب للإتلاف ودفع الوديعة بخلافه

(مسألة) (وإن أودع عبداً وديعة فأتلفها خرج على الوجهين في الصغير)

إذا تلفت الوديعة فإن قلنا لا يضمن الصبي كانت في ذمته وإن قلنا يضمن كانت في رقبته

(فصل) وإذا أودعه شيئاً ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ذلك فلم يفعل حتى تلف ضمنه ولا نعلم خلافاً في وجوب رد الوديعة على مالكها إذا طلبها فأمكن أداؤها إليه بغير ضرورة وقد أمر الله تعالى بذلك فقال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " يعني عند طلبها ولأنها حق لمالكها لم يتعلق بها حق غيره فلزم أداؤها إليه كالمغصوب والدين الحال فإن امتنع من دفعها في هذه الحال فتلفت ضمنها لأنه صار غاصباً لأنه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم أشبه الغاصب فأما إن طلبها في وقت لم يمكن دفعها لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعدياً بترك تسليمها لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها فإن تلفت لم يضمنها لعدم عدوانه وإن قال أمهلوني حتى أقضي صلاتي أو آكل فإني جائع أو أنام فإني ناعس أو ينهضم عني الطعام فإني ممتلئ أمهل بقدر ذلك

(فصل) وليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحملها مؤنة قلت المؤنة أو كثرت لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص فلم تلزمه الغرامة عليها كما لو وكله في حفظها في ملك صاحبها وإنما عليه التمكين من أخذها، فإن سافر بها بغير إذن ربها ردها إلى بلدها لأنه بعدها بغير إذن ربها فلزمه ردها كالغاصب (فصل) إذا مات الرجل وثبت إن عنده وديعة لم توجد بعينها فهي دين عليه تغرم من تركته فإن كان عليه دين سواها فهما سواء إن وفت تركته بهما وإلا اقتسماها بالحصص وبه قال الشعبي والنخعي وداود وابن ابي هند ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه واسحاق وروي ذلك عن شريح ومسروق وعطاء وطاوس والزهري وابي جعفر محمد بن علي وروي عن النخعي الأمانة قبل الدين وقال الحارث العكلي الدين قبل الأمانة

ولنا أنهما حقان وجبا في ذمته فتساويا كالدينين وسواء وجد في تركته من جنس الوديعة أو لم يوجد وهذا إذا أقر المودع أن عندي وديعة أو علي وديعة لفلان أم ثبتت بينة أنه مات وعنده وديعة فأما إن كانت عنده وديعة في حياته ولم توجد بعينها ولم يعلم هل هي باقية عنده أو تلفت؟ ففيه وجهان (أحدهما) وجوب ضمانها لأن الوديعة يجب ردها إلا أن يثبت سقوط الرد بالتلف من غير تعد ولم يثبت ذلك ولأن الجهل بعينها كالجهل بها وذلك لا يسقط الرد (والثاني) لا ضمان عليه لأن الوديعة أمانة والأصل عدم إتلافها والتعدي فيها فلم يجب ضمانها وهذا قول ابن أبي ليلى وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي والأول ظاهر المذهب لأن الأصل وجود الرد فيبقى عليه ما لم يوجد ما يزيله (فصل) قال الشيخ رحمه الله والمودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من رد أو تلف أو إذن في

دفعها إلى إنسان إذا ادعى المستودع تلف الوديعة فالقول قوله بغير خلاف قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله وقال أكثرهم مع يمينه وإن ادعى ردها على صاحبها فالقول قوله مع يمينه وبه قال الثوري والشافعي واصحاب الرأي واسحاق وبه قال مالك إن كان دفعها إليه بغير بينة وإن كان أودعه إياها ببينة لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة وحكاه القاضي أبو الحسين رواية عن أحمد ولنا أنه أمين لا منفعة له في قبضها فقبل قوله في الرد بغير بينة كما لو أودع بغير بينة وإن قال دفعتها إلى فلان بأمرك فأنكر مالكها الاذن في دفعها فالقول قول المودع نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو قول ابن أبي ليلى وقال مالك والثوري والعنبري وأصحاب الرأي القول قول المالك لأن الأصل عدم الإذن وله تضمينه

ولنا أنه ادعى دفعاً يبرأ به من الوديعة فكان القول قوله كما لو ادعى ردها على مالكها ولو اعترف المالك بالاذن ولكن قال لم يدفعها فالقول قول المستودع أيضاً ثم ينظر في المدفوع إليه فإن أقر بالقبض وكان الدفع في دين فقد برئ الكل وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه وقد ذكر أصحابنا أن الدافع يضمن لكونه قضى الدين بغير بينة ولا يجب اليمين على صاحب الوديعة لأن المودع مفرط لكونه أذن له في قضاء يبرئه من الحق ولم يبرأ بدفعه فكان ضامنا سواء صدقه أو كذبه وإن أمره بدفعه وديعة لم يحتج إلى بينة لأن المودع يقبل قوله في التلف والرد فلا فائدة في الإشهاد عليه فعلى هذا يحلف المودع ويبرأ ويحلف الآخر ويبرأ أيضاً ويكون ذهابها من مالكها وإن ادعى عليه خيانة أو تفريطاً فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم ذلك اشبه الوكيل

(مسألة) (وإن قال لم تودعني ثم أقر بها أو ثبتت ببينة ثم ادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله وإن أقام بينة ويحتمل أن تقبل بينته)

إذا ادعى على رجل وديعة فأنكر ثم ثبت أنه أودعه فقال أودعتني وهلكت من حرزي لم يقبل قوله وعليه ضمانها وبهذا قال مالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة وإن أقر صاحبها له بتلفها من حرزه قبل جحدها فلا ضمان عليه وإن أقر أنها تلفت بعد جحوده لم يسقط عنه الضمان لأنه خرج بجحوده عن الأمانة فصار ضامنا كمن طولب بالوديعة فامتنع من ردها وكذلك إن أقام بينة بتلفها بعد الجحود لذلك وإن شهدت بتلفها قبل الجحود من الحرز فهل تسمع بينته؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تسمع لأنه مكذب لها بإنكاره الإيداع (والثاني) تسمع

لأن صاحبها لو أقر بذلك سقط عنه فتسمع البينة به فإن شهدت بالتلف من الحوز ولم تعين الجحود ولا بعده واحتمل الأمرين لم يسقط الضمان لأن الأصل وجوبه فلا ينتفي بأمر متردد (مسألة) (وإن قال مالك عندي شئ قبل قوله في الرد والتلف) إذا قامت بينة بالابداع أو أقر به المودع بعد قوله مالك عندي شئ اولا حق لك علي ثم قال ضاعت من حرزي كان القول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة ولا يكذبها فإن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه لا شئ لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئاً (فصل) فإن نوى الخيانة في الوديعة بالجحود أو الاستعمال ولم يفعل ذلك لم يصر ضامناً لأنه لم

يحدث في الوديعة قولا ولا فعلا فلم يضمن كما لو لم ينو وقال ابن شريح يضمن لأنه أمسكها بنية الخيانة فضمنها كاللقطة بقصد التمليك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به " ولأنه لم يخن فيها بقول ولا فعل فلم يضمنها كالذي لم ينو وفارق الملتقط بقصد التمليك فإنه عمل بها بأخذها ناوياً للخيانة فيها فوجب الضمان بفعله المنوي لا بمجرد النية ولو التقطها قاصداً لتعريفها ثم نوى بعد ذلك إمساكها لنفسه كانت كمسئلتنا وإن أخرجها بنية الاستعمال فلم يستعملها ضمنها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يضمنها إلا بالاستعمال لأنه لو أخرجها لنقلها لم يضمنها ولنا أنه تعدى بإخراجها أشبه ما لو استعملها بخلاف ما إذا نقلها

(مسألة) (وإن مات المودع فادعى وارثه التسليم لم يقبل إلا ببينة)

لأن صاحبها لم يأتمنه عليها فلا يقبل قوله عليه بخلاف المودع فإنه ائتمنه فقبل قوله بغير بينة

(مسألة) (فإن تلفت عنده قبل إمكان ردها لم يضمنها)

لأنه لا تفريط منه ولا تعد وإن كان بعد الإمكان فتلفت ففيه وجهان (أحدهما) يضمنها لتأخر ردها مع إمكانه والآخر لا يضمنها لأنه غير متعد في إثبات يده عليها إنما حصلت في يده بغير فعله (فصل) إذا مات المودع وعنده وديعة معلومة بعينها فعلى وارثه تمكين صاحبها من أخذها فان لم

يفعل ضمن كالمودع فإن لم يعلم صاحبها بموت المودع فعلى الورثة إعلامه وليس لهم إمساكها قبل أن يعلم بها ربها لأنه لا يأتمنهم عليها وإنما حصل مال غيرهم بأيديهم بمنزلة من أطارت الريح إلى داره ثوباً وعلم به فعليه إعلام صاحبه به فإن أحرز ذلك مع الإمكان ضمن كذا هاهنا

(فصل) ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من الميت أو ورثته أو بينة وإن وجد عليها مكتوب وديعة لم يكن حجة عليهم لجواز أن يكون الوعاء كانت فيه وديعة قبل هذه أو كان وديعة لموروثهم عند غيره أو كانت وديعة فابتاعه اوكذلك لو وجد في رزمانج أبيه أن لفلان عندي وديعة كذا لم يلزمه بذلك لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب أو غير ذلك وهذا قول أصحاب الشافعي وحكى القاضي

أبو الحسين أن المذهب وجوب الدفع إلى من هو مكتوب باسمه أومأ إليه أحمد كما لو وجد في رزمانج أبيه ديناً على غيره يخط أبيه كان له أن يعمل على خطه ويحلف على استحقاقه بالخط فإذا وجد ديناً عليه كان الوى وأحوط

(مسألة) (وإن ادعى الوديعة اثنان فأقر بها لأحدهما فهي له مع يمينه)

لأن يده دليل على ملكه بدليل

أنه لو ادعاها لنفسه كان القول قوله فكذلك إذا أقر بها لغيره ويلزمه أن يحلف للآخر لأنه منكر لحقه فإن حلف برئ وإن نكل لزمه أن يغرم له قيمتها لأنه فوقتها عليه وكذلك لو أقر لها بها بعد إن أقر بها للأول فإنها تسلم إلى الأول ويغرم قيمتها للثاني نص عليه أحمد

(مسألة) (وإن أقر بها لهما جميعاً فهي بينهما)

ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في نصفها وإن قال لا أعرف

صاحبها فاعترفا له بجهله بعين المستحق لها فلا يمين عليه وإن ادعيا معرفته لزمته يمين واحدة أنه لا يعلم ذلك وقال أبو حنيفة يحلف يمينين كما لو انكرها ولنا أن الذي يدعي عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة كما لو ادعياها فأقر بها لأحدهما ويفارق ما إذا أنكرهما لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنها له فهما دعويان فإن حلف

اقرع ب ينهما وسلمت إلى من تقع له القرعة وقال الشافعي يتحالفان ويوقف الشئ بينهما حتى يصطلحا وهذا قول ابن أبي ليلى لأنه لا يعلم المالك منهما وللشافعي قول آخر أنها تقسم بينهما كما لو أقر بها لهما وهذا الذي حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى وهو قول أبي حنيفة وصاحببه فيما حكي عنهم قالوا ويضمن المودع نصفها لكل واحد منهما لأنه فوت ما استودع بجهله

ولنا أنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما فوجب أن يقرع بينهما كالعبدين إذا أعتقهما في مرضه فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما أو كما لو أراد السفر بإحدى نسائه، وقول أبي حنيفة لا يصح فإن

العين لم تتلف ولو تلف بغير تفريط منه فلا ضمان عليه وليس في جهله تفريط إذ ليس في وسعه أن لا ينسى ولا يجهل

(مسألة) (ون اودعه الثنان مكيلا أو موزونا فطلب أحدهما نصيبه سلمه إليه) لأن قسمته ممكنة بغير غبن ولا ضرار واختاره أبو الخطاب وفيه وجه آخر أنه لا يجوز في غيبة الشريك الا أن يحكم بها حاكم قاله القاضي

(مسألة) (وإن غصبت الوديعة فهل للمودع المطالبة بها؟ على وجهين)

(أحدهما) له المطالبة بها لأنه

مأمور بحفظها وذلك من حفظها (والثاني) ليس له ذلك لأنه لم يؤمر به ولا ضمان على المودع سواء أخذت من يده قهراً أو أكره على تسليمها فسلمها بنفسه لأن الإكراه عذر له يبيح دفعها فلم يضمنها كما لو أخذت من يده قهراً والله سبحانه وتعالى أعلم

(

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
(مسألة) (وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن وليس للمالك مطالبة الأجنبي وقال القاضي له ذلك)(مسألة) (فإن لم يجده حملها معه إن كان أحفظ لها)(مسألة) (فإن لم يجد صاحبها ولا وكيله فله دفعها إلى الحاكم سواء كان به ضرورة إلى السفر أو لم يكن)(مسألة) (فإن تعذر ذلك أودعها ثقة أو دفنها وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار فإن دفنها ولم يعلم بها أحداً أو أعلم بها من لا يسكن الدار ضمنها)(مسألة) (وإن تعدى فيها فركب الدابة لغير نفعها ولبس الثوب أو أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها ثم ردها إلى موضعها بنية الأمانة ضمن لتعديه ولم يزل عنه الضمان بردها)(مسألة) (فإن جحدها ثم أقر بها فتلفت ضمنها)(مسألة) (فإن كسر ختم كيسها أو كانت مشدودة فحل الشد ضمن)(مسألة) (وإن خلطها بما لا تتميز منه ضمنها)(مسألة) (وإن أودعه صبي وديعة ضمنها ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليه)(مسألة) (وإن أودع الصبي أو المعتوه وديعة فتلفت بتفريطه لم يضمن فإن أتلفها أو أكلها ضمنها في قول القاضي)(مسألة) (وإن أودع عبداً وديعة فأتلفها خرج على الوجهين في الصغير)(مسألة) (وإن قال لم تودعني ثم أقر بها أو ثبتت ببينة ثم ادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله وإن أقام بينة ويحتمل أن تقبل بينته)(مسألة) (وإن مات المودع فادعى وارثه التسليم لم يقبل إلا ببينة)(مسألة) (فإن تلفت عنده قبل إمكان ردها لم يضمنها)(مسألة) (وإن ادعى الوديعة اثنان فأقر بها لأحدهما فهي له مع يمينه)(مسألة) (وإن أقر بها لهما جميعاً فهي بينهما)(مسألة) (وإن غصبت الوديعة فهل للمودع المطالبة بها؟ على وجهين)
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل